الــــــفــــصــــــل الــــــتــــــاســـــــــــع جلست مريم تتأمل المطعم الذي عملت به منذ ثمانية أشهر، منذ أن وطئت قدماها تلك البلد الغربية، وأصبحت غريبة وسط أناس لا تعرفهم، حتى عمها الذي أتت من أجله تركها ورحل دون أن يكلف نفسه عناء أن يسأل عنها، ومع كثير من الاتصالات به علمت بأنه لا يرغب في عبئها، وأن زوجته الإنجليزية لا ترغب برؤية أحد من أفراد عائلته... لتأتي صورة العجوز عدنان في ذهنها عندما اصطحبتها سيلا إلى مطعمهم، فتذكرت كلمته التي أضحكتها: "أحب هؤلاء العرب جداً، وأحب طعامكم الدسم". فهربت دمعة من عينيها عندما تذكرت سيلا وهي تهاتفها كي تذهب لابنتها الصغيرة لانا وتبقى بجانبها، وعندما وصلت إلى الصغيرة في المنزل وقبل أن تحتضنها وجدت هاتفها يرن للمرة الثانية برقم سيلا تخبرها: سيلا: أبي قد مات يا مريم وأصبحت وحيدة. يا لها من كلمة قد ذكرتها بطفولتها عندما مات أبوها وتركها بمفردها تحيا حياة في كنف زوج أم.. تعلم تماماً بأن أمها قد تزوجت عندما تخلت عنها عائلة والدها.. أما عائلتها فكانوا لا يملكون القدرة بأن يتكفلوا بابنتهم الأرملة وطفلتها. اقتحم شريط ذاكرتها ما حدث منذ يومين ، فانسابت دموعها على خديها .. ، ولكن لمسات أيدي الصغيرة لانا الحزينة قد جعلتها تفيق لتقول: لانا: الكعكة قد نضجت يا مريم، ولانا لا تريد أن تأكل شيئاً بدون الجد. فاحتضنتها مريم بقوة وهي تربت على كتفها: لانا حبيبتي كده ماما هتزعل منك وجدو برضو .. عايزة تزعليهم؟ فتمسح الصغيرة دموعها قائلة: بس جدو خلاص مشي بعيد ومش هيرجع تاني، هيزعل من لانا إزاي؟ فتبتعد عنها مريم قليلاً لتتذوق الكعكة قائلة: امممم كعكة لانا مطلعتش حلوة، لانا مطلعتش شاطرة. فنظرت لانا لكعكتها التي صنعتها بمساعدة مريم ومدّت بيدها كي تتذوق الكعكة قائلة: أمممم لاء كعكة لانا حلوة. فبادلتها مريم الجدال الذي أنشأته، وظلوا يتذوقوا الكعكة وكل منهن ينفي ما يدعيه عليه الآخر، حتى وضعوا أيديهم على بطونهم التي امتلأت من أكل الكعكة، فضحكت لانا وهي ترى وجه مريم وفمها ملطخ بشوكولاتة الكعكة. لانا ضاحكة: أصبحتِ مضحكة يا مريم. فتشير مريم على فمها وأنفها الصغيرين وتضحك قائلة مثلها بطفولة: وأنتِ يا لانا أصبحتِ مضحكة. ويقتربوا من إحدى المرآيات التي يضمها المطعم حتى ينظروا لوجههم ضاحكين. فيتأملهم هو من بعيد بعدما داعب خصلات شعره الأشقر. .................................................. ............. تسطحت نهال على فراشها وهي تستمع لكلمات طارق إليها بعدما عُقد قرانهما، حتى ضحكت قائلة: طب وبعدين عملت إيه؟ ليهمس طارق في الهاتف قائلاً: بعشق ضحكتك، ارحميني شوية يا نهال مش قادر. لتتمايل في فراشها وهي تهاتفه قائلة: أنت بتحبني أوي كده يا طارق، طب امتى وإزاي مع إنك مشوفتنيش غير مرتين بس قبل خطوبتنا؟ فيتنهد طارق قليلاً بعدما اعتدل برأسه على وسادته: كل اللي أقدر أقولهولك يا نهال إني أول ما شوفتك حسيت إن روحي بتنسحب ليكي وقلبي دق جامد أوي وكأنه عايز يقولي هي دي نصك التاني اللي بتدور عليه. ثم صمت للحظات حتى قال بسعادة: طارق: اللمعان اللي في نظرة عينيكي وابتسامتك الهادية بقيت هي كل حياتي، ربنا يقدرني وأقدر أسعدك يا حبيبتي. فأدمعت عين نهال وهي تستمع لحديثه حتى اعتدلت من على فراشها. نهال: طارق خليك ثواني بس معايا. ليظل طارق ينده عليها من خلال الهاتف حتى سمع صوتها. نهال: أنا هقفل دلوقتي، وأنت افتح حسابك الشخصي وبعدين ادخل على صفحتي وابقى شوف الصورة اللي حطيتها. وأغلقت الهاتف سريعاً وهي تتأمل تلك الصورة التي تضم رجلاً يقف وخلفه امرأة تتحامى في ظهره وعلى الصورة عبارة (متخافيش). لتفيق نهال من التطلع إلى تلك الصورة على تعليقه: هبقى أمانك وسندك طول عمري يا حبيبتي، متخافيش. لتبتسم نهال عند رؤية تعليقه، وضغطت بأصابعها على لوحة مفاتيح حاسوبها: ربنا يخليك ليا. ليسقط أمجد بأعينه على تلك الكلمة بعدما أنهى تصفح حسابها ومعرفته بأنها أصبحت ملكاً لغيره، ولكن عبارتها هذه إليه وتبادلهم مشاعر الحب قد جعلته يضغط على قبضة يديه بقوة ويتطلع بقهر عبر تلك الشاشة فتظهر غيرته لأول مرة. فقد نسي بأن حبيبته الطفلة يوماً ما ستصبح لها عاشقاً متيماً بها.. كما اتخذ هو زوجة وعاشقة أخرى. .................................................. ................. احتضنته سارة بقوة وهو يراقصها حتى قالت هامسة وهي تتحسس خده الأيسر بنعومة: أشتقتلك كتير يوسف، سارة نفسها تبقى علطول معك. ليبعدها يوسف عن أحضانه قليلاً قائلاً بابتسامة هادئة: الفستان يجنن عليكي، واقترب من إحدى أذنيها كي يهمس لها بما يريده.. حتى ضحكت بشكل مثير قائلة: سارة كلها ليك. فيقترب منهم فادي وهو يبتسم على ذلك الاندماج الذي في صالح صفقاته: لبنان كلها نورت بوجودك جو. فبادله يوسف بابتسامة واثقة: أكيد لبنان منورة بيك، ثم نظر إلى سارة التي تقف بجانبه: وبسارة. فلمعت عين سارة بتلك النظرة الشاغفة حتى ابتعدت عنهم. فاقترب منه فادي وهو يبتسم: أنا حاسس أنك معجب بسارة كتير يوسف. فنظر إليه يوسف طويلاً بعدما أخذ مشروبه المثلج من أحد النُدُل وبدأ يحتسيه بمذاقٍ خاص: أكيد سارة عجباني يا فادي، بس مش بالطريقة اللي أنت بتفكر فيها يا عزيزي. .................................................. ............... بدأت مريم في أعمال يومها المعتادة منذ ذهاب ريما، ووفاة العجوز عدنان، فنظرت إلى الجرح الذي بيدها بألم، فقد شردت في حزن سيلا الذي ذكرها بحزن طفولتها على والدها وجرحت يدها دون قصد. ليأتي أرناف من خلفها قائلاً: مريم السيد جون، أعطاني باقية الوقت المتبقي من العمل كي أذهب في نزهة مع أصدقائي، فأغلقي أنتِ المطعم فضلاً منك. فابتسمت مريم عندما رأت ابتسامة ذلك الشاب الصغير الذي يُذكرها بإخوتها: موافقة بس بشرط. فنظر إليها أرناف بتعجب حتى علت الابتسامة وجهه وهو يسمعها تقول: اتبسط وقضي وقت لطيف مع أصدقائك بس بعيد عن الملاهي الليلية. فضحك أرناف وهو يستمع لحديثها الذي يذكره بحديث والدته حتى قال بسعادة: أرناف بقى يسمع كلام روزينا ومريم. وابتسم وهو يودعها: أوعدك مريم أنها هاتكون نزهة لطيفة وفقط دون أي شيء في بالك، وسأجلب لكي الحلوى التي تحبينها. وأنصرف تماماً من المطعم، ليأتي جون قائلاً ببرود: انتبهي لعملك فلن أسمح بأي تقصير، ولولا حاجتي لكي لكنت طردتك من العمل. .................................................. ................ تأمل أحمد أروى التي تجلس معه في أحد الكافيهات بملابسها الضيقة، فنظر إليها بضيق قائلاً: أروى اتعدلي بقى في لبسك. فتعجبت أروى من صراخه المفاجئ فهي تفعل كل هذا لأجله، فنظرت إليه طويلاً. أروى: مش أنت عايزني كده يا أحمد؟ فصرخ أحمد بوجهها بضيق: مش كل ما أقول حاجة تقولي ليا نعم، وتمشي ورايا زي الهبلة.. أروى خليكي قوتي مش ضعفي وساعديني أتغلب على شهواتي. فتأملت أروى كلامه الذي يتنافى مع طباعها حتى قالت بابتسامة هادئة: حاضر حبيبي اللي تشوفه، ها هتطلع معايا بقى رحلة شرم اللي النادي مطلعها؟ فارتشف أحمد القليل من قهوته وتنهد قائلاً: ما أنا قولتلك مش فاضي يا أروى. فابتسمت أروى قائلة: يا حبيبي دول يومين الإجازة بتاعتك، يعني مش هعطلك عن شغلك، واقتربت منه لتلامس يده قائلة: عشان خاطر أروى حبيبتك، وافق يا حبيبي. فتنهد أحمد قليلاً حتى قال بابتسامة هادئة: دي آخر رحلة هنطلعها سوا قبل ما نتجوز. فابتسمت وهي تتأمل ملامحه الرجولية التي تعشقها: موافقة يا حبيبي. .................................................. ................. أنهت مريم كل أعباء يومها بعدما أصبحت بمفردها في ذلك المطعم، ولكن ليس عبء العمل هو ما يُتعبها إنما عبء وجود ذلك المدعو جون بأحاديثه البغيضة، فنظرت إلى آخر اثنين من الزبائن وهم يغادرون فتنهدت براحة وذهبت إلى داخل المطبخ حيث توجد غرفة جانبية توضع بها بعض المتعلقات الشخصية، وبدأت تزيل ذلك اليونيفورم الذي ترتديه فوق ملابسها حتى وجدته يقف خلفها يتابع حركتها بوقاحة. جون: كم أنتِ جميلة أيتها الحورية، ثم ضحك بقوة وهو يقترب منها. جون: أريدك لي! فألجمت الصدمة فاها وهي تراه يقترب نحوها حتى صرخت بوجهه، فتأملها هو بخبث. جون: لقد أغلقت باب المطعم من الداخل ولا يوجد غيرنا، سنستمتع بتلك الليلة حبيبتي. وتأملها قليلاً بعدما دفعته عنها بقوة. جون: أحبك يا مريم، بل أعشقك وكل ما أفعله فيكي هو بسبب حبي لكِ الذي أسرني. فدفعته مريم عنها ثانية وهي تصرخ بوجهه: أنت مجنون، أنت أكيد مش إنسان طبيعي.. كان لازم أسيب المطعم ده من زمان. فابتسم جون بعدما بدأ يفك أزرار قميصه: هوووش بلاش صوت عالي عزيزتي.. أريد أن أرى شعرك وجسدك. فكانت تلك الكلمة كفيلة بأن تصفعه على وجهه بحدة: أنت مريض، مريض. فدفعها جون بقوة حتى سقطت على الأرض وبدأ يقترب منها، ولكنها استطاعت أن تنهض سريعاً وتلتصق بالحائط. مريم بخوف: أرجوك مستر جون سيبني أروح لحالي. فقهقه جون بقوة وهو يتأمل خوفها: متخافيش عزيزتي، سنتزوج بعد أول علاقة بيننا لا تقلقي لن أتركك. فتأملت ذلك التمثال الموضوع على أحد الطاولات القريبة منها، حتى هدأت قليلاً قائلة بهدوء: طيب أنا هعمل كل اللي أنت عايزه بس، وظل بصرها عالقاً خلفه حتى فزع جون من نظراتها نحو الجهة الأخرى، فالتف كي يرى ما تتطلع إليه هي حتى مدت بيدها سريعاً للتمثال.. فحوّل جون بصره نحوها سريعاً كي يتفادى هجمتها ولكن دفعتها هي له بذلك التمثال كانت أسبق وأقوى.. فسقط جون مغشياً عليه من دفعة ذلك التمثال الرخامي. فنظرت إليه مريم طويلاً وهي تبكي... وانحنت بجسدها نحوه كي تراقب نبضات قلبه وتنفسه، وعندما أدركت بأنه ما زال حياً، أخذت حقيبتها وركضت نحو باب المطعم الذي وجدت به المفتاح من الداخل، فتأملت حركة الناس الهادئة وحبست دموعها وهي تسير أمام أعينهم، ولحسن حظها وجدت حافلة آتية فأستقلتها بخوف وهي تتذكر مشهد جون وهو سكير والرغبة تمتلك أعينه. وبعد نصف ساعة كانت تهوي على فراشها باكية. مريم: كان لازم من زمان أسيب المطعم، ريما مشيت والسيد عدنان مات. وظلت تبكي حتى غفت دون أن تشعر. .................................................. ............. مر يومان على تلك الحادثة وكانت مريم حبيسة غرفتها دائماً حتى هاتفها قد أغلقته كي لا تستطيع سيلا التواصل معها، فحمدت ربها بأن مكان غرفتها في ذلك المسكن لا تعلمه سيلا. فنظرت إلى بعض الأوراق التي بيدها لتتأمل عناوين عمها السابقة في تلك البلدة.. وأخذت حقيبتها وانصرفت وهي تتمنى أن يدلها أحد على رقم هاتفه الجديد كي تستطيع التواصل معه من أجل أن يعطيها ثمن تذكرة الطيارة للعودة إلى مصر. .................................................. ............. نظرت ريما إلى الرجل النائم بجوارها وهي تبكي بصمت، لتتذكر تهديد زين لها بذلك الفيديو الحقير الذي اتخذه إذلالاً لها كي تعمل معه كفتاة ليل في ملاهي أمريكا الليلية.. فبعد زواجهما بيومين وفرحتها التي لم تدم. (فلاش باك) استيقظت لترى نفسها بجانب رجل لا تعلم من أين أتى وكيف أتى إلى غرفة نومها... ولكن ما فهمته لاحقاً بعدما صرخت في الرجل النائم ودخل زين عليهم دون أي رد فعل منه على اغت..صاب حقه في زوجته، ووقف بابتسامة واسعة ليعتذر للرجل على ما حدث، وأنهضها من على الفراش بعدما لفت جسدها العاري ليقول وهو يتفحصها بوقاحة: حبيبتي ريما الفلوس اللي هناخدها من الشغلانة دي هتعيشك ملكة، وهيبقى ليكي اسم كمان في المجتمع الغربي وسط كبار البلد. ريما صارخة: أنت بتقول إيه يا زين، أنت اللي عملت فيا كده وعريتني. لتتذكر بتشويش ما حدث أمس بعدما ارتشفت القليل من ذلك المشروب الذي لا تعلم نوعه: أنت، أيوه أنت فعلاً اللي جبت الراجل ده هنا وسبتني معاه وأنا كنت زي السكرانة، وتذكرت كل ما حدث بينها وبين الرجل من ليلة مثيرة. حتى صفعته قائلة: يا حقير، يا حيوان... طلقني أنا مش ممكن أعيش معاك، أنا إزاي اتخدعت فيك كده وصدقتك؟ زين ضاحكاً وهو يلوح بأحد الأسطوانات التي بيده أمامها: طب لما أشوف رد فعلك هيكون إيه بعد ما تتفرجي على الفيديو ده.. اللي ممكن أرفع بيه قض..ية عليكي وأقول زوجتي كانت بتزني في أوضة نومي.. هاا تفتكري هيبقى ليكي صوت؟ فأدمعت عيناها وهي تتأمل وقاحة ذلك الرجل الذي يدعى زوجها حتى قالت بترجٍ: زين حرام عليك سيبني أروح لحالي، أبوس رجلك. وانحنت بجسدها كي تقبل قدميه حتى تحرك قائلاً ببرود: أنتِ خلاص دخلتي اللعبة يا ريما وبقيتي معانا.. ومافيش تراجع ويا ستي أنا موافق أن مراتي تبات كل يوم في حضن راجل غيري مادام.. وحرك النقود الخضراء بين يديها. لتفيق ريما من شرودها على لمسات ذلك الرجل وهو يقبلها، وأغمضت عيناها وهي تترك له جسدها وروحها سابحة في عالم الأموات. .................................................. ................. ذهبت مريم إلى بعض العناوين التي تعلمها عن عمها، ولكن كل ما كانت تتلقاه... بأن لا أحد يعلم عنه شيئاً منذ أن غادر كندا وذهب إلى أمريكا... لتتذكر عنوان مقر شركته القديمة فذهبت إليها، ليقابلها أفراد الأمن بجمود.. ولحسن حظها كان صاحب الشركة يتردد في تلك اللحظة إلى مقر شركته، وعندما شاهد معاملة الأمن لها وقف يتأملها قائلاً: أنتِ مصرية؟ فعندما سمعت صوته ابتسمت براحة فقد كان هو أيضاً مصرياً ويبدو من شيبته أنه رجل طيباً.. فابتسم لها بود قائلاً: أنا بعتذر على دي المعاملة يا بنتي، بس أكيد أنتِ اتعودتي على الحياة هنا. فبادلتها مريم الابتسامة قائلة براحة: أنا بنت أخو محسن نعمان، أكيد حضرتك عارفه. فابتسم الرجل بطيبة: طبعاً يا بنتي، ماهو كان صاحب الشركة قبل ما أشتريها منه. مريم: أنا بس كنت عايزة أعرف رقم تليفونه الشخصي، أكيد حضرتك ممكن تعرفه وتساعدني لأني للأسف لما وصلت كندا هو صفى كل حساباته وسافر. فنظر إليها الرجل طويلاً حتى قال بوجه بشوش وهو يخرج هاتفه: خدي يا بنتي تليفوني أهوه اتصلي بيه، من حسن حظك أن لسا رقم عمك معايا لأن تعاملاتنا لسا مستمرة. ووقف بعيداً يحادث أحد الموظفين، حتى أتى صوت محسن قائلاً: أهلاً حمدي باشا، أخبارك إيه وأخبار الشركة إيه؟ فنطقت مريم بلهفة: عمي أنا مريم يا عمي. فصمت محسن قليلاً قبل أن يقول: أنتِ وصلتي لحمدي باشا إزاي، وبتتكلمي من على تليفونه ليه؟ فدمعت عيناها وهي تشكو له كل ما حدث معها. مريم: عمي أنا مش عايزة حاجة غير.. وقبل أن تكمل حديثها معه. محسن: سلام دلوقتي يا مريم عشان أنا مش فاضيلك هبقى أكلمك بعدين، يلا سلام. وأغلق الخط قبل أن يسمع استنجادها به كي تستطيع الحصول على مال لتعود لوطنها ثانية. فتأملها حمدي من بعيد بإشفاق، حتى اقتربت منه لتعطيه هاتفه قائلة بامتنان: مريم: أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي. فابتسم لها بحنان وهو يقول بلطف: ربنا معاكي يا بنتي. وانصرف من أمامها لتسمح هي لتلك الدمعة الحبيسة أن تسقط على خديها. .................................................. .............. وقفت سيلا تراقبه بشك قائلة: أين مريم يا جون؟ ماذا فعلت بها؟ فالتف جون بوجهه بعيداً عنها وهو يتحسس رأسه المربوطة الذي ادعى بأنها بسبب حادث بسيط على الطريق. جون: مريم، مريم إنها فتاة مزعجة.. هي من تركت العمل. فاقتربت سيلا منه بملامح مرهقة قائلة: لقد تغيرت كثيراً يا جون، أصبحت رجلاً قاسياً وكاذباً أيضاً. فجذبها جون إليه بغضب: سيلا اصمتي، وافهمي معنى كلماتك المهينة لي فأنا زوجك وحبيبك أنسيتِ حبيبتي حبنا؟ فذكرها بحب سنون مضت حتى قالت هي: من أجل لانا ومطعمنا جون أخبرني أين مريم، فنحن نحبها أرجوك. فامتقع وجه جون حتى قال بغضب: لقد طردتها، فقد كانت تسرق من إيراد المطعم!! .................................................. ............... اقتربت منه سارة بشغف لتتأمله وهو نائم، فاستيقظ هو. يوسف: صباح الخير. فابتسمت سارة وهي تتطلع إليه: كان نفسي تضل بلبنان، وما تسافر. فجذبها يوسف لأحضانه: ما أنتِ عارفة يا سارة أن عندي شغل كتير بكندا... وكمان ما أنا لسا معاكي أهوه. فارتخت سارة برأسها على ذراعيه. سارة: خلي بالك من فادي يوسف، صفقاته كتير مشبوهة ومش تمام. فتذكر يوسف بعض المعلومات التي جمعها عن فادي وأعماله غير الشرعية في بعض الأمور.. فضمها أكثر إليه: يوسف بقى عارف سارة كويس، عشان كده يوسف هيبقى صديق لسارة مش عشيق. فنظرت إليه سارة بحزن حتى قالت: بس أنا.. يوسف: إحنا قضينا أوقات لطيفة سوا سارة، بس أنا مش هقدر أكمل في علاقتنا دي مادام عارف أنك بتتعلقي بيا أكتر.. لازم نبعد عن بعض سارة.. بس تأكدي أني ديما هبقى جنبك ومعاكي. وربت على وجهها بحنان ليكمل حديثه: صديقة مو عشيقة. .................................................. .............. جلست على فراشها وهي تتأمل النقود القليلة التي في حوزتها فقد مر أكثر من أسبوع وهي تتفقد المطاعم والمحلات دون جدوى من أجل العمل... فدق باب غرفتها بطرقات بسيطة، فنهضت من على فراشها كي ترى من الطارق.. لتكون تلك السيدة التي تُسكنها تلك الغرفة في ذلك المنزل السكني. مريم: أهلاً مدام مادلين. فرمقتها مادلين بنظرات غاضبة: إذ لم تدفعي أجرة سكن الغرفة، فعليكي بالرحيل غداً أيتها العربية.. فنظر مريم بأسى إلى بعض الأموال القليلة التي بيدها وهي نصف ثمن تلك الحجرة. مريم: أنا معايا نص أجرة الحجرة بس، أوعدك أن يومين وهدفع الباقي. فأدارت مادلين ظهرها كي تنصرف قائلة بصوت غاضب: بعد غد ستتركين الحجرة إذا لم تدفعي المال، فأنا لدي من سيسكنها. .................................................. ............ الــــــفـــــصــــــل الـــــعــــــاشــــــــر وقفت مريم تنظر إلى آخر مطعم قد بعث فيها الأمل بأن تجد فيه وظيفة تناسبها، فخطت بخطوات بسيطة نحوه... وعندما وقفت أمام باب ذلك المطعم رأت إعلان التوظيف معلقاً، فصاحب العمل يريد جرسونة جديدة، فدخلت إلى المطعم ليأتي أحدهما من خلفها قائلاً باللهجة اللبنانية: ماذا تريدين! فالتفتت لترى من يحادثها، لتجد أمامها رجلاً في منتصف الأربعينات يتفحصها بنظرة لم تفهم معناها. ليبتسم الرجل وهو يتطلع إلى هيئتها قائلاً: هل تعلمين بما يختص به مطعمنا، أظن أنكِ تجهلين ذلك! فتأملت مريم المطعم الفارغ، فيبدو أنه مطعم ليلي. مريم: أكيد لتقديم المأكولات العربية. فابتسم الرجل وهو يتأمل سذاجتها قائلاً: بالطبع، ولكن ما تجهلينه أنه باراً لتقديم الخمور!!! .................................................. ......................... ابتسمت سالي إلى زوجها بعدما علمت بهوية من كان يهاتفه. سالي: أنت رايح تجيب يوسف من المطار؟؟ فنظر إليها أمجد طويلاً حتى قال بهدوء: لسا طيارته بعد 4 ساعات، هروح الشركة الأول وبعدين هروح على المطار. فاقتربت سالي منه كي تهندم رابطة عنقه قائلة بأنوثة: أمجد أنا آسفة، صدقني أنا كنت مأجلة موضوع الخلفه دلوقتي عشان أقدر أهتم ب ياسين وبيك. فابتعد عنها أمجد بجمود وهو يتفحصها ضاحكاً بسخرية: ولا تقصدي اهتمامك بالشوبينج والموضة. لتخفض سالي رأسها أرضاً مما قاله.. فيتحدث أمجد ثانية: مش عايز أتكلم في الموضوع ده دلوقتي.. ثم تركها وانصرف وهو يتذكر لحظة صياحه بها لرغبته في وجود طفل آخر وأن تذهب للطبيبة لترى سبب ذلك التأخير.. لتنطق هي دون وعي بأنها لا تريد هذا الآن وأنها تأخذ حبوب منع الحمل بانتظام حتى لا يحدث حملاً آخر. .................................................. ........................ نظرت إليها السيدة مدلين بتفحص حتى ذمت شفتيها قائلة: لن أصبر عليكي أكثر من ذلك. لتتطلع إليها مريم بإرهاق يصطحبه اليأس: أرجوكي مدام مدلين أديني يوم واحد بس فرصة تانية، أكيد صعب ألاقي وظيفة في يومين... ثم نكست برأسها أرضاً قائلة: ومقدرش أرجع بلدي لأن للأسف مش معايا تمن تذكرة الطيارة. لتمد مدلين بيدها قائلة: أعطيني مفتاح الغرفة، فالمستأجر الجديد سيأتي الآن ليستأجر الغرفة. فنظرت إليها مريم برجاء قبل أن تمد بيدها داخل حقيبتها لتخرج مفتاح غرفتها التي تقطنها في بيت تلك السيدة العجوز... حتى هدأت مدلين قليلاً لتقول: سأعطيكي فرصة يومان آخران يا مريم، ولن أسمح بإعطائك مهلة أخرى مهما فعلتي! .................................................. ......................... ابتسم يوسف لأمجد بعد أن دلفوا سوياً إلى السيارة، ليقول يوسف باسترخاء بعد أن مد برأسه للخلف: وأخبار صفقتنا الجديدة إيه يا أمجد؟ ليبتسم أمجد بسعادة قائلاً: أهي الصفقة دي بالذات أنا مهتم بيها أوي. فيضحك يوسف قائلاً: عشان طبعاً في مصر. أمجد بأمل: أنت ناسي أن مصر دي موطنا الأصلي ومهما هنتغرب لازم في يوم هنحن ليها. فيصمت يوسف قليلاً ليتذكر الماضي ويتذكر حديث جده عن معاناة أمه مع والده إلى أن اضطرت للهروب منه. يوسف: أنا عامل المستشفى دي عشان يفضل اسم جدي مخلد بمهنته وعشان أساعد الطبقة اللي قرب وجودها ينعدم في موطنا الأصلي.. وقال جملته هذه وهو يضحك ساخراً. فينظر إليه أمجد متناسياً سخريته من بلده قائلاً بألم: نهال كلها شهرين وهتتجوز يا يوسف... تفتكر دي مش مناسبة المفروض تبقى فيها وسطهم؟ فيتذكر يوسف صورة أخته وآخر أخبارها، ليقول بلامبالاة: أفتكر أني لما ههديها فستان قيمته بربع مليون جنيه كده مهمتي كأخ هتنتهي. وأشاح بوجهه بعيداً عن أمجد ناظراً إلى الهاتف المحمول الخاص به متأملاً حال البورصة الخاص بشركته... ويشرد أمجد في حب عمره الذي ضاع بسببه. .................................................. ........................ ابتسم أحمد لصديقه المقرب وهو يقول بسعادة: ياسيدي ياسيدي على الحب.. عارف أنت لو ماكانتش خلاص كتبت كتب الكتاب وبقيت حلالك كنت زماني موتك، نتلم شوية دي أختي على فكرة اللي عمال تقول فيها شعر دي. فيبتسم طارق بسعادة وهو يتطلع إلى حاسوبه الشخصي بعدما أنهى مكالمته مع نهال: أنت قولت أهو أنها مراتي. فيتابع أحمد عمله ليقول: على فكرة أنا طالع رحلة لشرم مع أروى آخر الشهر. فيتأمله طارق قليلاً بعدما أبعد أعينه عن ما كان يتطلع إليه ليقول: خد بالك يا أحمد بين الحرام والحلال شعراية واحدة. ويعود طارق إلى ما كان يتابعه حتى يقول أحمد بعدما ابتعد عن مكتبه واقترب من صديقه: تقصد أيه يا طارق.. تقصد أن علاقتي بأروى فيها حرام وحلال.. أنت ناسي أن أروى خطيبتي؟ ليرن هاتف أحمد في تلك اللحظة معلناً عن وصول رسالة، فيفتحها أحمد لينظر إلى بعض الصور التي بعثتها أروى إليه عبر أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي (واتساب) تجمعهم سوياً ليلة أمس عندما كانوا في إحدى النزهات النيلية وتم التقاطها لهم.. فنظر إلى يديه التي كانت تلامس جسدها والتصقت به ملابسها فأخذ يتأمل هيئتهم المقززة فلو كانت زوجته لخجل من منظرهم هذا. .................................................. ......................... تأملت سيلا مطعم والدها بأعين باكية وهي تشاهد كل جزء فيه حتى اقترب منها جون بملل: مافيش وقت يا سيلا، الطيارة فاضل عليها ساعتين. فاقتربت منها ابنتها لانا قائلة: ماما هو أنا مش هشوف مريم تاني؟ فتهز سيلا رأسها بضعف متذكرة حديث جون المخادع عن مريم والذي لم تصدقه قبل أن تقص عليها مريم ما حدث.. لتأتي صورة مريم أمامها وهي منكسة الرأس تطلب منها المساعدة، فأمسكت بهاتفها حتى أتى صوت أحدهما إليها: متقلقيش يا سيلا، لن أرفض لكي طلبك الوحيد حبيبتي. لتتنهد سيلا وهي تتذكر حب ذلك الشخص لها ورغم هذا لم تحبه يوماً.. ليأتي جون خلفها ويحتضنها بعدما صافح المشتري الجديد قائلاً: حبيبتي، هيا بنا فأسبانيا تنتظرنا الآن وأيضاً فيلتنا الصغيرة ستعجبك جداً. .................................................. ...................... وقفت مريم باضطراب وهي تتأمل ضخامة ذلك الفندق المشهور، ثم أتجهت نحو استعلامات الفندق ومن حسن حظها وجدت إحداهن تبتسم لها قائلة بسعادة: أنتي مصرية صح! لتبتسم مريم لتلك الفتاة ذات الوجه البشوش قائلة ببساطة: مش هسألك نفس سؤالك لأن واضح أنك مصرية. لتمد نور يدها لتصافحها قائلة: الغربة دايماً بتحسسنا بقيمة ريحة أهلنا وأول ما شوفتك ومن قبل ما تتكلمي حسيت بيكي.. قوليلي أقدر أساعدك بأيه؟ فتتأمل مريم حركة الزوار داخل الفندق قائلة: أستاذ نسيم أقدر أوصله إزاي؟ فتنظر إليها نور وهي تبتسم قائلة: ياستي المدير دلوقتي في اجتماع مع بعض الموظفين.. بس تقدري تنتظري لو عندك ميعاد معاه أم غير كده فاموعدكيش أنك... وقبل أن تكمل نور حديثها كان الهاتف يرن ليتحدث أحدهما معها لتقول هي بعدما صوبت أعينها على مريم: آه يا فندم هي موجودة قدامي ، تمام يا فندم! .................................................. ...................... جلست سعاد بتعب بعد أن انتهت من إحدى مشاجراتها مع زوجها عندما تذكرت ابنتها وغربتها بعيداً عنها.. لتقول بدعاء: يارب وقف لها ولاد الحلال، واهدي عليها خلقك. ليدخل فهمي في ذلك الوقت ناظراً لها بتهكم. فهمي: أنا خارج أقعد على القهوة مع صحابي، أهو الواحد يهدى شوية ويريح باله بدل الغم ده. لتتأمله سعاد بندم: أنا عايزة أروح القاهرة لشهيرة. فيمتع وجه فهمي بجمود حتى يقول ساخراً: مش شهيرة ومحسن هما أول ناس اتخلوا عن بنت أخوهم وهما اللي سافروها كندا... هتروحي تقوليلهم أيه وديني لبنتي؟ ويصرخ في وجهها بصياح: أيه بنتك بنتك، وولادك اللي بره دول مافيش أي مسؤولية ليهم، سعاد أنا صبري خلص لتهتمي ببيتك وولادك وتنسي بنتك خالص، و إلا أنتي... لتخفض سعاد بوجهها أرضاً نادمة على ذلك اليوم الذي قررت فيه بأن تتزوج من رجل آخر وتظلم ابنتها مع زوج أم .. فيخرج فهمي قائلاً: أنا عملت اللي عليا سنين طويلة ووفيت بوعدي وربيتها وعلمتها مش كفاية استحملتها وهي بنت الراجل اللي فضلتيه عليا زمان!! .................................................. ....................... اليوم هو ليلتها الثانية التي ستقضيها في كنف رجل آخر ليتمتع بجسدها، وقفت ريما تتأمل تفاصيل جسدها في ذلك الفستان الذي يغطي سوى القليل من جسدها، وامتدت يداها لتمسك إحدى زجاجات العطر فتفتح فوهة الزجاجة وتستنشق رائحتها قبل أن تنثرها على جسدها، ليبتسم زين بعدما أردف دخل حجرة نومهم. زين: تعجبيني وأنتي بتسمعي الكلام، أيوة هي دي ريما البنت اللي عرفتها زمان. فتبتسم له ريما بسخرية وهي تتأمله، وأدارت بوجهها سريعاً عنه لتكمل باقية زينتها. .................................................. ..................... نظرت أروى إلى أحمد الجالس بجانبها على الشاطئ قائلة بتمتع: يااا على الجمال يا أحمد.. شوفت أحنا مبسوطين إزاي؟ لينظر إليها أحمد بتمتع وهو يحتضن جسدها الملتصق بالملابس التي أبتلت بفعل الماء: فعلاً يا حبيبتي.. الرحلة دي جت في وقتها . ويقترب منها أكثر حتى أزاح حجابها الذي لا يغطي أكثر مما يكشف وقبلها من شفتيها وهو يقول: أنا خلاص اتعودت عليها. فابتعدت أروى قليلاً عنه قائلة دون وعي: وأنا كمان يا حبيبي. ويصبح حبهم مجرد متعة يجملها القلب لسذاجته ويشجعها العقل بشيطانه! .................................................. ....................... جلس يتطلع في بعض المجلات عن أخبار آخر صفقاته. ليبدأ هاتفه بالرنين ولكن تلك النغمة الغريبة لا تشبه أحد نغماته ليمد يديه دون أن ينظر على هوية المتصل الذي يعرفه جيداً فبالتأكيد أمجد سيخبره بأن هواتفهم قد تبدلت لتشابهمها. يوسف: عارف أن تليفوناتنا اتبدلت، هبعتلك السواق بالتليفون عشان.. وقبل أن يكمل حديثه السريع ويخبره بأن يبعث له بهاتفه أيضاً مع سائقه الخاص: سمع صوت أحدهم يبكي قائلاً: عبد الله: صوتك لسا في ودني يا بني.. رغم أن لسا جوايا ألم وأنت بترفض تقابلني من سنين بس لسا فاكره وحشتني يا يوسف. فينتفض يوسف من جلسته متطلعاً إلى وجهه في تلك المرآة التي أمامه.. ليرى كم أصبح مضطرباً، فيزيل الهاتف من على أذنه لينظر إلى الاسم المدون (خالي عبد الله).. ويعاود إلى سماع صوت ذلك الرجل الذي يهرب دوماً من أبوته منه. فتدمع عين عبد الله: مش هتقولي حاجة يا بني.. ليسمع صفير إغلاق الخط.. متطلعاً بحسرة في وجه ابنته نهال التي تنظر إليه بعتاب على هذا الحب لذلك الابن العاق. .................................................. ......................... كانت تركض وهي باكية الأعين.. تتذكر عمها ونظرته لها بل الأصح نكرانه منها فتهبط دموعها بقوة وهي تتذكر: أيتها الفتاة العربية، اذهبي إلى الطابق الثالث لتنظيف غرف النزلاء... كانت هذه عبارة إحدى المشرفات المسؤولة عن خدمة الغرف. لتسير مريم ببطء وهي تحمل بعض الشراشف الجديدة الخاصة بالغرف، وتبدأ في مهمتها التي بدأتها منذ أسبوعان. إلى أن وقفت بعناء دام ساعتين أمام آخر غرفة ممسكة بمفتاح تلك الغرفة لتفتحها بعدما ترك نزليها مفتاحها من أجل التنظيف... لتدخلها وتبدأ في تنظيفها. وبعدما أنهت تنظيفها ألقت بنظرة أخيرة على عملها بنظرة رضي وكادت أن تفتح باب الغرفة لتغادرها قبل أن يأتي نزيلها... ليقول أحدهم وهو في حالة سكر: مرحبا يا حلوة، ثم بدأ يتفحصها بمتعة: امرأة محجبة، آها.. كنت أود أن أرى فتاة شقراء ذات تنورة قصيرة لا بأس منك الآن. ويترنح قليلاً حتى يقترب منها مغلقاً الباب بقدميه قائلاً: سنقضي الليلة سوياً وستأخذي ما تريدينه، وأخرج النقود من جيبه وهو يقترب منها فتبكي بخوف وتدفعه عنها بقوة صارخة به، فيسقط برأسه على حافة إحدى الأرائك وينبطح أرضاً مغشياً عليه. لتنصدم مريم ممن حدث وكأنه حلماً وتقترب منه لتجده ينزف فتنهض سريعاً باكية: يارب أنا هتصرف إزاي، وتفتح باب الغرفة سريعاً لتستنجد بأحد ولكن: أين ماجد ابني أيتها الفتاة، وتدخل الغرفة بعجلة حتى يسقط بصرها على ابنها المطروح أرضاً قائلة بصراخ: أقتلتِ ابني أيتها الحقيرة؟ وتجلس بجانب ابنها ببكاء حتى نهضت سريعاً لتجلب هاتفها من حقيبتها التي أسقطتها أرضاً من صدمتها. وتمسك بذراع مريم قائلة: سأتصل بزوجي ليبلغ الشرطة حالاً. فقد ألجم لسانها كل ما حدث حتى قالت بضعف: أنا... فينصدم ذلك الرجل الداخل حجرة ابنه بعجالة قائلاً بريبة: مريم، بتعملي أيه هنا؟ لتبكي زوجته قائلة: استدعي الطبيب حالاً يا محسن فحياة ابني بخطر بسبب هذه الفتاة. فينظر محسن إلى ابنه الراكض وهو يهاتف طبيب الفندق ليستعجله، حتى أمسك ذراع ابنة أخيه قائلاً: انطقي بتعملي أيه هنا، بقي أنتي البنت اللي ضحكتي على ابني وأدمنته في حبها وخلتيه ياخد من فلوسي ويصرف عليكي بتضحكي على ابني يا مريم لعبتي عليه عشان تنتقمي مني... فعلاً رخيصة زي أمك. لتصرخ زوجته قائلة: استدعي الطبيب محسن، وتحرك ابنها ببكاء. لحظات قضتها وهي تنتظر أن ينطق الطبيب بكلمة واحدة ليبرئها أمام نظرات مديرها وعمها وزوجته... ليبتسم الطبيب قائلاً: مافيش حاجة تستدعي لكل ده الإغماء بسبب حالة السكر الشديدة والخبطة اللي جت على رأسه سطحية مش أكتر. لينظر نسيم الذي قد جاء على لهفة مما حدث في الفندق التابع لإدارته حتى قال بأسف: يعني كلام مريم صح. ويلتف إلى مريم الواقفة بصدمة ترتجف ممن حدث حتى قال بأسف: أسف يا مريم فنحن ظلمناكي، وكل حاجة واضحة من غير ما تفسرلنا. لينظر إليها عمها بكبر قائلاً دون أن يعتذر عن سوء ظنه بها بعدما أخبرته زوجته أيضاً أن الفتاة التي يحبها ابنه وتضحك عليه ليست هي تلك الفتاة... إنما الأخرى راقصة في أحد الملاهي الليلية. محسن: أنتي إزاي تشتغلي الشغلانة دي أنتي جاية هنا تفضحيني!! عبارات كثيرة قد جاءت بذهنها وهي تسير تحت الأمطار الغزيرة التي بدأت تهطل بقوة على جسدها وهي تستعيد شريط ذكريات كل ما حدث لينير بقوة في أعينها الباكية ذلك الضوء القوي... حتى تقف دون قدرة على تحريك جسدها لتخطي تلك السيارة الآتية في اتجاهها. ليرتطم جسدها أرضاً بقوة!! .................................................. ......................... صوت ضحكاتهم العالي كان يحاوطهم حتى قال أحمد بتعب من كثرة الضحك: كفاية يا أروى يلا روحي على أوضتك، عشان عايز أنام.. إحنا سهرنا كتير. فتبتسم أروى وهي تتذكر هيئتها عندما كانت تتسحب على أطراف أصابعها بين الغرف كي تصل إلى غرفة خطيبها قائلة: ليه خلينا نسهر كمان. واقتربت منه كي تلامس بعض الحبوب التي اكتست وجهه قائلة: قولتلك بلاش تستعمل الكريم ده يا حبيبي. فنظر أحمد إلى قربها الجامد منه حتى أسقطها على أرجله ليدغدغها ضاحكاً: ما أنتي طلعتي بتغيري أهو أومال أيه، أنا لاء أبداً. لتضحك أروى بقوة: خلاص يا أحمد كفاية ضحكت. فيتنهد أحمد قائلاً: خلاص عفوت عنك، ولكن سقوط عيناه على صدرها الذي يعلو ويهبط بقوة بسبب تنفسها المضطرب جعله يقترب منها ليزيل خصلات شعرها التي تناثرت بعشوائية على وجهها مقترباً منها قائلاً: أروى أنا عايزك دلوقتي ليا أنا وبس! .................................................. ..................... دوار شديد اصطحبه وهو يطرح المشفى الخاص به بخطى سريعة متأملاً ساعته كل دقيقة وهو ينتظر خروج الطبيب ليطمئنه عليها. ليخرج الطبيب بتعب قائلاً: ليست الحالة مستقرة ومش هنقدر نبلغك أي معلومة مستر إدوارد. فيتنهد يوسف بتعب قائلاً: أرجوك دكتور ريمون افعل أي شيء كي تشفى. فيربت الطبيب على أحد كتفيه قائلاً: لا تقلق سيدي! ليذهب الطبيب ويأتي أمجد قائلاً بترقب: طمني يا يوسف. فينظر إليه يوسف طويلاً ليقول بندم: البنت اللي خبطتها مش هتصدق هي مين يا أمجد....!! ليتأمله أمجد بترقب حتى يقول يوسف..... الـــفـــــصـــــل الـــــحــــادي عــــــشــــــــر وعندما تطلّع إلى خوفها الذي يكسو وجهها، شعر بمدى ذنبه تجاهها.. فبدأ قلبه يتألم بقوة لما حدث لها بسببه، فلو كان منتبهاً للطريق جيداً لقد كان استطاع أن يتفاداها، فتأملها من على مقربة دون وعي منها لوجوده... فقد كانت تقف أمام شرفة حجرتها بقصره تتأمل سقوط حبات الجليد بعمق وبأعين ضائعة..... ليتذكر هو حديث الطبيب وهو يقول له: للأسف مستر يوسف، الحادثة أثرت على جزء من الذاكرة، ومش هتفتكر حاجة غير مرحلة طفولتها اللي قضتها مع والدها وبس، لأن تقريباً كان بالنسبة ليها شيء كبير، ولما اتصدمت في كل الناس اللي حوليها، قبل الحادثة مباشرة مكنتش بتفتكر غير في ذكرياتها معاه، وللأسف ده أدى أن العقل يشتغل على الجزء ده وبس، لأنها رافضة ذكرياتها التانية، حالة مريم حالة نادرة أوي، بس مش صعبة، هي بس متوقفة على أنها ترجع تتقبل أن الطفلة اللي بتشعر بالأمان في حضن والدها خلاص كبرت، ومبقتش طفلة، وده طبعاً العقل مش متقبله، بس لو العقل رجع يتقبل الفكرة دي هترجع لحالتها الطبيعية وده متوقف على إحساسها بالأمان، يعني كل تفكير مريم وذكرياتها مع والدها وبس دلوقتي، يعني عقل طفلة بيتجسد في امرأة بالغة للأسف...!! فيفيق على صوت ندائها قائلاً بألم: كنتِ سرحانة في إيه بقى يا مريم؟ لتتطلع إليه هي بأعين مغمضة بعدما ابتعدت عن تأملها لمنظر الجليد الذي يهطل: أنا عايزة بابا يا يوسف. فيبتسم لها ابتسامة حانية وهو يقترب منها: ما أنا معاكي أهو بدل بابا.... فتقترب هي منه بدموع: طيب هو فين، ماما بتقول مات، هي ماما كمان فين، أوعى تقول ماتت! فيحتضنها بقوة بأعين دامعة ليقول: سامحيني يا مريم، أنا آسف. فتبتعد عنه قائلة: أسامحك على إيه أنت عملتلي حاجة؟ ثم نظرت له قائلة بتعجب: أنت بتعيط ليه، هو أنت باباك كمان مات؟ فيتأملها بأسى ويلمس وجهها بحنان.. حتى أعلن هاتفه بالرنين، لينظر إلى المتصل وإليها ويخرج سريعاً من غرفتها قائلاً: أيوه يا أمجد، أنت وصلت؟ لتتابع خطواته هي فتخرج خلفه، متأملة ذلك المكان الواسع الذي لا يشبه ذلك المشفى الكريهة برائحة أدويتها التي قضت فيه أكثر من أربعة أشهر فاقدة للوعي من كل شيء حولها، واقتربت من أحد الكريستالات اللامعة وظلت ناظرة لها، فتابعها يوسف بأعين قد استحوذ الألم جزءاً كبيراً منها قائلاً بحنان وهو ينده على خادمته: خدي مريم يا كيندا لأوضتها. فتهز الخادمة رأسها بالإيجاب، لتتطلع إليه هي قائلة: أنا هروح معاها فين؟ فيبتسم قائلاً: أوضتك يا حبيبتي، عشان في ضيوف جايين دلوقتي، أسمعي بقى الكلام مش أنتي بنوتة مطيعة؟ فتنظر إليه بابتسامة بسيطة، وتسير مع الخادمة وهي ناظرة له. وما من لحظات، قد كان أمجد يدخل من باب القصر، هو وعمها، فوقف متأملاً المكان بأعين كالصقر قائلاً: يوسف أدور، إمبراطورية أدور العملاقة. فيمد يوسف بيده قائلاً: أهلاً محسن باشا! فيبتسم محسن ابتسامة زائفة ليقول: فين المحامي عشان نتمم عقد الزواج.. ثم نظر إلى ساعته قليلاً: لازم بعد ساعتين أكون في المطار. واقترب منه قائلاً: أوعى تنسي الصفقة اللي بينا يا يوسف باشا، الصفقة دي بجد مهمة أوي لشركتي، أنت عارف كويس الأزمة المالية اللي بمر بيها في أمريكا... فيبتسم يوسف بسخرية على ذلك العم، الذي لم يفكر بابنة أخيه للحظة ولا بحقها منه بسبب ما فعله بها من حادث قد جعلها تقيم أربعة أشهر طريحة الفراش في المشفى، وبرغم من علمه بكل شيء حدث لها، ولكن قد أعْمى المال عيناه قبل قلبه. وما كانت سوى لحظات قليلة ينتظرون فيها كلمتها التي لم تدرك معناها سوى أنها ستجعلها دائماً معه... مع من أعطاها الاهتمام طيلة مرضها وضياعها وكأنها طفلته الصغيرة.. أو كأنه فارسها كما يتخيل الأطفال بعدما نقص عليهم قصة سندريلا وأميرها، فهذا كله ما كان يدور بخلدها الذي أصبح كالأطفال لتقول أمام ذلك الرجل الذي بعثته السفارة كي يتم وثيقة زواجهما: مريم: موافقة! فيبتسم يوسف لها وهو يتذكر تلك اللحظة التي دخل عليها في غرفتها ووجدها تتطلع إلى زرقة السما وكأنها تنتظر شيئاً منها، ليقول لها عرضه بأن تقبل أن تتزوجه، كي يُسعد والدها بذلك ويظل هو بالقرب منها، لتقول له بدون وعي: أنا وأنت نتجوز إزاي، وبابا هيفرح إزاي؟ أنت بتضحك عليا صح عشان أنا طفلة؟ فابتعدت عنه بأعين دامعة: أنت وحش، وخاطفني، يوسف اللي كان بيجيلي في المستشفى ويلعب معايا ويحكيلي قصص حلوة. فيقترب منها بحنان قائلاً: طيب لو مريم قالت، قدام الناس اللي تحت أنها موافقة تتجوز يوسف، ممممم هنروح الملاهي أنا وأنتِ وياسين، فاكرة ياسين يا مريم؟ فتبتسم ابتسامة صافية، قد دق قلبه طبولاً من أجلها: موافقة. ويفيق من شروده، عندما سمع صوت أمجد يهنئه بعدما غادر الضيوف دون أن يشعر: مبروك يا يوسف! وتصبح لتلك الكلمة رنين في أذنيه، فيغمض عينيه للحظة وهو يمسك ذلك العقد بيده، ويتطلع إلى اسميهما معاً. .................................................. ................ وعندما تجمعت الدموع في عينيه وهو يتذكر صوته، اهتز جسده بقوة فيبكي فرحاً، لتأتي ابنته إليه والبسمة على وجهها، دموع الفرحة دي بقى يا سي بابا، مممم كل ده عشان يوسف؟ فيتطلع إلى ابنته بحب قائلاً: أنا كده لو مت، هكون اطمنت عليكي أنتِ وهو، يوسف وخلاص بدأ يحن ليا أمجد بيقولي إنه بدأ يسأل عني كتير وأنتِ وخلاص أهو كلها أسبوعين وتتجوزي أنتِ وطارق وأطمن عليكي يا بنتي وأهو الحمد لله خفيت والدكتور طمنكم، ومبقاش في داعي إنك تأجلي جوازك عشاني أكتر من كده. فتبتسم نهال لفرحة والدها: كل ده عشان يوسف كلمك مرة واحدة بس؟ فيشرد عبد الله قليلاً: أهي المكالمة دي أدتني أمل حتى لو كانت دقيقة واحدة فيها كلمتين بس... بس برضو الأمل بقى عندي إن في يوم أضمه لحضني. ثم تطلع إلى ابنته بحزن قائلاً: بس أحمد، هو اللي بقيت خايف عليه، أحمد اتغير أوي يا بنتي حتى علاقته مع خطيبته اتغيرت مبقاش طايقها ولا حتى عايز يتجوزوا. فتتأمل نهال والدها قائلة: ادعيله يا بابا ربنا يصلحله حاله. ليتطلع إليها والدها قائلاً: ديماً يجي البيت نص الليل صح؟ وينظر إلى تلك الأدوية التي بجانبه. فتتأمل نهال معالم وجه والدها الحزينة قائلة: بالعكس ده بيسأل عنك كل يوم في التليفون، ما أنت عارف إنه بقى مشغول في شركته، وبقى عنده مسؤوليات.. فتنظر إلى والدها قائلة بمزاح: ابنك بقى مهم يا حاج عبد الله، وكلها كام سنة ويبقي أصغر رجل أعمال في البلد كلها. فيتطلع إليها بألم قائلاً: هيبقى رجل أعمال بفلوس لسه لحد دلوقتي مش مصدق جابها إزاي؟ فتقترب كي تطبع قبلة حانية على يديه، متأملة ذلك الحزن الذي داخل عيونه على أشقائها!! .................................................. ............. وعندما حملها برفق بعد أن نامت على تلك الأريكة بتعب، بسبب ذلك اليوم، الذي قد أنهكهم من اللعب، وضعها بحنان على الفراش وهو يتطلع إليها بحب، فيزيل حجابها عنها بحب، متأملاً خصلات شعرها بنية اللون ليظل يداعبهم، حتى تنتفض من نومتنا، فيأخذها بين أحضانه قائلاً: متخافيش يا حبيبتي. فتنام بين ذراعيه قائلة: شوفت ياسين هو وبيشوط الكورة، وبيضربني بيها! فيبتسم إليها قائلاً بعد ارتخت بين ذراعيه: وبنوتي الحلوة طبعاً مسكتتش، فضلت تجري وراه لحد ما تعبوا هما الاتنين، وأنا كمان تعبت من شقاوتهم. فتغمض هي عيناها قائلة بتثاؤب: هو ليه ياسين مش عايش معانا هنا، خلي أمجد يدهولك يا يوسف. فيبتسم إليها يوسف بعدما أحاطها بذراعيه ودثرها بالغطاء: عشان ياسين ابن أمجد وسالي، إزاي بقى هيعيش معانا ومش هيعيش مع أمجد؟ فتبتعد هي عنه قائلة: أنا مش هكلمك تاني يا يوسف، عشان أنت بتضحك عليا، أنت قولت لو مريم طلبت مني أي حاجة أنا هجيبهالها، أنت ضحكت على مريم. ليتنهد باسماً: طيب ما إيه رأيك تجيبنا أنتِ نونو صغير، يبقى بتاعنا إحنا وبس؟ فتلمع تلك الفكرة في عينيها حتى تنهض من جانبه، مقتربة من تلك العروسة الموضوعة على الأريكة التي تضمها غرفتهما، لتأتي إليه ثانية قائلة: خلاص النونو ده هيبقى بتاع مريم ويوسف، بس هي مش بتتكلم ولا بتلعب زي ياسين. فتفر دمعة من عيناه بدون قصد، فهو من جعلها تصبح هكذا ليقول: في نونو تاني ممكن مريم تجيبه، بس مريم تسمع كلام يوسف، وتنام في حضنه. فتقفز على الفراش ثانية بجانبه قائلة: مريم هتكون شاطرة وهتسمع كلام يوسف. فيقترب منها ليضمها بقوة قائلاً بهمس: مش قادر أستحمل أشوفك كده.. فتتطلع إلى وجهه الحزين قائلة: أنت زعلان ليه يا يوسف، هو أنا زعلتك؟ فيبتسم قائلاً وهو يحتوي وجهها بكلتا كفيه: في حد يزعل من الملاك ده، طب إزاي! فتبتسم بعفوية، قد جعلت قلبه يبتسم قبل شفتاه، ويقترب منها حتى يقبلها على كل أجزاء وجهها حتى اقترب من شفتيها ليلمسها بأصابعه أولاً، ولكن دموع خوفها منه قد جعلته يدرك ما سيفعله، فابتعد عنها قائلاً بخوف: خلاص يا مريم أنا آسف، متخافيش. فتبتعد عنه قائلة بدموع: أنا مش هنام معاك تاني، أنت وحش يا يوسف وحش، وبتخوفني، وتنهض كي تغادر الغرفة ببجامتها الطفولية، ليجذبها من ذراعيها قائلاً: ويوسف مش هيعمل حاجة تاني تزعل مريم، وكمان كده تسيب يوسف ينام لوحده ومتحكيش ليه حدوتة؟ فتنسى كل شيء، وتضع يدها على خصرها قائلة: أنت اللي عليك الدور تحكي حدوتة لمريم. فيحتضنها بحب، حتى تقول: لو حكيت حدوتة حلوة هفضل معاك، ومش هسيبك في الضلمة لوحدك. فيبتسم قائلاً بتفكير: مممم، وأنا موافق يا ستي. مريم بطفولة: ها، أحكي! ليضحك هو قائلاً: هنحكي وإحنا واقفين كده، تعالي ننام طيب. لتتذكر ما فعله فتقول بغضب: لأ مش هنام جنبك عشان أنت قليل الأدب. وبدون أن يشعر وجد نفسه يضحك بشدة قائلاً بتنهد: أنا قليل الأدب يا مريم؟ مريم بطفولة: أيوه، عشان أنت كنت عايز تبوسني هنا، فتشير على شفتيها... ليتنهد وهو ناظر لها بحب: طيب تعالي نقعد هنا يا ستي. فتتطلع هي إلى تلك الأريكة، ناظرة أيضاً إلى تلك الوسادات الملقاة على الأرض لتعطي مظهراً للغرفة: لأ تعالي نقعد هنا أحسن. فيجلس على تلك الوسادة.. فاتحاً لها ذراعيه، لتنظر إليه هي بخوف، حتى يطمئنها هو بنظرة من أعينه التي باتت تفهمها. فتقترب منه، ليحتضنها هو ويبدأ في قص لها حكاية من حكاوي، التي تدور عنها عندما تعرف عليها وقد أخبرها أنه سائق لصاحب ذلك القصر هذا.. وعندما تذكر هذا ابتسم بحزن لعدم تذكرها لأي شيء قد مرت به أو حتى تذكرها له حتى لو تذكرته كسائق، فانتبه لشروده بعدما هزت أحد كتفيه ليقص عليها حكاية بطلتها ميمي ليبدأ هو في قص حكايته. وبعد لحظات قليلة... رفعت وجهها قائلة بتثاؤب: وميمي عملت إيه بقى في الفارس صاحب الحصان الأبيض؟ فيبتسم لها قائلاً بحب وهو يزيل تلك الخصلات المتمردة: وطبعاً عشان ميمي طباخة شاطرة.. طلب منها الأمير أنها كل يوم تعمله كعكة بشكل مختلف. وينتبه لصوت هدوء تنفسها، فيعلم بأنها قد غفت في أحضانه، فيحملها برفق، ويضعها على الفراش، ويظل ناظراً لها بألم قائلاً: تفتكري هتقدري تسامحيني يا حبيبتي؟ ليتذكر حديث أمجد وهو يقول له: أنت كده بتظلمها يا يوسف، أنت أناني، حابسها في سجنك اللي فاكر إنه بيحميها قولها هي مين وحياتها كانت إزاي... أنا عارف الفترة اللي فاتت أنت عرفت حاجات كتير عنها بلاش تكذب عليها تاني، فالأول أنت كنت هتكذب عليها بهوية شخص مش أنت بس ربنا حفظها وخلاها ترفض عرض شغلك وتبعد عنك وعن تمثيليتك بس للأسف القدر حطاها تاني في طريق لأ وبقيت مراتك... مع أن لسه لحد دلوقتي مش قادر أصدق أنت ليه قررت تتجوزها عشان شعورك بالذنب ما أنت كنت ممكن تديها فلوس وترجعها لأهلها ولا الأربع شهور اللي قضتهم معاها خلوك تتغير يا يوسف وتحبها... ثم صمت أمجد قليلاً ليتابع حديثه: بس تحب إنسانة بقى عقلها عقل طفلة صغيرة.. مش قادر أستوعب يوسف يحب طفلة مش امرأة فيها كل مفاتن الأنوثة والتمرد!! يوسف مريم لازم تخرج وترجع تاني تتقبل الحياة، بس بطريقتك دي أنت هتخليها تفضل كده، بلاش تظلمها معاك، مريم لازم تتعالج، وده رقم دكتور مختص هيقدر يساعدها، بلاش أنانيتك تخليها تفضل بتفكير طفلة. فيغمض عيناه بألم بعدما مرت تلك الكلمات على مسمعه، فيجذبها بقوة إلى أحضانه وكأنه يخشى فقدانها فنعم هو قد أحبها.... .................................................. ................ وكلما احتضنها بقوة وكأنه يحتاجها، كانت تتخيل نفسها بين ذراعيه هو، لتتمتم ببعض كلمات العشق التي تريد أن تخبره هو بها وليس زوجها، فيقترب منها أمجد قائلاً بشغف: وأنا كمان بحبك أوي يا حبيبتي. فتحاوطه هي بذراعيها، حتى لا تفصلهما سوى أنفاسهم، لينظر إليها أمجد متطلعاً إلى جسدها بين ذراعيه فيقول ثانية: بحبك أوي يا سالي. فتدمع عيناها، وهي ترى صورته تتلاشى من أمامها فترى نفسها بين ذراعي زوجها، حتى تقول بصوت لا يسمعه سواها: أنا بحبك أنت يا يوسف. ويصبح جسدها بين يدي أحدهما، وهي عاشقة لآخر.. وبين هذا وذاك تتجسد الخيانة!! .................................................. ............ الـــــفــــصـــــل الــــثـــاني عــــشـــــر وقفت أروي فجأة بعدما احتل الغضب جزءاً كبيراً منها ونظرت إلى سكرتيرته بغيظ حتى قالت لها تلك المتعجرفة ببرود: اتفضلي آنسة أروي، مستر أحمد منتظرك. فتأملتها أروي بضيق، لتلاحظها هي فتعدل من هندام ملابسها وقصتها التي سقطت على أعينها بنعومة. لتذهب أروي بغيظ من أمامها ودلفت إليه مكتبه بخيبة قائلة: كده يا أحمد تخليني أستناك ساعتين، مش عارف تفضيلي من وقتك بس خمس دقايق؟ فيرفع أحمد وجهه عن حاسوبه قائلاً ببرود: لازم تتعودي إني خلاص مابقتش فاضيلك يا أروي. ثم تطلع إلى ملابسها التي أصبحت محتشمة، حتى وجهها أصبح يخلو من مساحيق التجميل إلا ذلك الكحل الذي يعطي أعينها مظهراً خاصاً، ولكن بداخل هذه الأعين حزناً عميقاً.. ليتذكر هو تلك الليلة... حتى اقتربت هي منه قائلة: بقيت تكرهني خلاص، ووجودك معايا مجرد تكفير ذنب؟ فتسقط دموعها للمرة الألف وتشرد في ليلة أصبحت جزءاً محفوراً في ذاكرتها لن يمحوه الزمن يوماً...!! تلملمت في فراشه وهي غير مدركة لما حدث.. حتى أفاقت وهي تتذكر كل شيء من لمساته وقبلاته، فأغمضت عيناها بسعادة وهي تتذكر كلماته لها بنغم شديد، فنظرت بجانبها تبحث عنه... حتى اصطدمت بتلك الورقة المطوية بجانبها لتفتحها وهي مدركة بأنها ستكون إحدى كلمات السعادة التي سيبعثها إلى قلبها، فهي لم تندم قط على كل شيء تفعله وفعلته لأجله، حتى تلك الليلة التي قضتها معاه.. فسقطت دموعها وهي تقرأ كلماته: "أنا رجعت القاهرة يا أروي، ياريت ما تحاوليش تتصلي بيا لأني مش هرد عليكي.. أنا عايز الفترة ديه أبقى فيها لوحدي عشان أقدر أحدد هل هقدر أكمل معاكي ولا لأ.. لأن أنا بقيت ضايع خلاص ومش عايز أجرحك، ابعدي عني يا أروي الفترة ديه".. ثم سطر بقلمه عبارته الأخيرة ليقول: "كنت فاكر هتبقى أسعد ليلة في حياتي، بس طلع فعلاً الحرام عمره ما كان ليه طعم!!" لتفيق على صوته القوي وهو يقول: أحمد: مش هتفضلي واقفالي وباصة ليا كتير.. أنا مش فاضيلك يا هانم!! .................................................. ........... صمت أمجد قليلاً.. ثم عاد إلى حديثه قائلاً: أحمد فعلاً طلع قد المسؤولية وقدر يثبت وجود فرع شركتنا في القاهرة. فيبتسم يوسف قائلاً: طب كويس. فيتأمله أمجد بتعجب قائلاً: من ساعة ما مريم دخلت حياتنا... وأنت اتغيرت يا يوسف.. بس نفسي أعرف إيه اللي حصل خلاك تتغير؟ ليتذكر يوسف لحظات إفاقتها من غيبوبتها التي دامت شهراً، وكان كل يوم يذهب إليها ليطمئن عليها. وفي يوم!! الطبيب: أبشر مستر يوسف فقد أفاقت مريضتنا بسلام من غيبوبتها. فيبتسم يوسف على سماع ذلك الخبر ويدخل عليها حتى يجدها تنظر إليه بقوة قائلة: أنت مين؟ أنت اللي ساعدتني صح! فيتأملها يوسف بتعجب: ها، أنتي مش فاكراني؟ لتتعمق مريم في النظر إليه وتظل ترمقه بنظرات تائهة، حتى وضعت بيدها على رأسها قائلة: عايزة حجابي. فيندهش يوسف منها ليقول: ليه؟؟ فترمقه بغرابة: عشان أنا مسلمة، وحجابي هو عفتي.. أرجوك اخرج بره وجبلي حجاب أغطي بيه شعري أرجوك.. مش عايزة حد يشوفني كده. ليطالعها يوسف بنظرات مترددة وهو يدير ظهره لها حتى قال.. يوسف: طب لو قولتلك إنك مش مسلمة؟ فتصرخ مريم قائلة: لا لا أنت كداب.. أنا حاسة بديني.. وتهز رأسها بجزع.. أنا شايفة بابا قاعد قدامي وبيسمعلي سورة ياسين.. أنا حتى سمعتها حلو وبابا قالي شاطرة يا مريم.. ليلتف إليها ثانية ويتأملها وهي تبكي كالأطفال.. حتى بدأت ترتل بصوت مدمع سورة ياسين.. فتقف جميع حواسه عند هذه الآية: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11). فيفيق من شروده على صوت أمجد وهو يقول: صحيح الدكتور قالك إيه بخصوص حالة مريم؟ هتقدر تسترجع تاني جزء ذاكرتها المفقود؟ لينظر إليه يوسف قائلاً بإنهاك: قال لما تحس الأول بالأمان في عالمها الحالي، هتقدر ترجع زي ما كانت!! .................................................. ................. انتظر طارق أن يسمع صوت نهال التي صمتت بعدما سمعت بأمر سفره. طارق: يا حبيبتي أنا هسافر بس يومين البلد عندنا وهرجع علطول.. ثم بدأ يغمز لها ليقول: هانت خلاص يا قلبي، أيام ونبقى سوا يا نهال. لتتنهد نهال عبر الهاتف قائلة: لازم يعني تسافر يا طارق؟ فيبتسم طارق قائلاً بسعادة: يا قلب طارق.. طارق ما يقدرش يستغني عنك، وهتصل بيكي كل دقيقة. لتغمض هي عيناها بقوة قائلة بخوف: طيب خلي بالك من نفسك وسوق براحة. فيضحك طارق على خوفها هذا ليقول بعشق: حاضر يا حبيبتي! .................................................. ................. جلست سالي بجوار مريم قائلة بحب مزيف وهي تريها بعض المجلات: شايفة إزاي الستات يا مريم قدام يوسف، وتابعت بحديثها قائلة بخبث: راجل زي يوسف وفي مكانته أكيد محتاج... وقبل أن تكمل حديثها وجدت مريم تنظر إليها قائلة: لأ يوسف بيحبني هو قالي كده. لتضحك سالي بقوة قائلة: طب قوليلي هيحبك إزاي.. وأنتي يعني طول الوقت بتلعبي مع ياسين.. أنا آسفة يا مريم يا حبيبتي بس أنتي عارفة أنا بحبك زي إخوتي. ثم أخرجت إحدى الصور القديمة ليوسف مع إحدى السيدات العاريات وهي ملتصقة بيه وتراقصه: طب شوفي الصورة ديه. لتنصدم أعينها مما رأت.. فتنهض سالي ممسكة بيد طفلها ياسين قائلة: حبيبتي يا مريم أنا لازم أمشي دلوقتي، أشوفك بقى بكرة في الحفلة. فتنظر إليها مريم بتوتر: حفلة إيه؟ لتعود إليها سالي قائلة: إيه ده أنتي متعرفيش إن يوسف عامل حفلة لافتتاح فندق كبير في مونتريال! .................................................. ................ وقفت شهيرة أمام ابنتها لتلقي في وجهها إحدى المجلات قائلة: خليكي خايبة كده لحد ما واحدة من دول تقدر تاخده منك. لتدمع عين أروي التي قد وقفت لتخلع عن جسدها إسدال الصلاة: هو حر يا ماما. فتنظر إليها شهيرة بضيق: أنتي مالك بقيتي مستشيخة كده، لأ أنا عايزاكي ترجعي زي الأول.. ثم اقتربت من أحد أذنيها قائلة: يا عبيطة الراجل بيحب ديماً الست اللي تحسسه بكامل أنوثتها، وتغريه بكل حاجة فيها.. فتخفض أروي رأسها أرضاً متذكرة كل ما كانت تفعله وما كانت النتيجة إلا أن أصبحت.. مجرد عاهرة بالنسبة لحب عمرها وفي نظر نفسها، فابتعدت أروي عن والدتها واتجهت إلى فراشها قائلة وهي تضع جسدها عليه بتعب: أنا تعبانة يا ماما وعايزة أنام!! .................................................. ............. نظر إليها يوسف وهي تتأمل طبقها الموضوع حتى قال: مالك يا مريم؟ فنظرت إليه مريم طويلاً قائلة بحزن: أنا عايزة أعرف كل حاجة عن نفسي وأنا كبيرة، عايزة أفتكر الجزء الناقص من حياتي. فارتجف قلب يوسف بشدة، فهو يريدها هكذا.. فكيف ستكون رد فعلها عندما تعلم بأن أول لقاء بينهم قد كذب عليها فيه وأخبرها بأنه سائق لثري، وكيف سيخبرها بأنه هو من تسبب لها بذلك الحادث؟ والأهم من كل هذا كيف سيخبرها بأنه مازال معتنق المسيحية رغم كونه مسلماً إلا أن تعليم جده عن الدين المسيحي مازال مرسخاً بداخله، وأن ما فعله والده مع أمه يجعله يظن دائماً بأن هذا الدين ليس دين الرحمة والمعاملة الحسنة كما يدعون.. ليخرجه من دائرة أفكاره صوتها وهي تقول بابتسامة: كل سنة وأنت طيب. فيتأملها يوسف طويلاً حتى تقول هي ثانية: فاضل يومين ويبدأ أجمل شهر في السنة. فنظر إليها يوسف بعمق حتى قالت: إحنا هنصلي ونصوم سوا صح، وهنجيب فانوس رمضان.. هنعمل كل حاجة زي ما بابا كان بيعملها صح.. ونهضت من على كرسيها واقتربت منه وانحنت بجسدها كي تطبع على أحد خديه قبلة حنونة دافئة: أنا بحبك. لتتسع عيناه بدهشة من تلك الكلمة التي خرجت منها بكل هذه المشاعر حتى قالت هي: أنا مش طفلة يا يوسف، أنا بس مش فاكرة حاجة غير ذكرياتي في طفولتي مع بابا مش فاكرة غيرها هتفضل معايا لحد ما أفتكر.. ومش هتسيبني وتروح للستات الوحشة ديه... وأخرجت من جيبها تلك الصورة التي أعطتها إليها سالي وأشارت بإصبعها على تلك السيدة العارية.. فسقطت دموعها وهي تقول: أنا بحبك زي ما كنت بحب بابا، هو كان حنين أوي، خليك معايا. فنهض من مقعده سريعاً ليحتضنها قائلاً بمشاعر بدأت تتحرك بقوة: خلاص اهدي يا حبيبتي، أنا بحبك كده وعايزك كده مش عايزك تكبري خالص سامعة... وعايزك يا ستي تفضلي تحكيلي عن ذكرياتك الحلوة اللي كانت مع باباكي.. أنا عايز مريم البنت الصغيرة... وظل لفترة يربت على شعرها بحنان لترفع هي وجهها قائلة بألم: أنت مش عايز تاخدني معاك حفلة بكرة عشان محدش يضحك عليك صح وأنت معايا، ويقولوا الراجل الحلو ده متجوز ديه؟ فضحك بقوة حتى أدمعت عيناه. يوسف: الراجل الحلو.. وعاد ليحتضنها وهو يغمض عينيه يتذكر السبب الحقيقي في إبعادها عن عالمه الخارجي ووجودها الدائم في القصر ليقول بهمس: سامحيني يا مريم، بس أنتي لو خرجتي للعالم ده هترجعي تفهمي كل حاجة تاني، وأنا عايزك ليا لوحدي. وأفاق من شروده على حركتها التي جعلته يبتسم، فقد كانت تتمسح بوجهها في صدره كالقطة! .................................................. ................ صرخة قد ضوت من أعماق قلب أخته المقهورة... ليحتضنها ببكاء قائلاً: ادعيله يا نهال، ادعيله. لتبكي هي بقوة قائلة: طارق مات يا أحمد.. طارق خلاص راح.. لأ أنتوا بتكدبوا عليا.. وركضت باتجاه ذلك الطبيب الذي أخبرهم بذلك الأمر بعدما عمل كل ما بوسعه كي ينقذه بعد أن نُقل إلى المشفى بعد ذلك الحادث الشنيع بنزيف حاد. فيجذبها أحمد إليه ثانية قائلاً بألم على صديق عمره وزوج أخته الذي فقده: نهال اهدي.. اهدي يا نهال. فسقطت دموعها على يديه وسقطت هي أرضاً قائلة بألم: كنت حاسة إن فرحتي بيك مش هتكمل! .................................................. ............. نظر إليه أمجد طويلاً ليراه وهو واقف يمسك كأسه ويتأمله حتى ضحك أمجد: ضميرك بيعذبك ولا إيه؟ فانتبه إليه يوسف وأمسك كأسه وزجاجة الخمر التي أمامه وذهب إلى الحمام الذي تضمه غرفة مكتبه الواسعة في أحد فروع شركاته العملاقة، وأفرغ كل ما تحتويه الزجاجة. ليعود ثانية بتعب: أنا صايم النهاردة. فيحدق به أمجد قائلاً بدهشة: لأ مش مصدق. فيتذكر يوسف أول أسبوع قد بدأ به الشهر الكريم ووجود مريم بجانبه وانتظارها له للإفطار سوياً وتشجيعه له بأن يصلوا سوياً وتهربه منها بأنه سيؤدي صلاته في أحد المساجد... ولكن كل ذلك كان كذباً، فكان يخرج ليهرب منها ولا يعود سوى بعد ميعاد الإفطار بساعة ليجدها تنتظره بحب. فيجلس على كرسي مكتبه بتعب ويتذكر آخر قصة قد قصتها عليه أمس من قصص التى كان يقصها والدها لها فأبتسم وهو يتنهد بقوة! .................................................. ............. أيام مرت ليأتي يوم دخولها إلى عش بيتهم الجديد ليقول هو بتهكم: أحمد: اتفضلي ولا مكسوفة؟ لتنظر إليه أروي بحزن، وتخفض وجهها أرضاً قائلة بدموع: حرام عليك، أنا قولتلك خلاص ما تشفقش عليا وتتجوزني وسيبني أكفر عن غلطتي لوحدي طول عمري. وصرخت في وجهه قائلة: أنا راضية أتعاقب بكل حاجة، بس ما أشوفش أكتر إنسان حبيته وسلمتله نفسي بسبب غباء حبي ليه يعاملني كده، يارتني كنت موت. لينظر إليها أحمد طويلاً.. ويبتعد عنها قائلاً وهو يشير بيده إلى اتجاه غرفتها: ديه أوضتك.. ثم أشار ناحية غرفته: وديه أوضتي.. أظن أنتي عارفة وفاهمة هنعيش إزاي سوا. فسقطت دموعها بصمت وحركت رأسها بفهم وسارت باتجاه غرفتها وهي تحمل بيدها طرف فستانها بانكسار. .................................................. ............... الــــفــــصـــــل الــــثــــالــــــثـــــ عــــــشـــــــر اعتدل أحمد في جلسته وارتخى بجسده للخلف بعدما ترك قلمه وبعض الملفات جانبًا... ليغمض عينيه بألم وهو شارد في صديقه، فتنهد بضعف وهو يتذكره... كم كان قريبًا منه، كم كان أخًا وليس صديقًا فقط وزوج أخت! وحرك رأسه بقوة وهو يتذكر نظرته له عندما أخبره بكل ما أصبح يضيق صدره، ليفزع هو مما فعله صديقه قائلًا بصدمة: طارق: أنت يا أحمد تعمل كده؟ أنت يا صاحبي! أنا مش مصدق، أنا فعلًا ماكانتش قادر أتخيل ليه علاقتك أنت وأروى بقت كده بعد سفرية شرم؛ في الأول شكيت وقولت إنك مليت وخطوبتكم كلها وقت وهتنتهي.. بس للأسف طلعت أكبر من كده بكتير.. فيصمت أحمد... حتى يقول طارق: مش أروى دي حب عمرك؟ فيظل الصمت يحاوطهما حتى يصرخ به طارق قائلًا: قبل ما تعاقبها عاقب نفسك الأول، صلح غلطك قبل ما الزمن يصلحه ليك يا صاحبي. ليفيق أحمد من شروده باكيًا وهو يحرك رأسه بعنف: أنا اتجوزت أروى يا طارق.. صلحت غلطتي ومتخلتش عنها!! ................................................................ وقفت سعاد أمام تلك النتيجة الملعونة التي تخبرها بأن الشهر السابع يمر.. وهي ما زالت لا تعلم أي خبر عن ابنتها. فتسقط دموعها بقوة، ولكن دخول فهمي عليها جعلها تمسحها سريعًا قائلة: يا فهمي أبوس إيدك خليني أسافر لشهيرة القاهرة.. أعرف منها أخبار بنتي. فيصمت فهمي قليلًا ليقول ببرود: مش اتصلتي بيها وقالتلك معرفش حاجة عن بنتك؟ يبقى خلاص، مش ناقصين قلة قيمة من ناس زي دي... دي بقت عيشة تقرف وتجيب الهم! وتحرك باتجاه غرفته قائلًا بصوت عالٍ: جهزي الغدا يا أختي. لتتأمله سعاد بألم متذكرة أولادها الاثنين منه، ناظرة إلى آخر جواب قد بعثته ابنتها لها منذ سبعة أشهر بانكسار، فقد أصبح ما بيدها حيلة غير أن تدعو الله أن يحفظ لها ابنتها. ................................................................ نظر يوسف إلى سعادتها وهي ترى ملابس العيد التي قد سمّتها، أو بالأصح قد عرف هذا الاسم لأول مرة.. فدارت بجسدها بسعادة وهي تحتضن تلك التنورة المزخرفة، وبلوزتها المطرزة، وصندلها الفضي اللامع... وجلست على طرف فراشها بسعادة وهي تضعهم جانبًا لتفرد قطعة قطعة وتتحسسها بيديها قائلة: جبت لي زي ما جبت لياسين صح! ليتذكر هو يوم أن جلب أحد الأطقم الجديدة لياسين كعادته.. وأعطاها لها كي تعطيها هي هدية له.. ولكن وجهها العبوس قد جعله يقترب منها قائلًا: مريم، أنتي زعلانة ليه؟ مش عايزاني أجيب حاجة لياسين؟ فتحدثت إليه سريعًا قائلة: لاء لاء.. أنا بفرح لما بتجبله هدية، وبفرح لما بتاخدني معاك عند الأطفال اللي في الملجأ، كل ده بيفرحني أوي.. الأطفال أحباب الله وأجمل حاجة في الدنيا. فيبتسم بسعادة لتعبيرها، ويضمها أكثر إليه. يوسف: أومال بنتي الحلوة زعلانة من إيه؟ مريم ببراءة: العيد فاضل عليه أسبوع.. وأنا كمان عايزة لبس العيد زي ما بابا كان بيجبهولي! وأخفضت رأسها أرضًا.. ليتطلع إليها هو بمشاعر تائهة قائلًا بحب: حاضر يا حبيبتي. لترفع وجهها سريعًا قائلة: أنا حبيبتك يا يوسف؟ فيبتسم يوسف إليها وهو يتأملها قائلًا: طبعًا.. يلا بقى فين قصة النهاردة.. ها، هتحكي لي إيه؟ لتنظر إليه قليلًا.. وتبدأ تقص له إحدى القصص التي أصبحت لا تعرف كيف يجلبها لها عقلها رغم افتقادها لجزء كبير من ذكرياتها، ولكن توجد أشياء مرسخة في ذهنها لم تمت ولن تموت يومًا... وتقص عليه قصتها ببراءة قائلة: مريم: قصة الراعي مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. ذات يوم كان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- معه بعض أصحابه يسيرون في الصحراء بالقرب من المدينة، فجلسوا يأكلون، فأقبل عليهم شاب صغير يرعى غنمًا، وسلَّم عليهم، فدعاه ابن عمر إلى الطعام، وقال له: هلمَّ يا راعي، هلمَّ فأصب من هذه السفرة. فقال الراعي: إني صائم. فتعجب ابن عمر، وقال له: أتصوم في مثل هذا اليوم الشديد حره، وأنت في هذه الجبال ترعى هذه الغنم؟! ثم أراد ابن عمر أن يختبر أمانته وتقواه، فقال له: فهل لك أن تبيعنا شاة من غنمك هذه فنعطيك ثمنها، ونعطيك من لحمها فتفطر عليها؟ فقال الغلام: إنها ليست لي، إنها غنم سيدي. فقال ابن عمر: قل له: أكلها الذئب. فغضب الراعي، وابتعد عنه وهو يرفع إصبعه إلى السماء ويقول: فأين الله؟! فظل ابن عمر يردد مقولة الراعي: (فأين الله؟!) ويبكي، ولما قدم المدينة بعث إلى مولى الراعي فاشترى منه الغنم والراعي، وأعتق الراعي. ويفيق يوسف على أثر قبلتها الحانية على أحد خديه ليقول بلوعة: مبسوطة!! ................................................................ نظرت إلى هيئتها الباكية في المرآة وهي تهندم وضع حجابها بأيدٍ مرتعشة... لتتذكر كلماته القاسية عندما سألته عن تلك السيدة التي تحادثه دومًا.. فصرخ بوجهها قائلًا: أحمد: بلاش تعيشي دور الزوجة.. عشان متتعبيش. وأمسك ذراعيها بقوة قائلًا: وإيه اللي أنتي لابساه ده؟ وأشار على مظهرها قائلًا بسخرية: فاكرة نفسك بالطريقة دي هتقدري تأثري فيا وتحركي مشاعري، يبقى بتحلمي. لتكاد تتحدث من بين شهقاتها فينهرها بقوة: مش عايز أشوفك بالمنظر ده تاني، سامعة يا أروى... وأوعي تحلمي بحاجة؛ لأن جوازي منك غلطة عملتها وبصلحها مش أكتر. فتفيق على صوته العالي وهو يقول: أنا هستناكي في العربية، يا ريت تنجزي وتخلصي بسرعة يا هانم. ................................................................ نظر إليها والدها بحزن وهو يحادث ابنه قائلًا: أختك بقى حالها بيوجع قلبي يا ابني، أنا بقيت خايف أوي عليها. ليحادث يوسف أباه قائلًا بحب ما زال مخفيًا: هو أنا ممكن أكلمها يااا... فحزن عبد الله على عدم رغبته في نطق كلمة (والدي) فيقول راضيًا: حاضر يا حبيبي. ويسير في اتجاه نهال التي ما زالت تنظر إلى صور خطبتها وكتب كتابها بشرود قائلًا بتعب: أخوكي عايز يكلمك. فتظل جميع حواسها متمركزة مع بعض الصور التي تمسكها بين أيديها... ليجلس عبد الله بجانبها واضعًا الهاتف أمام أعينها.. فتمسكه وهي مرتعشة اليد لتقول: لسا فاكرني، كتر خيرك. فيتحدث بحنان وهو يقول: أنا مش زعلان منك، بس لو تعرفي أنا قد إيه بحبك وفاكرك ماكانتش هتقولي كده، نهال أنا عايزك تجيلي كندا أنتي وبابا. فتعطي الهاتف لوالدها دون رغبة في متابعة أي حديث مع أحدهما... ليقول عبد الله: متزعلش من أختك يا ابني، أنت عارف ظروفها. فيبتسم يوسف برضى قائلًا: مريم بتسلم عليكم. فيتحدث عبد الله بسعادة: مراتك دي أنا بقيت بحبها من قبل ما أشوفها، كفاية إن هي اللي حننت قلبك عليا. وتنتهي تلك المكالمة التي أصبحت يومية منذ شهر... عندما... فلاش باك! صور مين دي يا يوسف؟ ليأخذ منها الصور سريعًا بارتباك قائلًا: أنتي جبتيهم منين؟ فتبتسم له بسعادة: من أوضتك الصغيرة، اللي فيها كل لعبك وذكرياتك وأنت صغير... ها مين دول؟ ليجلس هو بشرود على إحدى الأرائك قائلًا: ممكن يا مريم متسألينيش مين دول؟ فانظرت إليه بحب مقتربة منه وتأخذ الصور من بين أيديه قائلة وهي تشير على أحد الأشخاص: ده باباك، أصلك فيك شبه منه، عارف أنا كان نفسي أبقى شبه بابا أوي... ليتطلع هو إليها.. حتى تقول بحب: أنت زعلان منه، زي ما أنا زعلانة من ماما... وتخفض رأسها أرضًا قائلة: أوعي تزعل منه يا يوسف، عشان هيجي يوم وولادك هيزعلوا منك.. ترضى تشوف ولادك مش بيحبوك وزعلانين منك... ليفيق على ندائها له وهي تقترب منه مبتسمة وممسكة بيدها الجهاز الإلكتروني المسمى (بالتابلت): مريم: شايف الأطفال دول حلوين إزاي؟ ليلمح في أعينها شغفًا كبيرًا.. قائلًا بهدوء: أنا عايز يكون ليا ولاد منك يا مريم! ................................................................ تطلعت سالي في بعض التحاليل التي أجرتها بصدمة. حتى أعلن هاتفها بالرنين لتغلقه وتجلس على إحدى الأرائك واضعة وجهها بين راحتي كفيها: إزاي ده حصل، أنا بقيت واخدة بالي كويس! لتشرد قليلًا في رغبة أمجد القوية بإنجاب طفل آخر له منها.. وأن هذا الطفل سوف يغير لها حياتها التي أصبحت مملة وروتينية مع أمجد.. لتتذكر كما كان يدللها في حملها الأول بياسين.. ولكن صورة من تعشق ظهرت أمامها لتحدث نفسها قائلة: ما هو بقى يحب مراته اللي كنت فاكرة إنه بيشفق عليها، هفضل أستنى لحد إمتى وأخرب حياتي بإيدي؟ ونهضت من على ذلك المقعد وهي تعدل هندامها.. وسارت بخطوات ثابتة تفكر.. كيف ستستعيد إليها زوجها وهي معها السلا..ح القوي الذي يضعف أمامه أغلبية الرجال الذين يعشقون أسرهم مثل أمجد!! ................................................................ ظل ذلك الثري العربي يتابعها بنظرات أصبحت قد اعتادت عليها منذ أن أصبحت قدماه تتوافد إلى ذلك الملهى الليلي منذ أسبوع، وكأن لا يوجد مكان غير هذا ولا امرأة غيرها. فاقترب منها زين.. وهو يبتسم قائلًا: وبقينا نتعلم بسرعة، بقيتي تعجبيني يا ريما.. كده أنتي تستاهلي. واقترب من أذنيها ليخبرها ببعض الكلمات المقززة، فنفرت منه وابتعدت لتكمل في شرب ذلك المشروب المثلج الذي يجعلها تنسى كل شيء تعيشه. ليقترب أحد الأشخاص من زين.. فيبتسم هو له قائلًا: إحنا بنحب الناس المتريشة، ومدام هيبسطنا فأكيد هنبسطه. فتتلاقى نظرات ذلك الثري معه ليبتسم له وهو يحرك رأسه بالموافقة.. فالليلة ستكون له هي كما يرغب. ................................................................ ابتسم يوسف بقوة وهو يراها مغمضة العينين وواضعة كلتا يديها على وجهها لتغطيه من نظراته، فتحولت ابتسامته إلى ضحكة عالية ليقول بحب: طيب هتفضلي كده لحد إمتى؟ فلم يسمع لها صوتًا غير صوت تنفسها، فقال بحب: مريم، مش أنتي بتحبي يوسف وقولتي إنك خلاص كبرتي وعايزة يبقى عندنا طفل حلو... فهمست مريم بخجل مما حدث: لاء خلاص أنا مش عايزة. فعاد لضحكاته ثانية، ومد بيده كي يرفعها لتتوسد صدره العاري وتكون قريبة منه أكثر ليزيل يديها قائلًا بهمس: تيجي أحكيلك حكاية حلوة؟ فأصغت حواسها جميعها إليه، ونسيت خوفها ليضمها هو أكثر إليه... متأملًا انتباهها له حتى قال: بحبك يا مريم! ................................................................ تأملها ذلك الثري العربي حتى قال بلهجته الخليجية: كيفك ريما؟ فابتسمت ريما بعفوية.. لذلك الرجل ذي الطبع الغريب.. فمنذ دخولهم غرفته في ذلك الفندق وهو يسألها عن حالها وماذا تريد أن تشرب أو تأكل... وأكثر شيء جعلها تضحك عندما طلب لها عصيرًا بنكهة البرتقال. فقررت أن تخلع ذلك المعطف لكي تظهر له جسدها وتنجز في تلك الليلة، ليلتف هو قائلًا: استري حالك. فنهضت من مجلسها متعجبة لتقول ساخرة.. ساقطة على جميع الرجال: بجد شيء يضحك! واقتربت منه قائلة: مدام أنت مش عايزني طلبتني ليه في الغرفة؟ ليلتف إليها ذلك الثري قائلًا بهدوء: بدي أتجوزك يا ريما!! الـــــــفـــــصـــــل الـــــرابـــــع عــــــشــــــر نظرت إلى كل ركن يحاوطها في ذلك المطعم الفاخر الذي يحتويه هذا الفندق، الذي حينما وقع بصرها على مدخله أحست وكأن هذا المكان قد مر عليها وله ذكرى في ذهنها... لتفيق على لمسات يديه الحانية وهو يرفع أحد يديها ليقبلها، فنظرت إليه بخجل قد أصبح يغزو وجهها بقوة، وأخفضت رأسها أرضاً، لترفعه على صوت أحدهما وهو يقول: مريم! ويتطلع إلى يوسف باحترام قائلاً: آسف مستر أدورد. لينظر يوسف إلى نظرات زوجته التائهة ونظرات نسيم مدير أحد فنادقه... فنهض سريعاً وهو يشير لنسيم بالتحرك خلفه. يوسف: أنت تعرف مريم منين؟ فارتبك نسيم من نظرات يوسف القوية. نسيم: مستر يوسف، أنت فاهم الموضوع غلط، مريم كانت موظفة هنا لفترة قصيرة وحصلت مشكلة مع أحد النزلاء وبعدها اختفت، حتى أوراقها ومستحقاتها ما خدتهاش... فأنا اتفاجئت بوجودها مع حضرتك. فنظر يوسف إليه طويلاً وهو يتذكر يوم الحادث... وأنها كانت قريبة من هذا الفندق حقاً، فيفيق من شروده قائلاً: احكي لي سبب المشكلة وهي جت اشتغلت هنا إزاي! فيبدأ نسيم بقص حكايتها له... منذ أن أتت إلى هنا بطلب من سيلا حبيبته السابقة... إلى يوم الحادث. .................................................. ........................ نظرت أروى إلى ذلك الفيديو الذي يخص زوجها لتنصدم برؤية امرأة أخرى بجانب زوجها، ويوقع بخط يده عقد زواج منها... لتصاحب نظرات أعينها المتألمة طعنة قوية بقلبها... فقد عاقبها بما يكفي... عاقبها بذنب لم تفعله وحدها.. فهبطت دموعها بقوة، فهذه هي المرة الثانية التي يفعلها ولم يمر على زواجهما سوى شهرين... لتسمع صوته وهو يُدندن بسعادة قائلاً بصوت عالٍ: أحمد: أروى هانم.. انتي يا هانم! لتظل قابعة في فراشها دون رد، فيدخل عليها بغضب: أحمد: المفروض إنك تكوني اتعودتِ خلاص... مش هتقولي لي مبروك؟ فتأملته طويلاً وأخفضت رأسها بانكسار. أروى: مبروك. فيضحك بقوة قائلاً: مش حاسس إنها من قلبك! وتصمت حتى يطيل صمتها، فيجذبها من ذراعيها بقوة ويقترب منها بأنفاسه.. ليلتهم شفتيها بقبلة قد طالت... ويشعر باستجابتها له ورغبتها فيه... ولكن كان رد فعله جرحاً آخر يسطره في قلبها.. فدفعها بعيداً عنه قائلاً بتهكم: مبقتش أحس بحاجة معاكي... بقيت قرفان منك! ويخرج من غرفتها سريعاً غالقاً الباب بقوة خلفه... كاذباً على نفسه وعلى مشاعره فهو ما زال يحبها. .................................................. ........................ نظرت إليه مريم طويلاً بعدما انتهت من ترديد سؤالها... فوجدته يلتف لها بعدما ترك تصفح هاتفه الجوال الخاص بأعماله قائلاً بهروب من سؤالها: قلتلك إنك مشوفتيش الشخص ده قبل كده.. انتِ اللي بيتهيألك حاجات غريبة! ليلجمها بكلمة جارحة وهو يتابع حديثه: عايزة تفهميني إنك دخلتي مكان زي ده قبل كده... فنظرت إليه قبل أن تخفض رأسها أرضاً... ليحتضنها هو بحنان. يوسف: أنا آسف يا مريم، ماكنتش أقصد. لتتساقط دموعها أكثر وتبتعد عنه قائلة برجاء: احكي لي عن حياتي اللي كانت قبل كده... أنا بقيت بستوعب كل حاجة... أرجوك يا يوسف احكي لي، أنا مش عايزة عقلي يفضل محاط بذكريات طفولتي وبس... أنا مش عايزة أكون كده... عايزة أفهم كل حاجة. لينصدم من رغبتها ويشعر بالندم من نفسه لما يفعله معها، ولكن هو ما زال يريدها هكذا... فلو علمت حقيقته لانصدمت، فيزفر بضيق من ذلك الاقتراح الذي اقترحه عليه أمجد بأن يخرجها للعالم ولا يجعلها حبيسة قصره... فتشعر بصداع قائلة عندما عبرت السيارة الخاصة بهم مدخل قصرهم... لتتأمل مدخل القصر بتركيز. مريم: هتصدقني لو قولتلك أنا حاسة إني جيت هنا قبل كده.. أنا حاسة في حاجات كأني عملتها بس مش فاكرة! ليلجمه اعترافها... ويخرج من سيارته سريعاً بعدما وقف سائقه ليفتح له أحد أبوابها.. فيجدها واقفة تنظر حولها بشرود لأول مرة... فيلتف إليها ويسحبها خلفه قائلاً: ادخلي يلا يا مريم، الجو برد عليكي. .................................................. ........................ توسدت سالي صدر أمجد وأمسكت أحد أيديه المتشابكة ببعضها والموضوعة على صدره... ووضعتها على جنينهم القادم، فانتبه أمجد الشارد لفعلتها وأحاطها مبتسماً. أمجد وهو يقبل أحد أيديها: ربنا يخليكم ليا يا حبيبتي. لترفع سالي بجسدها وتلتف بوجهها لتكون مقابلة له... وانحنت بشفتيها كي تقبله وهي تردد في عقلها كلمة واحدة: لازم أرجعه لي تاني. وتتذكر محادثتها الأخيرة مع والدتها... عندما أخبرتها بفتور العلاقة بينها وبين أمجد، لتصرخ بوجهها قائلة: انتِ اتجننتِ.. عايزة واحدة تسرق جوزك منك ويسيبك وتجيلي... فوقي يا سالي ورجعي جوزك ليكي، هو انتِ كنتِ تحلمي براجل زيه؟ واتبعتها أمها محذرة: أوعي تكوني بتحبى راجل غير جوزك... لتضطرب في الحديث... فتضحك والدتها قائلة وهي تعاود ذكرياتها الحمقاء: ابقي تخيليه في جوزك يا هبلة.. ما أنا عمري ما كنت بحب أبوكي الله يرحمه.. وأي راجل يعجبني كنت أتخيله فيه هو... وتتذكر زوجها الجديد قائلة بحماقة عجوز: أنا مصدقت أجوزهولك... وقدرنا نوقعه يا بنت بطني ولا نسيتِ! وتفيق من شرودها المقزز على لمسات أمجد الحانية وهو يقول: روحتي فين يا حبيبتي؟ فتنتبه سالي لشرودها قائلة دون وعي: هو ليه يوسف لحد دلوقتي مظهرش جوازه للصحافة والمجلات! .................................................. ........................ تسطح يوسف بجانبها على الفراش ومد ذراعيه كي يأخذها بين أحضانه... ولكن انتهت قبضة يديه بلمس لا شيء لابتعادها عنه... فاقترب منها كي يداعبها بحنان كما اعتادت منه. يوسف: بنوتي الحلوة زعلانة مني ليه؟ فهبت مريم مبتعدة عنه ممسكة بوسادتها لتحتضنها قائلة: أنا مش بنوتك ولا أنا طفلة... ونهضت من على فراشها وظلت تنظر إلى جسدها في المرآة المقابلة لها في غرفتهما. مريم: شايفة أنا شكلي كبير أهوه، مش عشان ذاكرتي بقيت مقتصرة على جزء بسيط من حياتي... وبكت بحرقة وهي تقول: أنا مش فاكرة شكل أهلي... مش فاكرة غير ذكرياتي معاهم اللي بتجيلي في أحلامي ولولاها ماكانتش هفتكر حاجة. فاقترب منها ليضمها بقوة إلى صدره حتى قال بألم: مش انتِ قلتِ لي إنك مش عايزة من الدنيا دي غيري... وإن أنا كل حاجة في حياتك يا مريم.. ليه خلفتِ وعدك؟ فبكت بحرقة أكثر وارتمت على صدره كالقطة حتى قالت بصوت قد احتل البكاء جزءاً كبيراً من نبرتها: مريم: نفسي أفتكر الناس اللي كنت بحبهم كلهم.. حتى لو كانوا وجعوني وأذوني... عايزة أعرف أمي.. وأسأل عنها. وصمتت قليلاً لتضع وجهها بين راحتي كفيها وابتعدت عن أحضانه باكية بحرقة: خايفة تكون ماتت.. خايفة يكون ده من الجزء الباقي من ذكرياتي وأنا مش فاكرة. فيعود لضمها ثانية: لأ يا مريم، مامتك عايشة، عمك قالي كده. فاستكانت بين أحضانه حتى قالت: عمي.. وظلت تفكر في ذلك العم لتتذكر لقاءً واحداً محفوراً في ذاكرة طفولتها معه ومع امرأة... لتتذكر أنها عمتها ولكن كل ذلك كان بصورة مشوشة... فيأتي بذهنها صراخهم بها وبوالدتها عند وفاة والدها وهما يقولون: مابقاش في حاجة تربطنا بيكم خلاص. فيفيقها يوسف من شرودها وهو يرفع وجهها بأطراف أصابعه: عمك اللي كان شاهد على عقد جوازنا ووكيلك يا مريم، فاكراه؟ فتهز برأسها نافية: مش فاكرة، ماكنتش واخدة بالي من حاجة ولا كنت فاهمة حاجة... كل اللي كنت عايزاه أبقى معاك انت وبس. فابتسم بسعادة وضمها إليه أكثر: أوعدك إني هدورلك على باقي أهلك.. بس أوعدي يوسف إنك مش هتفكري غير فيه وبس. وحملها بين ذراعيه ليسطحها على فراشهما.. وابتسم لها لتبادله ابتسامته بابتسامة خجلة وهي تحرر رقبته من بين ذراعيها ويتسطح بجانبها ويأخذها بين ذراعيه ويضمها بقوة. يوسف: إحنا هنسافر باريس لفترة يا مريم عشان عندي صفقة كبيرة هناك ولازم أكون متواجد في باريس.. وماتخافيش عندنا هناك قصر حلو زي ده برضه. فتلمع عيناها بالدموع قائلة: طب وياسين؟ ليداعب هو أنفها الصغير بحنان قائلاً: يعني ياسين ولا يوسف! فتخفض رأسها خجلاً من إجابتها له: يوسف! فيبتسم بسعادة لذلك العشق ويلامس وجنتيها حتى يصل إلى شفتيها ناظراً لها بحب ويأخذها معه إلى عالمهم الخاص. .................................................. ............... تلملمت ريما بفراشها ناظرة إلى مكان زين الفارغ بجانبها ضاحكة بسخرية عندما جاءت إليها إحداهن تبلغها باصطحابه لأخرى لقضاء إحدى الليالي المثيرة كما تفعل هي. فسقطت دمعة من بين جفونها على تلك الحياة التي تحياها بسبب ذلك الوضيع الذي ضحك عليها بما يسمى الحب، لتتذكر مريم ولكن عقلها طرد كل ذلك سريعاً وجعلها تعود لرشدها الذي أصبحت عليه وأقنعت نفسها بأن هذه هي حياتها التي لابد أن تحياها ونسيت بأن النفس لأمارة بالسوء. وازدادت ضحكتها الساخرة أكثر عندما مر بذهنها ذكرى ذلك الثري العربي الذي أصبحت لا تعلم عنه شيئاً منذ تلك الليلة. فلاش باك! وأغمضت عيناها وهي تتذكر عندما طلب منها الزواج فعرضت عليه جسدها مقابلاً للمال وليس ذلك العقد الذي أصبح لا يفرق معها... ولكن صفعته لها كانت الأقوى ليصرخ بها قائلاً: اخرسي يا نادية!! اخرسي، ماذا فعلتِ بي كي تفعلي بي هذا كله؟ أصبحتِ ساقطة.. سنتزوج يا نادية ولن أتركك فأنا مراد حبيبك. لتتسع حدقة عيناها وتنظر إليه بخوف ليكون هذا جنوناً.. وتتركه راكضة وهي تقول: حقاً إنك لمجنون وبدون عقل! وتفيق من شرودها على زين الذي قد عاد من ليلته تلك واستلقى بجانبها على الفراش بسُكر. .................................................. ............ نظر إليها عبد الله طويلاً بعدما مدت إليه بأيديها وعيونها الذابلة حبة الدواء ليقول بامتنان وحب: عبد الله: شكراً يا أروى يا بنتي. فابتسمت بود لحنان ذلك الرجل. عبد الله: تعالي يا أروى يا بنتي اقعدي جنبي واحكي لي أحمد مزعلك ليه. فتراكمت الدموع في عينيها ثم مسحتها سريعاً قبل أن تسقط وتفضحها. أروى: مافيش حاجة يا عمي... صدقني إحنا كويسين. فيتأملها بشك... واضعاً بكفه الحاني على يديها الباردة بحنان عبد الله: يا بنتي ما تخبيش عني حاجة.. أنا زي أبوكي صدقيني، ولو ابني بيغلط في حقك أنا هاخدلك حقك منه. فانحنت تقبل كف يده مثلما ترى زوجها ونهال يفعلون ذلك.. ليدخل هو عليهما في تلك اللحظة متعجباً من فعلة زوجته. .................................................. ........... عادت الغيرة إلى قلبها ثانية.. عندما علمت بذهابها معه إلى دولة أخرى... فهبت من جلستها ووقفت أمام زوجها. سالي: وليه ياخدها معاه، ما يسيبها هنا، هو عايز الناس تعرف بوجودها معاه وإنها مراته... وتابعت في حديثها: ويعرفوا بوجود واحدة مش فاكرة حاجة غير ذكريات طفولتها! لينظر إليها أمجد طويلاً قبل أن يضع إحدى المجلات التي كان يقرأها جانباً: وأنتِ زعلانة ليه يا سالي؟ هي مراته ومن حقها تكون معاه في أي مكان يختاره... طب ما أنا جبتك معايا كندا وكان ممكن أسيبك في مصر! فالتفتت بجسدها وهي تتنهد بضيق: هما هيفضلوا هناك قد إيه؟ ليقف أمجد أمامها ويحتضنها: مش هنروح نطمن على بيبي، وملناش دعوة بحد.. وظل يداعبها برفق وهو يتحسس بطنها... وأبتعدت عنه قائلة: مش هنروح نشوفهم قبل ما يسافروا؟ .................................................. .............. وقفت تنظر إلى أخاها قائلة: أنت ليه بتعامل أروى كده؟ ليبتعد أحمد عن نظرات أخته وهو يتطلع أروى التي تضع الطعام على الطاولة. ونهض متهرباً وهو ينظر في هاتفه قائلاً: أنا مش فاضي للكلام يا نهال. ليجد الحزن قد أحاط عيني أخته، فضمه إليه قائلاً: متزعليش مني. لتشاهدهم هي من بعيد بانكسار.. يلاحظه عبد الله الذي كان يقف خلفها فربط على أحد كتفيها قائلاً: متأكدة يا بنتي إنك مش عايزة تحكي لي وتشكيلى من حاجة؟ فالتفتت إلى والد زوجها سريعاً، وتمنت لو ارتمت بين ذراعيه تشكي له قسوة ابنه، وعقابه لها لذنب ارتكباه هما الاثنان ودفعت هي الثمن وحدها.... .................................................. ............ التف بجسده بعدما أنهى مكالمته، ليجدها تقف خلفه قائلة: ما تسافرش يا يوسف. فاحتقن وجهه، ونظر إليها بضيق حتى صرخ بها: سالي، قلتلك إيه قبل كده.. أعقلي! فمسكت يده سريعاً وهي تقول: نفسي أبقى في حضنك لو يوم واحد. فنفض يدها سريعاً بعيداً عنه... ليجد مريم قادمة بياسين وهي تحمل أحد الكرات قائلة بسعادة: أمجد جاله تليفون ومشي يا يوسف، وأنا طلبت منه إنه يسيب معايا ياسين النهاردة... ونظرت إلى سالي برجاء: ممكن توافقي أنتِ كمان يا سالي؟ فنظرت إليها سالي بريبة، قد لحظه . ليقول : أكيد سالي موافقة، ولا إيه؟ فصمتت سالي.. حتى لمعت بذهنها فكرة: موافقة، بس ممكن توصلني البيت يا يوسف، عشان تعبانة وعايزة أروح. فابتسم وهو يقول: أكيد... ونظر إلى مريم التي انشغلت في الضحك مع الصغير ياسين. يوسف: يلا يا مريم انتِ وياسين.. عشان نوصل سالي وبعدين نروح الملاهي. وصار بنصر من أمام سالي التي امتقع وجهها.. واقتربت هي من مريم قائلة: ابقي اسألي يوسف عن روز، وصوفيا وجوليا وسارة وخصوصاً سارة.. دي كانت ممكن تبقى مراته بدالك، ده كان بيحبها جداً وقضى معاها ليالي كتير.. أكيد انتِ فهماني يا مريم يا حبيبتي!! .................................................. ............ نظرا إليها طويلاً قبل أن يلجمها بتلك الكلمة: زين: انتِ طالق يا ريما! ............................................. الــــفــــصــــل الـــــخـــــامــــس عـــــشـــــر وقف يراقب فرحتها بذلك العُقد الماسي، فأنتبهت ريما لوجوده ونظراته الحنونة، وتقدمت نحوه بسعادة قائلة: ريما: ده جميل أوي يامراد. وعانقته بألفة قوية وتمايلت بين أحضانه: ربنا يخليك ليا. فأبتسم مراد بسعادة وأبتعد عنها ليقول: سامحيني حياتي، مش هقدر أقعد في أمريكا أكتر من كده، أشغالي في الإمارات بقت كتير ولازم أرجع ريما. سارت نحوه بحب قائلة: أنا في الأول كنت خايفة منك تاخدني بلدك وتعمل فيا زي.. فوضع بكفه على شفتيها كي لا تكمل باقي حديثها، ولكنها ابتعدت عنه وأكملت بأعين دامعة: ريما: مش بحب أفتكره، منه لله، ربنا يسامحه، لولاك ماكنتش هعرف أطلق منه، إنسان زبالة مبيحبش غير نفسه، رماني في النار بسبب غبائي وإني وثقت فيه وفي حبه. ثم قالت بغصة في حلقها: من ساعة ما دخلت حياتي، وأول مرة تندهلي بأسمي ديما بتناديني بأسم حبيبتك اللي.. ليتذكر مراد بألم حبيبته وخطيبته نادية التي قد توفت في حادث شنيع في إحدى سفرياتهم سوياً منذ عامين، وظل ذكراها عالقاً بقلبه وعقله إلى أن... ويبتسم مراد بسعادة قائلاً: ريما تتجوزيني؟ والمرادي بقولها وأنا فايق مش سكران وبقول ريما. فيتعلثم الحديث بين ثنايا كلامها، فيتابع حديثه: هنرجع بلدي وأعرفك على عيلتي هيحبوكي كتير ريما، عايز أبدأ معاكي من جديد وننسي اللي فات من حياتنا. .................................................. .............. مازالت بطلتنا طفلة صغيرة تلهو في حب فارسها، ليضحك هو على أفعالها في تلك الحجرة المخصصة لممارسة الرياضة وتحتوي أيضاً على مسبح صغير. يوسف: بتعملي إيه يامريم؟ لتهدئ من سرعة المشاية الكهربائية قائلة بتعب: بلعب رياضة، أنت مش شايف تخنت إزاي؟ فيقترب منها واضعاً يده على بطنها التي بدأت بالظهور قائلاً: أخبار آسر إيه حبيب بابا وماما الهبلة؟ لتتحكم في غضبها.. حتى يقول معتذراً: أيوه هبلة ياحبيبتي، أنتي ناسيه الدكتور محذرك إزاي من أي مجهود؟ ويقطع حديثهم رنين هاتفه ليبتسم لها بسعادة: ديه نهال. فتبادلة الابتسامة بسعادة.. حتى يهمس لها قائلاً: بحبك. ويحادث أخته. يوسف: عاملة إيه ياحبيبتي؟ بجد يانهال فكرتي في عرض الشغل وهتيجي كندا؟ يااا ده أنا مبسوط أوي بالخبر ده. وينهي حديثه مع أخته ويحتضن زوجته. يوسف: أخيراً هقدر أعملها حاجة عشان أعوضها، لتتمايل هذه العاشقة بين أحضانه فيحادث نفسه قائلاً: مش عارف هتسامحيني إزاي يامريم لما تعرفي إني أنا اللي خبطك بالعربية، وإني عارف طريق أهلك وببعدك عنهم بالسفر، وببعدك عن كل الناس عشان متعرفيش حقيقة جوزك يوسف أدورد.. اللي فكراه مسلم وهو مسلم بالاسم بس.. ليتذكر حديث أمجد. لازم تعلن إسلامك أنت مسلم يايوسف، ومش عشان تحافظ على إمبراطورية أدورد باشا الضخمة وعلاقاتك تخفي ديانتك الحقيقية، ويرسل له إحدى الصور بعدما انتهت محادثتهم ليوثقها قائلاً: أكيد مش ناسي حفلة أمبارح، والكأس اللي أنت ومارسيليا كنتوا بتشربوه سوا احتفالاً بصفقتكم الجديدة ودعمهم ليك في البرلمان الأوروبي، أنت مش عايز تخسر سلطتك وإمبراطوريتك بسبب الإسلام اللي في مجتمعك العقيم بيرفضوا نجاحنا فيه، ولا عايز تخسر مريم اللي بقيت عازلها عن العالم وعازل الناس كلهم عنها اللي فكرنها حالة من الحالات اللي بتساهم بمراعتها مؤسسات أدورد الخيرية. فيمر على ذهنه ذلك المنشط الصحفي في إحدى الجرائد الكبرى عندما علموا برفقته لها في أحد المطاعم مصادفة في تلك الليلة التي اصطحبها بها هي وياسين الصغير للتنزه قبل سفرهم إلى باريس.. وكان رد المتحدثين بالاسم عنه: إنها حالة من المغتربين ذات أصول أفريقية تستحق الدعم وأن رئيسهم يدعمها بكرمه.. فيغمض عيونه بألم ويتذكر عند علم البرلمان والأحزاب التي تدعمه بذلك. وكان رده: إنها حالة تستحق الشفقة وليست زوجته! ويقطع شروده حديثها. مريم: يوسف أنت سرحت في إيه؟ .................................................. ................. جلس جون يتابع أعماله بسعادة بالغة وهو يرى كم المشاهدات التي تتخطى نسبة عالية من شباب عربي يتابعون المقاطع المحرمة التي تثير شهواتهم، وضغط على زر حاسوبه ليرسل أحد المقاطع الجديدة وهو يضحك بقوة. جون: أحسنتم ياشباب العرب، وصارت السعادة تتراقص أكثر بقلبه وهو يضغط على كلمة شباب المسلمين.. ليبث فيديو آخر ولكن بغفلة منه بدلاً من أن يفتح مقطعه الخاص ليتأكد من كل محتوياته.. جاء إلى أذنه ذلك الصوت.. (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) لتقف جميع حواسه وهو يسمع قول الله تعالى بصوت الشيخ (ماهر المعيقلي) حتى انتهت سورة (يوسف) دون أن يشعر، ليغلق حاسوبه ويندهش مما حدث له، فلأول مرة يشعر بأن قلبه قد تزلزل من شيء وخاصة من ذلك الدين الذي يبغضه. .................................................. ................ ظل ينظر لها وهي نائمة، لينتظر سماع اسمه مرة أخرى من على شفتي زوجته، فمنذ أكثر من 3 أشهر سمعها وهي تخاطبه في أحلامها، لم يصدق يوماً أن تعشق زوجته رجلاً آخر، ولكن كل ما أعاده عليه عقله منذ أتى بها إلى كندا ورؤيتها ليوسف واهتمامها بكل ما يخصه إلى أن تزوج مريم وأمقاتها لها، وحتى عندما سافر أصبحت دائماً تهوى دائماً الخناق.. إلى أن طلبت منه منذ أسبوعاً أن تذهب إلى باريس بحجة أنها أشتاقت إلى مريم وأنها قد اختنقت من هنا وتريد عطلة ترتاح بها. فتفتح عيناها لتقول بنعاس.. سالي: أنت لسه صاحي يا أمجد؟ لينتبه أمجد لها قائلاً: متشغليش بالك بيا. فتدللت عليه مثلما تفعل: إزاي مشغلش بالي بيك ياحبيبي؟ فرمقها بنظرة أصبح دائماً يرمقها بها منذ أن احتل الشك قلبه ونهض من على فراشهما وخرج من غرفتهما تماماً وهو يحمد الله بأن طفلهم الآخر الذي كان ينمو في أحشائها لم يشاء الله بقدومه، ليذهب إلى طفله ياسين ويسترقي النظر في أغلى ثمرة قد طرحها ذلك الزواج الفاشل. ليضحك على مقولة صديقه منذ سبعة أعوام عندما قال له: هو أنا لازم أتجوز اللي بحبها، ماعادي ممكن أتجوز أي بنت تنفع للجواز وأنتقل معاها من حالة العزوبية إلى الحالة الثانية وأنت فهمني.. فيتذكر غمزة صديقه له بعد ذلك الحديث. ليرد عليه. أمجد: يعني هو الجواز عندك انتقال مراحل بس، مفيش أحلام بتبنيها مع شريكة حياتك.. مفيش بذرة عايز ترميها صح عشان تعرف تحصد، مافيش خيال عيشته وأنت بتتخيل إيديكم ممسوكة ببعض ومتبتة ونظرتكم راضية للي وصلتوله من حب، مافيش ولاد شوفت فيهم حصادك.. مافيش دعوة تخيلت تسمعها من على لسانها، أو طيبة تخيلت أنك تلمحها في قلبها... تخيلت بس الرغبة وأنه جواز والسلام. فيكون رد ذلك الصديق.. ضحكة ساخرة وهو يقول: كل ده كلام وأحاسيس أفلام وروايات يا أمجد، وأنا بكره هخطب بنت واحد قريبنا.. أمي اختارتهالي وخلاص وأكيد أمي مش هتختار ليا حاجة غلط. ويعود بذاكرته ويحادث نفسه بعدما احتضن صغيره بقوة إلى صدره بعد أن لازمه الفراش: نتجوز وخلاص عشان نرضي رغبتنا ومش مهم أنا شايف فيها إيه، ويتذكر حبه البريء ليقول: كنت غبي لما استسلمت لعقلي في وقت كان القلب هو حكمه اللي صح! .................................................. .............. كانت متخذة صدره مثل كل ليلة وسادة لها، ليتأمل استكانتها وهدوئها بين ذراعيه ويمد بأطراف أنامله بحنو شديد على ملامح وجهها ليتحسسه وينظر إلى بطنها الصغيرة التي تحمل في أحشائها طفلة.. ويتذكر اصطحابها للطبيب كل فترة له ذلك المكان الوحيد الذي تذهب إليه. ويتذكر دعوة والده لها عندما هاتفها. عبدالله: نفسي أشوفك أوي يابنتي، مش عايزة تيجي بلدكم أنتي ويوسف؟ مريم بسعادة: أنا عايزة أنزل بلدي أوي ياعمو، وتبتلع غصة في حلقها قائلة بألم: وأشوف أهلي. ليقف هو خلفها ويربكها في الحديث آخذاً منها الهاتف قائلاً بدعابة: هاتي بقى يامريم الدور عليا. فتستيقظ من نومها. مريم: هننزل مصر صح قريب؟ ليتجنب حديثها. يوسف: أنسي مصر دلوقتي وخليكي معايا أنا، ويظل يداعبها حتى يغفو وسط حديثه الذي يأسرها وينسيها كل شيء. .................................................. ............... نظرت إليها أمها بصدمة طويلة حتى قالت: غبية وحمارة، سلمتيله نفسك قبل الجواز ياأروى.. عشان كده مبقاش طايقك وبيعاملك وكأنك خدامة. لتبكي أروى بحرقة قائلة: حرام عليكي بقى كفاية العذاب اللي أنا فيه، مش أنتي اللي صممتي تعرفي كل حاجة، أه أنا قولتلك ياشهيرة هانم. فتسقط شهيرة على أقرب مقعد قائلة: أنا السبب، أنا السبب، أنا اللي ضيعتك بتحررك. ونظرت إلى هيئة ابنتها التي أصبحت عليها: ياريتني ربيتك على كده من زمان. لتجذب أروى حقيبة ملابسها التي جلبتها معاها بعدما تركت له المنزل قائلة بألم: الندم مبقاش يفيد دلوقتي ياماما، أحمد الفلوس عميته خلاص وبقى كله عنده بصفقات... لتتذكر آخر ليلة قضتها في بيته بعدما عاد إليها بسكر رامياً بعض النقود عليها جاذباً إياها وهو يطعنها بكبريائها أكثر. هدفع تمن الليلة اللي هقضيها معاكي يا أروى، أصل زيك زيهم.. ويجذبها أكثر إليه ليأخذ منها مايرغب دون أن يشعر بملوحة دموعها. فتسقط دموعها مجدداً وهي ذاهبة إلى غرفتها في بيت والديها، نادمة على كل مافعلته بنفسها من أجل شخص أحبته. .................................................. ............... تأملت سعاد ذلك الخطاب الجديد الذي يحمل صور ابنتها مع زوجها ناظرة بسعادة لكل جزء من ملامح ابنتها متذكرة زوج ابنتها وحديثه معها منذ شهرين. فلاش باك كانت واقفة في مطبخها تعد الطعام، ليأتي أحد أولادها من خلفها قائلاً: ماما في واحد على الباب شكله راجل مهم وببدلة ولا كأنه من أمن الدولة. لتفزع سعاد من حديث ابنها المشاغب، حتى يبتسم قائلاً: بضحك معاكي ياسوسو، هو صح شكله حد مهم بس إحنا في الأمان ياحاجة، يلا اخرجي ورايا بقى ياسوسو عشان نشوف قصته، أصله عايزك بالاسم ياجميل. وألتفت لها ليداعبها مجدداً قائلاً بغمزة فكاهية: أوعي يكون حب قديم ياسوسو قبل بابا! لتوكزه على أحد كتفيه. سعاد: أتلم وتعالى نشوف، مين ده اللي عاوزني وأبوك كمان مش موجود، أعمل إيه أنا دلوقتي؟ وتذهب خلف ابنها، لتجد ذلك الرجل كما وصفه لها ابنها. سعاد بارتباك: فيه حاجة يا أستاذ، أنا الست سعاد. ليبتسم الرجل ببشاشة ويتنحنح حرجاً: أنا عارف إني جاي ليكي من غير ميعاد ياحاجة بس أنا مش هاخد من وقتك كتير، وأخرج من جيب بذلته كرتاً يدل على مكانته، فيأخذ ذلك الكرت ابنها لتقول هي: أنت مين يابني؟ فيحادثها ابنها قائلاً: ده محامي ياماما. فيعرفهم أشرف على وظيفته ومكانته.. قائلاً بإحراج: هو أنا مش ممكن أتفضل ياهانم، ولا أنتوا بخلاء؟ فتبتسم سعاد بإحراج لبشاشة ذلك الرجل الذي يبلغ عمر زوجها قائلة: أتفضل يابيه. فتتقدمه هي إلى داخل حجرة صالونها البسيط. سعاد: أتفضل. فيجلس أشرف على أحد المقاعد ويبدأ بالحديث حتى تشهق بخضة على ابنتها. ليقول ابنها ذات الستة عشر عاماً: أختي مريم فين وإيه اللي حصلها؟ فيبلغهم بحدوث تلك الحادثة وزواج ذلك الرجل منها الذي كان سبباً في حادثتها، ومعرفة عمها بكل شيء وتزويجه لها، وبدأ يقنعهم بالحديث حتى قالت دامعة: بنتي اتجوزت واحد منعرفهوش وهي دلوقتي مش فكراني، طب إزاي؟ ليبدأ المحامي في تهدأتها: بنتك ياحاجة مش متجوزة أي راجل، ده أكبر رجل أعمال في أمريكا وأوروبا وهنا كمان، ليه اسمه. فتبكي سعاد حرقة: أنا عايزة بنتي يا أستاذ الله يخليك. ليرن هاتفه قائلاً: أشرف: ده يوسف باشا جوز بنت حضرتك عايز يكلمك. فتنهض سعاد فزعاً.. وتحادثه قائلة: أنا عايزة بنتي يابني وكتر خيرك على كده. ليحادثها يوسف بعفوية ويعلم بأن تلك السيدة البسيطة لا شك بأن تكون والدة زوجته فأهل الطيبة لا ينجبون إلا الطيبين مثلهم.. وتفيق سعاد على حديث زوجها الغليظ. فهمي: وبقى ليكي حساب في البنك كمان وجوز بنتك بقى معيشك هانم ياسعاد، ياسبحان الله حد يصدق أن بنتك تقدر توقع واحد ابن ناس، ده لولا أن عمها أكدلي كده ماكانتش صدقت وقولت أنها ماشية في الحرام. فترمقه سعاد بنظرات ناكرة. سعاد: الخير اللي بقينا عايشين فيه ده بسببها، متجيبش سيرة بنتي تاني، أنت كنت تحلم تشتغل في شركة زي اللي يوسف شغلك فيها وتروح باشا وترجع باشا ولا مدير يقرفك ولا علاوة تتأخر ومرتب خمس أضعاف مرتبك القديم! ليقف الكلام في حلقه، متذكراً كل النعيم الذي أصبح فيه قائلاً بارتباك لكي يغير مجرى الحديث: فهمي: جوز بنتك ده مش ناوي يجي مصر نشوفه؟ فتتذكرهي بألم كلام يوسف لها عندما حادثها أول مرة: أنا أسف اللي هقوله ليكي، بس مريم فقدت النطق في الحادثة؟؟ .................................................. ......... الـــــفــصـــــل الــــســــادس عـــــشــــــر ومع غروب شمس النهار ونسمات الهواء الهادئة.. جلست على أرجوحتها المفضلة التي تتوسط جانباً من حديقة قصرهما الواسع، ولامست جنينها بأيدٍ حانية، الذي علمت بوجوده في أحشائها عندما أتت إلى هنا لتحدثه بألم. مريم: هو ليه بابا دايماً حابسني وباعدني عن كل الناس حتى أهلي مش عارفة عنهم حاجة.. وصمتت قليلاً لتتابع حديثها الذي يحرق قلبها: أنا عارفة إنه بيحبني أوي بس حاسة إني مش فاهمة حاجة، وأغمضت عيناها بقوة كي تتذكر أي شيء، ولكن كما هي الصورة؛ شريط لطفلة صغيرة تلهو على أقدام والدها، وصوت والدتها تقول: "سيبي بابا يرتاح يا مريم". فهبطت دموعها وهي تحادث جنينها: "نفسي أشوف صورتها واضحة في عقلي، بس أنا واثقة لو شوفتها هفتكرها علطول، وحشتيني أوي يا أمي". ليأتي من خلفها ويظل يتأملها بنغزة في قلبه حتى ابتلع ريقه بتوتر، ورسم ابتسامة مزيفة على محياه. يوسف: حبيبتي سرحانة في إيه، وإيه اللي مخليكي في الجنينة لحد دلوقتي؟ الجو بقى برد عليكي يا عمري. وأمسك بكف يديها كي ينهضها معه. يوسف بدعابة: أنا ابتديت أغير من الأرجوحة دي، ده أنتي بتحبيها أكتر مني! أنا خلاص بفكر أشيلها. لتلتف إليه هي سريعاً وبخضة، وتركت يدها التي يمسكها بين راحتي كفيه: لأ يا يوسف الله يخليك. فيضحك بقوة على خوفها لفقد متعتها البسيطة. يوسف: حبيبتي أنا بهزر معاكي. وانحنى بجسده كي يحملها بين ذراعيه وهو يقول بحب: مت حاوليش مش هنزلك. لتحرك قدميها بعشوائية وبخجل. مريم: يا يوسف عيب، الخدم بيفضلوا يبصوا ويضحكوا عليا، ده حتى راشيل بتفضل تضحك، شوفت؟ فيضحك يوسف بسعادة: بجد حتى راشيل؟ طب كويس.. شوفتي بقي أنتي كنتِ ظالماها إزاي لما قولتي إنها لوح خشب؟ لتخبئ وجهها بين ضلوع صدره: يوسف أنا عايزة أنزل مصر وأشوف أهلي. فيبتلع ريقه بصعوبة ويصعد بها على درجات ذلك السلم الذي يحتوي على جهتين، ويحادث الخادم بالفرنسية الذي وقف في استقبالهم: "أجل العشا كمان ساعة يا ريمون". .................................................................... سارت نحوه بخطوات يائسة حتى قالت بحزن: ريما: للأسف برضو ما عرفتش حاجة عنها، مستر عدنان مات، وسيلا بنته باعت المحل، ومدام مادلين صاحبة السكن قالت إنها ما تعرفش حاجة عن مريم من يوم ما جت واحدة من طرفها أخدت كل حاجة تخصها. ثم صمتت بعدما جلست بجانبه في السيارة الخاصة التي ستنقلهم إلى مطار كندا الدولي. ريما: بس مريم ما تعرفش حد هنا، وعمها اللي كان مقيم هنا ساب البلد وكان بيكره مريم.. تفتكر يا مراد حصلها حاجة؟ ليتأملها مراد بأسف: أكيد هتكون بخير يا حياتي، ممكن تكون رجعت بلادها. ريما بتمني: ياريت يا مراد، ياريت، كان نفسي أشوفك يا مريم. .................................................................... كانت المياه تتدفق على جسده وكأنها نار تحرقه، فأغمض عينيه بألم وهو يلعن نفسه بسبب أنانيته هذه، ليغلق تدفق المياه التي رغم برودة ملمسها إلا أنه كان يشعر وكأنها نار. ليخرج يجدها جالسة تمشط شعرها البني اللامع بشرود. فأزاح خصلاتها الطويلة وانحنى ليقبلها من عنقها. يوسف: سرحانة في إيه تاني يا حبيبتي؟ فدمعت عيناها. مريم: أنت بقيت تتعصب عليا كتير يا يوسف، ودايماً بتتخنق مني بسرعة.. أنت ما بقتش تحبني. فأمسك بالمشط الذي كان بين راحتي كفيها ليصبح بين يديه، وبدأ في تمشيط شعرها. يوسف: بنوتي الحلوة عايزاني أعملها تسريحة إزاي؟ فهزت رأسها بالرفض حتى ضحك: خلاص أنا هعمل اللي عايز أعمله، ما أنتي عارفة إني بفهم في كل شيء يخص المرأة. لتضحك على حديثه وعضت شفتيها بخجل.. ليفهم هو ضحكتها. يوسف: عارف إني وقح وقليل الأدب، وسبحان الله يوم ما اتجوزت اتجوزت واحدة بتتكثف حتى من نفسها. فتنير الابتسامة شفتيها.. فيبادلها هو ذلك حامداً الله بأن كلامه ينسيها كل شيء. .................................................................... نظرت شهيرة إلى ابنتها بإشفاق وهي تراها تعدل من هيئة حجابها البسيط وعباءتها الفضفاضة حتى قالت: شهيرة: يا بنتي الناس دي خلاص لازم نقطع علاقتنا بيهم، إيه لازمته كل شوية تروحي تزوري أبوه وأخته؟ فتنحني أروى بجسدها كي تأخذ حقيبتها وهي تحادثها: نهال قربت تسافر وعايزة أقعد معاها أطول وقت ممكن، وعمو عبدالله بيحتاجني ساعات، وكمان أنا عمري ما أنسى هما كانوا بيعملوا عشاني إيه، وبيقفوا ضد ابنهم وعمرهم ما زعلوني في حاجة. فتلوي شهيرة فمها باعتراض قائلة: اللي يريحك يا أروى أعمليه، أنتي إيه اللي لابساه ده؟ ماهو مش معقول يوم ما تلتزمي تلبسي كده، عباية سودة واسعة ومافيش ولا نقطة مكياج تفتح وشك.. أقول لأصحابي اللي في النادي إيه؟ فتكمل هي سيرها نحو الباب. أروى: مع السلامة يا ماما. .................................................................... نظر إليها أمجد طويلاً، بعدما تركت هاتفها جانباً بتأفف. حتى قال: مين اللي كان بيتصل من مصر يا سالي؟ لتزفر هي بضيق. سالي: ده جوز ماما، بيقولي إنها تعبانة جداً ومحجوزة في المستشفى.. عايزني أنزل آخد بالي منها لأنه مش فاضيلها. فيسير هو نحو غرفتهما بلا مبالاة. أمجد: سافري ليها يا سالي. فتتابعه هي بضيق. سالي: هو أنا كنت ناقصة ياربي، طب وياسين؟ أمجد: لأ ياسين مش هيسافر معاكي، الولد ممكن يتعدي من المستشفى.. سافري اطمني على أمك ده حقها برضو عليكي. فرمقته بنظرات دلال. سالي: على عيني يا حبيبي والله أنا ما أقدرش أبعد عنك يوم.. وزادت في اقترابها الذي أصبح يبغضه، وقبلته قبلة صغيرة على شفتيه. سالي: ربنا يخليك ليا يا حبيبي! .................................................................... انتهت لعبتهم التي اعتادوا عليها حتى قالت أروى ضاحكة: كش ملك يا عمي. ليبتسم عبدالله لها بسعادة: ما تتعوديش بقى على كده يا مرات ابني. لتقف تلك الكلمة في حلقها.. ليتابع هو حديثه: عبدالله: أيوه مرات ابني وهتفضلي مرات ابني، ولعلمك أنا مش هسكت، هو ابني أصلاً يلاقي زيك؟ لتنهض أروى من على كرسيها المقابل لذلك الرجل الحنون، والد زوجها، وتنحني بجسدها كي تطبع قبلة حانية على راحة كفه. أروى: ربنا يخليك ليا يا عمي، بس أنا وأحمد خلاص اللي بينا انتهى. عبدالله باعتراض: ابني بيحبك يا عبيطة، وتابع حديثه بحزن: بس من كتر الحب بقى أعمى. لتبتسم هي بحزن على دعابته الطيبة. حتى تأتي نهال بملامحها التي ما زال الحزن يكسوها: الله الله! يعني أنا بعملكم أحلى سحلب وأنتوا عمالين تحبوا في بعض، خيانة.. ونظرت إلى أروى بشر مصطنع. نهال: وسعي كده يا لؤلؤة، كفاية عليكي لحد كده، وتابعت حديثها وهي تضع قبلة حانية على خد والدها: سيبلي الراجل العسل ده. لتضحك أروى بسعادة من قلبها ناظرة لهم حتى سمعت صوت الخادمة تحادث أحدهم مرحبة: أهلاً أهلاً أحمد باشا. فتحمل حقيبتها سريعاً وبتوتر. أروى: أنا لازم أمشي. وسارت بخطى سريعة دون أن تنتبه لنداءات والد زوجها ونهال. ليقف هو أمامها، متأملاً هيئتها.. خافقاً قلبه وكل جزء فيه لها، فهو ما زال يعشقها ولكن.. أحمد: إزيك يا أروى؟ لترفع وجهها وتتقابل أعينهم.. وتسير رعشة في قلبها فتخفض برأسها سريعاً وتتابع سيرها بصمت. ليأتي عبدالله بكرسيه المتحرك قائلاً بجمود: أنا لازم أفهم أنت ومراتك الحال وصل بيكم كده ليه؟ نظر أحمد في ساعته بطريقة عملية قد اعتاد عليها. أحمد: أنا كنت جاي أطمن عليك يا بابا أنت ونهال، ومدام أنتوا كويسين.. أستأذن أنا عشان ورايا شغل. .................................................................... كان نائماً على قدميها بسعادة وهي تقص عليه إحدى قصص الأنبياء من ذلك الكتاب الذي تحمله بين أيديها حتى توقفت قائلة وهي تداعب خصلات شعره المبللة. مريم: وكده القصة خلصت، ودي كانت قصة نبي الله عيسى عليه السلام. لينهض يوسف من على قدميها قائلاً: وابن الله؟ فتنظر إليه مريم طويلاً غير مصدقة لما يقوله زوجها حتى قالت: أنت إزاي تقول كده يا يوسف؟ الله واحد أحد لم يلد ولم يولد. فتسيطر عليه كل تعاليم جده حتى قال: يوسف: أنا شايف إن قصة نبي الله عيسى فيها كل شيء وواضحة رسالته، أما (محمد) أنا شايف إن رسالته مش واضحة. لتنصدم هي في حديث زوجها حتى قالت: أنت واعي للكلام اللي بتقوله ده يا يوسف؟ إزاي تغلط في خير خلق الله وخاتم الأنبياء والمرسلين؟ فيضيق وجهه قائلاً: واشمعنا دفعتِ عن محمد وعيسى ابن الله لأ؟ لتحتار هي في حديث زوجها. مريم: قولتلك الله واحد أحد لم يلد ولم يولد، غير إن أنا ما بغلطش في نبي الله عيسى عليه السلام، لأن ديننا عمره ما كان فيه بغض أو تمييز لأي نبي نزل برسالة من عند الله.. ورسولنا خاتم الأنبياء والمرسلين.. أنت عيشتك هنا خليتك تتغير كده ليه؟ أنت مش يوسف، أول مرة أحس إنك مش زينا ومش غيور على دينك. يوسف بارتباك ملحوظ: مريم إحنا بنتناقش، وأنتي عارفة إني فعلاً جاهل حاجات كتير في الدين وأنتي وعدتيني إنك هتساعديني. لتهدأ في حديثها معه وتتذكر وعدها له قائلة: بسم الله الرحمن الرحيم: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ). (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ). لينظر لها هو ببلاهة قائلاً: يعني إيه؟ مريم: يعني آخر رسالة ربنا بعثها لينا هي إن الإسلام هو المتمم لكل الأديان اللي نزلت قبله. ليمتقع وجهه ولكن تحدث بهدوء. يوسف: واشمعنا الدين المسيحي ما كنش هو الدين ده؟ وبرضو ما جاوبتنيش ليه مش بتدافعي عن النبي (عيسى)؟ لتنظر إليه طويلاً قائلة: عليه السلام، لو كنت مش بحب قصة نبي الله عيسى ومعترفة بوجوده ما كنتش قريت معاك قصته، ولا كان رب العالمين ذكر لينا في كتابه العزيز كل شيء يخص سيدنا عيسى وفهمنا قصته وكل اللي مر بيه مع قومه، وحياة السيدة مريم أمه: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا). فنظر إليها طويلاً متعجباً: أنتي عارفة كل ده إزاي ومن إمتى؟ لتنظر إليه هي بسعادة. مريم: ما أنت لما بتكون مش موجود وفي شغلك.. بحفظ في كتاب ربنا، القنوات اللي هنا فيها حاجات مش كويسة وحرام، فوقتي بقض..يه وأنا بحفظ أو أنا بتأمل الطبيعة في الجنينة.. وأكملت حديثها ببراءة: ده أنا عاملة ليا قاعدة تجنن عند الشجرة الكبيرة المزروعة في الجنينة، بقعد تحتها وبنسى نفسي. فيضحك على حديثها بسعادة: قصدك شجرة الصنوبر يا حبيبتي؟ ويلتهي بالحديث معها كي ينسيها رد فعله إلى أن احتضنها بحنان. يوسف بصدق: ساعديني يا مريم أحب وأفهم ديني. فتبتسم إليه بعشق صادق: مريم مش هتفهم يوسف، لأ.. يوسف ومريم هيفهموا سوا عشان هما الاثنين يكونوا سوا في الجنة زي ما هما سوا في الدنيا. لتسير تلك الجملة بين خفايا وجدانه وعقله.. حتى مال عليها بعشق وقبلها قبلة حانية على جبينها، وعندما ابتعد عنها بشفتيه، اقتربت كفاه وأمسك وجهها بحنان بالغ ليحتويه بدفء. .................................................................... ضحكت سالي بسخرية وهي تتأمل وجه والدتها قائلة: بقي هو ده التعب اللي أنتي بسببه في المستشفى؟.. "تعالي يا سالي بسرعة أمك بتموت ومحتاجة عملية ضروري"، وكل ده عشان أنزلك بفلوس العملية من أمجد، لأ.. والعملية.. عملية تجميل! عملية تجميل يا ماما؟ وزادت في سخريتها وهي تقول: إيه العريس الجديد عايز كده ولا إيه؟ ليمتقع وجه كريمة والدتها.. وتلامس بشرتها بأيديها كي تتأكد من إزالة التجاعيد. كريمة بلا مبالاة: هاتي لي يا سالي المراية عايزة أشوف العملية صغرتني وشالت التجاعيد ولا لأ. لتخرج سالي من حقيبتها مرآة وتمدها لها بريبة. فتأخذها هي منها. كريمة: إيه ده؟ أنا قولت لهم عايزة أصغر المناخير كمان! سالي بسخرية: هم يضحك وهم يبكي، معلش يا كوكو المرة اللي جاية تصغر يا حبيبتي. .................................................................... نظر إلى الحزن الذي بعينيها واقترب منها بحنان واحتضنها إلى صدره. مراد: ما تزعليش من أمي وأخواتي البنات يا ريما، هما لما يعرفوكي كويس هيحبوكي. لتتذكر ريما قول أمه لها موجهاً إليها هي الحديث أيضاً بلذاعة: "متجوز واحدة من الشارع يا ولدي وعايزها تبقى من عيلتنا؟ لأ ده مش هيحصل أبداً". فتبتعد هي عنه وتمسح دموعها برضا. ريما: هي عندها حق يا مراد وأنا مش زعلانة منها. فيبتسم لها بسعادة ويعاود ضمها ثانية: ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي. .................................................................... الأقدام تتصارع والكل يهبط على درجات سلم ذلك البيت الذي يسقط، فتصرخ هي بقوة: لاااااااا. .................................................................... كان يجلس بولده يدغدغه ويضحكه حتى رن هاتفه برقم غريب، لتمر دقيقة واحدة وهو يسمع حديث ذلك الغريب حتى سقط الهاتف من بين أيديه وهو ينظر إلى طفله الجالس على قدميه ببلاهة تصحبها الصدمة. سالي ماتت !!!!!!!!! .................................................................... الفصــــــــــــــــــــــــــل الســـــــــــــــــــــــــــــــابع عشــــــــــــــر كان ظلام قلبه هو من يحيطه؛ ليطغى ذلك الظلام على كل ركن يحيطه، رغم قوة النور الذي يملأ تلك الشرفة الواقف بداخلها، لتتأمله هي بحزن قد ذكّرها بذكرى زوجها الحبيب (طارق)، فتخفض برأسها أرضًا وهي تخرج من حلقها بصعوبة اسمه. نهال: أنا نيمت ياسين بعد ما عشيته وغيرتله هدومه، وبابا بيقولك يلا عشان نتعشى. ليطفئ سيجارته سريعًا بعد أن زفر بآخر ما فيها من دخان. أمجد: شكراً يا نهال على كل اللي بتعمليه مع ابني، ادخلي أنتي عشان الجو بارد وأنا هحصلك.. وبدأ يخرج سيجارة أخرى كي يدخنها. فتلقتها منه قائلة بخوف دفين نهال: حرام عليك نفسك يا أمجد، أنت من إمبارح وأنت على الحال ده. فتخنقه الأفكار التي تتصارع داخله. أمجد: ابني أتيتَم يا نهال. نهال بحزن: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.. وتابعت في الحديث قائلة: ربنا مبينساش عباده، ما أنا قدامك أهوه، أتربيت يتيمة ومرات خالك سابتنا واحنا لسه أطفال، أوعى تفكر كده يا أمجد. فيتأملها طويلاً لاعنًا نفسه لغبائه؛ فهي بها ما يكفيها من ألم. أمجد: لسه زي ما أنتي متغيرتيش يا نهال. ............................................................... وقف خلفها يتأمل ابتسامتها البريئة وهي تلامس طفلها بأيدٍ حانية أمام مرآتها، فاقترب منها ليحيطها من الخلف مقبلاً خصلات شعرها وعنقها قائلاً بهمس: يوسف: لسه تعبانة يا حبيبتي؟ لتلتف إليه فيصبح وجهها بين أحضانه فتتمسح فيه مثل القطة قائلة بحب: مريم: متخافش عليا أنا كويسة، هو كان شكله بيلعب معايا شوية. فيضحك بقوة من أعماق قلبه. يوسف: طب ما أنا كمان عايز ألعب معاكم. فترفع وجهها وتتأمل نظراته العاشقة لها بغيظ. مريم: أنت علطول مشغول ومبقتش فاضي.. وبقيت تسافر. فيتذكر هو أعماله الكثيرة وخاصة اضطراره للذهاب لكندا كي تتم إحدى الصفقات المهمة، وبسبب ظروف أمجد وعدم تواجده كان لابد أن يسافر. يوسف: أخص عليا بجد، حد يسيب الجميل ده لوحده وينشغل عنه.. أنا مستعد للعقاب. فتبتعد عنه هي وتنظر إليه طويلاً قائلة ببراءة: مريم: عايزة أخرج أتفسح الله يخليك يا يوسف.. نفسي أشوف البلد هنا. .................................................................. تأملت أوراق تخرجها بسعادة بعد أن حزمت قرارها الذي اتخذته منذ أسبوع تفكير دام طويلاً، لتدخل عليها أمها بأناقتها قائلة: شهيرة: أنا رايحة النادي يا أروى. فتنتبه لابنتها قائلة بشك: رايحة فين وايه الورق اللي معاكي ده؟ فتنظر أروى إلى والدتها بسعادة قوية: رايحة أقدم في وظيفة، طالبين محاسبين خريجين تجارة إنجلش، أدعيلي يا ماما. فيمتقع وجه شهيرة، ناظرة لها بتهكم: هو أنتي محتاجة شغل يا أروى.. طب كنتي قولتيلي حتى وأنا كنت خليت طنطك روفيدة تتوسطلك عند ابنها أمير. لتسير أروى من أمام أمها قائلة: أنا حابة أعتمد على نفسي ومش عايزة وسايط.. وواثقة إن ربنا مش هيخيب رجائي فيه، سلام يا ماما. وتخرج تاركة الحجرة لها، فتتأمل شهيرة تغير ابنتها بقوة قائلة: لا البنت دي مبقتش بنتي.. وتتذكر ابنة أخاها قائلة: كنت بتريق على بنت سعاد اللي كانت عاملالي فيها بنت العريف، اتبليت ببنتي. ............................................................. نامت لأول مرة بعيدة عنه.. حتى قال: يوسف: إيه يا مريم مش هتنامي على مخدتك.. وأشار على صدره قائلاً: مخدتك المفضلة هتسيبيها؟ فالتفتت إليه لتنظر إلى ملامحها الباكية. مريم بعناد: لاء. وأشاحت بوجهها بعيدًا عنه لتكمل بكاءها بصوت ضعيف.. حتى اقترب منها واحتضنها بقوة رغماً عنها. يوسف: كل ده عشان مخرجتكيش يا مريم؟ فساد الصمت طويلاً بينهما لتقول بعدما أبعدت ذراعيه التي تحتضنها عنها: مريم: أنت من ساعة ما جبتني هنا وأنت دايماً حابسني في القصر مابتخرجنيش، حتى الدكتور بتاخدني ليه بالليل وبتكون عيادته فاضية ومفيهاش حد وكأننا رايحين ليه مخصوص يعني، ولا بقيت أشوف ناس ولا ناس بتشوفني، أنت مكنتش في كندا كده، صحيح مخرجتش غير مرتين مع ياسين بس أحسن من الحبس ده. فـتأمل كلماتها بوجع، فكل كلمة تقولها هو السبب فيها؛ فلو لا خوفه من أن تنكشف حقيقة زواجه منها لكان سار بها وسط كل العالم وأشار للناس جميعهم بأنها زوجته.. ولكن لا رحمة في عالم السياسة قبل المال. ونهضت من على فراشهم.. وتركت له الغرفة بأكملها كي يكمل باقي شروده ويتركها في حيرتها. ................................................................ احتضنت الصغير بقوة كي تبكي بين ذراعيه الصغيرتين ولكي لا يرى دموعها بعدما شاهدت بكاءه على والدته التي توفيت على أثر زلزال حدث عند وجودها في بيت لم يعلموا بهويته شيئًا، أو بالأصح أخفى عنهم أمجد هوية ذلك المكان لوجود سر.. ولم يعلموا شيئًا عن سالي سوى أنها توفيت في زلزال قد حدث لإحدى العمارات القديمة في حي من أحياء القاهرة. فتحادثه قائلة بحنان بعدما قاومت دموعها: نهال: إيه رأيك يا ياسو أنا وأنت نفطر ونشرب اللبن وبعدين نروح الجنينة ونلعب. ففرح الصغير وحرك ذراعيه بفرح قائلاً: وكورة. فابتسمت لحب الصغير للعب بالكرة. نهال بحب وهي تقبله: ونلعب كورة كمان.. ورن هاتفها برقم أروى لتحادثها: نهال: أيوه يا أروى ماشي، ساعة كده وأقابلك عشان نخرج ياسين وتقوليلي عملتي إيه في موضوع الشغل. وأغلقت معها الهاتف، ليأتي صوته الرجولي من خلفها: ممكن يا نهال تجهزي ياسين عشان أخده للدكتور أطمن عليه. فالتفتت إليه قائلة بغضب: أنت مش واثق فيا؟ كانت شوية سخنية وأديته خافض للحرارة وبقي كويس. فيسمع أمجد صوت خاله من خلفه قائلاً: مالكم يا ولاد؟ فتأخذ هي الصغير من يديه وتترك له المكان حتى قال عبدالله: متزعلش منها يا أمجد، هي بقت دايماً عصبية ومخنوقة بعد ما خطيبها اتوفى، دول كانوا كاتبين كتابهم وماكانش فاضل غير أسبوع على جوازهم. فيحرك رأسه بتفهم.. ويتابع خطواته للخروج بشرود. ............................................................... نظر إلى أوراقها متأملاً اسمها قائلاً بضيق.. الهانم عايزة تشتغل ماشي يا أروى. فيمسك بهاتفه باحثاً عن اسمها.. وقبل أن يضغط على زر الاتصال بها، جاءت بذهنه فكرة خبيثة فابتسم ورفع هاتف الشركة الخاص وهاتف سكرتيرته قائلاً: أحمد: بلغوا أستاذة أروى حسن بأنها اتقبلت في الوظيفة، وهتكون المساعدة ليكي في السكرتارية يا مدام عايدة. لتبلغه هي باحترام: يا فندم إحنا كنا طالبين محاسبين مش سكرتيرة. أحمد بصرامة: أنا قولت هتكون مساعدة ليكي هنا وهيكون ليها مكتب معاكي، أما المحاسبين فأستاذ فاروق هو اللي هيختار، مفهوم؟ وابتسم وهو يتذكر رؤيته لها عند دخولها مدخل شركته الجديدة، أو بالأصح التابعة لإدارته بعد أن كلفه أخاه بذلك. ............................................................. نظر الاثنان للصغير بابتسامة صافية حتى تابعت أروى حديثها: أدعيلي أتقبل في الشركة الجديدة يا نهال. فابتسمت نهال بود قائلة: ربنا يوفقك يا أروى يارب.. وتابعت في الحديث قائلة: أحمد عارف؟ فهزت رأسها نافية، وقالت بأسى: أحمد مبيسألش عليا ولا حتى حاول إنه يرجعني.. أرجوكي يا نهال بلاش نتكلم في الموضوع ده، أنا بحاول أنسى أخوكي بجد وأبتدي حياتي من جديد لحد ما يطلقني. فتأملتها نهال بإشفاق حتى وجدت الطفل يركض نحوها ممسكاً بيد فتاة من عمره قائلاً: نور.. نهال.. نور. لتفهم نهال حديثه ضاحكة: إزيك يا آنسة نور؟ فتحادثها الصغيرة قائلة بطفولة: أنتي مامي ياسين؟ فينظر إليهم ياسين حتى تحتضنه هي بقوة ناظرة إلى أروى التي بجانبها: نهال: أيوه يا حبيبتي! .............................................................. كانت السعادة تملأ قلبها وهي تسير بجانبه ودخلت معه إلى ذلك المطعم الرائع، حتى تأملت المكان بصدمة: مريم: هو فين الناس يا يوسف؟ فيبتلع ريقه قائلاً: يا حبيبتي أنا عايز أكون أنا وأنتي لوحدنا. فتركت يده الممسكة بيدها حتى قالت: أنا عايزة أشوف الناس، فين الناس؟ ليأتي من خلفهم مدير ذلك المطعم مرحباً بهم ببشاشة، ويتركهم بعد أن أمر موظفيه بحسن الضيافة. وبعد أن جلسوا سوياً على طاولة الطعام، تأملها قليلاً حتى نهض واتجه ناحيتها وأمسك يدها بدفء ليسير بها نحو شرفة ذلك المطعم العالي ناظراً إلى التلسكوب الموضوع قائلاً: يوسف: تحبي تشوفي النجوم والكواكب؟ وبدون رد أخذ بيدها ليقربها واحتضنها من خصرها وهو يقول: مش عايزة تشوفي النجوم؟ ليغلبها الفضول فتنظر داخله فتستمتع بأجمل مشهد لأول مرة تشاهده وهي رؤية النجوم والكواكب عن قرب. وتضحك بسعادة ليظل هو محتضناً إياها لامساً جانبيها بيديه: يوسف: بحبك أوي.. حتى التفت هي إليه بابتسامة هادئة، ليتأمل هو هدوءها مقترباً منها ليقبلها قبلة بسيطة على شفتيها ثم يعود لاحتضانها ويستنشق رائحة براءتها العطرة ويقف بجانبها ممسكاً بيدها ناظراً في التلسكوب وهو يقول بحب: أنتي النجوم دي يا مريم. فتضحك بقوة قائلة: طب قولي نجمة بس مش نجوم. فيحرك رأسه بالنفي ويحتضن وجهها بين راحتي كفيه: بــــحـــــبــــــك. ............................................................. الفصـــــــل الثـــامن عشـــــــــــر ابتسم جون بسعادة وهو يعود لرشده مرة أخرى، بعد أن أقنع نفسه أن تلك الرهبة التي امتلكته منذ شهرين كانت مجرد مرحلة مرت عليه كي يثبت فيها لنفسه بأن قلبه ليس سوى للتوراة، وإذا جاء دين آخر ممكن أن يسطر في قلبه سيكون الإنجيل وفقط.. ليفتح أحد البرامج الحديثة لتركيب المقاطع الجنسية المصورة ببراعة.. ليحدث ما حدث من قبل ولكن بآية أخرى من (سورة الزمر) هزته: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)﴾. فيتصبب العرق من وجهه حتى يجد زوجته سيلا واقفة تتابعه ليصرخ قائلاً: أنا يهودي، أنا يهودي لا أريد أن أكون مسلماً، لا أريد. ................................................................... اعتلت الصدمة وجهها وهي تشاهده واقفاً أمامها بحلته الرسمية والسخرية تملأ وجهه. أحمد: أظن لما مديرك يكون موجود تقفي احتراماً ليه يا أستاذة. فتعتلي الصدمة وجهها أكثر، فقد ظنت أنه قد تبعها لكي يعلم مكان عملها ويجبرها على تركه عقاباً لها لعدم إخبارها له بذلك.. فتنطق بصعوبة من الصدمة: أروى: مدير مين! فيضحك أحمد بقوة، حتى تأتي سكرتيرته الأساسية مدام عايدة قائلة: أوراق المناقصة الجديدة على مكتبك مستر أحمد، ونظرت إلى أروى بقوة.. لتخفض هي برأسها أرضاً من نظرتها القاسية حتى صار هو نحو مكتبه قائلاً بصوت رخيم: أحمد: أستاذة أروى حصّليني على مكتبي لو سمحتي. ................................................................. أصبحت شهور الحمل تتعبها كثيراً، وأصبح الحزن دائماً يكسو وجهها وخاصة عندما أخبرها بقسوة بأنه لا يستطيع أن يواجه بها المجتمع الآن، فهو له اسمه ويخشى على صفقاته.. فقد كان يظن منها الرضا كما اعتاد، ولكن قد غرز في قلبها سكيناً قوياً، فأحتضنها وهي نائمة بجواره قائلاً بحنان: يوسف: لسا زعلانة مني يا حبيبتي؟ فتأملت معالم وجهه بضعف ولازمت صمتها برضا كما اعتاد منها حتى قالت بصعوبة: أنا مش عايزة أولد هنا، أنا عايزة أنزل مصر. فصرخ بوجهها من كثرة الضغوط التي أصبحت تواجهه في أعماله ومن تهديد عمها له بأن يكشف للإعلام والصحافة وبرلمانه الموقر حقيقة زواجه من ابنة أخاه.. وأن ابنة أخاه ليست مجرد حالة للإشفاق إلا إذا ساعده في أن يعلو اسمه في عالم البيزنس مرة أخرى: يوسف: أنا زهقت خلاص، بقيتي متعبة، كل شوية عايزة أنزل مصر، عايزة أمشي من هنا.. أنا مبقتش فاضي لدلعك ده أنا... فانكمشت في نفسها وبكت بصوت ضعيف، حتى زاد صوت بكائها... فأقترب هو منها وأخذها بين أحضانه وبصوت هامس: يوسف: حاضر يا مريم هنفذلك رغبتك صدقيني بس اصبري عليا شوية أرجوكي، هننزل مصر صدقني.. وتابع حديثه وهو واضع يده على جنينهما قائلاً بحب: وهتولدي في مصر كمان. فابتسمت بسعادة حتى قالت: وهشوف الناس والناس هتشوفني، وهتقول إني مراتك. فعاد لضمها ثانية وهو يقول لها بحب: هعملك كل اللي أنتي عايزاه صدقيني بس اصبري عليا شوية أرجوكي، اديني فرصة وأوعي تزعلي من عصبيتي يا حبيبتي. فرفعت وجهها قليلاً لتتأمله عن قرب، ولامست بأيديها الدافئة وجهه: مريم: أنا معاك يا يوسف متخافش.. وسقطت دموعها وهي تتابع حديثها: لولاك ماكنتش هلاقي مكان أعيش فيه بعد الحادثة، أنت اللي أنقذتني.. واتجوزت واحدة مالهاش أهل تعرفهم، وتذكرت إحدى المرات التي جرحتها فيها سالي بكلماتها: أنا مش عارفة بيحبك إزاي ولا على إيه، أكيد هيجي يوم وهيفوق من حبك ده ويرميكي في الشارع، ماهو محدش هيختار أن تكون أم ولاده من الشارع. فدمعت عيناه لما يفعله معها ومما تُعانيه وأخذها بين ذراعيه بعشق، ومال على أذنيها هامساً بعدما قبل يديها بقبلة طويلة: يوسف: أنتي أجمل هدية جاتلي في حياتي كلها. ................................................................... امتقع وجهها بقوة لما فعله ذلك المجنون الذي أحبته يوماً وهي تقول لوالدها: نهال: طب واخد ياسين معاه ليه الفندق يا بابا، أمجد ده بقى مجنون وهو ماله بيا، قال خايف عليا من كلام الناس. فنظر عبد الله إلى ابنته بهدوء حتى قال: والله يا بنتي أنا صحيت لقيتُه ماسك شنطة هدومه وشايل ياسين وقالي أنا حجزت في فندق إمبارح وهنزل فيه لحد أما أسافر تاني. سألته إحنا زعلناك في حاجة يا أمجد؟ لقيتُه بيقولي: مش عايز حد يتكلم عن نهال كلمة وحشة ووجودي هنا غلط.. مع أن زمان قبل ما يسافر ويتجوز كان ياما بيجي يبات عندنا ويقعد مع أحمد. فابتسمت ساخرة وهي تحادث والدها: أظاهر أن الغربة غيرته.. وصارت ناحية غرفتها بوجه عابس لا تعلم سببه. ................................................................ أما هو بعدما اتكأ بظهره على الفراش ونظر إلى ابنه النائم جانبه، ابتسم بمرارة وهو يتذكر حديث الشرطة عن جث..ة زوجته عندما وجدوها تحت الأنقاض، فقد كانت عارية الجسد وأن العمارة التي كانت بها تتكون من طابقين.. طابق أهله لم يكونوا متواجدين فيه وطابق تابع لشخص اسمه: هاشم علي.. لتكون المفاجأة الكبرى أن هذا الرجل هو خطيب أمها الجديد. فيتوقف ذهنه عن التفكير عندما وجد ابنه يفتح عينيه: بابا.. نهال.. وبكى وهو يكرر اسم نهال التي احتلت مكانة في قلبه الصغير بسبب براءتها، فمر طيف ابتسامتها وملامحها حتى قال وهو يحتضن صغيره عندما رن هاتفه باسم يوسف.. لينظر إلى طفله قائلاً: تعالا يلا نكلم يوسف يا حبيبي. ليبتسم صغيره بحب قائلاً: يوسف.. هيه.. يوسف.. هيه. .............................................................. جلست على فراشها كالقرفصاء تبكي على حظها، فاليوم الذي قررت فيه أن تبدأ الطريق وحدها، كان الحظ ضدها ليكون هو مديرها في العمل.. لتتذكر حديثه معها: أحمد: بتشتغلي من غير إذني يا أروى؟ فتنظر إليه في تحدٍ قائلة: أروى: أظن دي حياتي ومحدش وصي عليا فيها. فيقف قبلتها ومن شدة قربهما كانت أنفاسه الحارقة تلفح وجهها لتخطو هي خطوة للوراء كي تبتعد عنه.. حتى يجذبها إليه فتنصدم بصدره الصلب ويقبلها قبلة طويلة جعلتها تتألم، فأبتعدت عنه بأنفاس مضطربة: أروى: أنا بكرهك يا أحمد، وتخرج من حجرته سريعاً ونظرات عايدة السكرتيرة تحاوطها حتى تقول لها بغضب: خلصي الأول اللي على مكتبك ده بسرعة فاهمة؟ لتجلس هي خلف مكتبها منصاعة لتلك السيدة الصارمة. فتفيق من شرودها على صوت والدتها التي تضحك ساخرة: جوزك بقى اسمه من النار على العلم في عالم البيزنس وأنتِ قاعدلي ليل نهار تعيطيلي. واقتربت منها بهدوء قائلة: لازم ترجعيله وتعيشي في نعيمه يا بنت شهيرة. ................................................................. وتحت نظرات ذلك الحقود وهو يتأمل تلك اللمبة الحمراء المضاءة في غرفة اجتماع رئيسهم.. ضحك بسعادة: مايكل: هذه الأخبار مفرحة لي سيمون، أخيراً سوف آخذ كرسي البرلمان من ذلك المتعجرف أدورد، يا للسعادة. فتبتسم تلك السكرتيرة قائلة بجدية: لا داعي للسعادة مستر مايكل، فأنت تعلم مدى حب مستر جاك لحفيد أدورد باشا.. فهو يعتبره كأحفاده. فيمتقع وجه مايكل بشر وهو يمرر في ذهنه كل ما يفعله ذلك العجوز جاك مع حفيد أدورد رغم أنه زوج ابنته ولكن مكانة ذلك البغيض محتلة قلبه.. فيقترب منها بوقاحة وهو يتأمل هيئتها قائلاً: مايكل: ماذا قد فعل المتعجرف، ليجتمعوا الآن في أمره.. ويقررون إبعاده عن البرلمان؟ وقبل أن يكمل باقي حديثه.. كان خروج ذلك العجوز أولاً وهو يتحدث بصرامة: أخبروا حفيد أدورد أنني أريده حالاً. .................................................................. تأملت التحليل الذي بيدها بصدمة وهي ترى النتائج، حتى أقتربت منها نهال بشك: التحليل طلع إيجابي صح يا أروى؟ فابتلعت أروى ريقها بصعوبة من صدمتها: أنا حامل يا نهال.. حامل من أخوكي.. وسقطت دموعها بقوة وهي تتذكر تلك الليلة التي عصفت بذلك الطفل: أروى: أحمد لو عرف هيطلب مني أنزله. فتأملتها نهال بصدمة حتى قالت تلك المسكينة: أروى: أخوكي بيحتقرني، شايفني إني رخيصة مستهلش أكون زوجته وأكيد مستهلش أكون أم لأولاده. فأحتضنتها نهال بقوة وهي تقول: لو أعرف بس إيه اللي حصلكم عشان يوصلكم لكده. لتبكي أروى في أحضانها قائلة بألم: كل واحد عنده سر بيحاول يخبيه على أقرب الناس ليه يا نهال. فتتذكر هي الأخرى سرها الدفين.. وهو ذلك الحب الذي أحبته منذ زمن لأمجد!! ................................................................. أجلسها على قدميه كالطفلة الصغيرة ليدللها بطريقته الخاصة، لتضحك بقوة على ما يفعله أحياناً من لحظات جنون حتى قالت : مريم: كفاية بقى يا يوسف، تعبت من كتر الضحك. فقبلها على شفتيها بحب وهو يغمز لها بخبث: مينفعش تتعبي دلوقتي يا حبيبتي، لسا الليلة طويلة.. أنتِ النهارده ليا وبس وهعمل كل اللي نفسي فيه.. أنا سايبك من زمان أووي عشان خاطره.. ووضع يده على جنينهما الذي أصبح ظاهراً حجمه من بطن أمه. فضحك قائلاً: أنتِ متأكدة أنك حامل يا حبيبتي، أنتِ من الشهر الثالث وبطنك كده ودلوقتي في الخامس ومش باين أي تغير ليها.. إيه يا مريم هتخلفيلي عصفور؟ فابتسمت بسعادة وتأملت معالم وجهه بحب.. فمهما تغضب منه بفعل بسيط أو بكلمة إرضاء يذوب الجليد بينهم وتعود تعشقه أكثر بكثير.. وحملها بين ذراعيه بعدما وضع كوب الآيس كريم الذي كان يطعمها به جانباً وصار بهم نحو غرفتهم: يوسف: أصل في آيس كريم على شفايفك يا حبيبتي، عايز أمسحهولك، وقبلها على جبينها بحب عندما أحمر وجهها مما ينوي عليه.. حتى قال هامساً بهيام يتخلله العشق: يوسف: بــــــحـــبــــــك. ............................................................... كان عنفوان أمه القوي له يصل إلى أذنيها في غرفتها، فدمعت عيناها وهي تتأمل ذلك الفستان الذي بين يديها والذي سوف ترتديه لحفلة زواجهم العائلية التي ستقام بعد ساعتين. ليدخل هو عليها قائلاً: هنتجوز يا ريما، ومحدش هيغير قراري. وأحتضنها بقوة وحب: مراد: مش هتخلى عنك أبداً ريما، أنتِ حياتي اللي جاية.. عايز أكمل عمري معاكي. فأبتعدت عن أحضانه بألم: ريما: مامتك يا مراد مش موافقة.. هتزعلها عشاني. فقربها منه ثانية وأمسك وجهها بين راحتي كفيه: أمي طيبة ريما، بس هي خايفة عليا شوية.. إحنا هنتجوز وهننزل مصر أنا مضطر لكده سامحيني... شركتنا الجديدة لازم يكون ليها فرع هناك ولازم أكون متواجد في مصر. فتحرك رأسها له برضا.. حتى سمعوا طرقات على باب الغرفة التي تقيم فيها حتى موعد العُرس. لتدخل أمه قائلة بحنان: أنا راضية عنك يا بني.. اعمل اللي يسعدك.. واحتضنته بسعادة وهي تتذكر الأيام القاسية التي قضاها ابنها يتألم لفقد حبيبته وخطيبته التي كانت على مشارف أن تصبح زوجته قائلة برضا: أنا عايزة سعادتكم بس يا أولادي. ونظرت إلى ريما قائلة: مبروك يا بنتي. ................................................................ منذ أن علم بخبر استدعائه من قبل ذلك العجوز رئيسهم، والشك أصبح يحاوطه.. ليحرك قدماه بتوتر بعد أن جلس ينتظره قليلاً حتى يأتي. ليدخل العجوز آمراً سكرتيرته من خلفه أن تغلق الباب.. فيقف هو احتراماً له: جاك: أهلاً بـ أدورد الصغير! وقبل أن ينطق هو بكلمة.. كان يتابع حديثه بقوة: هل سعيد في زواجك السري؟ فيمتقع وجه يوسف لمعرفة العجوز بكل شيء.. حتى يعاود العجوز ثانية حديثه ولكن بأكثر قوة: تكذب علينا وتخبرنا أنها حالة من حالات المساعدة.. وأنت متزوجها وأيضاً تحمل منك ابنًا ثم صرخ به لاذعاً والأبشع: أنها مسلمة. هل جعلتك مسلماً جو؟ فينظر إليه يوسف بقوة ناسياً كل شيء: أنا مسلم سيد جاك، أنسيت أن والدتي كانت متزوجة مسلماً.. وأنا من صلب رجل مسلم.. ولولا هروب أمي بي وعودتها لجدي لكان أصبح إسلامي جهراً مثل أي مسلم. لينهض العجوز من على كرسيه بغضب: لو أدورد كان يحيا إلى الآن.. لكان قد ندم على تربيته لك.. وأنا أيضاً ندمت لتربيتي لك.. لقد تركك أبوك المسلم وتخلى عن أمك وهددها بالقتل، وماتت قهراً من حبها له، لقد ضحك عليها باسم الحب. يوسف بغضب: أبي لم يهدد أمي بالقتل، كل شيء أخبرتوني به عن أبي كان كذباً. فجلس العجوز بتعب بعد أن هدأ قليلاً: عُد إلى صوابك بني، لا نريد أن نخسرك عزيزي! .................................................................. نظروا الاثنان إليه بصدمة بعد حديثه الذي ألقاه عليهما. حتى عاود حديثه: عبد الله: أحمد هيجيب المأذون وجاي.. أنا قولتها كلمة، كتب كتابكم هيكون النهارده ولا أنت مش عايز تتجوز بنت خالك يا أمجد؟ ليتأمل هو معالم وجهها قليلاً حتى تنهض هي من على كرسيها المقابل له بعد أن رمقته بنظرة جامدة: نهال: أنا مش عايزة اتجوز حد، ومش عايزة أسافر كندا خلاص.. ونظرت لأباها بصلابة قائلة: هتجوزني ليه عشان أكون في حمايته يا بابا؟ فيمتقع وجه عبد الله قائلاً: قولتلك أنتِ مش فاهمة حاجة، وهتتجوزي أمجد يعني هتتجوزيه، وإلا والله يا نهال لا هتكوني بنتي ولا أعرفك. ليدخل في تلك اللحظة أحمد وخلفه المأذون قائلاً لأباه: كل حاجة جاهزة زي ما أنت طلبت يا بابا. فترمق أخاها نظرة لوم لما دبروه هو وأبيها وذلك الجالس ببرود ليحتل هو أيضاً نظرة باردة أخرى منها.. لتذهب بخطى سريعة من أمامهم. فيحادث عبد الله ابنه: روح افتح الباب لعمك محمود جارنا، عشان جاي يشهد على عقد الجواز.. ونظر إلى ابن أخته قائلاً بعدما ربط على أحد قدماه بحنان: هجوزهالك وأنا عارف أنك هتحافظ عليها. فيتأمله أمجد قليلاً حتى نطق أخيراً: دي حب عمري يا خالي. فابتسم عبد الله بسعادة دون شك في مشاعر ابن أخته لابنته. فتسمع هي جملته دون أن ينتبه أحداً إليها.. قائلة بألم: يااا يا أمجد كنت بتحبني زي ما أنا كنت بحبك! الفصل التاسع عشر لو كان أحداً أخبره بما حدث معه لما صدقه أبداً، فالدنيا حقاً غريبة تأخذ لتعطي، تسلب وتمنح.. مُرادفات كثيرة وعجيبة لهذه الحياة، ولكن يبقى اختيار الله لنا دوماً خيراً لنا وأيضاً من أعمالنا. فالتف بوجهه ناحيتها هي وصغيرها الجالسين أمام أعينه على متن الطائرة المتجهة إلى كندا.. ليجد ابنه يداعب وجهها بيديه وهي تضحك له بسعادة وكأنها أمه.. ليتذكر في تلك اللحظة أمه التي لا تُصنف إلا بالنساء اللاتي لا يبحثن سوى عن الشهوة، فاستغفر ربه عندما تذكرها قائلاً: أمجد: ربنا يرحمك يا سالي ويغفر لك! ليسمع صوت تلك الحبيبة التي عادت إليه وهي تُحادث طفله: نهال بحب: عيب كده يا ياسو، وقبلته على وجنتيه ليقبلها هو الآخر على وجنتيها. فيبتسم أمجد لفعلة صغيره قائلاً: الله الله يا أستاذ ياسين.. وتذكر حديثها اللاذع معه بعدما انتهت مراسم كتب الكتاب في بيت والدها: «أوعى تفتكر أني وافقت حباً فيك، أنا وافقت عشان خاطر بابا وعشان ياسين كمان، لأن أنا كده كده كنت رافضة فكرة الجواز بعد طارق الله يرحمه.. بس مش هسيب ياسين يتربى من غير أم». فيبلع كلماتها بصعوبة عند تذكره لحديثها.. ويغمض عينيه ليستسلم لأحلامه المُظلمة. ................................................................ ظل يدور في مكتبه بصعوبة بعدما عاد من مقابلة ذلك العجوز بعد سفره إليه في مقر حزبهم في أمريكا. فيضغط على كفوف يديه بصعوبة وهو يأخذ قراره المصيري في إنهاء جميع علاقاته هنا والعودة إلى وطنه مهما كانت الخسائر، وقبل أي شيء يقص كل شيء لها منذ البداية لعل كل هذا يساعد في شفائها وتتذكر كل ما حدث وتعود كما كانت.. فكما قال له الطبيب عندما عرض عليه حالتها: «مستر يوسف، مدام مريم محتاجة حد يحكي لها تفاصيل كتير من حياتها ويواجهها بكل الأشخاص اللي كانوا في حياتها، علاج فقد الذاكرة دائماً بيتوقف على صحوة الذكريات بأشخاصها». ليفيق من شروده على صوت رنين هاتفه: يوسف: أهلاً محسن باشا، متقلقش هساعدك بس مش عشان تكشف كل شيء للحزب وأنفصل من البرلمان، لأ عشان خاطر إنك عم مريم رغم.. وضغط على آخر كلمة سوف تخرج من فمه إكراماً لها وأغلق الهاتف بغضب في وجهه. يوسف: إنسان عديم الرحمة والمبادئ! ............................................................... دلفت إلى ذلك المنزل الذي كانت تسكنه زوجة وأماً أخرى بألم.. حتى تراجعت للخلف وهي خافضة برأسها أرضاً: نهال: هو ده البيت اللي كنتوا عايشين فيه؟ فحرك أمجد رأسه نافياً: لأ ده بيت جديد خالص، متخافيش. ومدّ يديه كي يأخذ الصغير النائم على كتفيها لتعطيه له، فكانت لمسات يده الحانية على يديها كأنها مغناطيس جعلتها تهتز وهو يأخذ منها الصغير. تتبعته بأنظارها ثم جلست على أحد المقاعد بتوتر شديد لتحادث نفسها: كده يا بابا تعمل فيا كل ده، أنا عايزة أمشي من هنا.. فينك يا يوسف أنت كمان؟ لتجده يقف أمامها ، فوقفت سريعاً أمامه: نهال: هو فين يوسف؟ هو قالي إنه راجع تاني كندا هو ومريم.. أنا عايزة يوسف. فأمسك كتفيها بهدوء كي تهدأ من توترها، ليزداد توترها أثر لمساته: أمجد: لدرجة دي خايفة مني يا نهال؟ أوعي تخافي مني. فتأملت نظراته بألم وابتعدت عنه، وقالت بلا وعي: أنت كنت بتحبني زمان، طب ليه اتجوزت وسبتني؟ لينصدم من حديثها قائلاً بتوتر: أمجد: عرفتي منين؟ نهال: سمعتك وأنت بتقول لبابا.. قبل ما نكتب كتب الكتاب. فيسقط بحمل جسده كله على الأريكة قائلاً بتعب وهو يفك أول زر من أزرار قميصه: بسبب العقل، سبتك بسبب العقل.. كنتِ طفلة صغيرة لسه داخلة أولى ثانوي وأنا كنت شاب مخلص جامعته لسه.. أصارحك إزاي وأقولك إيه؟ نظراتك ليا كانت نظرات أخت لأخوها، كنت دائماً بحس إنك شايفاني زي أحمد. فصرخت بوجهه وهي تدمع: ده ضعف مش عقل، أنا ماكنتش أختك يا أمجد.. سامع أنا ماكنتش أختك، مسألتش نفسك ليه كنت متعلقة بيك زمان وإنك كنت كل حاجة في حياتي.. وفي النهاية اتجوزت! ليقف أمامها ويجذبها لأحضانه، فتنفض ذراعيه بقوة عنها: نهال: متلمسنيش، جه الوقت اللي هعاقبك أنا فيه يا أمجد. .............................................................. كانت جالسة خلف مكتبها تتابع أعمالها بشرود، حتى أفاقت على صوت تلك المرأة المتهكمة منها دوماً: عايدة: وقت البريك يا أستاذة يا اللي سرحانة. لتنظر أروى إليها بإرهاق: أبداً أنا مش سرحانة يا مدام عايدة، وعادت تنظر إلى الأوراق التي أمامها لتُنهي ما تبقى ولكن بتركيز. فتعاود عايدة حديثها بحدة: نفسي أفهم ليه من ساعة ما جيتي هنا الشغل مبتنزليش وقت البريك، ونظرت إلى غرفة مديرها بتهكم: تابعي شغلك تابعي. وسارت من أمامها وهي تتمتم: وعاملالي نفسك محترمة وهادية، أنا متأكدة إن بينك وبينه علاقة.. ما هو مش معقول يختارك بالاسم هنا. فتمسح هي دموعها سريعاً من نظرات تلك السيدة واحتقارها الدائم لها وأيضاً شكها فيها.. ليخرج من مكتبه في تلك اللحظة وهو ناظر في ساعته. فتنتبه هي إليه وتنهض من على كرسيها قائلة بهدوء اعتاد عليه منها: أروى: مدام عايدة نزلت الكافتيريا عشان وقت البريك يا فندم. ليقترب هو منها بشك وبنظرات ثاقبة لملامحها: أحمد: منزلتيش ليه إنتي كمان وقت الراحة؟ وزاد من قربه لها حتى وقف أمام وجهها ليرفع بأيديه: أنتي كنتِ بتعيطي يا أروى؟ فتشيح وجهها سريعاً بارتباك وتمسك بعض الأوراق في أيديها: أروى: أنا هروح أمضي الورق ده يا فندم من مدير الحسابات عن إذنك. ليجذبها إليه ثانية وبقوة فتلتصق بصدره: أحمد بخبث: على فكرة أنا هخطب يا أروى. فتتأمله بأسى قد خبأته ببسمة صافية: مبروك. أحمد: الله يبارك فيكي، مش عايزة تعرفي مين العروسة؟ لتأتي عايدة في تلك اللحظة وهي حاملة في يدها كوب النسكافيه الخاص بها، وترى قربهم الزائد. فيتنحنح أحمد جانباً: ابقي تابعي شغل الأستاذة بعد كده يا مدام عايدة.. أظاهر إن خبرتها قليلة.. وينظر في ساعته بدبلوماسية أصبح يتقنها: ألغي اجتماعات النهاردة، لأن عندي ميعاد مهم. عايدة: حاضر يا فندم.. وتنتظر خروجه كي تُلقي بكلامها اللاذع لها. عايدة بتهكم: بلاش نمثل الشرف بقى، بقيتوا مالين البلد وجلست على مقعدها وهي تستغفر، تاركة الأخرى في بحر أحزانها من ذلك الزوج القاسي. .............................................................. أصبحت جفونه لا تعرف مكاناً للنوم، ليترك ذلك الكتاب من يديه متأملاً ساعة منبهه ليجد أن الوقت قد تخطى منتصف الليل.. فينهض من على فراشه بهدوء ويسير ناحية غرفة طفله فيجدها نائمة بجواره. فيقف حائراً من الاقتراب منهما، حتى قرر أن يقترب بمشاعر مضطربة ليرى ملامح تلك النائمة عن قرب: أمجد: هستحمل أي عقاب منك يا نهال، عشان أنا أستاهل. وانحنى بجسده كي يحكم الغطاء على طفله وعليها، وتحركت شفتاه نحو طفله كي يقبله على جبينه بحنان، وظل واقفاً للحظات يتأملها وهي تتحرك في الفراش بنوم متقلب حتى ثبتت وجهها النائم ناحيته فأبتسم لحركتها وكاد أن يتحرك ويخرج من الغرفة ولكن جنونه بأن يقبلها قد اشتعل بقلبه.. فأتكأ بقدميه أرضاً جانبها وظل يلامس خصلات شعرها بحنان واقترب منها بأنفاسه لتلفح وجهها الناعم وقبلها على شفتيها بهدوء.. وابتعد عنها سريعاً وهو يلهث من مشاعره الهائجة نحوها.. ليخرج من الغرفة وهو يلوم نفسه بقسوة. فتفتح هي عينيها وتلامس شفتيها بصدمة محدثة نفسها: نهال: أنت اللي وصلتنا لكده يا أمجد. أما هو فقد ذهب إلى فراشه ودثر نفسه بالغطاء سريعاً وهو يُعاتب نفسه على تلك المشاعر: أمجد: مش قادر أستحمل وجودك وبعدك يا نهال، مش قادر. ليتذكر تلك الخائنة وما فعلته بشرفه: أمجد: ربنا يغفر لك يا سالي! ................................................................ جلست بجانبه بحزن من أفعاله لتقول: مريم: ليه مش عايز تسافر كندا تاني.. نفسي أشوف نهال أختك أوي يا يوسف. فظل ناظراً في حاسوبه الشخصي كي يُلهي نفسه بشيء بعيداً عن جدالها، فكما أمره العجوز جاك بأن ترك مجلسه الآن وإظهار زواجه.. سيضره ويضر حزبه.. ليتذكر حديث ذاك العجوز عندما تفاجأ بقدومه مخصوصاً إليه: «سأقف بجانبك بني، فأنا لن أعاقبك على عقيدتك.. ففي النهاية لنا إله يحاسبنا، ولكن ليس كل أعضاء حزبك مثلي، فامايكل زوج ابنتي جينا أعلم تماماً بخبثه وهو يتربص لك مثل الثعلب.. أحترس منه بني واثق فيّ فأنا سأدعمك عزيزي». ليفيق على قبلتها الحانية لأحد خديه وهي تحادثه بدلال لا يعلم متى ومن أين اكتسبته: مريم: هنسافر كندا وبعدين هنسافر على مصر.. مش أنت وعدتني إن أول ما يقرب ميعاد الولادة هترجعني مصر وهتدور على أمي.. وكمان هتشوف لي دكتور عشان أفتكر الجزء الكبير من حياتي؟ فيتأمل حديثها الذي يحمل الكثير من الأمل، وترك حاسوبه جانباً ليرفعها على قدميه ويداعب خصلات شعرها بأحد أيديه متحسساً جنينهما باليد الأخرى: يوسف: للأسف مش هننزل مصر دلوقتي يا مريم.. مقدرش أسيب شغلي يا حبيبتي، غير إننا بعد أسبوع هنسافر لندن. فيمتقع وجهها لحديثه القاتل، ونهضت عن قدميه لتبتعد عنه ناظرة إليه بغضب: مريم: أنت عايز مني إيه؟ وحابسني هنا ليه؟ أنا عايزة أرجع بلدي ومش هسافر معاك. وركضت من أمامه حتى وصلت إلى حديقة القصر، ليلحق هو بها وتسقط أمام عينيه أرضاً بعد أن أصابها دوار شديد. ................................................................... كانت تتابعه بأعينها من بعيد وهو شارد.. لتتذكر معالم وجهه منذ زمن فلم يكن مثل ذلك الشخص الذي قابع أمامها يتخلل الصمت والحزن دوماً معالم وجهه.. فأمجد القديم الذي كانت تعرفه أكثر شخص كان يجعل لها الحياة أحلاماً وبستاناً من الورد لكثرة تفاؤله ومزاحه. فانتبهت لنوم الصغير على قدميها وكادت أن تنهض لتحمله ليلتفت هو بوجهه ناحيتهم في تلك اللحظة ونهض من على كرسيه بعد أن ترك بعض الأوراق التي كان ممسكاً بها وجاء ليحمله عنها بصمت. وعندما تذكر شيئاً وهو يسير بطفله نحو غرفته: أمجد: ممكن يا نهال متدخليش أوضتك دلوقتي، عايزك في حاجة ضروري. فجلست تنتظره بتوتر، فهي دوماً تحاول أن تتجنب وجودهم سوياً حتى لا تعصف بها الذكريات القديمة مجدداً.. فشردت في خطيبها طارق لتحدث نفسها بندم: نهال: ربنا يرحمك يا طارق، كنت إنساناً جميلاً.. وتذكرت أنها لم تحبه يوماً مثلما أحبها هو، فأحياناً الحب لا يكون سوى للحبيب الأول دوماً، وخاصة إذا كان حبيب الطفولة والمراهقة والشباب. ليقطع شرودها قدومه وهو يحمل تلك العلبة القطيفية بين أيديه: أمجد: ديه شبكتك يا نهال، يا رب تعجبك. وانتظر أن تمد يديها كي تفتحها حتى قال بيأس: مش عايزة تشوفيها؟ فهزت رأسها نافية.. أمجد: أفتحهالك أنا طيب. لتوقظ هي أحزانه بضربة قوية وهي تقول: نهال: أنت إزاي خاين كده.. إزاي نسيت مراتك بالسرعة ديه؟ وتركته ونهضت سريعاً وهي تعلم أنها قد أصابته في مقتل، فمن يرى حاله يعلم أنه مصدوم من شيء يخفيه!! ................................................................. نظرت إليه بكبرياء وهي ممسكة بيدها استقالتها: أروى: أظن اللي عملته فيا كفاية أوي لحد كده، ديه استقالتي من شركتك.. وياريت تطلقني عشان أستقيل برضوه من حياتك. ليقف أمامها بغضب، وهو يتفرس معالم وجهها: أحمد: استقالة شركتي مقبولة، أما إيه طلقني ديه؟ مين قال إني بفكر أطلقك يا هانم؟ فتسقط عبراتها بألم، حتى مسحتها سريعاً، ناظرة إليه بكبرياء قد تعلمته منه: أروى: وأنا مش عايزة أكون اسمي على اسمك، كفاية كل اللي عملته فيا عشان غلطة أنت اللي سببها وأنا اللي دفعت تمنها، أنا عمري ما هسامحك يا أحمد. وكادت أن تخرج من غرفته، فالتفتت إليه ثانية لتقول بحزن: ربنا يسعدك مع خطيبتك الجديدة وتكون أشرف مني. ليلتقط هو ذراعها حاضناً إياها بقوة: خطيبة مين يا مجنونة، أنا كنت أقصدك إنتي.. كنت عايز أخطبك من جديد وأتجوزك من جديد. فيفتح باب مكتبه فجأة وتطل تلك السكرتيرة الحمقاء، ناظرة إليهم بدهشة. لتبتعد هي عنه سريعاً حتى تقول السكرتيرة الحمقاء: عايدة: أنا أسفة يا فندم.. ورمقت تلك المسكينة بأعين كالصقر يتخللها الكلام اللاذع. فتدور بها الأرض بعد أن جاهدت قدماها للخروج من تلك الشركة بأكملها.. وتسقط أرضاً. ليقف يتأملها بفزع: أحمد: أطلبي طبيب الشركة حالاً يا مدام. فتنظر إليه عايدة باشمئزاز حتى يقول صارخاً وهو يحملها بين ذراعيه ليسطحها على تلك الأريكة المريحة: مراتي على فكرة، أطلبي الدكتور بسرعة سامعة؟ فتتأمله بصدمة وهي تتحدث: عايدة: مراتك! ليحادثها بغضب وهو جاثٍ على ركبتيه يتأمل تلك الشاحبة المسطحة أمامه: أيوه مراتي، أومال كنتِ فاكرة إيه يا مدام يا محترمة؟ فتخرج عايدة منكسة الرأس لظلمها لتلك المسكينة. ................................................................. وقفت أمامه منكسة الرأس بعد أسبوع قضته في صراع مع نفسها بما قالته له وبما تقبله هو في صمت لاذع دون الدفاع عن نفسه. نهال بأسف يتخلله التوتر: أمجد أنا أسفة.. أنا مش عارفة قولت كده إزاي. ليحمل هو حقيبة عمله الموضوعة على طاولة مكتبه ويغادره في صمت. فتضرب بقدميها أرضاً على غبائها الذي جعلها في النهاية هي المخطئة. ................................................................. تأمل سكونها وهي ممددة أمامه، حتى بدأت تفيق وعندما رأت أعينه مسلطة عليها: أروى بتعب: أنا عايزة أمشي من هنا. أحمد: ليه خبيتي عليا إنك حامل يا أروى؟ فحاولت النهوض من أمامه، وكادت أن تقف ولكن قدميها لم تقدر على حملها فسقطت مجدداً بأعين باكية: أروى: لأنك مش عايز ولادك يكونوا مني، مش عايز يكونوا من واحدة غلطت معاها. فأخفض برأسه أرضاً عندما تذكر ضعفه أمام رغباته المقززة، وأنه هو السبب الأول في تلك الخطيئة فهو كان يحب دلالها وإثارتها دوماً له، ولكن مهما كان فإنه رجل شرقي يميل للدلال وإذا فعلت أنثاه ما يرغب به سأم منها ونظر إليها بالرخص، ولكن الرخص فقط في عقولهم. لتتحدث هي بصعوبة: أنا مش زعلانة من اللي فات، لأني اتعلمت منه كويس أوي وفوقني صحيح بس متأخر، وكل اللي بتمناه دلوقتي إن ربنا يسامحني. فأقترب منها نادماً، فتمالكت هي ضعف جسدها ونهضت من على تلك الأريكة، وابتعدت عنه كي تخرج من تلك الغرفة. أحمد: أروى سامحيني، الشيطان كان عامي قلبي.. أنا كنت بعاقبك وبعاقب نفسي. فتأملته هي بأعين منكسرة: للأسف أنت كسرتني خلاص يا أحمد، وعقابك جاب نتيجة، موت قلبي خلاص!! ................................................................ ظلت تدور حوله بتوتر حتى قالت بصوت هائج: نهال: ما هو بص بقى أنا مغلطش لأن ديه الحقيقة، وندمت واعتذرت على تدخلي في خصوصياتك، قبلت اعتذاري ماشي ما قبلتش يبقى خلاص. وكادت أن تتحرك من أمامه، حتى ضحك رغماً عنه: أمجد: لسه مجنونة زي ما إنتي. فتذكرت هي الماضي، حتى وقف هو أمامها: أمجد: روحتِ فين؟ افتكرتِ الماضي صح؟ واقترب بكفيه من وجهها ليتحسسه بدفء، ونظر في أعينها: أمجد: مشمش. لتتذكر هي اسمها القديم الذي كان دوماً يناديها به: نهال: أنت لسه فاكر؟ أمجد بحنان: وعمري ما نسيت أي ذكرى ليا معاكي، إنتي كنتِ بنتي يا نهال. فابتسمت له وكأن مخدر الحب صار بجسدها، حتى اقترب منها أكثر ومال عليها بشفتيه كي يلتهم شفتيها بقبلة طويلة.. قبلة لم يكن يتخيل يوماً بأنه سيقبلها لها. فابتعدت عنه بأنفاس سريعة.. حتى قالت: بس أنا لسه ما سامحتكش، ولازم أعاقبك. فعاد يقبلها ثانية ليشعر بضعف أيديها التي تدفعه عنها حتى استسلمت له تماماً. ليحملها بين ذراعيه: أمجد: عاقبيني زي ما إنتي عايزة، بس ما تقسيش عليا.. صدقيني أنا محتاجلك ودفعت تمن غبائي أجمل سنين من عمري. .............................................................. تأمل دموعها التي ملأت وجهها فأقترب منها بخوف: يوسف: مالك يا مريم؟ فنظرت إليه طويلاً قبل أن تخرج تلك الكلمة من حلقها: مريم: أنت كذاب، كذاب.. مش هعيش معاك تاني، طلقني. وقذفت بوجهه بعض المجلات التي رأت فيها جزءاً كبيراً من حياة زوجها وخداعه لهاوحتى حديثه عنها بأنها حالة للشفقة وفقط وليست زوجته. وتركته وخرجت راكضة من ذلك القصر اللعين وهي واضعة بكلتا أيديها على أذنيها لتمنع تلك الأصوات التي تدور بعقلها، وخرجت من ذلك الباب الكبير الذي كانت لا تخرج منه إلا بسيارته للذهاب للطبيب والفسحة الوحيدة التي خدعها بها هنا.. فتنتبه لصوت أحد السيارات الآتية. فتلجمها ذكرياتها القديمة وتظل واقفة دون حركة وهي تتأمل ضوء تلك السيارة وتتذكر ما حدث منذ أكثر من عام عندما خرجت راكضة من ذلك الفندق. لتصبح الصورة مشوشة بالنسبة لها ولكن سيل أحداث ما حدث لها أصبح يتدفق أمام أعينها حتى وقفت تلك السيارة أمامها بسنتيمتر واحد بعد أن أحدثت صريراً عالياً... الفصـــــــــــــل العشرون و(الآخــــــــــير) كانت روحه معلقة بما يصنعه له عقله، فبدأ عقله يكمل له ذلك الكابوس الهائج بين طيات قلبه.. فاستمر الظلام الحالك الذي بات يصارعه وسبح في حلمه اللعين. ظل يأخذ رواق المشفى ذهاباً وإياباً، ليصوب نظره نحو غرفة العمليات ويسقط أرضاً منتحباً بضعف وهو يضع بكفيه على وجهه. فيسمع صوتاً يحادثه بقلق: مستر يوسف، أنت كويس؟ فيرفع هو وجهه قليلاً، ناهضاً من ركضته تلك بضعف. يوسف: طمني يا دكتور على حالتها، قولي إنها كويسة. فيشفق الطبيب عليه ويخفض رأسه أرضاً قائلاً: أنا أشفق على حالك سيدي، ولكن حالة زوجتك وطفلك بخطر، لا نعلم من فيهم سيُنقذ. ليفيق من كابوسه بصعوبة وهو يلهث وكأنه كان يصارع شيئاً ما، فأغمض عينيه بتنهد وهو يتصبب عرقاً... ليتذكر تلك النائمة بجواره فانتفض بفزع لكي يراها وهو يتمنى أن يكون كل هذا حقاً كابوساً.. فلامس بأيديه جسدها ونظر إلى بطنها بأعين نادمة حتى قال وهو يضع وجهه بين راحتي كفيه بألم: يوسف: لازم تعرفي كل حاجة يا مريم، أنا مش هستنى إنك تضيعي مني، مش هستنى.. فلمسها بحنان بالغ.. لتنتفض هي من نومتها قائلة: مريم: في إيه يا يوسف؟ لتتذكر حديثه اللاذع معها ورفضه في العودة إلى وطنها فقالت بأمل: مريم: أنت مصحيني عشان تقولي إننا هنرجع بلادنا تاني، وهشوف أهلي.. ومش هتسيبني أبداً؟ فابتسم يوسف بخوف وأمسك بكف يديها ليقبلهما. يوسف: حاضر يا مريم، والله هعملك كل اللي أنتِ عايزاه. وأبتلع ريقه بصعوبة وهو يتأمل وجهها بحنان: بس في حاجات كتير لازم تعرفيها، بس قبل ما تعرفيها اوعديني إنك هتديني فرصة تانية.. فرصة واحدة بس وصدقيني عمري ما هخذلك تاني. واحتضنها بقوة وبكى بين ذراعيها بضعف: أنا تايه أوي يا مريم، أوعي تسيبي إيدي، يمكن أنتِ القشة اللي ربنا بعتهالي عشان تنجدني من نفسي. فأشفقت على حاله ومسدت على ظهره بحنان يصاحبه القلق: مريم: أوعدك إني مش هسيبك، وابتسمت بعفوية: ما أنت لسا مفرحني ورجعت تاني يوسف اللي دايماً بشوفه بطلي، وسندي في دنيتي. فابتعد عن حضنها ونظر إليها بأعين نادمة. يوسف: أنا مش مسلم يا مريم. فانظرت إليه بأعين منصدمة.. حتى قال: يوسف: مسلم باسم والدي بس (يوسف عبدالله)، بس أنا في الحقيقة وحياتي اللي عيشتها إني مسيحي.. اتربيت على الإنجيل، ممكن أجاوبك عن حاجات كتير في الإنجيل، أما القرآن للأسف معرفش منه حاجة، كل حاجة اتعلمتها منك أنتِ يا مريم. فتتذكر هي يوم أن طلبت منه أن يصلي بها.. ليتحجج قائلاً: : ها، ونظر إلى ساعته قائلاً: أنا لازم أخرج دلوقتي يا مريم غصب عني، معلش. فتعود إليه بأعين شاردة، محركة رأسها دون فهم.. حتى أمسك يديها. يوسف: والدي السبب هو وجدي.. لو كان متخلاش عن أمي، وأمي متهربتش بيا كانت حياتي بقيت غير كده، أنا اتعلمت من جدي إن المسلمين قلوب بلا رحمة، مش بيحبوا غير الفلوس. جدي كان مفهمني دايماً إن بابا اتجوز أمي لأنها غنية، ولما هو تبرأ منها وعرف إنه مش هيساعده .. طردها. جدي متخلاش عني ولا عن أمي، أما هو اتخلى عن أمي وعني. كنت بين صراع بين مين أحسن؟ الدين اللي نشأ منه راجل احتوى بنته وطفلها لما رجعت ليه وطلبت السماح، ولا الراجل اللي باع كل شيء من غير رحمة عشان شوية فلوس؟ وتابع بحديثه بتنهد: بس والدي طلع مظلوم، أهله السبب هما اللي ضحكوا على أمي وخلوها تهرب، كانوا دايماً بيقولولها أنتِ مش مننا.. وابتسم بمرارة وأكمل حديثه قائلاً: يوم ما ماتت كنت لسا طفل صغير، مسكت إيدي وقالتلي إنها حبت بابا جداً وحبت الإسلام.. ولكن في النهاية هو خذلها. ماتت وهي كانت لسا موجوعة منه، كنت طفل مش فاهم حاجة بس جدي فهمني كل حاجة وعرف إزاي يكرهني في أهلي وقدر يعوضني بالفلوس والعز والجاه.. كبرت واتعلمت منه إزاي نتفضل على المسلمين بأموالنا ونحسسكم بإحساننا. وادمعت عيناه بألم: غلطة واحدة دفعت تمنها قلوب كتير، جدي اتزرع الكره جواه بسبب اللي حصل مع بنته الوحيدة.. وبابا اتحرم سنين طويلة من إني أكون ليه ابن بسبب جفاي.. وأنا كل دول زرعوا جوايا حب النفس والأنانية، وإنسان كاره إنه يبقى على دين. وبكى بحرقة وهو يتابع: يعني كافر يا مريم، أنا كنت كافر، ماكنتش بتبع ولا الدين المسيحي ولا ديني كمسلم. بزني وبشرب خمرة، قلبي حجر، إنسان عاق لوالده.. أخ عديم الرحمة.. عاقبت ناس كتير أوي وكنتِ أنتِ في النهاية. فنظر لها فوجدها سابحة في أفكارها حتى قال: يوسف: أيوه أنتِ.. أنتِ نوع من الستات عجبني.. أنا كنت أعرفك يا مريم وأنا الشخص اللي كان السبب في الحادثة مش اللي لاقاكي على الطريق وساعدك. فجحظت عيناها من هول تلك الصدمات التي أسقطها على مسمعها. حتى قال: أيوه أعرفك، أعرفك يوم ما شوفتك على البحر وحضنتِ البنت الصغيرة وطيرتِ الحمام ببراءة، ويوم ما الشباب السكرانين حاولوا يتعدوا عليكي في الشارع وفضلتِ تصرخي عشان حد ينجدك، أعرفك يوم ما جيتي هناك في القصر بتاعي في حفلة من الحفلات اللي كنت عاملها عشان صفقة من صفقاتي.. وكنتِ جرسونة ومديرك فضل يهين فيكي.. القدر حطك قدامي كتير أوي. خدعتك وقولتلك إني سواق لصاحب القصر، افتكرتِ أمجد هو صاحب القصر وأنا السواق.. عرضت عليكي أساعدك وأشغلك عند يوسف أدورد صاحب الخير اللي عايش أنا فيه واللي أنتِ كنتِ عارفاه بأمجد.. عيشت عليكي دور الشاب الفقير اللي محتاج الشفقة.. لحد يوم الحادثة كنت راجع من اجتماع في الفندق اللي أنتِ شغالة فيه اللي أنا برضه أملكه وخبطك من غير ما أقصد. فأدمعت عيناها ونظرت إليه بعتاب طويل حتى أشاحت بوجهها بعيداً عنه، فأمسكه بأطراف أنامله بحنان ليتمكن من النظر إليها. فتأمل دموعها الصامتة: بس يوسف الأناني أبو قلب حجر الحقود العاصي.. اتغير على إيدك. دخلتِ حياتي وفهمت إن رب العباد واحد وإن قلوبنا بإيده وحده، ومش كل القلوب زي بعض، وإن الدين لله هو بس في النهاية القرب منه لازم يكون على الحق.. شوفت إزاي أنا كنت فاقد الإيمان، شوفت دين عمره ما قلل من شأن نبي أو إنسان فقير أو غني.. كل كلمة سمعتها معاكي في القرآن حسيت بيها.. وفيها إن ربنا بيخاطبني، فهمت كلمة أمجد ليا: الحمد لله على نعمة الإسلام. وصمت طويلاً حتى قال بتنهد: أنا متجوزتكيش عشان بشفق عليكي يا مريم، أنا اتجوزتك وأنا كل ذرة في كياني بتحركني إنها عايزاكي. واقترب منها كي يأخذها بين أحضانه.. فابتعدت عنه بألم وصدته بيديها. مريم بأعين باكية: أرجوك نزلني مصر! ................................................................... أصبح وجودها في حياته هي السعادة الضائعة التي لم يكن يشعر بضياعها إلا عندما أدخلها القدر في حياته. نظر إليها وهي تنظر لطفلة تارة، وتبتسم له بحنان تارة أخرى حتى قال باسماً: أمجد: طب وأبو ياسين يا نهال، إيه مالهوش أي حاجة من الدلع ده؟ ليرد الصغير قائلاً: ياسين بس.. ياسين بس. فضحكت نهال ورفعت إيدي الصغير قائلة بمشاغبة: أيوه ياسين بس، ياسين بس. فحاول هو أن يتصنع الحزن حتى قال: أمجد: طب خلاص انسوا الفسحة اللي كنت عاملها ليكم. ونهض من أمامهم وهو يقول: أنا خارج خلاص لوحدي. فنهضت خلفه سريعاً وهي تحمل الصغير بين ذراعيها: نهال: يلا يا ياسو قول بابا وبس، بابا وبس. فهز الصغير إيديه بسعادة وهو يقول: بابا بس.. بابا بس. فضحك أمجد على صغيره وانحنى بجسده نحوهما ليقبل صغيره ويأخذه منها، ومال على أذنيها. أمجد بهمس: عايز أسمع أمجد بس، أمجد بس منك أنتِ كمان. فارتجف جسدها من قربه هذا حتى قالت باضطراب: نهال: ها. فتعالت ضحكاته على رد فعلها. أمجد بهمس: بحبك. .................................................................. أردفت معه دخل شقة والده بشرود وهي تتذكر حديث والدتها ووالدها عندما جاء إليهم ليأخذها: شهيرة: أيوه طبعاً هتروحي مع جوزك، خدها يا أحمد من هنا، إحنا الظاهر دلعناها كتير. لتفيق على صوت والد زوجها السعيد بخبر حملها: أنا فرحان أوي يا ولاد، هتملوا عليا البيت أحفاد، عقبال نهال أختكم. فانحنت أروى بجسدها بضعف وقبلت أيديه بأعين تتلألأ بها الدموع: عامل إيه يا عمو؟ عبدالله بسعادة: عمك فرحان أوي إنكم هتعيشوا معاه، وهتجيبوله حفيد، عقبال يوسف لما يرجع كمان ونعيش كلنا سوا. فابتسم أحمد بسعادة لوالده وتأمل زوجته التي يعلم بأنها غُصبت على عودتها معه إلى بيته. أحمد: أروى هي اللي فكرت في الفكرة ديه، إننا نعيش كلنا هنا سوا يا بابا. فنظر إليهم عبدالله بسعادة. عبدالله: أنا خليت أم محمد تجهزلكم الأوضة بتاعتكم، روحوا ارتاحوا يا ولاد عقبال ما الغدا يجهز. ليسيروا سوياً نحو غرفتهم ويغلق الباب خلفه، فتفزع من وجودها معه في مكان واحد: أروى: أوعى تفتكر إني سامحتك يا أحمد، أنا بكرهك، سامع؟ بكرهك.. زي ما بكره نفسي. .................................................................. ظلت تنظر إلى كل جزء في تلك البلدة التي صممت أن تذهب إليها قبل عودتها إلى وطنها. مريم بحيرة وهي تنظر إلى المطعم الذي كانت تعمل به: أنا حاسة إني جيت هنا قبل كده بس مش فاكرة. فتابعها بأعينه، حتى أشاحت بوجهها عنه. مريم: مافيش فايدة، خليني أروح أشوف نهال لو سمحت. فتأملها بندم وارتدى نظارته السوداء كي لا ترى عيونه النادمة وضعفه، وحرك رأسه بالموافقة وصار معها إلى أخته وزوجها قبل أن يتركوا كندا. ............................................................. أحداث كثيرة مرت، وأيام قد ذهبت بحلوها ولكن مازال مرارها موجوداً في حلق البعض. احتضنت رضيعها الذي وضعته منذ شهرين بحنان وبدأت تداعب أنامله بإصبعها حتى قالت: مريم: تعرف إن أنت السبب في إني لسا عايشة مع باباك؟ أنا عذراه بس في نفس الوقت مش قادرة أسامحه على لعبه بيا. وأطفأت نور الأباجورة التي بجانبها في تلك الحجرة التي تضمها سوياً هي ورضيعها بعيداً عن أباه وتابعت حديثها: أنت أجمل حاجة بقيت في حياتي، وابتسمت بسعادة: يوم ما ولدتك افتكرت كل ذكرياتي الحزينة ورجع لي الجزء المفقود من حياتي.. بس تصدق يا حبيب ماما إني نسيت كل شيء محزن مع أول ضمة ليك في حضني، أنا مش عايزة حاجة من الدنيا ديه غيرك. لتنتبه لحركة جفون صغيرها فتقبله وهي تبتسم، ولكن مرارة الكلام الذي أخرجته من حلقها جعلت دموعها تنساب على وجهها دون شعور. مريم: أنا رضيت أعيش هنا عشان مظلمكش، أنت مالكش ذنب.. مش عايزة يحصلك زي باباك ولا زي.. أنا جربت اليتم يا حبيبي ونفسي أعوضك وأديك كل الحنان والدفء وتعيش بيني وبين باباك، عايزة لما أكبر أشوفك راجل قد الدنيا بار بيا وباباك.. زي ما باباك بيعمل مع باباه كده دلوقتي! وتذكرت دفء ذلك البيت الكبير الذي تعيش فيه مع أهل زوجها وابنة عمتها، فلم تتوقع أن عائلتها الجديدة ستضم أناساً تعرفهم، فالحسنة الوحيدة التي جعلتها تجلس في ذلك البيت هم أهله وأيضاً... لتشرد في حديث أمها: شوفتي جوزك يا بنتي بقى معيشنا في خير قد إيه، ربنا يحفظه.. أنا دلوقتي بقيت مطمنة عليكي معاه رغم إني زعلانة منه عشان كان مفهمني إنك فاقده النطق وحرمني من سماع صوتك وبعدك عني.. بس مدام يا بنتي مريحك وبيخاف ربنا فيكي فأنا سامحته وياريت أنتِ كمان تنسي اللي فات، ديه كذبة بسيطة يا بنتي. لتبتسم بمرارة وهي تعود لأرض الواقع: ياريتها كذبة واحدة بس يا أمي.. .................................................................. جلس منهمك بين أوراق صفقته الجديدة، حتى جاء إليه أخاه: أحمد: متقلقش يا يوسف، كله هيبقى تمام. ليزيل عن أعينه نظارته الطبية بتعب يصاحبه الإرهاق. يوسف: الصفقة ديه أنا حاطط أمل كبير فيها، هي اللي هتعلينا. فيجلس أحمد بتعب متذكراً الكثير من الأموال التي قد سُلبت من أخاه، فأخوات جده الراحل (أدوارد باشا وعائلته) أخذوا منه معظم أموال جده.. ولم يلحق منها إلا نصفها. أحمد: ما أنت اللي وافقت تتنازل عن نص ثروتك ليهم. يوسف: ده حقهم يا أحمد، وكفاية اللي أخدته من جدي.. ربنا يرحمه ويغفر له. وتذكر شيئاً ما: يوسف: بدأتوا تبنوا المسجد؟ أحمد: العمال شغالين فيه، وأنا بتابع كل شيء مع المهندس.. متقلقش، بكتير 6 شهور ونستلمه. فيبتسم يوسف بسعادة وهو يحادث نفسه: ياريت أقدر أعمل كل شيء يرضيك يا رب... فأنا العاصي الذي أنجيته من هلاك نفسه. ................................................................... وقفت تلهو في مطبخها كالفراشة تطهو له الطعام، فتتذوق طعم الحساء الذي تطهوه فتتلذذ بطعمه. فيأتي من خلفها ويضمها بشدة ويتحسس بيده جنينهما القادم بسعادة: وحشتيني. نهال بخضة: كده تخضني يا أمجد! فيبتسم أمجد بعشق وهو يقبل عنقها الناعم ويداعب خصلات شعرها: أخص عليك يا أمجد. فتلتف إليه بحب: بعت الفلوس لجدة ياسين؟ أمجد بتنهد: آه بعتلها الفلوس اللي محتاجها. فتبتسم بسعادة: شاطر يا حبيبي، أيوه كده، هي ليها حق رعايتها علينا برضه، ديه مهما كان جدة ياسين وربنا يهديها . لينظر إليها أمجد ويتأمل الهدوء الذي يسكن البيت قائلاً بهمس: ياسين نايم صح؟ فتضحك على طفولة زوجها ومشاغبته: آه يا حبيبي، أكلته ونيمته وقولت أعملك الأكل. فيبتسم إليها بسعادة: أمجد: قولي حبيبي كده تاني، بحس إني أسعد راجل في الدنيا وأنا بسمعها منك. فتضحك بدلال وتتمايل بين ذراعيه: نهال: بحبك.. بحبك.. بحبك.. بحبك. كفاية كده. ليغلق هو الموقد المشتعل، ويغلق لهيب قلبه واضعاً بيده على شفتيها.. حاملاً إياها بين ذراعيه وهو يقول بسعادة: أمجد: بحبك أوي يا نهال، ربنا يديمك عليا نعمة. ............................................................. ظل يحادثه بسعادة وهو يقص عليه كل ما حدث في مناقصتهم وربحهم لها: أحمد: شوفت؟ مش قولتلك إن شاء الله هنكسبها، ثق في ربنا ثم فيا ليحادثه يوسف عبر الهاتف مبتسماً: الحمد لله، حاول تيجي بدري عشان نتجمع سوا النهارده على العشا. أحمد بفرحة: ياا، أخيراً يا يوسف هتجتمع معانا على سفرة واحدة؟ يوسف بألم: ما أنت عارف يا أحمد مبحبش أضايق مريم بوجودي، كفاية إنها وافقت تعيش معايا. أحمد بأسى: صدقني مريم بتحبك أوي.. إنتوا أصلاً شبه بعض في كل حاجة، حتى أسر الصغير شبهكم إنتوا الاتنين، عريس بنتي سامع؟ يوسف: إن شاء الله يا حبيبي. أحمد: قول بس لمريم على المفاجأة اللي أنت عاملها ليها وهي هتفرح أوي.. وأنا واثق إن شاء الله نفوسكم هتتصافى.. ده إنتوا هتروحوا أطهر مكان على بقاع الأرض. يوسف بتمني: يا رب يا أحمد يا رب.. قولي إنت فين دلوقتي؟ أحمد وهو يهبط من سيارته ويغلق أبوابها: قدام المسجد، بشوف العمال وصلوا لفين. ليعلوا صوت طلق نار بجانب أخاه وأحدهم يحادثه بغل: قولتلك هنتقم منك يا أحمد. ويغلق الخط، فينتفض يوسف فزعاً وهو يصرخ: أحــــــــمـــــــــــد !! .................................................................. جلست بجانبه بإشفاق وهي تربت على كتفيه: خليك قوي يا يوسف عشان عمي. ليرفع وجهه بألم قائلاً: كنا فرحانين أوي بالصفقة الجديدة، كنا هنتجمع النهارده كلنا سوا.. كنت هفرحك إنتِ وبابا إننا هنسافر السعودية عشان نحج السنة دي. فنظرت إليه بألم، لما يحدث معه.. فهو قد ترك معظم ماله وجاهه وسلطته وعاد معها حتى هجرانها له لم ينفر منه واحتمله، لم تفي بوعدها له عندما طلب منها أن تكون قوته وأن تغفر له.. رغم أنها أكثر أحداً يتحدث عن الصفح. فعادت تحادثه بأمل: أحمد هيخف إن شاء الله متقلقش، هيرجع ليكم وهيرجع لأروى وبنته اللي قربت تيجي على وش الدنيا. وتلتف ناحية ابنة عمتها المنهمكة في البكاء بجانب والد زوجها. فيتابع هو أيضاً نظراتها المصوبة نحوهما: ادعيله يا مريم. ................................................................... نظر أمجد إليها طويلاً وهو يخشى أن يخبرها بما حدث، فضمها إليه وهو يحادثها: أمجد بحنان: نفسي أحققلك طلبك ونعيش في مصر.. بس مينفعش أسيب فرع شركتنا اللي هنا وإدارتها. نهال بإرهاق: ولا يهمك يا حبيبي، أمجد أنا عايزة أطمئن على بابا.. قلبي مش مريحني، حاسة إن فيه حاجة. أمجد بدعابة: طب خليها بعد حدوتة النهارده. وضمها إليه أكثر حتى ابتعدت عنه ضاحكة: يا أمجد كفاية بقى حواديت. فيضحك معها ويلمس وجهها بحنان: أمجد: في حد يقول للعسل كفاية؟ ................................................................. نظر إليها بحنان وكأنه أباها حتى قال: ادخلي ليه أنتِ يا أروى يا بنتي وابقي طمنيني عليه. فسارت نحو غرفته تحت أنظار والد زوجها، وهي تعلم بأنه قد شعر باحتياجها لرؤيته رغم كل ما تخفيه من حب. فيتأمل عبدالله ابنه الآخر.. متحسراً على حياة أولاده الاثنين. .................................................................. وقفت تتأمله بقلب دامع وهي ترى التعب بادياً على ملامحه، وصوت الأجهزة تعلو حوله.. فاقتربت منه بخطوات ثقيلة من الخوف.. فماذا لو كان حدث له أي مكروه؟ واقتربت منه حتى جثت على ركبتيها أمامه بألم ومسدت بيدها على شعره بحنان وأمسكت بأحد أيديه كي تتأكد بأنه مازال معها. فهبطت دمعة من بين جفونها على يديه الممسكة بها. ليفتح عينيه بألم قائلاً: متعيطيش يا أروى، أنا مستاهلش دموعك ديه. وابتسم بمرارة حتى عاد يحادثها: سامحيني يا أروى، عاقبتك بسبب ضعف قلبي ليكي، ونسيت إن أنا السبب... وبدل ما أمد إيدي ليكي خونت قلبك وخذلته ووجعته. فتمد يدها الحنونة حتى تضعها على شفتيه: قلبي اللي خذلته لسا بيحبك.. وعمره ما أتمنى إنه يشوفك كده.. ليضع يده على قلبه بتعب: أحمد: حبكم لينا أصدق بكتير من حبنا ليكم مهما عملنا، حبكم لينا مليان بالغفران، أما حبنا ليكم كله مليان عقاب وأنانية. فابتسمت إليه بضعف وهي تشعر بوجع قوي يحتل جسدها حتى صرخت بعلو صوتها وهي تقول: أروى بصراخ: أنا بولد يا أحمد. ................................................................... جلسوا جميعهم يضحكون وهم ينظرون إلى الصغيرة (ريتال) ويتذكرون يوم ولادتها. فتلتف أروى إليهم بعدما رأت بعض الهدايا التي جلبوها لهما: أروى: أوعوا تكونوا مدعيتوش ليا يا مريم. فابتسمت مريم بسعادة: دعيت لينا كلنا، يااا يا أروى الدور اللي جاي عليكي إنتِ، بجد راحة مافيش بعدها، ربنا يكتبها لينا دايماً ويكتبها لكل مشتاق. لينظر الجد إلى حفيدته الصغيرة بعدما أخذها من والدها: عبدالله: طالعة شبهي البت ديه. فيقترب يوسف من ابنة أخاه وهو يحمل طفله: فعلاً يا بابا ديه كلها إنت. ليبتسم أحمد قائلاً: ما من حب أمها في جدها، المرة اللي جاية عايز شبهي سامعة؟ فتتعالى ضحكاتهم جميعاً حتى بكي الصغار وكأنهم يشاركون ضحكاتهم بصياحهم. فينظر يوسف لأخاه قائلاً: عايزك يا أحمد شوية في المكتب. ويسيران سوياً تحت أنظار والدهم، ولكن التف سريعاً لزوجات أبنائه: عبدالله ضاحكاً: دعيتلكم إنتوا الاتنين تبطلوا نكد على ولادي سامعين؟ وأمسك بهاتفه قائلاً: تعالوا اتصلوا لي بنهال عايز أطمن عليها، أقول عليك إيه يا أمجد يا ابن روحية أختي.. أخدت بنتي وسافرت؟ ليضحكوا الاثنتان على حديث والد أزواجهن مبتسمين له بحنانه عليهم الدائم. .............................................................. انصدم يوسف من حديث أخاه حتى قال: يوسف: إنت يا أحمد تعمل كده؟ فتأمل أحمد طفلته التي يحملها بين ذراعيها: الحمد لله إن ربنا جزاني على عمايلي فيه، صدقني يا يوسف أنا ندمت إني أذيته في شغله.. بس الفلوس وإني أنجح في عالم المال كانوا عاميني عن عيوني الرحمة والضمير. يوسف: عشان كده قولت للبوليس إنك متعرفش الشخص اللي ضربك وإن الرصاصة جت بالغلط؟ أحمد بأسى: أنا أستاهل اللي حصلي، والحمد لله كان ده عقابي في الدنيا.. وياريت أقدر أكفر عن ذنبي التاني. فنظر إليه يوسف بغرابة: ذنب إيه تاني يا أحمد؟ أحمد بألم وهو يتذكر زوجته: متخدش في بالك.. على فكرة أنا رفضت ندخل الصفقة اللي فاتت عشان أعوض الشخص اللي ظلمته لأن شركته كانت خلاص هتقع، ربنا يسامحني على اللي عملته فيه. ليبتسم إليه يوسف بحب: ربنا كريم. .............................................................. وضعت طفلهما بينهما بسعادة، وهي تتذكر رحلتهم الجميلة إلى بيت الله... فابتسم إليها بسعادة وهو يتصفح الصور التي التقطوها لهم هناك.. ناظراً إلى وجه والده وزوجته وطفلهما الرضيع حتى قال: يوسف: إن شاء الله كل سنة هنروح سوا.. وأمسك بكف أيديها وقبلها بحنان: يوسف: أنا مبسوط أوي يا مريم.. إنك قررتِ نرجع تاني لبعض ونبقى زي أي زوجين، صدقيني يا مريم أنا ندمت على كل حاجة عملتها.. وعمري ما كنت سعيد غير دلوقتي، عارفة وجودك في حياتي إنتِ وآسر أجمل نعمة. فابتسمت إليه هي بسعادة لحديثه ونظرت إليه طويلاً قبل أن تقول: أنا عايزة أفتح مصلى في المسجد للسيدات ويكون فيه دروس شرعية وحفظ للقرآن. فتأملها بحب وهو يعاود ليقبل راحة كفيها: حاضر. وتذكر شيئاً على جهازه المحمول حتى قال: يوسف: فيه حاجة لو ورتهالك دلوقتي مش هتصدقيها. ويفتح ذلك الفيديو واضعاً صورته أمامها قائلاً: اتفرجي. فتتأمل معالم ذلك الرجل بدهشة: مستر جون؟ وتسمع حديثه الذي يحتوي: جون: كنت عدو لأي دين آخر غير ديني.. كنت أبغض الإسلام بشدة، كنت سعيداً عندما أبث المشاهد الجنسية وأنشرها بين الفيديوهات الدينية.. كنت أريد أن أثبت للعالم كله أن المسلمين ضعفاء لشهواتهم ونفوسهم.. ولكن قد أهداني الله من نفس الطريق الذي أردت أن أجعل آخرين يعصون خالقهم.. أعلم أن الله غفور رحيم، وأنه قد اختارني أنا وزوجتي وابنتي وابني أن نصبح مسلمين لأنه يحبنا، أتمنى في نهاية حديثي هذا أن تسمعه إنسانة وتسامحني على كل شيء فعلته بها وأذيتي لها، وليتني أعرف لها مكاناً لأجعلها تسامحني. وأنهى مقطع الفيديو وهو يقول بصوته في ترتيل هادئ وجميل وبعربية ضعيفة: بسم الله الرحمن الرحيم: (وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ). فأدمعت عيناها بألم وهي تشاهد ذلك الرجل الذي دوماً آذاها، لتتذكر قول الله تعالى في سورة يونس: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100)}. ................................................................... جلست بجانبها تتأملها وهي تراها جالسة تقرأ في كتاب الله، وبين أحضانها طفل صغير يبتسم لما يسمعه من صوت أمه.. فأمسكت بأيديها بشوق وهي تقول بسعادة: ريما: لسا جميلة ونقية زي ما أنتِ يا مريم. لتلتف مريم إلى ذلك الصوت الذي تعرفه تماماً وتمنت دوماً أن تلتقي بصاحبته، فنظرت إليها بشوق شديد وهي تتأمل ملامح تلك الجالسة بجانبها بحجابها ولبسها المحتشم وبيدها ابنها الصغير. لتبتسم ريما لنظرات صديقتها القديمة: ابني يحيى. وتأملت المكان حولها وهي تقول بسعادة: قالوا لي إن في المسجد ده دار تحفيظ كويسة جداً للدروس الشرعية وآداب الدين وحفظ القرآن.. فقولت أجي أعوض اللي فات من عمري وأنا بعيدة عن ربنا.. ومصدقتش نفسي لما شوفتك فضلت أقول لنفسي معقول القدر يجمعنا هنا؟ فمدت إليها مريم ذراعيها واحتضنتها بشدة وهي تبكي: وحشتيني أوي يا ريما، وحشني كل حاجة معاكي.. وابتعدت عنها، لتمسح عن وجهها دموعها بحنان: مريم: ما ديه كانت أمنيتنا، فاكرة آخر مرة كنتِ معايا فيها أتمنينا فيها إيه؟ لتتذكر ذلك اليوم وهطول المطر الشديد وتأملهم له من شرفتهما الصغيرة في ذلك المسكن. ريما بتمني: نفسي لما نتقابل تاني يا مريم، تقبليني وأنا إنسانة جديدة بقلب طاهر، إنسانة تانية خالص، وابتسمت برضى: وتفضلي إنتِ دايماً مريم البنت الطيبة النقية، أوعي تنسي تدعي لي يا مريم. فتعود ريما من شرودها بعدما تذكرت كل ما مر بينهما: أنا عيشت ظروف صعبة أوي وكنت هفضل طول حياتي إنسانة ضايعة، وتذكرت زوجها (مراد)، بس الحمد لله ربنا عوضني بزوج طيب وحنين. وتسقط أعينهم بسعادة على صوت صغارهم ليجدوهم يداعبون أنامل بعضهم ويضحكون. فتضحك الصديقتان ويمر شريط ذكرياتهم سوياً متذكرين ذلك المطعم الذي ضم الكثير من مواقفهم المضحكة. لتطبع كلمة النهاية سطورها وتدون جملة واحدة: يخلقنا الله بفطرة الحب والرحمة والضمير، يخلقنا بكل المعاني الجميلة.. ينبتنا نباتاً حسناً، ولكن نحن نرويهم بأيدينا بماء الدنيا الفانية، وتنسينا معها الدنيا سؤالاً ننسى أن نسأله لأنفسنا دوماً: هل أنت راضٍ عنا يا الله؟؟ النــــهــــايـــــه عشق القلوب (بقلمي سهام صادق & سيمو)