عشق القلوب الجزء الثاني سهام صادق

الـــفـــــصـــــل الـــــحــــادي عــــــشــــــــر

​وعندما تطلّع إلى خوفها الذي يكسو وجهها، شعر بمدى ذنبه تجاهها.. فبدأ قلبه يتألم بقوة لما حدث لها بسببه، فلو كان منتبهاً للطريق جيداً لقد كان استطاع أن يتفاداها، فتأملها من على مقربة دون وعي منها لوجوده… فقد كانت تقف أمام شرفة حجرتها بقصره تتأمل سقوط حبات الجليد بعمق وبأعين ضائعة….. ليتذكر هو حديث الطبيب وهو يقول له: للأسف مستر يوسف، الحادثة أثرت على جزء من الذاكرة، ومش هتفتكر حاجة غير مرحلة طفولتها اللي قضتها مع والدها وبس، لأن تقريباً كان بالنسبة ليها شيء كبير، ولما اتصدمت في كل الناس اللي حوليها، قبل الحادثة مباشرة مكنتش بتفتكر غير في ذكرياتها معاه، وللأسف ده أدى أن العقل يشتغل على الجزء ده وبس، لأنها رافضة ذكرياتها التانية، حالة مريم حالة نادرة أوي، بس مش صعبة، هي بس متوقفة على أنها ترجع تتقبل أن الطفلة اللي بتشعر بالأمان في حضن والدها خلاص كبرت، ومبقتش طفلة، وده طبعاً العقل مش متقبله، بس لو العقل رجع يتقبل الفكرة دي هترجع لحالتها الطبيعية وده متوقف على إحساسها بالأمان، يعني كل تفكير مريم وذكرياتها مع والدها وبس دلوقتي، يعني عقل طفلة بيتجسد في امرأة بالغة للأسف…!!
فيفيق على صوت ندائها قائلاً بألم: كنتِ سرحانة في إيه بقى يا مريم؟
لتتطلع إليه هي بأعين مغمضة بعدما ابتعدت عن تأملها لمنظر الجليد الذي يهطل: أنا عايزة بابا يا يوسف.
فيبتسم لها ابتسامة حانية وهو يقترب منها: ما أنا معاكي أهو بدل بابا….
فتقترب هي منه بدموع: طيب هو فين، ماما بتقول مات، هي ماما كمان فين، أوعى تقول ماتت!
فيحتضنها بقوة بأعين دامعة ليقول: سامحيني يا مريم، أنا آسف.
فتبتعد عنه قائلة: أسامحك على إيه أنت عملتلي حاجة؟ ثم نظرت له قائلة بتعجب: أنت بتعيط ليه، هو أنت باباك كمان مات؟
فيتأملها بأسى ويلمس وجهها بحنان.. حتى أعلن هاتفه بالرنين، لينظر إلى المتصل وإليها ويخرج سريعاً من غرفتها قائلاً: أيوه يا أمجد، أنت وصلت؟
لتتابع خطواته هي فتخرج خلفه، متأملة ذلك المكان الواسع الذي لا يشبه ذلك المشفى الكريهة برائحة أدويتها التي قضت فيه أكثر من أربعة أشهر فاقدة للوعي من كل شيء حولها، واقتربت من أحد الكريستالات اللامعة وظلت ناظرة لها، فتابعها يوسف بأعين قد استحوذ الألم جزءاً كبيراً منها قائلاً بحنان وهو ينده على خادمته: خدي مريم يا كيندا لأوضتها.
فتهز الخادمة رأسها بالإيجاب، لتتطلع إليه هي قائلة: أنا هروح معاها فين؟
فيبتسم قائلاً: أوضتك يا حبيبتي، عشان في ضيوف جايين دلوقتي، أسمعي بقى الكلام مش أنتي بنوتة مطيعة؟
فتنظر إليه بابتسامة بسيطة، وتسير مع الخادمة وهي ناظرة له.
وما من لحظات، قد كان أمجد يدخل من باب القصر، هو وعمها، فوقف متأملاً المكان بأعين كالصقر قائلاً: يوسف أدور، إمبراطورية أدور العملاقة.
فيمد يوسف بيده قائلاً: أهلاً محسن باشا!
فيبتسم محسن ابتسامة زائفة ليقول: فين المحامي عشان نتمم عقد الزواج.. ثم نظر إلى ساعته قليلاً: لازم بعد ساعتين أكون في المطار.
واقترب منه قائلاً: أوعى تنسي الصفقة اللي بينا يا يوسف باشا، الصفقة دي بجد مهمة أوي لشركتي، أنت عارف كويس الأزمة المالية اللي بمر بيها في أمريكا…
فيبتسم يوسف بسخرية على ذلك العم، الذي لم يفكر بابنة أخيه للحظة ولا بحقها منه بسبب ما فعله بها من حادث قد جعلها تقيم أربعة أشهر طريحة الفراش في المشفى، وبرغم من علمه بكل شيء حدث لها، ولكن قد أعْمى المال عيناه قبل قلبه.
وما كانت سوى لحظات قليلة ينتظرون فيها كلمتها التي لم تدرك معناها سوى أنها ستجعلها دائماً معه… مع من أعطاها الاهتمام طيلة مرضها وضياعها وكأنها طفلته الصغيرة.. أو كأنه فارسها كما يتخيل الأطفال بعدما نقص عليهم قصة سندريلا وأميرها، فهذا كله ما كان يدور بخلدها الذي أصبح كالأطفال لتقول أمام ذلك الرجل الذي بعثته السفارة كي يتم وثيقة زواجهما:
مريم: موافقة!
فيبتسم يوسف لها وهو يتذكر تلك اللحظة التي دخل عليها في غرفتها ووجدها تتطلع إلى زرقة السما وكأنها تنتظر شيئاً منها، ليقول لها عرضه بأن تقبل أن تتزوجه، كي يُسعد والدها بذلك ويظل هو بالقرب منها، لتقول له بدون وعي: أنا وأنت نتجوز إزاي، وبابا هيفرح إزاي؟ أنت بتضحك عليا صح عشان أنا طفلة؟
فابتعدت عنه بأعين دامعة: أنت وحش، وخاطفني، يوسف اللي كان بيجيلي في المستشفى ويلعب معايا ويحكيلي قصص حلوة.
فيقترب منها بحنان قائلاً: طيب لو مريم قالت، قدام الناس اللي تحت أنها موافقة تتجوز يوسف، ممممم هنروح الملاهي أنا وأنتِ وياسين، فاكرة ياسين يا مريم؟
فتبتسم ابتسامة صافية، قد دق قلبه طبولاً من أجلها: موافقة.
ويفيق من شروده، عندما سمع صوت أمجد يهنئه بعدما غادر الضيوف دون أن يشعر: مبروك يا يوسف!
وتصبح لتلك الكلمة رنين في أذنيه، فيغمض عينيه للحظة وهو يمسك ذلك العقد بيده، ويتطلع إلى اسميهما معاً.
………………………………………….. …………….
وعندما تجمعت الدموع في عينيه وهو يتذكر صوته، اهتز جسده بقوة فيبكي فرحاً، لتأتي ابنته إليه والبسمة على وجهها، دموع الفرحة دي بقى يا سي بابا، مممم كل ده عشان يوسف؟
فيتطلع إلى ابنته بحب قائلاً: أنا كده لو مت، هكون اطمنت عليكي أنتِ وهو، يوسف وخلاص بدأ يحن ليا أمجد بيقولي إنه بدأ يسأل عني كتير وأنتِ وخلاص أهو كلها أسبوعين وتتجوزي أنتِ وطارق وأطمن عليكي يا بنتي وأهو الحمد لله خفيت والدكتور طمنكم، ومبقاش في داعي إنك تأجلي جوازك عشاني أكتر من كده.
​فتبتسم نهال لفرحة والدها: كل ده عشان يوسف كلمك مرة واحدة بس؟
فيشرد عبد الله قليلاً: أهي المكالمة دي أدتني أمل حتى لو كانت دقيقة واحدة فيها كلمتين بس… بس برضو الأمل بقى عندي إن في يوم أضمه لحضني.
ثم تطلع إلى ابنته بحزن قائلاً: بس أحمد، هو اللي بقيت خايف عليه، أحمد اتغير أوي يا بنتي حتى علاقته مع خطيبته اتغيرت مبقاش طايقها ولا حتى عايز يتجوزوا.
فتتأمل نهال والدها قائلة: ادعيله يا بابا ربنا يصلحله حاله.
ليتطلع إليها والدها قائلاً: ديماً يجي البيت نص الليل صح؟ وينظر إلى تلك الأدوية التي بجانبه.
فتتأمل نهال معالم وجه والدها الحزينة قائلة: بالعكس ده بيسأل عنك كل يوم في التليفون، ما أنت عارف إنه بقى مشغول في شركته، وبقى عنده مسؤوليات.. فتنظر إلى والدها قائلة بمزاح: ابنك بقى مهم يا حاج عبد الله، وكلها كام سنة ويبقي أصغر رجل أعمال في البلد كلها.
فيتطلع إليها بألم قائلاً: هيبقى رجل أعمال بفلوس لسه لحد دلوقتي مش مصدق جابها إزاي؟
فتقترب كي تطبع قبلة حانية على يديه، متأملة ذلك الحزن الذي داخل عيونه على أشقائها!!
………………………………………….. ………….
وعندما حملها برفق بعد أن نامت على تلك الأريكة بتعب، بسبب ذلك اليوم، الذي قد أنهكهم من اللعب، وضعها بحنان على الفراش وهو يتطلع إليها بحب، فيزيل حجابها عنها بحب، متأملاً خصلات شعرها بنية اللون ليظل يداعبهم، حتى تنتفض من نومتنا، فيأخذها بين أحضانه قائلاً: متخافيش يا حبيبتي.
فتنام بين ذراعيه قائلة: شوفت ياسين هو وبيشوط الكورة، وبيضربني بيها!
فيبتسم إليها قائلاً بعد ارتخت بين ذراعيه: وبنوتي الحلوة طبعاً مسكتتش، فضلت تجري وراه لحد ما تعبوا هما الاتنين، وأنا كمان تعبت من شقاوتهم.
فتغمض هي عيناها قائلة بتثاؤب: هو ليه ياسين مش عايش معانا هنا، خلي أمجد يدهولك يا يوسف.
فيبتسم إليها يوسف بعدما أحاطها بذراعيه ودثرها بالغطاء: عشان ياسين ابن أمجد وسالي، إزاي بقى هيعيش معانا ومش هيعيش مع أمجد؟
فتبتعد هي عنه قائلة: أنا مش هكلمك تاني يا يوسف، عشان أنت بتضحك عليا، أنت قولت لو مريم طلبت مني أي حاجة أنا هجيبهالها، أنت ضحكت على مريم.
ليتنهد باسماً: طيب ما إيه رأيك تجيبنا أنتِ نونو صغير، يبقى بتاعنا إحنا وبس؟
فتلمع تلك الفكرة في عينيها حتى تنهض من جانبه، مقتربة من تلك العروسة الموضوعة على الأريكة التي تضمها غرفتهما، لتأتي إليه ثانية قائلة: خلاص النونو ده هيبقى بتاع مريم ويوسف، بس هي مش بتتكلم ولا بتلعب زي ياسين.
فتفر دمعة من عيناه بدون قصد، فهو من جعلها تصبح هكذا ليقول: في نونو تاني ممكن مريم تجيبه، بس مريم تسمع كلام يوسف، وتنام في حضنه.
فتقفز على الفراش ثانية بجانبه قائلة: مريم هتكون شاطرة وهتسمع كلام يوسف.
فيقترب منها ليضمها بقوة قائلاً بهمس: مش قادر أستحمل أشوفك كده..
فتتطلع إلى وجهه الحزين قائلة: أنت زعلان ليه يا يوسف، هو أنا زعلتك؟
فيبتسم قائلاً وهو يحتوي وجهها بكلتا كفيه: في حد يزعل من الملاك ده، طب إزاي!
فتبتسم بعفوية، قد جعلت قلبه يبتسم قبل شفتاه، ويقترب منها حتى يقبلها على كل أجزاء وجهها حتى اقترب من شفتيها ليلمسها بأصابعه أولاً، ولكن دموع خوفها منه قد جعلته يدرك ما سيفعله، فابتعد عنها قائلاً بخوف: خلاص يا مريم أنا آسف، متخافيش.
فتبتعد عنه قائلة بدموع: أنا مش هنام معاك تاني، أنت وحش يا يوسف وحش، وبتخوفني، وتنهض كي تغادر الغرفة ببجامتها الطفولية، ليجذبها من ذراعيها قائلاً: ويوسف مش هيعمل حاجة تاني تزعل مريم، وكمان كده تسيب يوسف ينام لوحده ومتحكيش ليه حدوتة؟
فتنسى كل شيء، وتضع يدها على خصرها قائلة: أنت اللي عليك الدور تحكي حدوتة لمريم.
فيحتضنها بحب، حتى تقول: لو حكيت حدوتة حلوة هفضل معاك، ومش هسيبك في الضلمة لوحدك.
فيبتسم قائلاً بتفكير: مممم، وأنا موافق يا ستي.
مريم بطفولة: ها، أحكي!
ليضحك هو قائلاً: هنحكي وإحنا واقفين كده، تعالي ننام طيب.
لتتذكر ما فعله فتقول بغضب: لأ مش هنام جنبك عشان أنت قليل الأدب.
وبدون أن يشعر وجد نفسه يضحك بشدة قائلاً بتنهد: أنا قليل الأدب يا مريم؟
مريم بطفولة: أيوه، عشان أنت كنت عايز تبوسني هنا، فتشير على شفتيها… ليتنهد وهو ناظر لها بحب: طيب تعالي نقعد هنا يا ستي.
فتتطلع هي إلى تلك الأريكة، ناظرة أيضاً إلى تلك الوسادات الملقاة على الأرض لتعطي مظهراً للغرفة: لأ تعالي نقعد هنا أحسن.
فيجلس على تلك الوسادة.. فاتحاً لها ذراعيه، لتنظر إليه هي بخوف، حتى يطمئنها هو بنظرة من أعينه التي باتت تفهمها.
فتقترب منه، ليحتضنها هو ويبدأ في قص لها حكاية من حكاوي، التي تدور عنها عندما تعرف عليها وقد أخبرها أنه سائق لصاحب ذلك القصر هذا.. وعندما تذكر هذا ابتسم بحزن لعدم تذكرها لأي شيء قد مرت به أو حتى تذكرها له حتى لو تذكرته كسائق، فانتبه لشروده بعدما هزت أحد كتفيه ليقص عليها حكاية بطلتها ميمي ليبدأ هو في قص حكايته.
وبعد لحظات قليلة… رفعت وجهها قائلة بتثاؤب: وميمي عملت إيه بقى في الفارس صاحب الحصان الأبيض؟
فيبتسم لها قائلاً بحب وهو يزيل تلك الخصلات المتمردة: وطبعاً عشان ميمي طباخة شاطرة.. طلب منها الأمير أنها كل يوم تعمله كعكة بشكل مختلف.
وينتبه لصوت هدوء تنفسها، فيعلم بأنها قد غفت في أحضانه، فيحملها برفق، ويضعها على الفراش، ويظل ناظراً لها بألم قائلاً: تفتكري هتقدري تسامحيني يا حبيبتي؟
ليتذكر حديث أمجد وهو يقول له: أنت كده بتظلمها يا يوسف، أنت أناني، حابسها في سجنك اللي فاكر إنه بيحميها قولها هي مين وحياتها كانت إزاي… أنا عارف الفترة اللي فاتت أنت عرفت حاجات كتير عنها بلاش تكذب عليها تاني، فالأول أنت كنت هتكذب عليها بهوية شخص مش أنت بس ربنا حفظها وخلاها ترفض عرض شغلك وتبعد عنك وعن تمثيليتك بس للأسف القدر حطاها تاني في طريق لأ وبقيت مراتك… مع أن لسه لحد دلوقتي مش قادر أصدق أنت ليه قررت تتجوزها عشان شعورك بالذنب ما أنت كنت ممكن تديها فلوس وترجعها لأهلها ولا الأربع شهور اللي قضتهم معاها خلوك تتغير يا يوسف وتحبها…
ثم صمت أمجد قليلاً ليتابع حديثه: بس تحب إنسانة بقى عقلها عقل طفلة صغيرة.. مش قادر أستوعب يوسف يحب طفلة مش امرأة فيها كل مفاتن الأنوثة والتمرد!!
يوسف مريم لازم تخرج وترجع تاني تتقبل الحياة، بس بطريقتك دي أنت هتخليها تفضل كده، بلاش تظلمها معاك، مريم لازم تتعالج، وده رقم دكتور مختص هيقدر يساعدها، بلاش أنانيتك تخليها تفضل بتفكير طفلة.
فيغمض عيناه بألم بعدما مرت تلك الكلمات على مسمعه، فيجذبها بقوة إلى أحضانه وكأنه يخشى فقدانها فنعم هو قد أحبها….
………………………………………….. …………….
وكلما احتضنها بقوة وكأنه يحتاجها، كانت تتخيل نفسها بين ذراعيه هو، لتتمتم ببعض كلمات العشق التي تريد أن تخبره هو بها وليس زوجها، فيقترب منها أمجد قائلاً بشغف: وأنا كمان بحبك أوي يا حبيبتي.
فتحاوطه هي بذراعيها، حتى لا تفصلهما سوى أنفاسهم، لينظر إليها أمجد متطلعاً إلى جسدها بين ذراعيه فيقول ثانية: بحبك أوي يا سالي.
فتدمع عيناها، وهي ترى صورته تتلاشى من أمامها فترى نفسها بين ذراعي زوجها، حتى تقول بصوت لا يسمعه سواها: أنا بحبك أنت يا يوسف.
ويصبح جسدها بين يدي أحدهما، وهي عاشقة لآخر.. وبين هذا وذاك تتجسد الخيانة!!
………………………………………….. …………
​
​
الـــــفــــصـــــل الــــثـــاني عــــشـــــر

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *