عشق القلوب الجزء الثاني سهام صادق

​​الفصـــــــــــــل العشرون و(الآخــــــــــير)

​كانت روحه معلقة بما يصنعه له عقله، فبدأ عقله يكمل له ذلك الكابوس الهائج بين طيات قلبه.. فاستمر الظلام الحالك الذي بات يصارعه وسبح في حلمه اللعين.
ظل يأخذ رواق المشفى ذهاباً وإياباً، ليصوب نظره نحو غرفة العمليات ويسقط أرضاً منتحباً بضعف وهو يضع بكفيه على وجهه.
فيسمع صوتاً يحادثه بقلق: مستر يوسف، أنت كويس؟
فيرفع هو وجهه قليلاً، ناهضاً من ركضته تلك بضعف.
يوسف: طمني يا دكتور على حالتها، قولي إنها كويسة.
فيشفق الطبيب عليه ويخفض رأسه أرضاً قائلاً: أنا أشفق على حالك سيدي، ولكن حالة زوجتك وطفلك بخطر، لا نعلم من فيهم سيُنقذ.
ليفيق من كابوسه بصعوبة وهو يلهث وكأنه كان يصارع شيئاً ما، فأغمض عينيه بتنهد وهو يتصبب عرقاً… ليتذكر تلك النائمة بجواره فانتفض بفزع لكي يراها وهو يتمنى أن يكون كل هذا حقاً كابوساً.. فلامس بأيديه جسدها ونظر إلى بطنها بأعين نادمة حتى قال وهو يضع وجهه بين راحتي كفيه بألم:
يوسف: لازم تعرفي كل حاجة يا مريم، أنا مش هستنى إنك تضيعي مني، مش هستنى..
فلمسها بحنان بالغ.. لتنتفض هي من نومتها قائلة:
مريم: في إيه يا يوسف؟
لتتذكر حديثه اللاذع معها ورفضه في العودة إلى وطنها فقالت بأمل:
مريم: أنت مصحيني عشان تقولي إننا هنرجع بلادنا تاني، وهشوف أهلي.. ومش هتسيبني أبداً؟
فابتسم يوسف بخوف وأمسك بكف يديها ليقبلهما.
يوسف: حاضر يا مريم، والله هعملك كل اللي أنتِ عايزاه.
وأبتلع ريقه بصعوبة وهو يتأمل وجهها بحنان: بس في حاجات كتير لازم تعرفيها، بس قبل ما تعرفيها اوعديني إنك هتديني فرصة تانية.. فرصة واحدة بس وصدقيني عمري ما هخذلك تاني.
واحتضنها بقوة وبكى بين ذراعيها بضعف: أنا تايه أوي يا مريم، أوعي تسيبي إيدي، يمكن أنتِ القشة اللي ربنا بعتهالي عشان تنجدني من نفسي.
فأشفقت على حاله ومسدت على ظهره بحنان يصاحبه القلق: مريم: أوعدك إني مش هسيبك، وابتسمت بعفوية: ما أنت لسا مفرحني ورجعت تاني يوسف اللي دايماً بشوفه بطلي، وسندي في دنيتي.
فابتعد عن حضنها ونظر إليها بأعين نادمة.
يوسف: أنا مش مسلم يا مريم.
فانظرت إليه بأعين منصدمة.. حتى قال:
يوسف: مسلم باسم والدي بس (يوسف عبدالله)، بس أنا في الحقيقة وحياتي اللي عيشتها إني مسيحي.. اتربيت على الإنجيل، ممكن أجاوبك عن حاجات كتير في الإنجيل، أما القرآن للأسف معرفش منه حاجة، كل حاجة اتعلمتها منك أنتِ يا مريم.
فتتذكر هي يوم أن طلبت منه أن يصلي بها.. ليتحجج قائلاً:
: ها، ونظر إلى ساعته قائلاً: أنا لازم أخرج دلوقتي يا مريم غصب عني، معلش.
فتعود إليه بأعين شاردة، محركة رأسها دون فهم.. حتى أمسك يديها.
يوسف: والدي السبب هو وجدي.. لو كان متخلاش عن أمي، وأمي متهربتش بيا كانت حياتي بقيت غير كده، أنا اتعلمت من جدي إن المسلمين قلوب بلا رحمة، مش بيحبوا غير الفلوس.
جدي كان مفهمني دايماً إن بابا اتجوز أمي لأنها غنية، ولما هو تبرأ منها وعرف إنه مش هيساعده .. طردها.
جدي متخلاش عني ولا عن أمي، أما هو اتخلى عن أمي وعني.
كنت بين صراع بين مين أحسن؟ الدين اللي نشأ منه راجل احتوى بنته وطفلها لما رجعت ليه وطلبت السماح، ولا الراجل اللي باع كل شيء من غير رحمة عشان شوية فلوس؟
وتابع بحديثه بتنهد: بس والدي طلع مظلوم، أهله السبب هما اللي ضحكوا على أمي وخلوها تهرب، كانوا دايماً بيقولولها أنتِ مش مننا.. وابتسم بمرارة وأكمل حديثه قائلاً: يوم ما ماتت كنت لسا طفل صغير، مسكت إيدي وقالتلي إنها حبت بابا جداً وحبت الإسلام.. ولكن في النهاية هو خذلها.
ماتت وهي كانت لسا موجوعة منه، كنت طفل مش فاهم حاجة بس جدي فهمني كل حاجة وعرف إزاي يكرهني في أهلي وقدر يعوضني بالفلوس والعز والجاه.. كبرت واتعلمت منه إزاي نتفضل على المسلمين بأموالنا ونحسسكم بإحساننا.
وادمعت عيناه بألم: غلطة واحدة دفعت تمنها قلوب كتير، جدي اتزرع الكره جواه بسبب اللي حصل مع بنته الوحيدة.. وبابا اتحرم سنين طويلة من إني أكون ليه ابن بسبب جفاي.. وأنا كل دول زرعوا جوايا حب النفس والأنانية، وإنسان كاره إنه يبقى على دين.
وبكى بحرقة وهو يتابع: يعني كافر يا مريم، أنا كنت كافر، ماكنتش بتبع ولا الدين المسيحي ولا ديني كمسلم.
بزني وبشرب خمرة، قلبي حجر، إنسان عاق لوالده.. أخ عديم الرحمة.. عاقبت ناس كتير أوي وكنتِ أنتِ في النهاية.
فنظر لها فوجدها سابحة في أفكارها حتى قال:
يوسف: أيوه أنتِ.. أنتِ نوع من الستات عجبني.. أنا كنت أعرفك يا مريم وأنا الشخص اللي كان السبب في الحادثة مش اللي لاقاكي على الطريق وساعدك.
فجحظت عيناها من هول تلك الصدمات التي أسقطها على مسمعها.
حتى قال: أيوه أعرفك، أعرفك يوم ما شوفتك على البحر وحضنتِ البنت الصغيرة وطيرتِ الحمام ببراءة، ويوم ما الشباب السكرانين حاولوا يتعدوا عليكي في الشارع وفضلتِ تصرخي عشان حد ينجدك، أعرفك يوم ما جيتي هناك في القصر بتاعي في حفلة من الحفلات اللي كنت عاملها عشان صفقة من صفقاتي.. وكنتِ جرسونة ومديرك فضل يهين فيكي.. القدر حطك قدامي كتير أوي.
خدعتك وقولتلك إني سواق لصاحب القصر، افتكرتِ أمجد هو صاحب القصر وأنا السواق.. عرضت عليكي أساعدك وأشغلك عند يوسف أدورد صاحب الخير اللي عايش أنا فيه واللي أنتِ كنتِ عارفاه بأمجد.. عيشت عليكي دور الشاب الفقير اللي محتاج الشفقة.. لحد يوم الحادثة كنت راجع من اجتماع في الفندق اللي أنتِ شغالة فيه اللي أنا برضه أملكه وخبطك من غير ما أقصد.
فأدمعت عيناها ونظرت إليه بعتاب طويل حتى أشاحت بوجهها بعيداً عنه، فأمسكه بأطراف أنامله بحنان ليتمكن من النظر إليها.
فتأمل دموعها الصامتة: بس يوسف الأناني أبو قلب حجر الحقود العاصي.. اتغير على إيدك.
دخلتِ حياتي وفهمت إن رب العباد واحد وإن قلوبنا بإيده وحده، ومش كل القلوب زي بعض، وإن الدين لله هو بس في النهاية القرب منه لازم يكون على الحق.. شوفت إزاي أنا كنت فاقد الإيمان، شوفت دين عمره ما قلل من شأن نبي أو إنسان فقير أو غني.. كل كلمة سمعتها معاكي في القرآن حسيت بيها.. وفيها إن ربنا بيخاطبني، فهمت كلمة أمجد ليا: الحمد لله على نعمة الإسلام.
وصمت طويلاً حتى قال بتنهد: أنا متجوزتكيش عشان بشفق عليكي يا مريم، أنا اتجوزتك وأنا كل ذرة في كياني بتحركني إنها عايزاكي.
واقترب منها كي يأخذها بين أحضانه.. فابتعدت عنه بألم وصدته بيديها.
مريم بأعين باكية: أرجوك نزلني مصر!
​………………………………………………………….
​أصبح وجودها في حياته هي السعادة الضائعة التي لم يكن يشعر بضياعها إلا عندما أدخلها القدر في حياته.
نظر إليها وهي تنظر لطفلة تارة، وتبتسم له بحنان تارة أخرى حتى قال باسماً:
أمجد: طب وأبو ياسين يا نهال، إيه مالهوش أي حاجة من الدلع ده؟
ليرد الصغير قائلاً: ياسين بس.. ياسين بس.
فضحكت نهال ورفعت إيدي الصغير قائلة بمشاغبة: أيوه ياسين بس، ياسين بس.
فحاول هو أن يتصنع الحزن حتى قال:
أمجد: طب خلاص انسوا الفسحة اللي كنت عاملها ليكم.
ونهض من أمامهم وهو يقول: أنا خارج خلاص لوحدي.
فنهضت خلفه سريعاً وهي تحمل الصغير بين ذراعيها:
نهال: يلا يا ياسو قول بابا وبس، بابا وبس.
فهز الصغير إيديه بسعادة وهو يقول: بابا بس.. بابا بس.
فضحك أمجد على صغيره وانحنى بجسده نحوهما ليقبل صغيره ويأخذه منها، ومال على أذنيها.
أمجد بهمس: عايز أسمع أمجد بس، أمجد بس منك أنتِ كمان.
فارتجف جسدها من قربه هذا حتى قالت باضطراب:
نهال: ها.
فتعالت ضحكاته على رد فعلها.
أمجد بهمس: بحبك.
​…………………………………………………………
​أردفت معه دخل شقة والده بشرود وهي تتذكر حديث والدتها ووالدها عندما جاء إليهم ليأخذها:
شهيرة: أيوه طبعاً هتروحي مع جوزك، خدها يا أحمد من هنا، إحنا الظاهر دلعناها كتير.
لتفيق على صوت والد زوجها السعيد بخبر حملها: أنا فرحان أوي يا ولاد، هتملوا عليا البيت أحفاد، عقبال نهال أختكم.
فانحنت أروى بجسدها بضعف وقبلت أيديه بأعين تتلألأ بها الدموع: عامل إيه يا عمو؟
عبدالله بسعادة: عمك فرحان أوي إنكم هتعيشوا معاه، وهتجيبوله حفيد، عقبال يوسف لما يرجع كمان ونعيش كلنا سوا.
فابتسم أحمد بسعادة لوالده وتأمل زوجته التي يعلم بأنها غُصبت على عودتها معه إلى بيته.
أحمد: أروى هي اللي فكرت في الفكرة ديه، إننا نعيش كلنا هنا سوا يا بابا.
فنظر إليهم عبدالله بسعادة.
عبدالله: أنا خليت أم محمد تجهزلكم الأوضة بتاعتكم، روحوا ارتاحوا يا ولاد عقبال ما الغدا يجهز.
ليسيروا سوياً نحو غرفتهم ويغلق الباب خلفه، فتفزع من وجودها معه في مكان واحد:
أروى: أوعى تفتكر إني سامحتك يا أحمد، أنا بكرهك، سامع؟ بكرهك.. زي ما بكره نفسي.
​…………………………………………………………
​ظلت تنظر إلى كل جزء في تلك البلدة التي صممت أن تذهب إليها قبل عودتها إلى وطنها.
مريم بحيرة وهي تنظر إلى المطعم الذي كانت تعمل به: أنا حاسة إني جيت هنا قبل كده بس مش فاكرة.
فتابعها بأعينه، حتى أشاحت بوجهها عنه.
مريم: مافيش فايدة، خليني أروح أشوف نهال لو سمحت.
فتأملها بندم وارتدى نظارته السوداء كي لا ترى عيونه النادمة وضعفه، وحرك رأسه بالموافقة وصار معها إلى أخته وزوجها قبل أن يتركوا كندا.
​…………………………………………………….
​أحداث كثيرة مرت، وأيام قد ذهبت بحلوها ولكن مازال مرارها موجوداً في حلق البعض.
احتضنت رضيعها الذي وضعته منذ شهرين بحنان وبدأت تداعب أنامله بإصبعها حتى قالت:
مريم: تعرف إن أنت السبب في إني لسا عايشة مع باباك؟ أنا عذراه بس في نفس الوقت مش قادرة أسامحه على لعبه بيا.
وأطفأت نور الأباجورة التي بجانبها في تلك الحجرة التي تضمها سوياً هي ورضيعها بعيداً عن أباه وتابعت حديثها:
أنت أجمل حاجة بقيت في حياتي، وابتسمت بسعادة: يوم ما ولدتك افتكرت كل ذكرياتي الحزينة ورجع لي الجزء المفقود من حياتي.. بس تصدق يا حبيب ماما إني نسيت كل شيء محزن مع أول ضمة ليك في حضني، أنا مش عايزة حاجة من الدنيا ديه غيرك.
لتنتبه لحركة جفون صغيرها فتقبله وهي تبتسم، ولكن مرارة الكلام الذي أخرجته من حلقها جعلت دموعها تنساب على وجهها دون شعور.
مريم: أنا رضيت أعيش هنا عشان مظلمكش، أنت مالكش ذنب.. مش عايزة يحصلك زي باباك ولا زي.. أنا جربت اليتم يا حبيبي ونفسي أعوضك وأديك كل الحنان والدفء وتعيش بيني وبين باباك، عايزة لما أكبر أشوفك راجل قد الدنيا بار بيا وباباك.. زي ما باباك بيعمل مع باباه كده دلوقتي!
وتذكرت دفء ذلك البيت الكبير الذي تعيش فيه مع أهل زوجها وابنة عمتها، فلم تتوقع أن عائلتها الجديدة ستضم أناساً تعرفهم، فالحسنة الوحيدة التي جعلتها تجلس في ذلك البيت هم أهله وأيضاً…
لتشرد في حديث أمها:
شوفتي جوزك يا بنتي بقى معيشنا في خير قد إيه، ربنا يحفظه.. أنا دلوقتي بقيت مطمنة عليكي معاه رغم إني زعلانة منه عشان كان مفهمني إنك فاقده النطق وحرمني من سماع صوتك وبعدك عني.. بس مدام يا بنتي مريحك وبيخاف ربنا فيكي فأنا سامحته وياريت أنتِ كمان تنسي اللي فات، ديه كذبة بسيطة يا بنتي.
لتبتسم بمرارة وهي تعود لأرض الواقع: ياريتها كذبة واحدة بس يا أمي..
​…………………………………………………………
​جلس منهمك بين أوراق صفقته الجديدة، حتى جاء إليه أخاه:
أحمد: متقلقش يا يوسف، كله هيبقى تمام.
ليزيل عن أعينه نظارته الطبية بتعب يصاحبه الإرهاق.
يوسف: الصفقة ديه أنا حاطط أمل كبير فيها، هي اللي هتعلينا.
فيجلس أحمد بتعب متذكراً الكثير من الأموال التي قد سُلبت من أخاه، فأخوات جده الراحل (أدوارد باشا وعائلته) أخذوا منه معظم أموال جده.. ولم يلحق منها إلا نصفها.
أحمد: ما أنت اللي وافقت تتنازل عن نص ثروتك ليهم.
يوسف: ده حقهم يا أحمد، وكفاية اللي أخدته من جدي.. ربنا يرحمه ويغفر له.
وتذكر شيئاً ما:
يوسف: بدأتوا تبنوا المسجد؟
أحمد: العمال شغالين فيه، وأنا بتابع كل شيء مع المهندس.. متقلقش، بكتير 6 شهور ونستلمه.
فيبتسم يوسف بسعادة وهو يحادث نفسه: ياريت أقدر أعمل كل شيء يرضيك يا رب… فأنا العاصي الذي أنجيته من هلاك نفسه.
​………………………………………………………….
​وقفت تلهو في مطبخها كالفراشة تطهو له الطعام، فتتذوق طعم الحساء الذي تطهوه فتتلذذ بطعمه.
فيأتي من خلفها ويضمها بشدة ويتحسس بيده جنينهما القادم بسعادة: وحشتيني.
نهال بخضة: كده تخضني يا أمجد!
فيبتسم أمجد بعشق وهو يقبل عنقها الناعم ويداعب خصلات شعرها: أخص عليك يا أمجد.
فتلتف إليه بحب: بعت الفلوس لجدة ياسين؟
أمجد بتنهد: آه بعتلها الفلوس اللي محتاجها.
فتبتسم بسعادة: شاطر يا حبيبي، أيوه كده، هي ليها حق رعايتها علينا برضه، ديه مهما كان جدة ياسين وربنا يهديها .
لينظر إليها أمجد ويتأمل الهدوء الذي يسكن البيت قائلاً بهمس: ياسين نايم صح؟
فتضحك على طفولة زوجها ومشاغبته: آه يا حبيبي، أكلته ونيمته وقولت أعملك الأكل.
فيبتسم إليها بسعادة:
أمجد: قولي حبيبي كده تاني، بحس إني أسعد راجل في الدنيا وأنا بسمعها منك.
فتضحك بدلال وتتمايل بين ذراعيه:
نهال: بحبك.. بحبك.. بحبك.. بحبك.
كفاية كده.
ليغلق هو الموقد المشتعل، ويغلق لهيب قلبه واضعاً بيده على شفتيها.. حاملاً إياها بين ذراعيه وهو يقول بسعادة:
أمجد: بحبك أوي يا نهال، ربنا يديمك عليا نعمة.
​…………………………………………………….
​ظل يحادثه بسعادة وهو يقص عليه كل ما حدث في مناقصتهم وربحهم لها:
أحمد: شوفت؟ مش قولتلك إن شاء الله هنكسبها، ثق في ربنا ثم فيا
ليحادثه يوسف عبر الهاتف مبتسماً: الحمد لله، حاول تيجي بدري عشان نتجمع سوا النهارده على العشا.
أحمد بفرحة: ياا، أخيراً يا يوسف هتجتمع معانا على سفرة واحدة؟
يوسف بألم: ما أنت عارف يا أحمد مبحبش أضايق مريم بوجودي، كفاية إنها وافقت تعيش معايا.
أحمد بأسى: صدقني مريم بتحبك أوي.. إنتوا أصلاً شبه بعض في كل حاجة، حتى أسر الصغير شبهكم إنتوا الاتنين، عريس بنتي سامع؟
يوسف: إن شاء الله يا حبيبي.
أحمد: قول بس لمريم على المفاجأة اللي أنت عاملها ليها وهي هتفرح أوي.. وأنا واثق إن شاء الله نفوسكم هتتصافى.. ده إنتوا هتروحوا أطهر مكان على بقاع الأرض.
يوسف بتمني: يا رب يا أحمد يا رب.. قولي إنت فين دلوقتي؟
أحمد وهو يهبط من سيارته ويغلق أبوابها: قدام المسجد، بشوف العمال وصلوا لفين.
ليعلوا صوت طلق نار بجانب أخاه وأحدهم يحادثه بغل: قولتلك هنتقم منك يا أحمد.
ويغلق الخط، فينتفض يوسف فزعاً وهو يصرخ:
أحــــــــمـــــــــــد !!
​…………………………………………………………
​جلست بجانبه بإشفاق وهي تربت على كتفيه: خليك قوي يا يوسف عشان عمي.
ليرفع وجهه بألم قائلاً: كنا فرحانين أوي بالصفقة الجديدة، كنا هنتجمع النهارده كلنا سوا.. كنت هفرحك إنتِ وبابا إننا هنسافر السعودية عشان نحج السنة دي.
فنظرت إليه بألم، لما يحدث معه.. فهو قد ترك معظم ماله وجاهه وسلطته وعاد معها حتى هجرانها له لم ينفر منه واحتمله، لم تفي بوعدها له عندما طلب منها أن تكون قوته وأن تغفر له.. رغم أنها أكثر أحداً يتحدث عن الصفح.
فعادت تحادثه بأمل: أحمد هيخف إن شاء الله متقلقش، هيرجع ليكم وهيرجع لأروى وبنته اللي قربت تيجي على وش الدنيا.
وتلتف ناحية ابنة عمتها المنهمكة في البكاء بجانب والد زوجها.
فيتابع هو أيضاً نظراتها المصوبة نحوهما: ادعيله يا مريم.
​………………………………………………………….
​نظر أمجد إليها طويلاً وهو يخشى أن يخبرها بما حدث، فضمها إليه وهو يحادثها:
أمجد بحنان: نفسي أحققلك طلبك ونعيش في مصر.. بس مينفعش أسيب فرع شركتنا اللي هنا وإدارتها.
نهال بإرهاق: ولا يهمك يا حبيبي، أمجد أنا عايزة أطمئن على بابا.. قلبي مش مريحني، حاسة إن فيه حاجة.
أمجد بدعابة: طب خليها بعد حدوتة النهارده.
وضمها إليه أكثر حتى ابتعدت عنه ضاحكة: يا أمجد كفاية بقى حواديت.
فيضحك معها ويلمس وجهها بحنان:
أمجد: في حد يقول للعسل كفاية؟
​………………………………………………………..
​نظر إليها بحنان وكأنه أباها حتى قال: ادخلي ليه أنتِ يا أروى يا بنتي وابقي طمنيني عليه.
فسارت نحو غرفته تحت أنظار والد زوجها، وهي تعلم بأنه قد شعر باحتياجها لرؤيته رغم كل ما تخفيه من حب.
فيتأمل عبدالله ابنه الآخر.. متحسراً على حياة أولاده الاثنين.
​…………………………………………………………
​وقفت تتأمله بقلب دامع وهي ترى التعب بادياً على ملامحه، وصوت الأجهزة تعلو حوله.. فاقتربت منه بخطوات ثقيلة من الخوف.. فماذا لو كان حدث له أي مكروه؟ واقتربت منه حتى جثت على ركبتيها أمامه بألم ومسدت بيدها على شعره بحنان وأمسكت بأحد أيديه كي تتأكد بأنه مازال معها.
فهبطت دمعة من بين جفونها على يديه الممسكة بها.
ليفتح عينيه بألم قائلاً: متعيطيش يا أروى، أنا مستاهلش دموعك ديه.
وابتسم بمرارة حتى عاد يحادثها: سامحيني يا أروى، عاقبتك بسبب ضعف قلبي ليكي، ونسيت إن أنا السبب… وبدل ما أمد إيدي ليكي خونت قلبك وخذلته ووجعته.
فتمد يدها الحنونة حتى تضعها على شفتيه: قلبي اللي خذلته لسا بيحبك.. وعمره ما أتمنى إنه يشوفك كده..
ليضع يده على قلبه بتعب:
أحمد: حبكم لينا أصدق بكتير من حبنا ليكم مهما عملنا، حبكم لينا مليان بالغفران، أما حبنا ليكم كله مليان عقاب وأنانية.
فابتسمت إليه بضعف وهي تشعر بوجع قوي يحتل جسدها حتى صرخت بعلو صوتها وهي تقول:
أروى بصراخ: أنا بولد يا أحمد.
​………………………………………………………….
​جلسوا جميعهم يضحكون وهم ينظرون إلى الصغيرة (ريتال) ويتذكرون يوم ولادتها.
فتلتف أروى إليهم بعدما رأت بعض الهدايا التي جلبوها لهما:
أروى: أوعوا تكونوا مدعيتوش ليا يا مريم.
فابتسمت مريم بسعادة: دعيت لينا كلنا، يااا يا أروى الدور اللي جاي عليكي إنتِ، بجد راحة مافيش بعدها، ربنا يكتبها لينا دايماً ويكتبها لكل مشتاق.
لينظر الجد إلى حفيدته الصغيرة بعدما أخذها من والدها:
عبدالله: طالعة شبهي البت ديه.
فيقترب يوسف من ابنة أخاه وهو يحمل طفله: فعلاً يا بابا ديه كلها إنت.
ليبتسم أحمد قائلاً: ما من حب أمها في جدها، المرة اللي جاية عايز شبهي سامعة؟
فتتعالى ضحكاتهم جميعاً حتى بكي الصغار وكأنهم يشاركون ضحكاتهم بصياحهم.
فينظر يوسف لأخاه قائلاً: عايزك يا أحمد شوية في المكتب.
ويسيران سوياً تحت أنظار والدهم، ولكن التف سريعاً لزوجات أبنائه:
عبدالله ضاحكاً: دعيتلكم إنتوا الاتنين تبطلوا نكد على ولادي سامعين؟
وأمسك بهاتفه قائلاً: تعالوا اتصلوا لي بنهال عايز أطمن عليها، أقول عليك إيه يا أمجد يا ابن روحية أختي.. أخدت بنتي وسافرت؟
ليضحكوا الاثنتان على حديث والد أزواجهن مبتسمين له بحنانه عليهم الدائم.
​……………………………………………………..
​انصدم يوسف من حديث أخاه حتى قال:
يوسف: إنت يا أحمد تعمل كده؟
فتأمل أحمد طفلته التي يحملها بين ذراعيها: الحمد لله إن ربنا جزاني على عمايلي فيه، صدقني يا يوسف أنا ندمت إني أذيته في شغله.. بس الفلوس وإني أنجح في عالم المال كانوا عاميني عن عيوني الرحمة والضمير.
يوسف: عشان كده قولت للبوليس إنك متعرفش الشخص اللي ضربك وإن الرصاصة جت بالغلط؟
أحمد بأسى: أنا أستاهل اللي حصلي، والحمد لله كان ده عقابي في الدنيا.. وياريت أقدر أكفر عن ذنبي التاني.
فنظر إليه يوسف بغرابة: ذنب إيه تاني يا أحمد؟
أحمد بألم وهو يتذكر زوجته: متخدش في بالك.. على فكرة أنا رفضت ندخل الصفقة اللي فاتت عشان أعوض الشخص اللي ظلمته لأن شركته كانت خلاص هتقع، ربنا يسامحني على اللي عملته فيه.
ليبتسم إليه يوسف بحب: ربنا كريم.
​……………………………………………………..
​وضعت طفلهما بينهما بسعادة، وهي تتذكر رحلتهم الجميلة إلى بيت الله… فابتسم إليها بسعادة وهو يتصفح الصور التي التقطوها لهم هناك.. ناظراً إلى وجه والده وزوجته وطفلهما الرضيع حتى قال:
يوسف: إن شاء الله كل سنة هنروح سوا.. وأمسك بكف أيديها وقبلها بحنان:
يوسف: أنا مبسوط أوي يا مريم.. إنك قررتِ نرجع تاني لبعض ونبقى زي أي زوجين، صدقيني يا مريم أنا ندمت على كل حاجة عملتها.. وعمري ما كنت سعيد غير دلوقتي، عارفة وجودك في حياتي إنتِ وآسر أجمل نعمة.
فابتسمت إليه هي بسعادة لحديثه ونظرت إليه طويلاً قبل أن تقول: أنا عايزة أفتح مصلى في المسجد للسيدات ويكون فيه دروس شرعية وحفظ للقرآن.
فتأملها بحب وهو يعاود ليقبل راحة كفيها: حاضر.
وتذكر شيئاً على جهازه المحمول حتى قال:
يوسف: فيه حاجة لو ورتهالك دلوقتي مش هتصدقيها.
ويفتح ذلك الفيديو واضعاً صورته أمامها قائلاً: اتفرجي.
فتتأمل معالم ذلك الرجل بدهشة: مستر جون؟
وتسمع حديثه الذي يحتوي:
جون: كنت عدو لأي دين آخر غير ديني.. كنت أبغض الإسلام بشدة، كنت سعيداً عندما أبث المشاهد الجنسية وأنشرها بين الفيديوهات الدينية.. كنت أريد أن أثبت للعالم كله أن المسلمين ضعفاء لشهواتهم ونفوسهم.. ولكن قد أهداني الله من نفس الطريق الذي أردت أن أجعل آخرين يعصون خالقهم.. أعلم أن الله غفور رحيم، وأنه قد اختارني أنا وزوجتي وابنتي وابني أن نصبح مسلمين لأنه يحبنا، أتمنى في نهاية حديثي هذا أن تسمعه إنسانة وتسامحني على كل شيء فعلته بها وأذيتي لها، وليتني أعرف لها مكاناً لأجعلها تسامحني.
وأنهى مقطع الفيديو وهو يقول بصوته في ترتيل هادئ وجميل وبعربية ضعيفة: بسم الله الرحمن الرحيم:
(وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).
فأدمعت عيناها بألم وهي تشاهد ذلك الرجل الذي دوماً آذاها، لتتذكر قول الله تعالى في سورة يونس:
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100)}.
​………………………………………………………….
​جلست بجانبها تتأملها وهي تراها جالسة تقرأ في كتاب الله، وبين أحضانها طفل صغير يبتسم لما يسمعه من صوت أمه.. فأمسكت بأيديها بشوق وهي تقول بسعادة:
ريما: لسا جميلة ونقية زي ما أنتِ يا مريم.
لتلتف مريم إلى ذلك الصوت الذي تعرفه تماماً وتمنت دوماً أن تلتقي بصاحبته، فنظرت إليها بشوق شديد وهي تتأمل ملامح تلك الجالسة بجانبها بحجابها ولبسها المحتشم وبيدها ابنها الصغير.
لتبتسم ريما لنظرات صديقتها القديمة: ابني يحيى.
وتأملت المكان حولها وهي تقول بسعادة: قالوا لي إن في المسجد ده دار تحفيظ كويسة جداً للدروس الشرعية وآداب الدين وحفظ القرآن.. فقولت أجي أعوض اللي فات من عمري وأنا بعيدة عن ربنا.. ومصدقتش نفسي لما شوفتك فضلت أقول لنفسي معقول القدر يجمعنا هنا؟
فمدت إليها مريم ذراعيها واحتضنتها بشدة وهي تبكي: وحشتيني أوي يا ريما، وحشني كل حاجة معاكي.. وابتعدت عنها، لتمسح عن وجهها دموعها بحنان:
مريم: ما ديه كانت أمنيتنا، فاكرة آخر مرة كنتِ معايا فيها أتمنينا فيها إيه؟
لتتذكر ذلك اليوم وهطول المطر الشديد وتأملهم له من شرفتهما الصغيرة في ذلك المسكن.
ريما بتمني: نفسي لما نتقابل تاني يا مريم، تقبليني وأنا إنسانة جديدة بقلب طاهر، إنسانة تانية خالص، وابتسمت برضى: وتفضلي إنتِ دايماً مريم البنت الطيبة النقية، أوعي تنسي تدعي لي يا مريم.
فتعود ريما من شرودها بعدما تذكرت كل ما مر بينهما: أنا عيشت ظروف صعبة أوي وكنت هفضل طول حياتي إنسانة ضايعة، وتذكرت زوجها (مراد)، بس الحمد لله ربنا عوضني بزوج طيب وحنين.
وتسقط أعينهم بسعادة على صوت صغارهم ليجدوهم يداعبون أنامل بعضهم ويضحكون.
فتضحك الصديقتان ويمر شريط ذكرياتهم سوياً متذكرين ذلك المطعم الذي ضم الكثير من مواقفهم المضحكة.
لتطبع كلمة النهاية سطورها وتدون جملة واحدة:
يخلقنا الله بفطرة الحب والرحمة والضمير، يخلقنا بكل المعاني الجميلة.. ينبتنا نباتاً حسناً، ولكن نحن نرويهم بأيدينا بماء الدنيا الفانية، وتنسينا معها الدنيا سؤالاً ننسى أن نسأله لأنفسنا دوماً:
هل أنت راضٍ عنا يا الله؟؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *