عشق القلوب الجزء الثاني سهام صادق
الــــفــــصــــل الـــــخـــــامــــس عـــــشـــــر
وقف يراقب فرحتها بذلك العُقد الماسي، فأنتبهت ريما لوجوده ونظراته الحنونة، وتقدمت نحوه بسعادة قائلة:
ريما: ده جميل أوي يامراد. وعانقته بألفة قوية وتمايلت بين أحضانه: ربنا يخليك ليا.
فأبتسم مراد بسعادة وأبتعد عنها ليقول: سامحيني حياتي، مش هقدر أقعد في أمريكا أكتر من كده، أشغالي في الإمارات بقت كتير ولازم أرجع ريما.
سارت نحوه بحب قائلة: أنا في الأول كنت خايفة منك تاخدني بلدك وتعمل فيا زي.. فوضع بكفه على شفتيها كي لا تكمل باقي حديثها، ولكنها ابتعدت عنه وأكملت بأعين دامعة:
ريما: مش بحب أفتكره، منه لله، ربنا يسامحه، لولاك ماكنتش هعرف أطلق منه، إنسان زبالة مبيحبش غير نفسه، رماني في النار بسبب غبائي وإني وثقت فيه وفي حبه.
ثم قالت بغصة في حلقها: من ساعة ما دخلت حياتي، وأول مرة تندهلي بأسمي ديما بتناديني بأسم حبيبتك اللي..
ليتذكر مراد بألم حبيبته وخطيبته نادية التي قد توفت في حادث شنيع في إحدى سفرياتهم سوياً منذ عامين، وظل ذكراها عالقاً بقلبه وعقله إلى أن…
ويبتسم مراد بسعادة قائلاً: ريما تتجوزيني؟ والمرادي بقولها وأنا فايق مش سكران وبقول ريما.
فيتعلثم الحديث بين ثنايا كلامها، فيتابع حديثه: هنرجع بلدي وأعرفك على عيلتي هيحبوكي كتير ريما، عايز أبدأ معاكي من جديد وننسي اللي فات من حياتنا.
………………………………………….. …………..
مازالت بطلتنا طفلة صغيرة تلهو في حب فارسها، ليضحك هو على أفعالها في تلك الحجرة المخصصة لممارسة الرياضة وتحتوي أيضاً على مسبح صغير.
يوسف: بتعملي إيه يامريم؟
لتهدئ من سرعة المشاية الكهربائية قائلة بتعب: بلعب رياضة، أنت مش شايف تخنت إزاي؟
فيقترب منها واضعاً يده على بطنها التي بدأت بالظهور قائلاً: أخبار آسر إيه حبيب بابا وماما الهبلة؟
لتتحكم في غضبها.. حتى يقول معتذراً: أيوه هبلة ياحبيبتي، أنتي ناسيه الدكتور محذرك إزاي من أي مجهود؟
ويقطع حديثهم رنين هاتفه ليبتسم لها بسعادة: ديه نهال.
فتبادلة الابتسامة بسعادة.. حتى يهمس لها قائلاً: بحبك.
ويحادث أخته.
يوسف: عاملة إيه ياحبيبتي؟ بجد يانهال فكرتي في عرض الشغل وهتيجي كندا؟ يااا ده أنا مبسوط أوي بالخبر ده.
وينهي حديثه مع أخته ويحتضن زوجته.
يوسف: أخيراً هقدر أعملها حاجة عشان أعوضها، لتتمايل هذه العاشقة بين أحضانه فيحادث نفسه قائلاً: مش عارف هتسامحيني إزاي يامريم لما تعرفي إني أنا اللي خبطك بالعربية، وإني عارف طريق أهلك وببعدك عنهم بالسفر، وببعدك عن كل الناس عشان متعرفيش حقيقة جوزك يوسف أدورد.. اللي فكراه مسلم وهو مسلم بالاسم بس.. ليتذكر حديث أمجد.
لازم تعلن إسلامك أنت مسلم يايوسف، ومش عشان تحافظ على إمبراطورية أدورد باشا الضخمة وعلاقاتك تخفي ديانتك الحقيقية، ويرسل له إحدى الصور بعدما انتهت محادثتهم ليوثقها قائلاً: أكيد مش ناسي حفلة أمبارح، والكأس اللي أنت ومارسيليا كنتوا بتشربوه سوا احتفالاً بصفقتكم الجديدة ودعمهم ليك في البرلمان الأوروبي، أنت مش عايز تخسر سلطتك وإمبراطوريتك بسبب الإسلام اللي في مجتمعك العقيم بيرفضوا نجاحنا فيه، ولا عايز تخسر مريم اللي بقيت عازلها عن العالم وعازل الناس كلهم عنها اللي فكرنها حالة من الحالات اللي بتساهم بمراعتها مؤسسات أدورد الخيرية.
فيمر على ذهنه ذلك المنشط الصحفي في إحدى الجرائد الكبرى عندما علموا برفقته لها في أحد المطاعم مصادفة في تلك الليلة التي اصطحبها بها هي وياسين الصغير للتنزه قبل سفرهم إلى باريس.. وكان رد المتحدثين بالاسم عنه: إنها حالة من المغتربين ذات أصول أفريقية تستحق الدعم وأن رئيسهم يدعمها بكرمه.. فيغمض عيونه بألم ويتذكر عند علم البرلمان والأحزاب التي تدعمه بذلك.
وكان رده: إنها حالة تستحق الشفقة وليست زوجته!
ويقطع شروده حديثها.
مريم: يوسف أنت سرحت في إيه؟
………………………………………….. ……………..
جلس جون يتابع أعماله بسعادة بالغة وهو يرى كم المشاهدات التي تتخطى نسبة عالية من شباب عربي يتابعون المقاطع المحرمة التي تثير شهواتهم، وضغط على زر حاسوبه ليرسل أحد المقاطع الجديدة وهو يضحك بقوة.
جون: أحسنتم ياشباب العرب، وصارت السعادة تتراقص أكثر بقلبه وهو يضغط على كلمة شباب المسلمين.. ليبث فيديو آخر ولكن بغفلة منه بدلاً من أن يفتح مقطعه الخاص ليتأكد من كل محتوياته.. جاء إلى أذنه ذلك الصوت.. (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) لتقف جميع حواسه وهو يسمع قول الله تعالى بصوت الشيخ (ماهر المعيقلي) حتى انتهت سورة (يوسف) دون أن يشعر، ليغلق حاسوبه ويندهش مما حدث له، فلأول مرة يشعر بأن قلبه قد تزلزل من شيء وخاصة من ذلك الدين الذي يبغضه.
………………………………………….. …………….
ظل ينظر لها وهي نائمة، لينتظر سماع اسمه مرة أخرى من على شفتي زوجته، فمنذ أكثر من 3 أشهر سمعها وهي تخاطبه في أحلامها، لم يصدق يوماً أن تعشق زوجته رجلاً آخر، ولكن كل ما أعاده عليه عقله منذ أتى بها إلى كندا ورؤيتها ليوسف واهتمامها بكل ما يخصه إلى أن تزوج مريم وأمقاتها لها، وحتى عندما سافر أصبحت دائماً تهوى دائماً الخناق.. إلى أن طلبت منه منذ أسبوعاً أن تذهب إلى باريس بحجة أنها أشتاقت إلى مريم وأنها قد اختنقت من هنا وتريد عطلة ترتاح بها.
فتفتح عيناها لتقول بنعاس.. سالي: أنت لسه صاحي يا أمجد؟
لينتبه أمجد لها قائلاً: متشغليش بالك بيا.
فتدللت عليه مثلما تفعل: إزاي مشغلش بالي بيك ياحبيبي؟
فرمقها بنظرة أصبح دائماً يرمقها بها منذ أن احتل الشك قلبه ونهض من على فراشهما وخرج من غرفتهما تماماً وهو يحمد الله بأن طفلهم الآخر الذي كان ينمو في أحشائها لم يشاء الله بقدومه، ليذهب إلى طفله ياسين ويسترقي النظر في أغلى ثمرة قد طرحها ذلك الزواج الفاشل.
ليضحك على مقولة صديقه منذ سبعة أعوام عندما قال له: هو أنا لازم أتجوز اللي بحبها، ماعادي ممكن أتجوز أي بنت تنفع للجواز وأنتقل معاها من حالة العزوبية إلى الحالة الثانية وأنت فهمني.. فيتذكر غمزة صديقه له بعد ذلك الحديث.
ليرد عليه.
أمجد: يعني هو الجواز عندك انتقال مراحل بس، مفيش أحلام بتبنيها مع شريكة حياتك.. مفيش بذرة عايز ترميها صح عشان تعرف تحصد، مافيش خيال عيشته وأنت بتتخيل إيديكم ممسوكة ببعض ومتبتة ونظرتكم راضية للي وصلتوله من حب، مافيش ولاد شوفت فيهم حصادك.. مافيش دعوة تخيلت تسمعها من على لسانها، أو طيبة تخيلت أنك تلمحها في قلبها… تخيلت بس الرغبة وأنه جواز والسلام.
فيكون رد ذلك الصديق.. ضحكة ساخرة وهو يقول: كل ده كلام وأحاسيس أفلام وروايات يا أمجد، وأنا بكره هخطب بنت واحد قريبنا.. أمي اختارتهالي وخلاص وأكيد أمي مش هتختار ليا حاجة غلط.
ويعود بذاكرته ويحادث نفسه بعدما احتضن صغيره بقوة إلى صدره بعد أن لازمه الفراش: نتجوز وخلاص عشان نرضي رغبتنا ومش مهم أنا شايف فيها إيه، ويتذكر حبه البريء ليقول: كنت غبي لما استسلمت لعقلي في وقت كان القلب هو حكمه اللي صح!
………………………………………….. …………..
كانت متخذة صدره مثل كل ليلة وسادة لها، ليتأمل استكانتها وهدوئها بين ذراعيه ويمد بأطراف أنامله بحنو شديد على ملامح وجهها ليتحسسه وينظر إلى بطنها الصغيرة التي تحمل في أحشائها طفلة.. ويتذكر اصطحابها للطبيب كل فترة له ذلك المكان الوحيد الذي تذهب إليه.
ويتذكر دعوة والده لها عندما هاتفها.
عبدالله: نفسي أشوفك أوي يابنتي، مش عايزة تيجي بلدكم أنتي ويوسف؟
مريم بسعادة: أنا عايزة أنزل بلدي أوي ياعمو، وتبتلع غصة في حلقها قائلة بألم: وأشوف أهلي.
ليقف هو خلفها ويربكها في الحديث آخذاً منها الهاتف قائلاً بدعابة: هاتي بقى يامريم الدور عليا.
فتستيقظ من نومها.
مريم: هننزل مصر صح قريب؟
ليتجنب حديثها.
يوسف: أنسي مصر دلوقتي وخليكي معايا أنا، ويظل يداعبها حتى يغفو وسط حديثه الذي يأسرها وينسيها كل شيء.
………………………………………….. ……………
نظرت إليها أمها بصدمة طويلة حتى قالت: غبية وحمارة، سلمتيله نفسك قبل الجواز ياأروى.. عشان كده مبقاش طايقك وبيعاملك وكأنك خدامة.
لتبكي أروى بحرقة قائلة: حرام عليكي بقى كفاية العذاب اللي أنا فيه، مش أنتي اللي صممتي تعرفي كل حاجة، أه أنا قولتلك ياشهيرة هانم.
فتسقط شهيرة على أقرب مقعد قائلة: أنا السبب، أنا السبب، أنا اللي ضيعتك بتحررك.
ونظرت إلى هيئة ابنتها التي أصبحت عليها: ياريتني ربيتك على كده من زمان.
لتجذب أروى حقيبة ملابسها التي جلبتها معاها بعدما تركت له المنزل قائلة بألم: الندم مبقاش يفيد دلوقتي ياماما، أحمد الفلوس عميته خلاص وبقى كله عنده بصفقات… لتتذكر آخر ليلة قضتها في بيته بعدما عاد إليها بسكر رامياً بعض النقود عليها جاذباً إياها وهو يطعنها بكبريائها أكثر.
هدفع تمن الليلة اللي هقضيها معاكي يا أروى، أصل زيك زيهم.. ويجذبها أكثر إليه ليأخذ منها مايرغب دون أن يشعر بملوحة دموعها.
فتسقط دموعها مجدداً وهي ذاهبة إلى غرفتها في بيت والديها، نادمة على كل مافعلته بنفسها من أجل شخص أحبته.
………………………………………….. ……………
تأملت سعاد ذلك الخطاب الجديد الذي يحمل صور ابنتها مع زوجها ناظرة بسعادة لكل جزء من ملامح ابنتها متذكرة زوج ابنتها وحديثه معها منذ شهرين.
فلاش باك
كانت واقفة في مطبخها تعد الطعام، ليأتي أحد أولادها من خلفها قائلاً: ماما في واحد على الباب شكله راجل مهم وببدلة ولا كأنه من أمن الدولة.
لتفزع سعاد من حديث ابنها المشاغب، حتى يبتسم قائلاً: بضحك معاكي ياسوسو، هو صح شكله حد مهم بس إحنا في الأمان ياحاجة، يلا اخرجي ورايا بقى ياسوسو عشان نشوف قصته، أصله عايزك بالاسم ياجميل.
وألتفت لها ليداعبها مجدداً قائلاً بغمزة فكاهية: أوعي يكون حب قديم ياسوسو قبل بابا!
لتوكزه على أحد كتفيه.
سعاد: أتلم وتعالى نشوف، مين ده اللي عاوزني وأبوك كمان مش موجود، أعمل إيه أنا دلوقتي؟
وتذهب خلف ابنها، لتجد ذلك الرجل كما وصفه لها ابنها.
سعاد بارتباك: فيه حاجة يا أستاذ، أنا الست سعاد.
ليبتسم الرجل ببشاشة ويتنحنح حرجاً: أنا عارف إني جاي ليكي من غير ميعاد ياحاجة بس أنا مش هاخد من وقتك كتير، وأخرج من جيب بذلته كرتاً يدل على مكانته، فيأخذ ذلك الكرت ابنها لتقول هي: أنت مين يابني؟
فيحادثها ابنها قائلاً: ده محامي ياماما.
فيعرفهم أشرف على وظيفته ومكانته.. قائلاً بإحراج: هو أنا مش ممكن أتفضل ياهانم، ولا أنتوا بخلاء؟
فتبتسم سعاد بإحراج لبشاشة ذلك الرجل الذي يبلغ عمر زوجها قائلة: أتفضل يابيه.
فتتقدمه هي إلى داخل حجرة صالونها البسيط.
سعاد: أتفضل.
فيجلس أشرف على أحد المقاعد ويبدأ بالحديث حتى تشهق بخضة على ابنتها.
ليقول ابنها ذات الستة عشر عاماً: أختي مريم فين وإيه اللي حصلها؟
فيبلغهم بحدوث تلك الحادثة وزواج ذلك الرجل منها الذي كان سبباً في حادثتها، ومعرفة عمها بكل شيء وتزويجه لها، وبدأ يقنعهم بالحديث حتى قالت دامعة: بنتي اتجوزت واحد منعرفهوش وهي دلوقتي مش فكراني، طب إزاي؟
ليبدأ المحامي في تهدأتها: بنتك ياحاجة مش متجوزة أي راجل، ده أكبر رجل أعمال في أمريكا وأوروبا وهنا كمان، ليه اسمه.
فتبكي سعاد حرقة: أنا عايزة بنتي يا أستاذ الله يخليك.
ليرن هاتفه قائلاً:
أشرف: ده يوسف باشا جوز بنت حضرتك عايز يكلمك.
فتنهض سعاد فزعاً.. وتحادثه قائلة: أنا عايزة بنتي يابني وكتر خيرك على كده.
ليحادثها يوسف بعفوية ويعلم بأن تلك السيدة البسيطة لا شك بأن تكون والدة زوجته فأهل الطيبة لا ينجبون إلا الطيبين مثلهم..
وتفيق سعاد على حديث زوجها الغليظ.
فهمي: وبقى ليكي حساب في البنك كمان وجوز بنتك بقى معيشك هانم ياسعاد، ياسبحان الله حد يصدق أن بنتك تقدر توقع واحد ابن ناس، ده لولا أن عمها أكدلي كده ماكانتش صدقت وقولت أنها ماشية في الحرام.
فترمقه سعاد بنظرات ناكرة.
سعاد: الخير اللي بقينا عايشين فيه ده بسببها، متجيبش سيرة بنتي تاني، أنت كنت تحلم تشتغل في شركة زي اللي يوسف شغلك فيها وتروح باشا وترجع باشا ولا مدير يقرفك ولا علاوة تتأخر ومرتب خمس أضعاف مرتبك القديم!
ليقف الكلام في حلقه، متذكراً كل النعيم الذي أصبح فيه قائلاً بارتباك لكي يغير مجرى الحديث:
فهمي: جوز بنتك ده مش ناوي يجي مصر نشوفه؟
فتتذكرهي بألم كلام يوسف لها عندما حادثها أول مرة: أنا أسف اللي هقوله ليكي، بس مريم فقدت النطق في الحادثة؟؟
………………………………………….. ………