عشق القلوب الجزء الثاني سهام صادق

الــــفــــصـــــل الــــثــــالــــــثـــــ عــــــشـــــــر

​اعتدل أحمد في جلسته وارتخى بجسده للخلف بعدما ترك قلمه وبعض الملفات جانبًا… ليغمض عينيه بألم وهو شارد في صديقه، فتنهد بضعف وهو يتذكره… كم كان قريبًا منه، كم كان أخًا وليس صديقًا فقط وزوج أخت! وحرك رأسه بقوة وهو يتذكر نظرته له عندما أخبره بكل ما أصبح يضيق صدره، ليفزع هو مما فعله صديقه قائلًا بصدمة:
طارق: أنت يا أحمد تعمل كده؟ أنت يا صاحبي! أنا مش مصدق، أنا فعلًا ماكانتش قادر أتخيل ليه علاقتك أنت وأروى بقت كده بعد سفرية شرم؛ في الأول شكيت وقولت إنك مليت وخطوبتكم كلها وقت وهتنتهي.. بس للأسف طلعت أكبر من كده بكتير..
فيصمت أحمد… حتى يقول طارق: مش أروى دي حب عمرك؟
فيظل الصمت يحاوطهما حتى يصرخ به طارق قائلًا: قبل ما تعاقبها عاقب نفسك الأول، صلح غلطك قبل ما الزمن يصلحه ليك يا صاحبي.
ليفيق أحمد من شروده باكيًا وهو يحرك رأسه بعنف: أنا اتجوزت أروى يا طارق.. صلحت غلطتي ومتخلتش عنها!!
​……………………………………………………….
​وقفت سعاد أمام تلك النتيجة الملعونة التي تخبرها بأن الشهر السابع يمر.. وهي ما زالت لا تعلم أي خبر عن ابنتها.
فتسقط دموعها بقوة، ولكن دخول فهمي عليها جعلها تمسحها سريعًا قائلة: يا فهمي أبوس إيدك خليني أسافر لشهيرة القاهرة.. أعرف منها أخبار بنتي.
فيصمت فهمي قليلًا ليقول ببرود: مش اتصلتي بيها وقالتلك معرفش حاجة عن بنتك؟ يبقى خلاص، مش ناقصين قلة قيمة من ناس زي دي… دي بقت عيشة تقرف وتجيب الهم!
وتحرك باتجاه غرفته قائلًا بصوت عالٍ: جهزي الغدا يا أختي.
لتتأمله سعاد بألم متذكرة أولادها الاثنين منه، ناظرة إلى آخر جواب قد بعثته ابنتها لها منذ سبعة أشهر بانكسار، فقد أصبح ما بيدها حيلة غير أن تدعو الله أن يحفظ لها ابنتها.
​……………………………………………………….
​نظر يوسف إلى سعادتها وهي ترى ملابس العيد التي قد سمّتها، أو بالأصح قد عرف هذا الاسم لأول مرة.. فدارت بجسدها بسعادة وهي تحتضن تلك التنورة المزخرفة، وبلوزتها المطرزة، وصندلها الفضي اللامع… وجلست على طرف فراشها بسعادة وهي تضعهم جانبًا لتفرد قطعة قطعة وتتحسسها بيديها قائلة: جبت لي زي ما جبت لياسين صح!
ليتذكر هو يوم أن جلب أحد الأطقم الجديدة لياسين كعادته.. وأعطاها لها كي تعطيها هي هدية له.. ولكن وجهها العبوس قد جعله يقترب منها قائلًا: مريم، أنتي زعلانة ليه؟ مش عايزاني أجيب حاجة لياسين؟
فتحدثت إليه سريعًا قائلة: لاء لاء.. أنا بفرح لما بتجبله هدية، وبفرح لما بتاخدني معاك عند الأطفال اللي في الملجأ، كل ده بيفرحني أوي.. الأطفال أحباب الله وأجمل حاجة في الدنيا.
فيبتسم بسعادة لتعبيرها، ويضمها أكثر إليه.
يوسف: أومال بنتي الحلوة زعلانة من إيه؟
مريم ببراءة: العيد فاضل عليه أسبوع.. وأنا كمان عايزة لبس العيد زي ما بابا كان بيجبهولي!
وأخفضت رأسها أرضًا.. ليتطلع إليها هو بمشاعر تائهة قائلًا بحب: حاضر يا حبيبتي.
لترفع وجهها سريعًا قائلة: أنا حبيبتك يا يوسف؟
فيبتسم يوسف إليها وهو يتأملها قائلًا: طبعًا.. يلا بقى فين قصة النهاردة.. ها، هتحكي لي إيه؟
لتنظر إليه قليلًا.. وتبدأ تقص له إحدى القصص التي أصبحت لا تعرف كيف يجلبها لها عقلها رغم افتقادها لجزء كبير من ذكرياتها، ولكن توجد أشياء مرسخة في ذهنها لم تمت ولن تموت يومًا…
وتقص عليه قصتها ببراءة قائلة:
مريم: قصة الراعي مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
ذات يوم كان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- معه بعض أصحابه يسيرون في الصحراء بالقرب من المدينة، فجلسوا يأكلون، فأقبل عليهم شاب صغير يرعى غنمًا، وسلَّم عليهم، فدعاه ابن عمر إلى الطعام، وقال له: هلمَّ يا راعي، هلمَّ فأصب من هذه السفرة.
فقال الراعي: إني صائم.
فتعجب ابن عمر، وقال له: أتصوم في مثل هذا اليوم الشديد حره، وأنت في هذه الجبال ترعى هذه الغنم؟!
ثم أراد ابن عمر أن يختبر أمانته وتقواه، فقال له: فهل لك أن تبيعنا شاة من غنمك هذه فنعطيك ثمنها، ونعطيك من لحمها فتفطر عليها؟
فقال الغلام: إنها ليست لي، إنها غنم سيدي.
فقال ابن عمر: قل له: أكلها الذئب.
فغضب الراعي، وابتعد عنه وهو يرفع إصبعه إلى السماء ويقول: فأين الله؟!
فظل ابن عمر يردد مقولة الراعي: (فأين الله؟!) ويبكي، ولما قدم المدينة بعث إلى مولى الراعي فاشترى منه الغنم والراعي، وأعتق الراعي.
ويفيق يوسف على أثر قبلتها الحانية على أحد خديه ليقول بلوعة: مبسوطة!!
​……………………………………………………….
​نظرت إلى هيئتها الباكية في المرآة وهي تهندم وضع حجابها بأيدٍ مرتعشة… لتتذكر كلماته القاسية عندما سألته عن تلك السيدة التي تحادثه دومًا.. فصرخ بوجهها قائلًا:
أحمد: بلاش تعيشي دور الزوجة.. عشان متتعبيش. وأمسك ذراعيها بقوة قائلًا: وإيه اللي أنتي لابساه ده؟
وأشار على مظهرها قائلًا بسخرية: فاكرة نفسك بالطريقة دي هتقدري تأثري فيا وتحركي مشاعري، يبقى بتحلمي.
لتكاد تتحدث من بين شهقاتها فينهرها بقوة: مش عايز أشوفك بالمنظر ده تاني، سامعة يا أروى… وأوعي تحلمي بحاجة؛ لأن جوازي منك غلطة عملتها وبصلحها مش أكتر.
فتفيق على صوته العالي وهو يقول: أنا هستناكي في العربية، يا ريت تنجزي وتخلصي بسرعة يا هانم.
​……………………………………………………….
​نظر إليها والدها بحزن وهو يحادث ابنه قائلًا: أختك بقى حالها بيوجع قلبي يا ابني، أنا بقيت خايف أوي عليها.
ليحادث يوسف أباه قائلًا بحب ما زال مخفيًا: هو أنا ممكن أكلمها يااا…
فحزن عبد الله على عدم رغبته في نطق كلمة (والدي) فيقول راضيًا: حاضر يا حبيبي.
ويسير في اتجاه نهال التي ما زالت تنظر إلى صور خطبتها وكتب كتابها بشرود قائلًا بتعب: أخوكي عايز يكلمك.
فتظل جميع حواسها متمركزة مع بعض الصور التي تمسكها بين أيديها… ليجلس عبد الله بجانبها واضعًا الهاتف أمام أعينها.. فتمسكه وهي مرتعشة اليد لتقول: لسا فاكرني، كتر خيرك.
فيتحدث بحنان وهو يقول: أنا مش زعلان منك، بس لو تعرفي أنا قد إيه بحبك وفاكرك ماكانتش هتقولي كده، نهال أنا عايزك تجيلي كندا أنتي وبابا.
فتعطي الهاتف لوالدها دون رغبة في متابعة أي حديث مع أحدهما… ليقول عبد الله: متزعلش من أختك يا ابني، أنت عارف ظروفها.
فيبتسم يوسف برضى قائلًا: مريم بتسلم عليكم.
فيتحدث عبد الله بسعادة: مراتك دي أنا بقيت بحبها من قبل ما أشوفها، كفاية إن هي اللي حننت قلبك عليا.
وتنتهي تلك المكالمة التي أصبحت يومية منذ شهر… عندما…
فلاش باك!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *