متاهة مشاعر الجزء الثالث
أغمضت عينيها تحاول حبس آلامها مع دموعها:
ـ وأنا مقدرة ده كله..
قاطعها قائلاً بغضب:
ـ عارف أن الفلوس قليلة وأنه ناقصك كتير.. وعارف أني مقصر.. كفاية أني مش قادر أعملك بيت ليكي لوحدك.. يكون بتاعك.. بس أنا حاسس أني باحرت في بحر.. شغل ليل ونهار من غير فايدة.. بس اعمل ايه؟.. قولي الحل؟..
حاولت مقاطعته لكنه أكمل بغضب حاد:
ـ والحل مش السكن في أوضة فوق سطوح.. ده حل ما ينفعنيش.. وما تقوليش أني مرفه أو بدور على الحاجة السهلة.. لأني لو كنت كده, كنت قبلت..
قطع كلماته فجأة وعاد ينفث أنفاسًا غاضبة.. مما جعل منى تسأله بوجل:
ـ كنت قبلت إيه يا حسن؟.. أنت مخبي عني حاجة؟..
أشاح بوجهه عنها:
ـ ما فيش يا منى.. أنا اتأخرت ولازم أنزل الشغل..
هتفت به:
ـ حسن ما تهربش مني..
ـ أنا ما بهربش.. بس اتأخرت.. الساعتين اللي ضيعتهم على حاجة مالهاش لازمة.. هعوضهم أربع ساعات في المكتب..
صرخت بغضب وصوتها يرتفع للمرة الأولى:
ـ لا مش هتنزل.. مش هتنزل إلا لما أعرف.. أنت مخبي عني إيه..
رد بحزم غاضب:
ـ صوتك عالي يا منى..
ـ أيوه يا حسن.. لازم يعلى علشان تسمعني..
ارتفعت نبرة صوته قليلاً:
ـ سامع.. وعارف وفاهم.. وبطحن في الصخر عشان أوفرلك..
قاطعته غاضبة:
ـ ما تقولش أوفرلك.. زي ما أكون باتعمد اطلب منك طلبات فوق طاقتك.. أنت اللي..
سكتت وأمسكت لسانها.. فقد أوشكت على اتهامه بانعدام المسئولية.. والدلال.. لكنه فهم ما كانت تنوي قوله.. فرمقها غاضباً:
ـ أنا اللي..!!.. بعد ده كله أنا اللي… وهو عشان أثبت لك رجولتي.. وتحملي للمسئولية لازم أوافق أعيش في..
كان دوره ليسكت.. هو الآخر.. فهو كان على وشك إهانتها وإهانة المكان الذي يقيم به والدها.. ومن الألم البادي في عينيها.. أدرك أنها فهمت ما لم يقله.. فهمس معتذراً وهو يمد يده لها بتوسل:
ـ منى..
لكنها نفضت يده بعيداً وهي تخبره بجمود:
ـ أنت اتأخرت على شغلك يا حسن..
عاد يهمس:
ـ خلينا نتفاهم..
أجابت وهي على نفس جمودها:
ـ مع السلامة يا حسن..
تركها وخرج بسرعة ولأول مرة يتجاهل معانقتها قبل خروجه.. ابتسمت بحزن وهي تعود لواقعها.. فحسن مازال على عناده وغضبه ورفضه للخضوع للواقع نهائياً.. وهي.. رغم ذلك الهاجس الذي بدأ يراودها بأنه بدأ يمل.. ييأس.. يتسرب من بين يديها.. إلا أنها قررت ألا تبادر بمراضته تلك المرة.. ليس قبل أن يختار على أرض الواقع ماذا يريد بالفعل..