١-" صاحب النَدبَة " صوت الكروان شق الصمت المهيب ، الذى حل على سماء تلك القرية الريفية ، فأغضان الأشجار أخذت بالتمايل ، مع نسمات الصباح الباكر ، فالهواء نقي لم تختلط به أنفاس البشر بعد ، والمناظر الطبيعية الخلابة تأسر الحواس ،تقف هى على سطح منزلهم بيدها تلك الطائرة الورقية ، التى تمسك بطرف خيطها ، تحركها يمينا ويساراً بابتسامة جميلة على ثغرها ، فكلما أرتفعت الطائرة الورقية زاد حماسها اكتر ، كأنها بمسابقة وتريد الفوز فتلك الفتاة ذات الثامنة عشرة ربيعاً ، محبة للحياة تعشق اللهو والمرح والضحك تكره الحزن والكأبة ، فهى ترى انها نالت منهما القسط الكافى ، بفقدان والدها وترك والدتها لهما بزواجها من رجل أخر بعد موت أبيها ، و لا تسأل عنها هى وشقيقها الا نادراً ، و تعيش برفقة زوجها بالقاهرة ، وربما أصابها النسيان بأن لديها أبناء ، يجب أن تسأل عنهما ، لذلك تحاول أن تتناسى أوجاعها بمرحها الدائم كانت مشغولة بما تفعله حتى سمعت صوت شقيقها الذى يصغرها بثلاثة أعوام يناديها بإلحاح -:" ليان ليان انزلى بقى" تأففت ليان قائلة بزمجرة : - :" عايز ايه يا باسم سيبنى بقى يا أخى" أقترب منها باسم وسحب يدها الممسكة بالطائرة الورقية وهو يقول : -:" تيتة عمالة تنادى عليكى من الصبح وأنتى مش بتردى" قطبت ليان حاجبيها وقالت : -:" هى تيتة صحيت من النوم يا باسم" أماء باسم برأسه قائلاً بعجالة : -:" ايوة صحيت وبتقولك انزلى أفطرى بقى فى حد يصحى الصبح يطير طيارات ورق" تبسمت ليان وهى تجيبه : - :" انت عارف إن بحب ألعب بالطايرات الورق وخصوصاً الصبح كده والجو جميل والهوا يرد الروح" سحبها باسم من مرفقها وهو يهم بالنزول فقال : - :" طب يلا يا ستى انزلى بقى تعبتينى معاكى يا ليان" أنكمشت ملامح وجهها بضيق وقالت : - :" وتعبتك فى إيه بقى ياسى باسم" داعب باسم طرف أنفها بإصعبه وقال : -:" تيتة كل شوية تقولى شوف ليان راحت فين نادى ليان قول لليان تيجى تاكل ليان ليان لحد ما زهقت" زاد عبوس وجهها ، وضمت ذراعيها أمام صدرها وهى تغمغم : -:" كده يا باسم أخس عليك أنا زعلانة منك" قبلها باسم على وجنتها وهو يقول بحنان : -:" لاء وأنا مقدرش على زعل أختى الحلوة دى أنا ليا مين غيرها" قالت ليان بإبتسامة : -:" ربنا يباركلى فيك يا حبيبى يلا بقى علشان أنزل أجهز الفطار" - :" تيتة عملت الفطار خلاص" قالها باسم وهو يسبقها فى هبوط الدرج بينما هى شعرت بالضيق فقالت : - :" ليه كده بقى انا قيلالها ١٠٠ مرة متتعبش نفسها مفيش فايدة فيها أبداً يلا بينا ننزل" هبطا الدرج سويا ، تشعر ليان بالامتعاض بسبب إصرار جدتها على إرهاق نفسها بالأعمال المنزلية ، فحالتها الصحية لا تسمح لها بذلك ، ولجا إلى الصالة ، وجدا سيدة مسنة تدعى " علية " تبتسم لهما ، وبالرغم من كبر سنها ، إلا انها مازالت تلك المسحة الجميلة تزين وجهها وخاصة لون عينيها الملتمعتان بلون أوراق الشجر بموسم الربيع ، التى أورثتها لحفيدتها فصاحت الجدة معاتبة بلين : - :" كل ده على ما تنزلوا من على السطح" رمقتها ليان بإستياء ظاهر وقالت : -:" على فكرة أنا زعلانة منك ومش هكلمك يا تيتة" وضعت علية يدها على فمها بشكل درامى : - :" يااااه خبر ليان زعلانة منى إزاى كده وأنا مقدرش على زعل حبيبة قلبى" فتقدمت من ليان ، وطوقتها بذراعيها تقبل رأسها ، فهى المفضلة والأثيرة لديها ، فتبسمت ليان على فعلتها وهى تقول : -:" ايوة اضحكى عليا بقى زى عوايدك يا تيتة" مثلما قبلت رأسها قبلت وجنتها وهى تقول برفق : - :" طب أنتى زعلانة ليه طيب يا حبيبة تيتة" مسدت ليان على ذراعى جدتها بلطف وهى تقول بحنان أطل من عينيها : - :" علشان أنتى بتتعبى نفسك أوى فى شغل البيت وأنا قولتلك متعمليش حاجة أنا هعمل كل حاجة أنتى صحتك متستحملش ده كله أنتى لازم ترتاحى وأنا خلاص خلصت إمتحانات الثانوية ومفيش حاجة تشغلنى عن أن أشوف شغل البيت" رفعت علية يدها اليمنى تربت على يد ليان وهى تقول : - :" حبيبتى القعدة طول النهار بتزهق وأنا مش واخدة على أن أنا أرقد فى سريرى" سحبتها ليان من يدها ، حتى أجلستها على مقعد مائدة الطعام وهى تقول : - :" معلش استحملى على ما ربنا إن شاء الله يشفيكى" إستند بسام بوجهه على يده وهو يقول : - :" هو إحنا هناكل ولا إيه النهاردة" عبثت ليان بشعره مداعبة وقالت : -:" كل يا مفجوع وانت ساكت همك على بطنك دايما" ضحكت علية على تلك المشادة الكلامية التي تحدث يومياً بين حفيديها ، فهتفت بهما : - "مش هتبطلوا مناقرة ابدا" أفتر ثغر ليان عن إبتسامة وضاءة وهى تقول : - " لاء يا تيتة الخناق مع باسم طعمه حلو" وضع باسم من الطعام الموضوع أمامه بفمه ، فخرج صوته متحشرجاً : -:" اختى الحلوة وحبيبتى دى هى النتيجة بتاعتك هتظهر أمتى" تركت ليان فتات الخبز من يدها وهى تقول بشئ من الخوف : -:" بيقولوا بعد أسبوع وربنا يستر علشان أنا خايفة موت" ربتت جدتها على يدها وهى تقول بتفاؤل : - :" ان شاء الله يا حبيبتى هتنجحى وتجيبى مجموع حلو" أمنت ليان على حديث جدتها وهى تقول برجاء : -:" يارب ياتيتة يارب وأدخل كلية حلوة كده" قال باسم وهو يتناول كوب الماء : - :" أنتى لسه عايزة تدخلى كلية تربية" حركت ليان رأسها دليلاً على موافقتها وقالت : -:" إن شاء الله ادعيلى يا باسم" أهداها شقيقها إبتسامة عريضة وهو يقول : -:" ربنا يوفقك يا حبيبتى أنا بقى عايز لما اخلص ثانوية أدخل هندسة" نظرت علية له ثم عاودت النظر لليان وقالت بدعاء : - :" ربنا يوفقكم يا حبايبى يارب شد حيلك أنت يا باسم أديك هتدخل أولى ثانوي أهو عايزين نشوف شطارتك" قال باسم بجدية : -:" إن شاء الله يا تيتة" تدعو من قلبها أن يوفق حفيديها فى حياتهما ، فهما كل ما تملكه بعد موت إبنها الوحيد ، فوالدتهما لم تشاء أن تظل معهما وتربيهما ، بل تخلت عنهما بأقرب فرصة أتيحت لها بالزواج ، فهى لم تكمل سوى شهور العدة حزناً على موت زوجها ، كأنها كانت بانتظار موته ، ذاهبة للزواج من رجل آخر ، فأصرت علية على أن يظل حفيديها معها وتقوم هى بتربيتهما ________________ دقت تلك الساعة الكبيرة فى بهو ذلك المنزل ، الذى يعود لمالكه " رفيق رسلان " ، معلنة عن أن الوقت أصبح الساعة الثامنة صباحاً ، وهو الوقت الذى يتناول فيه أفراد هذه الأسرة الإفطار قبل ذهاب كل من الشقيقان إلى عملهما فى غرفة الإبن الأكبر " رفيق" أنتهى من إرتداء ثيابه ، و عقد رابطة عنقه باحترافية ، بالرغم من أنه يشعر بالاختناق منها ، فهو لايحب أن يتقيد بتلك الثياب ، ولكن ظروف عمله تضطره إلى إرتداء تلك الثياب الرسمية ، التى كانت عبارة عن حُلة زرقاء أنيقة جدا ورابطة عنق تتماشى معها ، ولما لا فهو صاحب العمل ويجب أن يبدو فى أبهى صورة أمام موظفيه نظر إلى نفسه فى المرآة تأكد من تشذيب لحيته بالشكل المناسب ، فطافت عيناه بلون القهوة الداكنة ، التى يحب إحتساءها دائماً ، على هيئته كاملة ، فأمعن النظر الى نفسه فى المرآة ،و عقد حاجبيه فمن يراه الآن، لا يصدق أنه هو ذلك الفتى الذى عانى الأمرين ، حتى وصل الى ما صار عليه الآن،فهو لم يكن ذلك الفتى المدلل ، الذى عاش بوسط الأثرياء منذ صغره ، بل أنه كان من أسرة فقيرة ، كان والده يعمل عاملاً بأحد المصانع ، حتى حدث له حادث أليم توفى على إثره ، تاركاً والدته حاملاً بشقيقته الصغرى ، وترك له شقيق أيضاً وكأن قلبه وعقله نضجا قبل نضوج جسده ، فهو لم يكن سوى فتى فى المرحلة الاعدادية، ولكن وجد ذاته مسئولاً عن والدته وأشقاءه ، فاضطرت والدته إلى العمل حتى تستطيع ان تعيلهم ، فكان هو أيضاً يساعدها ،فكان يعمل بأى مهنة تقابله بجانب دراسته ، وعندما وصل الى المرحلة الثانوية ، وبالرغم من حصوله على ما يؤهله للدراسة بأفضل الكليات العلمية ، إلا أنه فضل الدراسة بكلية التجارة ، حتى لا يثقل كاهل والدته بتكاليف دراسته ، حتى أنه كان يحضر بعض من محاضراته ، بجانب عمله فى إحدى الشركات ، وبعد تخرجه ظل يعمل بتلك الشركة ، ولكن بسبب طموحه هو وصديقه المقرب استطاعا إنشاء عمل خاص بهما ، فرزقهما الله من فضله الواسع ، وأصبح اليوم من أهم رجال الأعمال الشباب مد يده تحسس تلك الندبة الغائرة فى جبينه ، فوق حاجبه الأيسر ، والتى حصل عليها عندما كان يعمل فى إحدى ورش تصليح السيارات ، فصاحب العمل أصابه الغضب ذات يوم ، فقام بضربه وهو فتى لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره ، مسببا له فى جرح عميق فى وجهه ، فتذكر ذلك اليوم ، عندما عاد إلى منزلهم ، ثيابه ملطخة بالدماء ، يوجد أثار تقطيب جروح فى وجهه ، ففزعت أمه من منظر تلك الدماء ، وأصرت عليه بعدم الذهاب الى تلك الورشة مرة أخرى ظلت تلك الندبة الغائرة فى جبينه ، ملازمة له فهو حتى يرفض الآن أن يقوم بعملية تجميلية لها ، وكأنه يريد أن يتذكر كل حياته الماضية ، ولكن من المفارقات العجيبة ، أن تلك الندبة لم تخفف من وسامته بل على النقيض ، فهى أضفت عليه مسحة رجولية قاسية ، تجعل النساء تعجب به أفاق من ذكرياته على صوت فتح باب غرفته ، نظر خلفه وجد والدته ، فابتسم لها تلك الابتسامة التى لا يراها أحد غير أسرته فمن يعرفه يظن إنه لا يعرف الإبتسام تقدمت منه والدته قائلة بحنان : -:" صباح الخير يا حبيبى" رد رفيق قائلاً بحنان مماثل : - :" صباح الخير يا أمى" أقترب أكثر منها ، واخذ يدها بين يديه ، ينحنى عليها يقبلها بحب ، تمسد هى على شعره بابتسامة ،وتربت على كتفه ، فهو لم يتخلى عن تلك العادة ، وهى تقبيل يد والدته منذ أن كان صغيراً ترك يد والدته ، وعاد ينظر بالمرآة ثانية وهو يقول : -:" مالك ورهف صحيوا من النوم ولا لسه نايمين كالعادة" ندت عنها زفرة مطولة وهى تقول : -:" لسه نايمين أنا هروح أصحيهم أنا جيت أصبح عليك الأول" إستدار رفيق برأسه لها وقال : -:" دا احلى صباح فى الدنيا دى كلها" ربتت منى على ظهره وهى تدعو له : - :" حبيبى تسلملى يارب وربنا يرزقك من رزقه الواسع" أجابها رفيق بإمتنان لدعاءها : :" تسلملى دعواتك الحلوة دى يا أمى" -:" على ما تخلص هروح اشوف مالك ورهف" قالتها والدته قبل خروجها من الغرفة ، فما كان منه سوى أن أجابها قائلاً : -:" ماشى يا أمى" خرجت منى من غرفة ابنها الأكبر ، وولجت إلى غرفة أبنها الثانى ، وهو شاب فى الرابعة والعشرين من عمره ، أنهى تحصيله الدراسى بكلية الهندسة ، ويعمل مع شقيقه أقتربت منى من الفراش ووكزت مالك برفق : -:" صباح الخير يا مالك" فرك مالك عينيه وهو يتثائب فرد قائلاً : -:" صباح الجمال والحلاوة يا منمن ايه ده قمر يا ناس جاى يصحينى" لوت منى فمها وهى تقول : -:" بطل بكش يا واد أنت بقى " ترك مالك مكانه وأقترب منها يقبلها على وجنتها وقال : -:" طب لو أنا بطلت بكش مين يبقى بكاش بقى يا منمن إحنا بناكل عيش من ورا البكش ده" ضربته والدته بخفة على ذراعه وهى تقول : -:" بتاكل عيش من البكش ماشى يا سى مالك" نظر مالك حوله كأنه يبحث عن شئ ، فهتف بها : -:" قوليلى الكبير صحى" أماءت منى برأسها وهى تقول : -:" اكيد طبعا دا بيصحى قبلنا كلنا" ضرب مالك جبهته ، كأنه تذكر شيئاً فقال : -:" اه صحيح ايه السؤال الغبى اللى بسأله ده دا هو كمان اللى بيجى يدلق عليا ازازة ماية وأنا نايم علشان يصحينى بقولك ايه يا ماما أنتوا تخفوا كل أزايز الماية من البيت بلاش غارقة كل يوم دى" ضحكت منى بقوة على حديث مالك : -:" ما أنت اللى نومك تقيل وأحمد ربنا إن أنا اللى جيت اصحيك وأحب اقولك برضه رفيق خلص لبس ولو مقومتش كمان شوية هتلاقيه جايلك" قفز مالك مكانه وهو يقول : -:" يا نهارى دا ممكن يجى يجرجرى من الاوضة باللبس ده وشكلى هيبقى عار" قال مالك عبارته ، و بلمح البصر كان فى المرحاض ، ليسرع بإنتهاء إغتساله ، قبل أن يرتدى ثيابه ، ويجد شقيقه الأكبر رفيق فى غرفته ، يأخذه بأى ثياب يرتديها ابتسمت منى على تصرفات أبنها ، فهو بالرغم من حبه الشديد لأخيه ، إلا أنه يخاف منه بشدة ،فخرجت من غرفة مالك ، متجهة إلى غرفة إبنتها الصغرى ، أو كما يطلقون عليها ، مدللة المنزل او مدللة أخيها نظرت فى أرجاء الغرفة ، فوجدت حولها على الفراش ، العديد من القصص والروايات الخيالية ، فابنتها عاشقة للقراءة فهى فى عامها الثامن عشر ، وأقتربت من دخول الجامعة أقتربت منها و مدت يدها تهز ذراعها برفق : -:" رهف إصحى بقى يلا يا حبيبتى" هتفت تلك الفتاة بصوت ناعس : - :" شوية بس يا ماما أخلص الحلم ده وأرجعلك على طول يا حبيبتى" سحبت والدتها غطاء الفراش الخفيف عنها وهى تقول : –:" هو مشوار هتخلصيه وترجعى قومى يلا يا رهف بلاش كسل" جذبت رهف الغطاء وهى تقول بتأفف : :" أقوم أعمل إيه أنا فى إجازة آخر السنة ، سبينى أنام بقى يا ماما" فشلت والدتها فى جعلها تترك فراشها ، فلم تجد حل أخر سوى ذلك التهديد الذى يجدى معها نفعاً دائماً فشهقت منى بصوت مسموع وهى تقول : -:" هااا ايه ده يا رهف رفيق جاى" رن إسم شقيقها بأذنيها ، فهبت جالسة بفراشها : -:" إيه أبيه رفيق جاى أنا خلاص قومت أهو" فهى عندما سمعت اسم شقيقها ، هبت راكضة إلى المرحاض ، تفعل مثلما فعل مالك ، فدائما تلتجئ والدتهما إلى تلك الحيلة ، حتى ينهضا من نومهما على مائدة الطعام ..اجتمعوا جميعهم لتناول الإفطار ، يجلس رفيق على رأس المائدة ، على يمينه تجلس والدته ، وعلى يساره تجلس شقيقته وبجانبها شقيقه رمق رفيق مالك بنظرة فاحصة ، وهو يقول : - :" خلصت الورق اللى قولتلك عليه يا سى مالك ولا حضرتك برضه نسيت" حمحم مالك قبل أن يقول متفاخراً : - :" عيب عليك يا كبير كله جاهز وفى التمام نحن نختلف عن الآخرون" رفع رفيق حاجبيه قائلاً بسخرية : - :" لا يا راجل ياريت بس ميكنش نص الورق غلط واصلحه لسيادتك كالعادة" تبسم مالك بسماجة : - :" قلبك أبيض بقى يا كبير " ضيق رفيق عينيه قائلاً بغيظ : - :" عمال تقولى يا كبير يا كبير انت مش عارف اسمى يا حبيبى ولا توهت" -:" لاء دا انا بفخمك وبعظمك كده يا كبير" قالها مالك وهو يشير إليه بإحترام فأتسعت طاقتى أنف رفيق مغتاظاً من شقيقه : -:" بطل الكلمة دى وأنت محسسنى إن إحنا إتنين بنشتغل فى عصابة'' أشار مالك بإصبعه لعينيه قائلاً بطاعة : - :" من عينيا خلاص يا كبير هبطلها" كز رفيق على أسنانه قائلاً : - :" برضه انت مفيش فيك فايدة " نظر بجواره وجد شقيقته الصغرى ، تضع رأسها على يدها تفتح جفنيها بصعوبة ، فهى تريد إكمال نومها فداعب رفيق وجنتها قائلاً بحنان : -:" مالك يا رهف مبتكليش ليه" تبسمت رهف على فعلته وهى مغمضة العينين ، فقالت بصوت ناعس : -:" ها بتقول ايه يا أبيه معلش ما أخدتش بالى" شد رفيق على أذنها برفق وهو يقول : - :" ما هو لو أنتى تبطلى قراية الروايات المتخلفة اللى هتلحس مخك دى هتركزى وتبقى كويسة وتصحصحى شوية" زمت رهف شفتيها بطفولية ، وضيقت ما بين عينيها فهى لا تحب أن يسخر أحد من عالمها الخيالى فقالت وهى تتصنع البكاء : :" لو سمحت يا أبيه متسخرش منى تانى أحسن هزعل منك وهعيط كمان" أجابها رفيق بلين : -:" خلاص متزعليش يا رهف انا مش قصدى حاجة بس عايزك تبطلى سهر فى قراية الروايات دى اقرأى بالنهار ونامى بدرى ملوش لازمة السهر" خصته بإبتسامة جميلة وقالت : - :" حاضر يا أبيه أنت تؤمر يا عسل أنت" فهو ليس شقيقها فقط ، بل هو بمقام والدها ، فهى لم ترى أبيها ، لا تعرف بحياتها سوى شقيقيها ، ولكن رفيق كان لها الأب والأخ ، رباها كابنته وليس كشقيقته فقط ، فهو لايرفض لها مطلباً اذا رأه مناسباً عاد إليهم الصمت ثانية ، إلا أن والدتهم قالت فجأة : -:" أنت مش ناوى تتجوز بقى يارفيق" علق الطعام بحلقه ، فسد مجرى الهواء عن رئتيه ، فظل يسعل بشدة ، حتى تيقن الجالسين أنه أصيب بنوبة إختناق فقالت منى بقلق وخوف : - :" الف سلامة عليك يا حبيبى أنت شرقت ولا إيه" كتم مالك ضحكته بصعوبة قبل أن يقول : - :" مش جبتيله سيره الجواز لازم يشرق يا ماما" حدجته منى بنظرة غاضبة : :" أسكت يا واد أنت رفيق أنت كويس" تناول رفيق كوب الماء ، الذى أسرعت رهف بإعطاءه له ، فأنتظر حتى عاد إليه صوته ، فقال بضجر : -:" أنا تمام يا أمى بس مش احنا اتكلمنا فى الموضوع ده ألف مرة قبل كده" تركت منى الملعقة من يدها وأطالت النظر به وهى تقول : - :" يعنى هو حرام أفرح بيك يا رفيق وأشوف ولادك" رفع رفيق يده وأشار لمالك قائلاً بصوت حاول أن يخرج هادئاً : - :" عندك مالك خاطب أهو وإن شاء الله تفرحى بولاده" قالت منى وهى تنقر بأصابعها على المائدة : - :" طب مش حاجة غريبة لما أخوك الأصغر منك يتجوز وأنت مش راضى تتجوز" إلحاحها المتكرر بطلبها أن يتزوج ، جعله من داخله يشعر بالألم الذي حاول هو إخفاءه عن عائلته منذ سنوات ، فلا أحد يعلم سر عزوفه عن الزواج ، سوى صديقه المقرب ، فتلك الندوب التى ملأت فؤاده ، لم تجعل به مكان أخر للشعور بشئ ، سوى محبة عائلته ، فهو لا يملك شعوراً ومحبة ليقدمها لأحد غيرهم فحاول صرف تفكيرها بالأمر ، فهتف بها برفق : -:" انا قولتلك يا أمى خلاص انا مش عايز اتجوز أنا مش هجيب لنفسى وجع الدماغ ثم أنتى عايزة واحدة تانية تيجى تاخدنى منك " حاول بشق جملته الأخير أن يمازحها ، إلا أن فعلته لم تأتى بثمارها ، فكانت رهف هى الأسبق بالقول : -:" هو الجواز وجع دماغ يا أبيه" حرك رفيق رأسه بحركات متتابعة وهو يقول : -:" اه طبعاً وجع دماغ واحدة تفضل تزن طول النهار والليل ومبتفصلش وتشك فيا وفى تصرفاتى وتزهقنى وتقولى روحت فين وجيت منين وتقرفنى لاء أنا كده كويس اوى" تعجب الجالسين من منطقه العجيب وحجته الواهية ، فهم جميعاً على علم ودراية ، بمدى قوة شخصيته ، التى يستطيع فرضها على من حوله ، وليس بالقوة ولكن كأن به جاذبية ، تجعل الجميع يطيعونه بدون مجادلة أو نقاش فزفرت منى بخفوت قبل أن تقول : -:" هو انت بتقدر البلاء قبل وقوعه مش يمكن ربنا يرزقك بواحدة بنت حلال ولا تزهقك ولا تخليك تزهق منها" حك رفيق جبهته بتفكير فقال : - :'' لو لقيتى واحدة زيك يا امى أنا مستعد اتجوز دلوقتى" فقالت منى وهى تشعر بالحماس : - :" بنات الحلال كتير يا رفيق" أشار بسبابته برفض وهو يقول : :" لاء أنا عايز واحدة زيك بالظبط وشبهك وفيها كل صفاتك ويكون اسمها منى كمان" رفعت منى حاجبها وهى تقول بتعجب : -:" لا يا راجل ودى نعملها ازاى نجبلك عروسة تفصيل" -:" أنا قولتلك على شروطى أهى وشوفى أنتى بقى" قال رفيق عبارته ، وعاد لطعامه ثانية ، يلوكه بفمه ببطئ ، وبإبتسامة من رؤية الحيرة على وجوههم فغرز مالك يده بشعره وقال : - :" أنت بتحطلها العقدة فى المنشار وتقولها شروطى اهى دا انت كده بتعجزنا" زادت إبتسامة رهف أتساعاً ، وهى تنظر لشقيقها فقالت بثقة : -:" هو أبيه بيعمل كده علشان منتكلمش معاه فى موضوع الجواز تانى" غمر رفيق وجنتها بحنان فقال باسماً : -:" حبيبة قلبى اللى بتفهم شطورة يارهف" طالعتهما منى بغيظ وقالت : - :" شطورة يا رهف ! اه دلعها ما هى العصفورة بتاعتك" جذب رفيق شقيقته وقبل رأسها قائلاً : -:" طبعا دى عصفورتى الحلوة" أخذت رهف كفه العريض بين كفيها فقبلته بإمتنان : - :" حبيب قلبى يا أبيه ربنا يباركلنا فيك يارب " - :" اه وهى برضه اللى ما بيتبلش فى بؤقها فولة كل حاجة تقولك عليها" قالتها منى وهى تنظر لرهف ، الذى أطرقت برأسها أرضاً هرباً من عينى والدتها فما كان من رفيق سوى أن ضحك بصوت عالى : :"علشان بتفتنلى على خططك علشان تجوزينى يعنى وفيها إيه" شاركه أفراد أسرته الضحك ، فمن يراه يضحك الآن لا يظن ان هذا الشخص ، بعد بضع دقائق ، عندما يذهب الى عمله سيصبح انسان لا يطاق ، فهو لا يحب أن يتهاون أحد من موظفيه فى عمله ، لا يريد منهم سوى إنجاز ما عليهم من أعمال ، وليس معنى هذا أنه يظلم احداً منهم ، فهو مقابل تلك الرواتب التى يتقاضوها ، يريد منهم عملاً باتقان مسحت منى فمها بالمحرمة القطنية الخاصة بالمائدة فقالت : - :" أه والصراحة انت مش مقصر يا رفيق كل عروسة تطلع فيها القطط الفاطسة " ترك رفيق مقعده واقترب منها ، فأنحنى إليها يقبلها على وجنتها قبل إنصرافه ، فهتف برفض قاطع : - :" أنا قولتلك يا أمى ريحى بالك انا مش عايز اتجوز اقولهالك تانى يا أمى" ندت عنها زفرة وتنهيدة وهى تربت على يده : -:" انا غلبت معاك يا ابنى ربنا يصلحلك الحال يارب" -:" ايوة هو ده اللى انا عايزه منك الدعاء الحلو ده وانت يا استاذ مالك مش يلا بينا" قالها رفيق وهو يشير لشقيقه بالنهوض فأستقام مالك بوقفته قائلاً بطاعة : - :" أوك يلا بينا سلام يا امى سلام يا رورو" ردت منى ورهف بصوت واحد : - :" مع ألف سلامة " غمغم رفيق قائلاً وهو يجذب شقيقه من أمام المرآة ، المثبتة على أحد جدران المنزل بالبهو الخاص به : -:" الله يسلمك يا أمى يلا يا أخويا أنت مش رايح تتجوز" تبعه مالك وهو يدمدم بصوت هامس ، ولكن يعلم رفيق ما يقوله ، فربما يبدى إستياءه على إيقاظه مبكراً ، وإرهاقه له بكثرة العمل ، فلما يجعل من حوله يعانون ، فربما بسبب إكتسابه تلك الشخصية الجادة والمخيفة ، التى ساهمت ظروفه بتشكيلها ، فهو لم يحصل على الدلال بصغره ، لذلك لا يأخذ به إلا من أجل شقيقته الصغرى ، ولكن شقيقه لابد له من أن يكون مثله ، قوياً ذو بأس شديد ، وأن يحافظ على ما وصل إليه بعد عناء ، فهو قضى ما يقرب من ثلثى سنوات عمره الثلاثون بشقاء ، فليس ما عناه شقاء بدنى فقط ، ولكن هناك شقاء من نوع أخر ، ذلك الشقاء الذى لن يبرأ منه ، مثلما برأ من فقره ، فشقاء القلب أقسى وأشد صعوبة على التحمل ___________ خرجت ليان من المنزل ، فتأبطت ذراع شقيقها ، الذى حرصت جدتها على إرساله معها إلى السوق ، المقام قريباً من طرف البلدة ، فهى أصرت على الذهاب لشراء ما يحتاجونه من طعام ، فالسوق يقام بأحد أيام الأسبوع ، فتذهب هى برفقة شقيقها ، وتشترى ما يلزمهم ويكفيهم ، حتى موعد السوق القادم ترصدها الأعين وهى تسير بجوار شقيقها ، بجسد ليس بالممتلئ ولا بالنحيل ، وقامة ممشوقة ، ووجه بهى الطلة ، فحتى إن لم تكن فاتنة ، فهى جذابة بلونها الخمرى ، وخضراوتيها ، وكم من شاب أبدى رغبته بالاقتران بها ، ولكن جدتها رفضت ذلك ، معللة بأنها ستكمل تحصيلها الدراسى بالجامعة وقف ثلاثة شباب ، بجانب أحد أعمدة الإنارة ، فصفر إحداهما إعجابها عندما رآها قادمة ، فوكز رفيقيه قائلاً : - بص ياض أنت وهى البت ليان جاية أهى نظر رفيقيه حيث أشار ، فكل منهم يمنى النفس بها ، فأحدهما تذكر عندما ذهب هو ووالده لخطبتها ،فردتهما جدتها خائبين ففح بغيظ وقال : - دى عليها جدة قرشانة لما روحت أنا وأبويا نطلبها طفشتنا بنت اللذين إما أنا متغاظ منها بشكل -على أساس أن أبوك كان موافق علشان سواد عينك مش علشان الأرض اللى هى ورثاها عن أبوها واللى تمنها قد كده قالها الشاب الثالث بسخرية فجة فأثار غضب الأخر فرد قائلاً : - طب ما أنت كمان كنت عايز تتجوزها علشان كده يا أخويا متعملش فيها شريف أوى تحدث الشاب الأول قائلاً بخبث : - أنت عارف ياض أنت وهو هى عينها من مين من الواد "ماجد محسن" إبن صاحب أبوها دا هيبقى دكتور مش زيكم بتفكوا الخط بالعافية أثار حديثه الغضب والنقم بصدر رفيقه الثانى ، فتقدم معترضاً طريقها ، فنظرت إليه وهى عاقدة حاجبيها وقالت : - فى إيه يا أخ أنت أبعد عن الطريق ولكنه لم يتزحزح من مكانه ، بل بدا أنه سعيداً بمضايقتها ، فدفعه باسم بصدره وهو يقول بغضب : - هى مش قالتلك أبعد عن الطريق يلا وسع أخرج الشاب من جيبه نقود تمثلت بعشرة جنيهات ورقية ، فوضعها بجيب قميص باسم وهو يقول : - خد يا شاطر العشرة جنيه دى وروح هاتلك حاجة حلوة على ما أتكلم مع أختك شوية تبع حديثه وهو يربت على وجنة باسم ، فما كان منه سوى أن سدد له لكمة قوية قرب فمه ، وأخرج النقود يلقيها بوجهه فصاح به باسم بجماع صوته الحانق : - أحترم نفسك وأنت بتتكلم عن أختى يا حيوان تحسس الشاب فمه ، ليرى الضرر الملحق به ، فلم تكن اللكمة بالقوة الكافية ، ولم تتسبب له إلا شعور طفيف بالألم ، ولكن شيطانه وسوس له ببدء العراك مع باسم فجذبه مرة واحدة من ياقة قميصه ، وطرحه أرضاً ووثب عليه ، فأعاد إليه الضربة مضاعفة ،فصرخت ليان وحاولت دفع الشاب عن شقيقها فهدرت بصوت عالى: - إبعد عنه وإلا والله العظيم هوديك فى داهية نظر لها الشاب بتسلية ، ومازال جاثماً على صدر باسم : - أستنى يا حلوة دورك جاى بس مش هعاملك زى أخوكى ليكى معاملة تانية هتنبسطى منها أوى رفعت ليان يدها وحطت بها على وجهه بصفعة قوية وهى تقول بحنق : - أخرس يا حيوان تحسس الشاب مكان الصفعة وعيناه متسعة ، فترك باسم ونهض قابضاً على ذراعيها بأصابع فلاذية وصاح بوجهها : - بتضربينى بالقلم يا بنت إلهام الرقاصة ٢– " نظرات محرمة " جحظت عينيها بعد سماعها ، ذلك الوصف والنعت لوالدتها ، فبما يقصد بتلك الكلمة المهينة ؟ فهى منذ زواج والدتها ، وهى ترى العيون ترمقها بغرابة ، فأحياناً كثيرة كانت تشعر بوجود خطب ما ، خلف زيجة والدتها ، ولم تنسى أيضاً ، إمتناع بعض النسوة ، عن مصادقتها لبناتهن ، فهى كانت تظن أن هذا بسبب ترك والدتهما لهما ، فهى كل ما تعلمه عن زوج والدتها ، أنه يمتلك مطعماً ومقهى بالقاهرة ، فهى لم تشأ البحث عن ماهية عمل زوج والدتها ، فهى منذ أن رآته ، لم تشعر بالراحة ، بل يقشعر بدنها عندما ينظر إليها ، ولا تعلم سر هذا الانقباض ، الذى تشعر به كلما تراه ، وربما هذا عائداً لملامح وجهه الغليظة ، خلاف تلك الملامح الحانية ، التى كانت لأبيها خرج صوتها ضعيفاً من بين شفتيها الجافتين وهى تقول بذهول : – رقاصة قبل أن يتمكن الشاب من قول شئ أخر ، أسرع باسم بدفعه ، والتقط رسغ ليان ، يجرها معه بخطوات شبه راكضة ، فلم تعى ليان ما فعله شقيقها ، إلا بعدما وجدت نفسها داخل السوق ، فالضجيج يعم المكان ، ترتفع أصوات البائعين ، وكل منهم حريصاً على جلب الزبائن بعرض محاسن بضائعه فوكزها باسم بذراعها قائلاً : – ليان يلا شوفى هتشترى إيه خلينا نروح بسرعة نظرت لشقيقها بتيه بادئ الأمر ، ولكن سرعان ما أخذت بإنتقاء الخضروات والفاكهة اللازمة ، فبعد شراءها ما يلزمها ، وضعت الأكياس البلاستيكية بحقيبة كبيرة خاصة بالتسوق عادا للمنزل ، فوضعت ليان ما بيدها ،ولكنها بحثت عن جدتها لعلها تقدم لها تفسيراً لما سمعته من ذلك الشاب بالسوق ، فولجت غرفة جدتها ، وجدتها تستلقى على فراشها ولكنها لم تكن غافية فأقتربت من الفراش تناديها بإلحاح : – تيتة تيتة نظرت إليها علية بإبتسامة هادئة وهى تقول : – نعم يا حبيبة تيتة جلست ليان بحانبها على طرف الفراش ، بدأت بفرك يديها ببعضهما البعض ، تحاول أن تجد من الكلمات ما تنمق به سؤالها ، ولكن أى كلمة تستطيع أن تقولها غير ذلك النعت الذى أطلقه ذلك الشاب على والدتها ، فهى تعلم مدى الجفاء بين جدتها ووالدتها ، وعلى الرغم من ذلك لا تذكر جدتها والدتها بسوء ، أو ربما لا تذكرها نهائياً بهذا المنزل بعد تركها المنزل – تيتة هو فعلا ماما بتشتغل رقاصة هكذا أنطلقت الكلمات من فمها بسرعة ، فغرزت أصابعها بين طيات الفراش ، كأنها بإنتظار سماع حكم مصيرى ، بصدق ما سمعته أو كذبه توترت عضلة قرب فم علية ، مما سمعته من ليان ، فتبسمت بتوتر وقالت : – إيه اللى بتقوليه ده ليان ومين قالك الكلام ده يا حبيبتى تركت ليان مكانها ، فدارت حول نفسها ، وعينيها على وشك البكاء ، فقال بغصة : – واحد هنا من البلد فاكرة الشاب اللى جه طلب ايدى من حوالى شهر هو ده اتخانق مع باسم ولما ضربته بالقلم قالى بتضربينى يا بنت إلهام الرقاصة رفعت علية يدها اليمنى ، تشير إليها بالإقتراب ، فأسرعت ليان بالإرتماء بين ذراعيها ، وانتحبت على صدرها ، فما كان من جدتها سوى أن أحتوت جسدها بين ذراعيها وهى تهدهدها بلطف فطبعت قبلة حانية على رأسها وهى تقول : – إهدى يا قلب تيتة ده تلاقيه بيقول كده علشان متغاظ إن إحنا موفقناش عليه لما جه يتقدملك ، هو كان عايز يغيظك بس بدأ مفعول كلمات جدتها ، بالظهور على وجهها ، فهى كفت عن البكاء ، ومدت يدها تمسح دموعها بطرف أناملها ، فهى إستكانت بين ذراعى جدتها ، ولكن علية أخذ الخوف منها كل مأخذ بعدما سمعت ما قالته ليان ، فهى وإن إستطاعت تدارك الأمر ، فهى تعلم أن الأمر لن يظل طى الكتمان للأبد ، مثلما حرصت على إخفاءه عن حفيديها فحاولت صرف حزنها ، فأقترحت قائلة بإبتسامة : – إيه رأيك نروح القاهرة ونشترى ليكى هدوم علشان الجامعة رفعت ليان رأسها عن صدر علية وقالت : – مش لما النتيجة تظهر بس يا تيتة وأشوف هدخل كلية إيه – وفيها إيه يعنى حتى نزور صاحب باباكى عمك محسن بقالى فترة مشفتوش وهو من ريحة الغالى أبوكى الله يرحمه وكان روحه فيه قالتها علية غير منتبهة هى ، لتلك الحمرة القانية التى ألهبت خديىّ تلك الفتاة ، فبإتيان جدتها على ذكر صديق والدها المقرب ، تذكرت هى أن بتلك الزيارة لن تراه هو فقط بل سترى أيضاً إبنه ، ذلك الشاب اليافع المدعو ماجد ، ولكنها تذكرت أيضاً ، ضرورة ذهابها لقبر أبيها ، فهى تعتنى بتلك الزهور والورود ، التى زرعتها هى أمام قبره ، فأصطحبت شقيقها بعد خروجها من غرفة جدتها ، وإخبارها بنيتها بالذهاب للمقابر فوصلا حيث أرادت ، فجلست القرفصاء أمام القبر ، وتلمست الورود بحنان ، ولكن عيناها فاضت بالدموع ، التى تساقطت تروى الورود عوضاً عن الماء ، فوالدها رحل عن العالم ، وهى لم تكن أكملت عامها الثامن بعد ، فهى كانت أشد حباً وقرباً من أبيها ، فهى مازالت تتذكر دلاله لها ، خلافاً لذلك الجفاء الذى كانت تشعر به دائماً من معاملة والدتها لها ، فهى لم تهتدى لسبب هذا الجفاء والمعاملة الخشنة من جانبها ______________ ولج رفيق إلى مقر عمله ، بخطوات متأنية وهادئة ، كعادته دائماً ، يتبعه شقيقه مالك ، فالعاملين بحالة تأهب وترقب شديد لمجيئه ، وكأنهم بأحد العروض العسكرية ، يومئ برأسه بهدوء لكل من يقابله ، فبمجرد دلوفه لغرفة مكتبه ، ألتقطوا أنفاسهم ، التى شعروا بأنها تكاد تتلاشى من كثرة إحتباسها فألتقطت سكرتيرته أنفاسها تحدث زميلتها فى العمل قائلة بتأفف : –:" أوووووف يا ستير يارب على وقفة كل يوم دى دا تحسى ان الواحد أعصابه مشدودة ونفسه مكتوم لو كان أتاخر شوية فى دخول مكتبه كان هيغمى عليا " تبسمت صديقتها وهى فتاة تدعى نسرين وقالت : –:" مش عارفة لما يدخل المكان تحسى ان المكان بقى ضيق كده ليه مع ان الشركة كبيرة بس وجوده فى اى مكان بيحسسك ان المكان بقى ضيق ومفيش هوا علشان نتنفس ولما يعلى صوته بحس أن شوية وهيجيلى طرش" ضحكت بسمة بخفوت على قول نسرين فقالت بإعجاب ظاهر : –:" بس الصراحة هو كاريزما أووووى وحلو كده يخرب بيت الميكس الغريب اللى هو فيه ده" شهقت نسرين قائلة بتحذير : – :" أنتى اتهبلتى ولا إيه يا بسمة لو خطيبك سمعك هيعلقك من ودانك" رفعت بسمة شفتها العليا وهى تقول : –:" يا اختى اتنيلى على عينك ما انتى كمان عينك من مالك اخوه ودايبة فى أهله " بسماع قول بسمة ، تغشى الحزن عينى نسرين ، فقالت بغصة قوية : –:" خلاص بقى يا بسمة مالك خطب وهيتجوز" قالت بسمة وهى تزفر بسخط : –:" اه البت الرخمة أنثى اليربوع دى اللى إسمها ماهيتاب الشريف" تبسمت نسرين بألم قائلة : –:" بت رخمة ! انتى مش عارفة هى تبقى بنت مين يا بسمة" رفعت بسمة يدها تشير بها بعدم إكتراث : –:" علشان يعنى ابوها راجل غنى وواصل وإيه يعنى طظ فيها هى وأبوها كمان" أشارت لها نسرين بالصمت قائلة : – :" طب اكتمى بقى متجبيش لينا مصيبة على الصبح واحنا لسه فى اول اليوم لمستر رفيق يسمعك وهتلاقيه مدينا ورق الرفد فى ايدنا واحنا ما صدقنا نشتغل ونلاقى شركة كويسة فحافظى بقى على لقمة عيشنا الله يباركلك" أماءت بسمة برأسها وقالت : – :" أه أحسن ده مبيتفاهمش كلمة ورد غطاها معندوش يا أما ارحمينى مبيعملش خاطر لحد ابدًا أعوذ بالله" –:" يعنى هو وصل للنجاح ده كله بعرق جبينه ، وهيسمح لحد أنه يعطله دا يرفد واحد يعين عشرة مكانه" قالت نسرين عبارتها وحملقت بالورق بين يديها ، وهى الأوراق الخاصة بمشروعات البناء ، التى يعمل مالك على تنفيذها ، فرفيق يعمل على شراء الأراضى الصالحة للبناء ، على أن يقوم مالك بتصميم عصري جديد للبنايات السكنية ، فالشركة مختصة بأعمال البناء وشراء الأراضي هتفت بها بسمة بإشادة بأخلاق رفيق : –:" بس تصدقى برضه عمره ما جه على ضعيف أو غلبان أو إستقوى على حد هو بس عملى وجد زيادة عن اللزوم" أماء نسرين برأسها عدة مرات وهى تقول : –:" صدقتى أنا حتى مبشفهوش يضحك ابدًا ولا حتى بيبتسم مع أن أخوه وأخته ومامته عسلات ووشهم دايما مبتسم" فقالت بسمة بتفكه : –:" يمكن خايف يضحك وشه يشقق " تبسمت نسرين رغماً عنها من قول بسمة فقالت : –:" بس اللى مستغرباله أنه سايب الجرح اللى فى وشه ده مش حتى يفكر يعمل عملية تجميل" لملمت بسمة الأوراق عن مكتبها وهى تقول : – :" دا يمكن الجرح ده اللى عمله هيبة كده رهيبة دا زايد فى وسامته مش مقللها تحسى إنه راجل كده مالى مركزه مش زى شباب اليومين دول" أطلقت نسرين تنهيدة شابها الحزن قائلة : –:" احنا هنفضل نرغى ومش هنعمل حاجة فى يومنا ده أنا هروح أشوف مستر مالك ليكون عايز حاجة" ربتت بسمة على كتفها بمواساة: – :" ماشى وقلبى عندك" زادت إبتسامتها حزناً وهى تقول : –:" كله نصيب يا بسمة" ذهبت نسرين إلى مكتبها ، فهى السكرتيرة الخاصة بمالك ، فمنذ عملها بالشركة ، ووقع بصرها عليه أحبته ، ولكنه ليس حراً ، فهو على وشك الزواج من فتاة من وسط الاثرياء تناسبه ، فما هى إلا فتاة من أسرة فقيرة ، فكيف سيلاحظها أو يشعر بحبها له ؟ فتنهدت بحزن شديد على حالها ، فما أسوء أن يقع الانسان فى الحب مع الشخص الخطأ ________________ أنتهى " أكمل " من عقد رابطة عنقه ، ونثر عطره الثمين بسخاء ، فهو بصدد الذهاب لعمله ، ولكن إستدار برأسه ينظر بسخرية لتلك المرأة النائمة بدون أدنى اهتمام به ، ففتحت إبنته الصغيرة ذات الرابعة من عمرها باب الغرفة ، وولجت راكضة إليه ، فابتسم لها ابتسامة عريضة ، ففتح لها ذراعيه فغاصت بينهما ، فاحتضنها ورفعها عن الأرض ، وهو يقبل وجنتيها بحب شديد ووله ، فتلك الصغيرة ، هى من تجعل له سبباً يحيا من أجله فقبلت الصغيرة وجنته وقالت بصوتها الرقيق: – :" صباح الخير يا بابى أنا صحيت خلاص من النوم" مسد أكمل على رأس إبنته قائلاً : –:" صباح النور يا قلب بابى شطورة يا كنزى " عبث الصغيرة برابطة عنقه وهى تقول : – :" مامى لسه مش صحيت يا بابى " شخص أكمل ببصره تجاه زوجته النائمة فقال بسخرية : – :" وهى مامى بتصحى دلوقتى برضه يا كنزى" – :" طب انا عايزة أروح الحضانة مين هيودينى أنا مش عايزة الدادة" قالتها الصغيرة بطيف من الحزن مر بعينيها ، فهى لا تحصل على المقدار الكافى من حب ورعاية والدتها ، فهى تقضى وقتاً أكثر برفقة المربية عوضاً عن والدتها فتململت تلك المرأة في فراشها ، متأففة من تلك الاصوات التى تزعجها أثناء نومها ، فصاحت بضيق : :" فى ايه ايه الاصوات دى على الصبح أنا مش عارفة أنام" وضع أكمل الصغيرة أرضاً وهو يقول : –:" ده بدل ما تقومى تشوفى بنتك وتجهزيها علشان حضانتها يا شهيرة" ضمت شهيرة حاجبيها وقالت: – :" وهى فين الدادة بتاعتها" أجابها أكمل بنزق : –:" الدادة ! وأنتى متاخديش بالك من بنتك ليه وراكى إيه يعنى" بصياحه بوجهها ، شعرت شهيرة بالامتعاض والاستياء ، فردت بحدة مماثلة : – :" أكمل مش هنفضل نتكلم فى الموضوع ده كتير ماشى مش كفاية أنك أنت اللى غصبت عليا علشان اخلف وكمان بسبب الخلفة وزنى زاد وجسمى باظ وباعجوبة على ما عرفت اظبط جسمى تانى" أصدرت أسنانه صوت صرير قوى ، وهو يسحق فكيه من الغيظ : – :" والله هو ده اللى هامك مش هامك بنتك ولا هامك جوزك المهم رشاقتك ولياقتك وخلاص دى عيشة تقصر العمر" قالت شهيرة بتأفف وبرود : –:" اوووف بليز يا أكمل متكملش ومش خلصت أتفضل روح على شغلك وكنزى خلى الدادة توديها الحضانة وياريت تقفل الباب وراك" انهت حديثها ،وسحبت الوسادة تضعها على رأسها ، معلنة بذلك نهاية الحديث ، فأخذ ابنته وخرج من الغرفة ، وهو يشعر بكل شياطين العالم كله تتراقص أمام عينيه ، من غضبه من تلك المرأة الانانية ، التى لا تفكر بأحد سوى نفسها فقط، غير مبالية به أو بابنتها الوحيدة نظرت الصغيرة لأبيها وهى تقول بحزن : –:" هى مامى مش هتوديتى الحضانة يا بابى " أخذ كفها الصغير بين كفه الضخم وهو يقول بحب : –:" تعالى يا حبيبتى انا هوديكى الحضانة وبعدين هروح الشغل" فرحت الصغيرة أن أباها سيصلها إلى روضتها اليوم ، فهى تحب أباها بشدة ، ولكن أحياناً تشعر بأن والدتها لا تحبها ، ولا تعرف لماذا ؟ فعقلها الطفولى لم يستوعب بعد عدم اهتمام امها بها قام أكمل بايصالها إلى روضتها ، ثم ذهب الى عمله ، فهو شريك رفيق فى العمل ، وصديقه المقرب منذ الطفولة ، ظل يضرب بيده على مقود السيارة ، يريد تنفيس ما به من غضب من تصرفات زوجته ، فإلى متى ستظل بهذه الأنانية ؟ فأحياناً كثيرة يفكر لماذا ارتبط بها وتزوجها ؟ هل كان يريد أن يحصل بارتباطه بها على النفوذ ؟ فهى إبنه رجل أعمال ذائع الصيت بسوق الأعمال ، ولكنه بالأساس صار جائراً بحقه وحق ابنته لكونه تزوجها وأصر عليها بالإنجاب ____________ تسير تلك الفتاة ذات الثالثة والعشرون عاماً ، بخطوات رشيقة تمد يدها تعيد شعرها للخلف ، وترتدى نظارة شمسية من أفضل الماركات العالمية ، يصدر حذاءها صوتاً رناناً ، على تلك الأرضية الرخامية ، تلوى ثغرها الغض بابتسامة جانبية ، من نظرات الاعجاب ، التى تراها فى أعين هؤلاء الرجال ، عندما تلج لأى مكان ، كأنها شبيهة بفينوس ، رمز الجمال و الغرور وصلت إلى مكتب مالك ، فنظرت لنسرين من خلف نظارتها وقالت : – :" هاى مالك جوا فى مكتبه" رفعت نسرين رأسها بعد سماع صوتها ، الذى بعث بداخل أذنيها وقلبها ناراً تحرق الفؤاد ، فإبتلعت تلك الغصة بحلقها فقالت : –:" أيوة يا أنسة ماهيتاب هو جوا ثوانى أديله خبر" قالت ماهيتاب وهى تجلس على حافة مكتبها : – :" طب بسرعة بليز" جلست على حافة المكتب تهز قدميها بلا مبالاة ، فرفعت نظارتها عن وجهها ، ووضعتها بمنتصف رأسها ، فإجتمعت خصيلاتها الحريرية على ظهرها ، بعدما كانت تتهدل على جانبى وجهها ، لثوانى معدودة ظلت نسرين تنظر إليها ، وكأنها تقيم حالتها ، وتضيف سبباً آخر للفرق الشاسع بينهما ،وعندما رآت أن كثرة المقارنة ، ستؤدى بها فى النهاية لمزيد من الحسرة ، قامت نسرين بطرق باب غرفة مكتب مالك فسمعت صوته من الداخل قائلاً : – :" ايوة أدخلى يا نسرين" ولجت نسرين غرفة المكتب وهى تقول : – :" مستر مالك آنسة ماهيتاب خطيبة حضرتك عايزة تقابلك ، هى برا" ترك مالك مقعده بتلهف فقال متبسماً : – :" خليها تدخل بسرعة يا نسرين" رأت ابتسامته وتلهفه لرؤية تلك الفاتنة ، فخفضت عينيها أرضاً تمنع دموعاً على وشك التجمع بمقلتيها ، فتلك الابتسامة لا تزيده إلا وسامة ، وهى لا تريد أن تنجرف فى ذلك الطريق ، الذى بدأت معانتها فيه ، عندما رأته بالمرة الأولى ،فخرجت من المكتب ، تجر قدميها قسراً ، ونظرت لتلك الفتاة الجالسة على مكتبها ، شعرت بالغيرة الساحقة ، وكيف لا وهى سترى تلك الفتاة تدلف الى مكتبه الآن؟ ستسمع بأذنيها صوت ضحكاتهما سوياً ، التى ستكون مثل الخناجر المسمومة التى تطعن قلبها فقالت نسرين بغصة قوية : –:" أتفضلى يا أنسة ماهيتاب هو مستني حضرتك جوا" إستقامت ماهيتاب بوقفتها وقالت بترفع : – :" شكرا يا أنتى هو أنتى إسمك إيه كل مرة أنسى إسمك" قالت نسرين بصوت فاتر : –:" إسمى نسرين حضرتك" أمسكت ماهيتاب طرف سترتها ، كأنها تعيد ترتيبها فقالت : – :" أه أه ماشى" بعد أن أنهت جملتها ، أولتها ظهرها ، فقامت بفتح الباب وولجت بتلك الابتسامة العريضة ، التى تسلب مالك عقله فصاحت بصوتها ذو البحة الرقيقة : –:" هاى مالك" قفزت دقات قلبه بعد سماع صوتها ، فما كان منه سوى أن أبدى ترحيبه بقدومها : –:" أهلا ماهيتاب نورتى الشركة" جلست ماهيتاب على مقعد أمام مكتبه الأنيق وهى تقول : – :" ميرسى يا حبيبى" جلس مالك بالمقعد المقابل لها ، وهو يقول بإبتسامة : –:" بس ايه سبب الزيارة السعيدة دى أنا كنت شوية وهكلمك" نقرت بأصابعها الرقيقة والنحيلة على طرف المكتب وقالت : – :" وحشتنى يا حبيبى جيت اشوفك ولا بلاش يعنى" قال مالك وهو يهم بالضغط على أحد أزرار التنبيه الموجودة على سطح المكتب ، من أجل إستدعاء نسرين : – :" يا سلام دا أنتى نورتى الدنيا كلها تشربى إيه" رفعت يدها تنهره بلطف عن طلب مشروب لها قائلة : –:" ميرسى يا حبيبى مش عايزة حاجة " رفع مالك يده عن الزر ، فأبدى إقتراحاً : – :" طب إيه رأيك نخرج نتغدا برا النهاردة" أماءت ماهيتاب برأسها موافقة وهى تقول : –:" أوك ماشى يلا بينا" نهضت عن مجلسها ، ووقف مالك أيضاً ، فسحب إحدى الملفات قائلاً : –:" طب ثوانى هدخل الورق ده لرفيق وأقوله إن أنا خارج معاكى علشان نتغدا" عندما إستمعت له يذكر شقيقه ، فأقترحت قائلة : –:" استنى اجى معاك اسلم عليه بقالى كتير مشوفتوش" تبسم لها مالك وقال : –:" ماشى يلا بينا يا حبيبتى" خرجا من غرفة مكتبه ، واتجها الى غرفة مكتب رفيق ، قام مالك بطرق الباب عدة طرقات مهذبة ، فسمع صوت أخيه يأتى من الداخل يقول بصوت رخيم : – :" ايوه ادخل" ولج مالك إلى الغرفة ، تتبعه ماهيتاب بخطوات متأنية ، فرفع رفيق عيناه عن الأوراق أمامه ، ونظر لشقيقه قائلاً بتساؤل : –:" ايوة يا مالك خير فى إيه" وضع مالك الأوراق أمامه وهو يقول بشئ من الفخر : –:" ده الورق اللى أنت كنت طالبه منى خلاص خلصته وكله تمام" فتح رفيق الملف يتفحص محتواه فرد قائلاً: –:" تمام يا مالك إزيك يا ماهيتاب" تقف تضع طرف نظارتها بين شفتيها باغراء ، تنظر إليه تراه يتحدث ، تتابع نظره عيناه وحركه يديه وجسده ، فياله من رجل يخطف الأنفاس ، فمنذ أول مرة رأته بها ، وهو كأنه سلب منها عقلها وأنفاسها فالتوى ثغرها بابتسامة من رؤيته وقالت : –:" هاى رفيق أنا تمام اخبارك ايه" رد رفيق بجدية تناسبه : :" تمام الحمد لله نورتى الشركة" تتابعت أنفاسها بهمس ، كأنها بالدقيقة التالية لن تكون قادرة على التنفس ، فخرج صوتها مبحوح : –:" ميرسى يا رفيق كلك ذوق بس بقالنا كتير مش بنشوفك يعنى" أجابها رفيق بهدوء : – :" أصلى مشغول شوية باباكى ومامتك اخبارهم ايه" قالت ماهيتاب بصوت أنثوى معبأ بإغراء : –:" تمام وبيسلموا عليك ونفسهم اوى يشفوك بيقولوا أنك وحشتهم أوى" رفع يده يرخى رابطة عنقه وقال : – :" ان شاء الله أبقى أزورهم فى أقرب وقت" –:" أنا هخرج اتغدا أنا وماهيتاب لو فى اي حاجة رن عليا" قال مالك عبارته وهو يتحرك ناحية الباب ، فى إنتظار أن توافيه ماهيتاب فرد رفيق قائلاً : –:" ماشى وياريت متتاخرش مع السلامة" انهى حديثه ، وعاد ينظر إلى تلك الأوراق أمامه ، كانت تقف هى غير منتبهة لإلحاح مالك بالنداء ، فعاد يقف بجانبها فعلا صوته قليلاً : –:" ماهيتاب ماهيتاب يلا بينا" أدركت بلاهتها بالتحديق المستمر برفيق ، فردت قائلة بأسف : –:" سورى يا مالك سرحت شوية بتقول ايه" أجابها مالك بصوت عاشق : –:" بقول يلا بينا نمشى علشان نتغدا" بادلته الإبتسام بإبتسامة أشد إغراءاً وقالت : – :" اه سورى يلا بينا باى رفيق" –:" مع السلامة" قالها رفيق بهدوء ،فهو لم يكلف نفسه عناء رفع رأسه ، فهو رد على حديثها ، بدون أن يرفع عينيه عن الأوراق الموضوعة أمامه أصابها الضيق من غطرسة هذا المتعجرف ، فلما لا ينظر لها عندما تحدثه ، ألا يعلم كم رجل يتمنى فقط أن تلقى عليه تحية الصباح وليس أن تتجاذب معه الحديث ، ولكن هو هكذا منذ معرفتها به ، كأنه خُلق من جليد ، فهى لم ترى إبتسامته إلا نادراً ، عندما تذهب لزيارة والدته أو شقيقته بالمنزل ، فهى لا تذهب لهناك إلا من أجل رؤيته ، فقلبها لا يرى أحداً غيره ، حتى وإن كانت خطيبة شقيقه ، فتتمنى أن تضع قلبها بين يديه ، وأن تتخذه هو زوجاً ، فكيف سيكون حالها ، عندما يتوددها هذا الرجل الجليدى ، فربما سيكون غزله وإطراءه يحمل طابع الخشونة ، وهذا ما يستميلها ، فعلى الرغم من عشق مالك لها ، لكنه لم يستطيع جعلها أن تشعر بكم تلك المشاعر التى تراودها بشأن شقيقه الأكبر _____________ تجلس أمام ذلك الجدول الصغير ، المملوء بالماء تضع قدميها به ، تبتسم على تصرفاتها الطفولية ، فهى ترى الفلاحين فى تلك الأراضى يزرعون بدأب ، فهى تعشق رؤية تلك الأراضى الخضراء ، فهى كأنها جنة على الأرض ، فهى نشأت على حب ذلك الجمال ، من المساحات الخضراء المزروعة بمختلف أنواع المحاصيل الزراعية ، فتذكرت والدها الحبيب ، فهو كان مهندساً زراعياً ، غرس بها حب الطبيعة والزراعة ، فتلك المساحة الشاسعة من الأرض ملك لهم ، فعائلة والدها توارثت تلك الأراضى من جيل إلى جيل ، حتى أصبحت هى وشقيقها ورثة لتلك الأراضى لم تفيق من ذكرياتها ، إلا على صوت يناديها ، فالتفتت إلى مصدر الصوت بابتسامة مشرقة ، فمن يناديها ابن صديق والدها ، ذلك الشاب الذى يُدعى ماجد ، وهو شاب يدرس بالسنة الخامسة بكلية الطب فتركت مكانها وهى تقول بسعادة : – :" ايه ده ماجد حمد الله على السلامة انتوا جيتوا أمتى" رد ذلك الشاب الوسيم ، الذى يميل جسده للنحول قليلاً وعيناه تتوارى خلف نظارة طبية أنيقة : – :" وصلنا امبارح بالليل" زاغت بعينيها عن وجهه ، وهى تشعر بحرارة شديدة تغزو وجنتيها من شدة الخجل ، فخرج صوتها ضعيفاً بإرتباك : –:" ومامتك وباباك وأخواتك أخبارهم ايه" أجابها ماجد مبتسماً من رؤية خجلها وإرتباكها الواضح : – :" الحمد لله كويسين بيسلموا عليكى وهييجوا النهاردة بالليل علشان يزوروا تيتة علية هى اخبارها إيه" زفرت ليان بصوت مرهق : – :" أهو الحمد لله نحمد ربنا على كل حال" شعر بالقلق من نبرة صوتها المرهقة ، فتساءل بإلحاح : – :" هى لسه تعبانة برضه يا ليان هى مش راحت للدكتور" سارت ليان بضع خطوات وهى تقول : – :"راحت وقال لازم ليها الراحة ومتتعبش نفسها خالص وتيتة مبتسمعش الكلام" وضع مسافة أمنة بينهما وهو يقول : – :" ربنا يشفيها يارب ها وأنتى أخبارك إيه" قالت ليان بخجل شديد : – :" الحمد لله كويسة والنتيجة قربت تظهر" ضبط وضع نظارته على عيناه ، كأنه يشعر بالخجل هو الأخر فقال بتمنى : –:" إن شاء الله على خير و أنتى لما تدخلى جامعة القاهرة لازم تيجى تقعدى عندنا على ما تخلصى دراسة" كورت ليان قبضة يدها ، لعلها بذلك تستمد القوة ، التى تفتقر لها برؤياه : –:"إن شاء الله هبقى اقعد فى المدينة الجامعية" حرك ماجد رأسه برفض وقال : – :" يعنى تقعدى فى المدينة الجامعية وبيت عمك محسن موجود عيب عليكى يا ليان ولا أنت بتعتبرينا أغراب عنكم" نظر إليها فخفضت نظرها أرضاً ، يتلون وجهها بألوان قوس قزح ، فهى عندما تراه ، لا تعلم ما يصيبها ، فهى تشعر بمشاعر الحب نحوه ، ولما لا فهى تعرفه منذ أن عرفت معنى الحياة ، ولكنه لا يعلم بما تكنه له فى قلبها ، ولا يعلم أحد فهى لم تبوح له بذلك ، فذلك الشعور مكنون بداخل قلبها ، وتريد منه المبادرة أولاً ، وليست أى مبادرة ، فهى تريده أن يأتي لخطبتها أبتسم لها بخجل هو الآخر ، فهو يريد أن يبوح بما فى قلبه، ولكنه لا يستطيع الآن ، فهو يريد أن ينتهى من دراسته ، حتى يكون جديرا بها ويستطيع الفوز بتلك الفتاة ، التى يراها اجمل فتاة بعينيه ، ولما لا فهى حباها الله ذلك الجمال الممزوج بالقبول لدى الأخرين ، فبها شئ لا يصمد أمامه أحد كثيراً ، كأنها لغز يحير الناظرين إليها فخلف إحدى الشجيرات ، كان يقف ذلك الشاب الذى تشاجرت معه بالسوق ، بل إنها صفعته على وجهه ، رفع يده يتحسس مكان تلك الصفعة وهو يتوعدها فنظر إليهما بشر وقال : – يعنى بتضربينى بالقلم ودايرة على حل شعرك ، إما رديتلك تمن القلم ده غالى وخليت سمعتك على كل لسان مبقاش أنا يا بنت إلهام أخرج هاتفه من يده ، ذلك الهاتف الذى توسل أبيه من أجل شراءه ، وهو يمنيه بأن حلمه بالاستيلاء على تلك الأراضى التى تخص عائلة ليان ، ستكون بقبضة يده قريباً ، بل أنهم هم من سيتوسلونه بالزواج منها ، ففرح الأب فرحاً شديداً ، بما قاله الإبن ، وعمل على توفير كل ما يلزمه من أجل تحقيق ذلك الحلم ، الذى راوده منذ سنوات طوال ، فتلك الأراضى هى الأخصب والأكثر إنتاجاً للمحاصيل الزراعية بالبلدة بأكملها ، وليس هذا فحسب فالأراضى التى لم يتم زراعتها ، أصبحت اليوم تباع بمبالغ مالية كبيرة أصدر الهاتف صوتاً منخفضاً دليلاً على إلتقاط العديد من الصور ، التى هو بحاجة إليها ، من أجل إتمام خطته على الوجه الأكمل ، فتفحص الصور الصورة تلو الأخرى ، وإبتسامته تزداد إتساعاً فقال بوعيد : – شوفى بقى اللى هيجرالك يا ليان أنتى والحبيب بتاعك ولما تشوفى أنتى المفاجأة اللى محضرهالك وأكيد هتنبسطى منها أوى وضع الهاتف بجيبه وغادر مكانه ، بعدما رآها تودع ماجد ، عائدة إلى منزلها ، وذهب ماجد بطريقه هو الآخر وصلت للمنزل وأدارت مقبض الباب ، تلج بصياح كعادتها دائماً ، ولكنها وجدت شقيقها باسم يقترب منها بوجه شابه الإصفرار ، فجسده وشفتاه يرتجفان ففزعت من رؤية وجهه ، فأقتربت منه تتحسس وجهه وهى تقول : – باسم مالك فى إيه وشك مصفر ليه كده حصل إيه فى إيه يا أبنى مالك رد عليا تلعثم باسم بقوله : – أاالحقى يا ليان فى مصيبة ٣–" ذكرى ودموع " خمس دقائق كاملة ، أستغرقها أمر إفاقة جدتها ، من نوبة الإغماء ، التى زارتها اليوم ، وأصبحت تعانى منها بكثرة فى الآونة الأخيرة ، فهى جالسة على الأرض ، تضع رأس جدتها على ساقيها ،وعيناها تذرف الدموع ، ولكن يداها عملت على تدليك يديها ، لتسرى الدماء بهما ، ونثرت من العطر ، الذى ناوله إياها شقيقها باسم فهتفت برجاء وصوت باكى: – تيتة فوقى بالله عليكى فوقى أنتحبت بكثرة ، ولكن تبسمت من بين دموعها ، وهى ترى جدتها تحرك رأسها ببطئ ، ففتح عيناها بإرهاق وتعب ، فنادتها بصوت خافت لتجعلها تكف عن نحيبها: – ليان حبيبتى أنا كويسة بطلى عياط ضمت ليان جسد جدتها بقوة ، دافنة وجهها بصدرها ، فالوسواس الذى نخر عقلها منذ دقائق ، من أن جدتها ستفارقهما للأبد ، جعلها تشعر بتمزق فؤادها ، فهى وشقيقها ليس لهما بعد الله سواها ، لذلك فهما يخشيان عليها من إصابتها بمكروه ، ناتج عن مرضها الذى تعانى منه أمرت ليان باسم بأن يساعدها على وجه السرعة ، بإسناد جدتها لإيداعها بفراشها ، ويذهب لجلب طبيب البلدة فأبدت علية رفضها لذلك بقولها : – ملوش لازمة الدكتور أنا كويسة يا حبيبتى هو بس حسيت بدوخة ووقعت ودلوقتى هبقى كويسة متقلقوش حتى وإن حاولت تهدئة خوفهما ، فليان لم تستطع الإقتناع بما قالته فعاودت إلحاحها لباسم قائلة : – لاء يا باسم روح شوف الدكتور وهاته معاك بسرعة قبل أن يبتعد باسم ، كانت جدته الأسرع بإلتقاط ذراعه ، فهتتفت به بوهن : – والله ما أنت رايح فى حتة أسكتوا بقى أنا كويسة ، روحى بس يا ليان أعمليلى حاجة أكلها من إيدك الحلوة وأنا هبقى كويسة وغلاوتى عندكم تسمعوا الكلام حاولت علية بشتى الطرق ، إثناءهما عن قرارهما ، فلم تجد ليان مفر سوى الذهاب للمطبخ ، وإعداد الطعام لها ، فوقفت ليان أمام الموقد ، تعمل على تحضير الحساء ، الذى تحب جدتها إحتساءه دائماً ، ولكنها شردت بتفكيرها بما حدث لها اليوم ، منذ مقابلتها لماجد حتى عودتها للمنزل ورؤية جدتها فاقدة للوعي ، ولم يرحمها عقلها من كثرة التفكير ، بأن كيف سيكون مصيرها هى وشقيقها ، إذا رحلت جدتها عن عالمهما ؟ فبتلك الخاطرة ، عادت دموعها تنسكب بغزارة على وجنتيها ، التى أصابها الشحوب ،منذ سماع شقيقها باسم ، يخبرها بماحدث لجدتها ______________ ولج أكمل إلى مكتب صديقه ، بتلك الملامح العابسة ، التى أصبحت ملازمة له دائما ، فعندما رآه رفيق ، علم أن ربما أكمل تشاجر مع زوجته كعادتهما فنظر إليه نظرة عابرة قبل أن يعود للأوراق أمامه وقال : –:" مالك داخل وشك مقلوب وبتقول يا شر اشتر ليه كده" أرتمى أكمل على المقعد وهو ينفخ بضيق فعلا صوته بعصبية: –:" الله يخرب بيت الجواز على اللى يفكر يعملها يا اخى " تبسم رفيق قائلاً بسخرية : –:" وهو حد كان قالك اعملها يا اخويا" ضرب أكمل بيده على سطح المكتب وهو يقول : – :" قلة عقل غباء منى مكنتش عارف يوم فرحى تسمنى ولا تضربنى بالنار يا رفيق" رفع رفيق رأسه ، وشخص ببصره له قائلاً بهدوء : –:" يا ساتر يارب ليه ده كله شكل خناقة النهاردة كانت كبيرة اوى" وضع أكمل رأسه بين يديه مغمغماً : –:" أنا اتخنقت مبقتش قادر يا رفيق" –:" خلاص طلقها يا أكمل طالما مش مرتاح" قالها رفيق بجدية ، فرفع أكمل رأسه ينظر إليه قائلاً –:"طب وبنتى يا رفيق اسيبها لشهيرة علشان تطلعها نسخة منها والبنت بعد كده تكرهنى " إستند رفيق بظهره لمقعده قائلاً : –:" خلاص حل امورك مع مراتك بالتفاهم" حرك أكمل رأسه عدة مرات قبل أن يقول : –:" مبتتفاهمش اطلاقا اللى فى دماغها بس بتمشيه حتى لو على حسابى أنا وبنتها" زفر رفيق بقلة حيلة قائلاً : –:" مش عارف اقولك ايه" صاح أكمل قائلاً بدون وعى : –:" قولى انت غبى يا أكمل" تبسم رفيق رغماً عنه وقال : –:" ما دى أنا عارفها من غير ما أقول" لمحة مستاءة أضاءت عينى أكمل ، إلا أنه استطاع القول : –:" والله انت طلعت عاقل وسيد العاقلين انك مش راضى تتجوز" طافت عين رفيق بغرفة مكتبه فقال بصوت خالى من الشعور : –:" اتجوز ايه ياعم كده حلو اوى اتجوز وامشى اكلم نفسى زيك لاء أنا كده حلو اوى بلا جواز بلا هم يعنى اللى اتجوزوا أخدوا إيه" –:" يا بختك يا رفيق" قالها أكمل بشعور طفيف من الحسد ، على أن صديقه لم يسقط بذلك الفخ ، الذى سقط هو به سابقاً هتف به رفيق قائلاً بما يشبه الأمر : –:" انت هتنق عليا كمان قوم شوف شغلك فكر دلوقتى فى شغلنا مشاكل البيت خليها لما نبقى فاضيين نبقى نتكلم " عبس أكمل قائلاً : –:" بلاش افضفض يا اخى ايه ده انا لو فضلت كده هطق يا رفيق" رفع رفيق حاجبه لإغاظة صديقه وقال : – :" طق بعد الشغل عايزين نشوف شغلنا ممكن ولا مش ممكن" جز أكمل على أنيابه بغيظ وقال : –:" يا ساتر عليك يا رفيق دا انت ايه ده مفيش احساس ولا شعور بمعاناة صاحبك وصديق عمرك" وضع رفيق الأوراق بترتيبها اللازم قائلاً : –:" لاء فى بس كل حاجة وليها وقتها احنا دلوقتى فى الشركة يبقى وقتنا وتركيزها فى شغلنا نخلص يبقى نتكلم براحتنا فى مشاكلك اللى ما بتخلصش" كسا وجه أكمل إحمراراً من فرط شعوره بالغيظ ، فهتف به من بين أسنانه : –:" أنا رايح مكتبى قبل ما اتشل من برودك يا رفيق" تبسم رفيق بسماجة قائلاً: –:" سلامتك من الشلل يا صاحبى" عقد أكمل حاجبيه ، امتعاضاً من حديث رفيق معه ، الذى لا ينفعل بأى شكل كان ، فهو بارد بحديثه ، لايوجد شئ يخرجه من هذا الصقيع الذى فرضه على نفسه فرفع أكمل شفته العليا مدمدماً : – :" دا برود القطب الشمالي ميجيش حاجة فى برود اعصابك يا رفيق يا ساتر يارب" رفع رفيق إحدى حاجبيه الكثيفين ، ينظر إليه بنظرة ماكرة ، علم أكمل أنه ربما الآن سيصدر منه رد فعل غير متوقع ، وبالفعل رأه يمد يده يسحب إحدى تلك التماثيل الصغيرة الموضوعة على مكتبه فجحظت عين أكمل قليلاً وهو يحذره : –:" إياك تخبطنى بالتمثال اللى فى ايدك ده هكسر المكتب على دماغك" هب رفيق واقفاً وهو يصيح به : –:" تكسر المكتب على دماغ مين يا بتاع انت" أشار إليه أكمل بسبابته قائلاً : –:" أنا بتاع اهو انت دا بدل ما تواسينى عايز تخبطنى بالتمثال" عاد رفيق للجلوس ثانية على مقعده وقال : –:" يمكن عقلك يرجعلك تانى وتبطل اللى انت بتعمله ده وكل يوم والتانى جاى الشركة بوشك المقلوب ده اللى يقفل ابواب الرزق " اتجه أكمل ناحية الباب وهو يقول : – :"روح يا شيخ ادعى عليك بأيه بس الساعة دى" رفع رفيق يده يشير له بالإنصراف قائلاً : –:" امشى غور يلا روح خلص شغلك" طاف الحزن بعين أكمل فقال : –:" هغور يمكن الشغل ينسينى الهم اللى أنا فيه شوية واللى شكلى هفضل فيه طول عمرى لحد شبابى ما يروح" أماء رفيق رأسه مؤيداً لحديثه : – :"خير ما تعمل يلا بقى امشى من قدامى خلينى اخلص شغلى أنا كمان" –:" مفيش حاجة فى دماغك ولا على لسانك غير الشغل وبس صدق كلام الموظفين عليك" قال أكمل عبارته وأستند على مقبض الباب فهتف رفيق بسخرية : –:" إن أنا واحد معندوش قلب ولا احساس ومش عايز غير مصلحتى وبس" فى محاولة من أكمل لإثارة حنقه هتف به مدعياً الجدية : – :" وهى دى مش الحقيقة ما أنت ساحل الكل علشان خاطرك وأنا ومالك أخوك خير دليل دا أنت حتى مش راحمنا يا أخى" أجابه رفيق بعدم إكتراث لما قاله : –:" وانا مبسوط ومرتاح بنفسى كده وميهمنيش اللى بيقولوه عليا كلامهم لا هيقدم ولا هيأخر كله كلام فاضى " هو يعلم جيداً مايدور بين العاملين بالشركة ، ويعلم أيضاً تلك الألقاب التى يطلقونها عليه ، من أنه رجل بلا قلب ، أو رجل مجرداً من كل شعور إنسانى ، فعندما يسمع ذلك ، جل ما يفعله ، أن يلتوى تغره بابتسامة ساخرة لا أكثر ______________ ولجت الى غرفتها ، بعد أنتهاءها من الاغتسال ، نظرت لذلك الرجل ، الغارق بنوم عميق ،فتبسمت ابتسامة خفيفة ،وأقتربت منه لكى توقظه فوكزته بخفة بذراعه وهى تقول بصوت هامس: –:" فاروق فاروق اصحى بقى يا حبيبى بقينا العصر" خرج صوت فاروق ناعساً وهو يقول : –:" عايزة ايه إلهام سبينى انام بقى يوووه" هزت ذراعه وهى تقول : –:" يا راجل قوم بقى بقولك بقينا العصر يوه دا ايه دا بقى" اعتدل فاروق بفراشه متأففاً ، يزفر بضيق شديد ، ونظر لتلك المرأة ، التى تزوجها منذ أكثر من عشرة أعوام ، بعدما توفى عنها زوجها سحب علبة سجائره ، ووضع أحدها بفمه وأشعلها وهو يقول : –:" ادينى صحيت عايزة ايه بسلامتك" وقفت إلهام أمام منضدة الزينة ، تمشط شعرها ، فنظرت لإنعكاس صورته بالمرأة ، فهتفت به قائلة : –:" أنا عايزة أقولك أنا هسافر البلد علشان أشوف ولادى بقالى فترة كبيرة اوى مشفتهمش" عندما سمع فاروق ذلك ، انتبه على كلامها أكثر ، فهى بنيتها أن تزور أبناءها ، فلما لا يذهب معها ، ويرى تلك الفتاة ،كيف اصبحت الآن؟ فهى كل يوم تزداد جمالاً ،فهو عندما يراها يسيل لعابه عليها ، كالكلب الذى يلهث، غير عابئ بأن ما يفعله من المحرمات والكبائر ، ولكنه شخص فاسد فاسق يسيطر عليه شيطانه اللعين فتبسم إبتسامة ذات مغزى قائلاً : – :"وتروحى لوحدك ليه انا هسافر معاكى البلد علشان تشوفى ولادك دول واحشنى اوى أنا كمان" إبتسمت له إلهام وهى تهتف بسعادة : –:" بجد يا حبيبي هتسافر معايا" أجابها فاروق بتأكيد : –:"طبعا ودى عايزة كلام يا حبيبتى" أقتربت منه وجلست بجواره على السرير ، فألتفت ذراعيها حول عنقه بابتسامة وهى تقول : –:" ربنا يخليك ليا يا حبيبي" قال ومكر يطل من عيناه : –:" ويخليك ليا يا حبيبتي أنتى هتسافرى امتى علشان أفضى نفسى" همست إلهام بحوار أذنه : –:" إن شاء الله على أخر الأسبوع كده" إحتواها بين ذراعيه وهو يشخص ببصره لها ، وكأنه يرى ظل إبنتها بعيناها : –:" حلو اوى كده يكون الواحد فضى نفسه من الشغل برضه" فهو يمنى النفس برؤيتها ، رؤية تلك الحورية الصغيرة ، التى بسبب إصرار جدتها ، لا تأتى للعيش معهما ، أفكار وأفكار تدور بذهنه ، فربما تلك الفتاة ستكون بمثابة ، مفتاح كنز سينهال عليه بسب جمالها ________________ بعد مرور يومان .... جالسة كعادتها بمكانها المفضل ، أمام جدول الماء ،تدندن بصوتها العذب ، فلمحت قدوم أخيها إليها ، فجلس بجوارها يضع قدميه فى الماء هو أيضاً فلبط الماء بقدميه قائلاً : –:" أنتى حضرتك قاعدة هنا وانا وتيتة عاملين ندور عليكى" نظرت له ليان بإهتمام وقالت : :" ما انتوا عارفين أن ده مكانى المفضل ودائما هتلاقونى هنا" رفع باسم قدميه من الماء وهو يحثها على النهوض : –:" طب يلا يا أختى علشان تيتة عيزاكى" رفعت هى الأخرى قدميها ، وإستقامت بوقفتها وقالت: –:" ليه فى حاجة ولا ايه تيتة تعبت ولا حاجة يا باسم" حرك باسم رأسه نفياً قائلاً : –:" لاء هى كويسة بس قالتلى اشوفك فين علشان عيزانا بس مش عارف ليه" أماءت ليان برأسها وهى تقول : –:" طب يلا بينا نرجع البيت نشوف تيتة عايزة ايه" أرتدت حذاءها ، وانطلقت متجهة الى المنزل ، لمعرفة ماذا تريد جدتها منها هى وشقيقها ، فهى تخشى أن يكون هناك شئ غير سار فى انتظارها عادت الى المنزل تنادى بصوتها الخلاب على جدتها فهى تفتعل صخباً عاليا دائما عندما تدلف الى المنزل فصاحت تناديها : –:" يا لولو يا لولو انتى فين" وكزها باسم بذراعها وهو يقول : –:" ما بس بقى يا ليان صوتك جايب لآخر الدنيا" جذبت اخيها من شعره وهى تقول : –:" بس ياض انت انا ازعق براحتى وأعلى صوتى براحتى " خرجت علية بابتسامة عريضة، بعد سماع صوت حفيديها فهى تعشقهما وخاصة تلك الفتاة فتبسمت لها وقالت: –:" ايه يا عين لولو انتى كنتى فين" رفع باسم شفته العليا قائلاً : –:" هتكون فين يعنى قاعدة عند الأرض وحاطة رجليها فى الماية وبتلعب زى عوايدهاواحنا نقعد ندور عليها فى كل حتة" أمتعضت ليان من حديث شقيقها ، فخاطبت جدتها قائلة : –:" شايفة يا تيتة باسم بيقول ايه" أخذتها علية بين ذراعيها وهى تربت عليها بحنان : –:" عنده حق يا ليان انتى مبقتيش صغيرة انتى بقيتى عروسة دلوقتى ومينفعش بقى تروحى وتقعدى هناك كده الناس تقول عليكى ايه" عقدت ليان ذراعيها وهى تقول بتذمر : –:" أنا كنت قاعدة عند الأرض بتاعتنا والناس عارفة أنها أرضنا" داعبت علية ذقنها وهى تقول : –:" بس فى فلاحين شغاليين فى الأرض وانتى يا حبيبتى بسم الله ماشاء الله زى القمر علشان محدش يقل أدبه معاكى او حد يعاكسك" تبسمت لها ليان وهى تقول : –:" خلاص يا تيتة مش هروح الا وباسم معايا" رد باسم بإستنكار : –:" نعم دا على كده مش هنرجع من هناك لاء يا حبيبتى شوفى حد غيرى" حدجته بنظرة غاضبة وعادت تنظر لجدتها قائلة : –:" وهو أنا ليا مين غيركم يعنى المهم دلوقتى كنتى عايزة ايه منى يا تيتة وبعتالى باسم" أخذتها عليه من ذراعها ، وأجلستها بجانبها على الأريكة ، فأزدردت لعابها قبل أن تقول : –:" فى موضوع مهم عايزة اكلمك فيه الجنينة الشرقية أنا هعرضها للبيع" سمعت ليان ذلك ، هبت واقفة ، كمن لدغها عقرب سام ، بعد سماع كلام جدتها ، فتلك الرقعة من الأرض هى الأحب لقلبها فهى كانت مكان والدها المفضل فخرج صوتها مشدوهًا وهى تقول : –:" انتى بتقولى ايه يا تيتة تعرضى الجنينة الشرقية للبيع ازاى يعنى وانتى عارفة إن الجنينة دى كانت اكتر مكان بابا بيحبه وانا كمان بحب الجنينة دى أوى" تغشى الحزن عين علية وهى تقول بصوت أشد حزناً : –:" حبيبتى الجنينة خلاص مبقاش ينفع يتزرع فيها تانى حتى الشجر لازم يتقطع خلاص مبقتش تنفع" وجدت دموعها تتساقط ، فالذكرى المتبقية من والدها الحبيب ، سيتم بيعها ، فكيف ذلك ؟فهى لا تتخيل أن يحدث هذا وجدتها علية تبكى ، فقامت باحتضانها ، فهى أيضا حزينة لبيع تلك الأرض ، ولكن لا تملك ما تفعله ، فهى لا تريد أن يطمع زوج أمها بتلك الأرض ربتت على ظهرها بحركات متتابعة وهى تقول : –:" أنا هبيع الجنينة وحقها هحطهولكم فى البنك باسمكم علشان محدش يقدر ياخد منك الفلوس دى ولا أنه يبيع الجنينة بعد ما اموت وياكل حقكم ثم هيكون فى أرض تانية زراعية أنا هبيع الجنينة بس" بكت ليان بقهر قائلة : – :"بعد الشر عليكى يا تيتة متقوليش كده" تنهدت علية بقلة حيلة وقالت : – :" وانا مش سهل عليا أبيع الارض يا ليان بس انتى شايفة باسم لسه صغير ومفيش حد يهتم بيها ويراعيها وكمان انتى عارفة انا لو مت هتلاقى كتير طمعانين فيكم وفى ارضكم فالفلوس تبقى باسمكم احسن لأن الجنينة سعرها أغلى من باقى الأرض" بالرغم مما سمعته ليان من جدتها ، الا أنها لم تمنع نفسها من البكاء ، فركضت إلى غرفتها لإكمال بكاءها فترك باسم مكانه وجلس بجوار جدته قائلاً : –:" وبعدين يا تيتة ليان مش هتبطل عياط علشان بيع الارض" أطرقت علية برأسها أرضاً وهى تغمغم : – :" أعمل ايه بس يا باسم أمر الله" فى غرفتها كانت تبكى ، فتركت الفراش ، وفتحت خزانة ثيابها ،فأخرجت ألبوم الصور ، الخاص بها هى ووالدها الحبيب، ظلت تنظر الى الصور بدموع غزيرة ، ولكن ماذا تفعل ؟ فهى على دراية بأن جدتها ، تعلم الصواب فهى لا يخفى عليها أيضا أطماع زوج والدتها ______________ فى أحد الملاهى الليلة ، ذلك المكان الذى يرتكب فيه ، أبشع انواع الحرام ، من سُكر وعربدة وعُرى وغضب للواحد القهار جلس ذلك الرجل ينفث سيجاره ،وهو يرى بعض الفتيات اللواتى يعملن لديه ، وصوت ضحكاتهم الخليعة تملأ المكان ابتسم ابتسامة عريضة ، فهو يجنى أموالاً كثيرة من ذلك المكان البغيض فلمح دلوف امرأة هو يعرفها جيداً ، فصاح بترحيب : –:" ايه ده المعلمة توحة بذات نفسها عندى النهاردة" تشدقت توحة بعلكتها وهى تقول : –:" ازيك يا فاروق اخبارك ايه محدش بيشوفك يعنى" رفع فاروق يشير بيده للمكان قائلاً : –:" مشاغل يا معلمة توحة وأنتى عارفة احنا فى سيزون والشغل بيبقى عامل إزاى فى الوقت ده" جلست توحة على مقعد بإحدى الطاولات ، فأشارت إليه بالجلوس وهى تقول : –:" انا عايزة كام بنت من عندك عندى حفلة كبيرة ودى مفيهاش اى ناس دول شيوخ عرب" أشار فاروق لعينه اليمنى ، ثم اليسرى قائلاً: –:" عنيا الاتنين يا معلمة توحة المكان تحت أمرك البنات كلها اهى اللى تعجبك خديها" ظلت توحة تجيل بنظرها فى المكان يمينا ويساراً ، تقيم الفتيات ، ولكن لم تجد سوى فتاة أو أثنتان يصلحان لتلك المهمة المهينة فحركت رأسها مستاءة : –:" دول مفيش غير بنتين بس يا فاروق اللى ينفعوا والباقى كسر مينفعش" نفث فاروق دخان سيجارته وهو يقول : –:" أعمل إيه بقى يا معلمة ده اللى موجود" تلمست يده الموضوعة على الطاولة قائلة : –:" أنت مال ذوقك كده بقى وحش شوفلك كام بنت حلوين يشغلوا المكان أنت كده الكبارية بتاعك هيضرب " حك فاروق جبهته بتفكير : –:" هو فى بنت اااه يا معلمة لو شوفتيها هتقعد البنات دول فى البيت ولا صوتها وهى بتغنى عندليب" إبتهجت توحة بسماع ما قاله ، فقالت بحماس : –:'' هى فين البت دى يا فاروق هاتها اشوفها" –:" دى للاسف مش تحت ايدى دلوقتى بس مسيرها تقع تحت ايدى يا معلمة" قال فاروق عبارته ، وهو يجيل ببصره فى المكان فنظرت له توحة وتساءلت : –:" انتى تعرفها منين دى يا فاروق" أمتنع فاروق عن إجابتها عن من تكون تلك الفتاة ، ولكنه قال : –:" ها أعرفها وخلاص بس صدقيني لو البنت دى اشتغلت معانا مش هلاحق انا وانتى على الشغل ويبقى عندى بدل الكباريه أتنين" رفعت توحة حاجبها بعدم تصديق وقالت : –:" انت شوقتنى اشوفها يا فاروق" دمدم فاروق بأمل وتمنى : –:" مش اكتر منى يا معلمة توحة بس هانت فات الكتير مبقاش إلا القليل" سبح بأفكاره ببحر المفاسد ، فتلك الفتاة التى يريدها بوابة لعبوره الى حلم الثراء ، ماهى إلا إبنة زوجته ، فإلهام ساهمت بأن يكون لديه ذلك الملهى الليلى ، فهى ترك أبناءها من أجل رجل ، جردها من كل ما تملكه ، وليس هذا وحسب ، بل وصل به الأمر ببداية زواجهما ، أن تعمل إلهام كراقصة ، وبعد أن حصل على المال اللازم ، افتتح ذلك الملهى الليلى ، ولكن أطماعه لم تنتهى لهذا الحد ، فربما هناك فرصة جديدة ،ليحصل على مزيد من المال ، فهو ينتظر فقط أن تصبح ليان بقبضة يده _______________ نظر رفيق لساعة معصمه الثمينة ، فتذكر ذلك الموعد ، مع البائع الذى سيوافيه بالساعة الخامسة ، فى أحد المطاعم لإنهاء تلك الصفقة ، المتقف عليها بينهما بعد أن ترك مكتبه ، وقبل خروجه ، سمع رنين هاتفه الجوال ، فأخرجه من جيبه ،نظر بغرابة للهاتف ، فالرقم الذى يهاتفه لا يعلم من يكون صاحبه ، ففتح الهاتف قائلاً بهدوء : – ألو أيوة مين معايا – أزيك يا رفيق وحشنى صوتك أخترقت تلك الجملة مسامعه ، فذلك الصوت الأنثوى ، يعلمه عن ظهر قلب ، ولكيف كيف أستطاعت الوصول إليه فعقد حاجبيه وخرج صوته حاداً وهو يقول : – أنتى عايزة منى إيه وجبتى رقمى منين جاءه الرد على الطرف الأخر : – دى حاجة بسيطة يا رفيق ولا نسيت أنا مين نفخ بضيق وهو يقول : – خير نعم عايزة منى إيه تانى – أنا بس كنت حابة أسمع صوتك علشان وحشنى أوى بذمتك أنا كمان مش وحشاك هكذا بكل بساطة تخبره بإشتياقها ، فهل هى لم تعد تتذكر ما فعلته به فالتوى ثغره ساخراً : – لا بجد الكلام ده بعد السنين دى حسيتى أن أنا وحشك كده مرة واحدة ، ثم هو فين المحروس جوزك – أنت متعرفش إن أنا أطلقت يا رفيق ، أفتكرتك متابع أخبارى زى ما كنت متابعة أخبارك صوتها مازال ناعماً ، كملمس الحرير ، ولكن قبل أن يجعلها تتمادى أكثر ، كان هو قاطع الحديث بينهما بقوله : – لاء مش متابع ومش عايز أعرف عنك حاجة سلام أغلق الهاتف ونظر له بغيظ ، وتلك النيران عادت لتشتعل من جديد بقلبه ، فلما عادت هى الآن ؟ شعر بأن قدميه أصابتها رجفة خفيفة ، فجلس على أقرب مقعد وجده ،ريثما يهدأ قليلاً فأسند جبهته على كفيه المضمومين ، ومازال عقله يفكر بأسباب عودتها ، فربما عادت لتعكر صفو حياته ثانية ، فرأى أنه من الأفضل أن يذهب لموعده ، لإتمام تلك الصفقة ، فالعمل قادر على أن يجعله ينسى ماحدث منذ قليل فخرج من مقر عمله ، وأستقل سيارته ، ببادئ الأمر ظل شارداً ، ولكن بوصوله للمطعم ، نفض ذهنه عن كل ما يفكر به ، فوجد رجل أشيب بإنتظاره ، فبعد التحية ،جلس رفيق وبدأ الحديث معه والتفاوض بشأن تلك الأرض محل البيع فبعد حصول رفيق على موافقة الرجل ، لبيع الأرض وتم إمضاء العقود ، وحصول الرجل على نقوده ، رحل البائع ، بينما ظل رفيق جالساً بعض الوقت ، عيناه تتابع حركة السيارات والمارة بالخارج ، ولكن أشتم رائحة عطر أنثوى ، كأن صاحبته أصبحت تجلس بمكان قريب منه لم يستدير برأسه إلا عندما سمع ذلك الصوت الأنثوى الخلاب يهتف به: – إيه رآيك فى المفاجئة دى يا حبيبى ٤–"خواء قلب " جالسان وجهاً لوجه ، يحتسى هو قهوته ببرود ، بينما هى تبتسم له من حين لأخر ، وهى ترتشف من كوب المشروب خاصتها ، فكم بلغت سعادتها عنان السماء ، عندما وجدته ما زال جالساً ، ولم يذهب بعد رؤياها ، فربما مازال لها ذلك التأثير على وجدانه فوضعت الكوب من يدها وإبتسامتها تزداد إتساعاً كلما رآته يرمقها بهدوء فتساءلت بإهتمام : – مقولتليش يا رفيق أخبارك ايه دلوقتى وبتعمل ايه فى حياتك بعد ما أفترقنا إستدار برأسه ينظر للخارج عبر الزجاج وهو يقول بفتور : – مبعملش حاجة غير الشغل يا ليلى بس إيه اللى فكرك بيا دلوقتى وبعد السنين دى كلها مدت يدها فى محاولة للمس يده ، فسحبها سريعاً قبل أن تمسها ، فتهدج صوتها بحنين : – علشان وحشتنى يا رفيق وعرفت قد إيه كنت غلطانة لما سيبنا بعض زمان ، رفيق أنا لسه بحبك إستمع لحديثها للنهاية ، بينما ملامح وجهه صلبة ، لا تنم على شئ ، مما جعلها تشعر بغرابة موقفه ، فهى ما زالت تتذكر كيف كان حاله عندما أخبرته بحبها له ، فهو لم يتوانى عن إخبارها بحبه وعشقه الجارف لها ، وأنها هى من تمنى أن تصير له زوجة ، ولكن من تراه الآن ليس هو ، فربما السنوات الماضية ، أكسبته المناعة الكافية ، لعدم التأثر بها فأرتجفت شفتيها وهى تقول : – ررفيق مبتردش عليا ليه لم يكن منه رد ، سوى أن نهض من مكانه ، ومد يده بداخل سترته ، وأخرج نقوداً وضعها على الطاولة ، ولم ينسى أن يلقى بتلك الجملة قبل رحيله : – سيبك من الماضى يا ليلى أنا مبقتش رفيق اللى كنتى تعرفيه وأه لو الجرسون جه أبقى حاسبيه الفلوس أهى رحل بعدما أنهى حديثه ، فنظرت لأثره وهى تكافح لصد تلك العبرات ، حتى لا تنزلق من عينيها ، فحاولت بلع إهانته ، فحقاً هو لم يعد كما كان ، ولكن لما زاد إصرارها بأن لا تتركه بحاله ، حتى يعود إليها ذلك العاشق والمدله بغرامها ______________ يجلس ذلك الشاب ، هائماً بتلك الحورية ، التى يتمنى أن تنتهى سنوات دراسته سريعاً ،حتى تصبح ملكه ، فانتبه على فتح باب غرفته ، ولم يكن القادم سوى والدته وتدعى صابرة تبسمت له وأقتربت من مجلسه قائلة : –:" مالك يا ماجد قاعد ليه كده" رفع ماجد وجهه لها وهو يقول : –:'' فى حاجة يا ماما" ربتت على كتفه بمحبة قائلة : –:" تعال يا أبنى علشان تاكل مالك كنت سرحان فى ايه" إزدرد ماجد لعابه ، يخشى أن تكون والدته أنتبهت على سر إعتكافه بغرفته ، فأجابها بتوتر : :" مفيش حاجة يا ماما يلا بينا" خرج ماجد من الغرفة ، يسير خلف والدته ،جلسا على طاولة الطعام ، فقد كان بانتظارهما والده واشقاءه الصغار وضع والده من الطعام بفمه ، وبعدما إبتلع تلك اللقيمات ، هتف بهم قائلاً: –:" إحنا هنروح نزور الحاجة علية النهاردة يا صابرة" لوت صابرة فمها قائلة بنزق : –:'' ونروح نعمل ايه يعنى يا محسن" قطب محسن حاجبيه قائلاً: –:" هنروح نزورها ومتنسيش أنا بعتبرها زى أمى وإبنها سامى الله يرحمه كان من أعز أصحابى" أيده ماجد بقراره قائلاً بحماس : –:" ماشى يابابا نروح نزورهم وأشوف تيتة علية أصلها وحشتنى" هتفت صابرة بمكر : –:" تيتة علية برضه ولا تشوف ليان يا ماجد" علقت غصة بحلقه من سماع قول والدته ، فرد قائلا بتوتر : –:" قصدك ايه يا ماما" ألقت صابرة الملعقة من يدها وعلا صوتها قليلاً وهى تقول : –:" قصدى اللى فى دماغك تشيله أحسن لأن بنت إلهام مش هتدخل بيتى يا ماجد" أحتدمت ملامح وجه محسن ، فرد قائلاً : –:" فى ايه يا صابرة مالها ليان بنت محترمة ومؤدبة" رفعت صابرة حاجبها وهى تقول : –:" اه وأمها سابتها من وهى بنت ٨ سنين وراحت اتجوزت واحد ربنا اعلم بيه ولا نسيت الكلام اللى داير عليها فى البلد" نظر لها ماجد وقال : –:" وليان ذنبها ايه فى ده كله" أحمر وجه صابرة وهى تقول بإنفعال حاد : –:" أنا قولت وخلاص البنت دى مش هتدخل بيتى يعنى مش هتدخل بيتى دا المثل بيقولك أقلب القدرة على فومها تطلع البت لأمها" ضرب محسن بيده على المائدة ، لعلها تكف عن حديثها ، فرفع سبابته بوجهها آمراً : :"بس يا صابرة وبطلى كلامك ده ومتتهميش حد بالباطل ماشى" كمن أوشكت عيناه على البكاء ، كان حال ماجد وهو يقول : –:" حرام عليكى يا ماما الكلام ده" نفخت صابرة بضيق وقالت : :" أنا قولت اللى عندى وأنت حر بقى يا ماجد أنا مربيش وأكبر وتدخل طب والآخر تتجوز بنت أمها متجوزة واحد زى ده" :" وأنا مالى هتجوزها هى ولا أتجوز أمها اللى يهمنى ليان مش حد تانى" قالها ماجد برغبة منه فى أن تلين والدته تجاه ليان فما كان منها سوى أن ألقت بحديثها فى وجهه دون وخز بضميرها : –:" هى إلهام مش هتبقى جدة عيالك لو اتجوزتها ؟ لاء يا حبيبى مش هيحصل على جثتى لو اتجوزتها يا ماجد" بعد أن انتهت من حديثها ، غادرت المائدة غير راغبة فى تناول الطعام ، وضع ماجد الملعقة من يده، ذاهباً هو الآخر إلى غرفته ، فوالدته لديها الإصرار الكامل على عدم دخول تلك الفتاة منزلها تبعه والده إلى الغرفة ، فقبل أن يوصد الباب خلفه ، وجد والده واقفاً أمام الباب ، فظل كل منهما ينظر للأخر بصمت ، فما كان من والده سوى أن ربت على كتفه فتبسم له قائلاً بصوت خافت : – يلا ألبس هدومك نروح نشوف الحاجة علية ومتخافش هجوزهالك بالعند فى أمك دى إبتسم محسن على شق جملته الأخير ، فإتبسم ماجد بدوره وأحتضن والده بإمتنان ، وهو يردد له عبارات الشكر والتقدير والإمتنان ، فإن كان والده بصفه ، فلن يواجه مشكلة أخرى ، حتى وإن كان رفض والدته فسريعاً كان ماجد أنتهى من إرتداء ثيابه ، يوافى والده أمام المنزل ، فتأبط محسن ذراع ولده ، وسارا حتى وصلا لمنزل علية بعدما طرق ماجد الباب ، فتح باسم لهما بإبتسامة يدعوهما للدخول ، فدلفا سويا وجلسا بإنتظار مجئ علية ، فبعد دقائق ولجت علية مرحبة بقدومهما فجلست على أريكة مقابلة لهما وتبسمت وقالت : – حمد الله على السلامة والله أنا كان فى نيتى أجى أزوركم فى مصر بس أنتوا سبقتوا بالخير – إحنا نجيلك على عينيا يا حاجة علية قالها محسن بود خالص بينما كانت عينى ماجد تجول بكل مكان بحثاً عنها ، فلم تدم حيرته طويلاً ، فوجدها تلج الغرفة تحمل أكواب المشروبات الغازية ، فوضعتها من يدها وجلست بجانب جدتها ، بعدما ألقت التحية فبدأ محسن بالسؤال عن أحوالهم ، فأنغمر بحديثه مع علية ، خاصة بعدما أخبرته بنيتها ببيع جزء من الأرض ، بينما أنتهز ماجد تلك الفرصة ، ووجه حديثه لليان ، التى كلما سمعت صوته يزداد وجهها توهجاً وإحمراراً من فرط خجلها – عاملة ايه دلوقتى يا ليان قالها ماجد وهو يفرك يديه بخجل هو الأخر فأجابته ليان بخجل : –:" الحمد لله وأنت عامل ايه فى كليتك" تبسم عندما وجدها تطرق برأسها أرضاً وقال : –:" الحمد لله تمام ادعيلى أخلص على خير" مدت يدها وقبضت على طرف حجابها وهى تقول : –:" هانت كلها سنتين وتبقى دكتور ماجد محسن" هتف بها ماجد بدون أن يعى ما يقول : –:" إن شاء الله وبعديها تبقى أنتى حرم الدكتور ماجد محسن" سمعت ليان ذلك فاتسعت مقلتيها ، من ذلك التصريح ، الذى أدلى به لتوه ، فهل هو أيضاً يريد أن يتزوجها ؟ فهى ظنت أنها هى فقط من تشعر بتلك المشاعر تجاهه ولكن عبارته التى تفوه بها الآن يدل على أنه يبادلها تلك المشاعر التى تخصه بها فتمتمت ليان بذهول : – :" ها انت قولت ايه يا ماجد" تلعثم ماجد قائلاً بتوتر : – :" ها أنا مقولتش حاجة ياليان " أردف بكلماته وفر هارباً من المكان ، عندما أشار له والده بالنهوض لكى ينصرفا ، فهو بالرغم من ذلك شاب خجول جدا فابتسمت على تصرفه ، وهى تشعر بالسعادة مما سمعته منه ، حتى وإن حاول الإنكار فظلت تصفق بيدها بسعادة وقالت : –:" يالله اخيراً سمعت منه حاجة تبل الريق دا نشف ريق أهلى" ركضت لغرفتها بسعادة ، وأغلقت الباب خلفها وأستندت عليه لبعض الوقت ، لتبدأ بعد ذلك فى الإرتماء على فراشها وهى تحملق بسقف الغرفة ،وهى تمنى ذاتها بمرور الأيام ، حتى يبر لها بتلك الجملة التى قالها قبل رحيله _____________ عاد رفيق إلى المنزل يرافقه شقيقه مالك ، بعد انتهاء ما عليهما من أعمال ، ولج للداخل فإنتبه على تلك الحالة من الهدوء التى تسود المكان ، ولم يرى سوى شقيقته الصغرى جالسة تعبث بهاتفها فناداها قائلاً: – رهف ماما فين تبسمت رهف وقامت من مكانها تحتضن أخيها ، فتلك هى عادتها عندما يعود الى المنزل ، تحتضنه كأنه والدها ، فأجابته قائلة : – ماما معاها ضيوف فى الصالون عبس مالك قائلاً يدعى الحزن: –:" وأنا يعنى حزين مليش حضن زى أبيه رفيق يا رورو" تركت رهف رفيق وأقتربت من مالك ترحب بعودته هو الآخر قائلة : –:" دا أنت حبيبى يا مالك" فهى تشعر بالسعادة لكون هذان الشابان شقيقيها فنظر لها رفيق متسائلاً: – مين الناس اللى مع ماما يا رهف تبسمت رهف بدهاء وقالت : – أقولك يا أبيه ومتقولش عليا فتانة حثها رفيق على قول ما لديها: –" قولى يا حبيبة أبيه خير فى ايه" نظرت رهف حولها لتطمأن لعدم مجى والدتها ، فهتفت بصوت منخفض: –:" ماما جوا معاها واحدة ست وبنتها" لم يستطيع مالك كبح ضحكته فقال : –:" ااااالبس يا معلم شكل ماما محضرالك مفاجأة" كز رفيق على أنيابه بغيظ وقال: –:" وبعدين بقى هى أمى مش هتشيل من دماغها موضوع جوازى ده بقى" ربت مالك على كتفه يدعى الجدية قائلاً : –:" طب ما تيجى نتفرج نشوف المقلب المرة دى شكله إيه " نفض رفيق يده عنه مزمجراً : –:" أنت بتهزر يا أبو دم خفيف" هتفت رهف بسرعة : –:" هى حلوة يا أبيه شبه نانسى عجرم كده" برقت عين مالك بحماس قائلاً: –:" بجد يا رهف أنا داخل أتفرج" عندما أراد الذهاب ، وجد رفيق ممسكاً بتلابيب ثيابه من الخلف ، كأنه شرطى وألقى القبض على أحد اللصوص ، فهتف به بغيظ : –:" أنت رايح فين أنت" أثناء حديثهم خرجت منى ، من غرفة المعيشة بابتسامة عريضة على وجهها ، فأدنت بوجهها من رفيق وقبلته على وجنتيه ، لتعود وتقبل مالك قائلة بحبور : –:" حمد الله على السلامة يا حبايبى" نظر لها رفيق مطولاً ، فما لبث أن قال : –:" الله يسلمك يا أمى مين اللى معاكى جوا" ساد التوتر محياها وهى تقول : –:" دى دى تبقى واحدة معرفة هى وبنتها جايين يزرونا" تبسم رفيق قائلاً بسماجة : :" والله يعنى مش عروسة جديدة طب طالما كده أدخل بقى أرحب بالضيوف" علمت والدته من نبره صوته ، أنه ربما سيفتعل موقفاً سخيفاً الآن ، فهى تعلم إبنها حق المعرفة ولج رفيق إلى الغرفة ، فوجد امرأة فى العقد الخامس من عمرها برفقتها فتاة ربما فى أواخر العشرينيات عندما نظر اليهما ابتسمتا له فرد بابتسامة مقتضبة من بين شفتيه قائلاً : – أهلا وسهلا نورتونا أقتربت منه والدته وجذبت ذراعه ، حتى أجلسته بمقعد قريب من تلك الفتاة وهى تقول : – ده رفيق إبنى الكبير " وقفا مالك ورهف على باب الغرفة ، يتلصصان على الحديث كالصغار فهتف مالك بصوت منخفض : –:" طب ما البت حلوة اهى " لوت رهف شفتيها وهى تقول : –:" يعنى هى دى أول واحدة حلوة أبيه يشوفها ما شاف كتير وكل مرة هو هو نفس الكلام" خاطب مالك ذاته هامساً : –:" أنا عارف جايب القوة والصبر ده كله منين دا لو شاف ملكة جمال كأنه شايف راجل قدامه ولا أدنى اهتمام " جلست منى وهى تشعر أنها تجلس على جمر محترق ، فهى تعلم إبنها خير العلم ، فتلك الملامح الهادئة تخفى خلفها الآن غضب شديد ، فأرادت إفساح المجال لابنها ولتلك الفتاة ، ليتحدثان بحرية ، لعل تلك المرة يحالفها الحظ ، ويوافق رفيق على الزواج من تلك الفتاة فنادت منى والدة الفتاة قائلة بمكر طفيف : :" ما تيجى أوريكى الزرع اللى فى الجنينة" تحدث رفيق من بين أسنانه قائلاً: –:" هو إحنا زرعنا حاجة جديدة وأنا معرفش يا أمى" هتفت به والدته بشئ من العناد وهى تقول : –:" أه كنت طالبة من الجناينى يزرع ورد فهنشوفه" نهضت والدة الفتاة من مكانها ، وذهبت مع والدته ، فعقد رفيق حاجبيه ، فهو يعلم حيل والدته جيداً ، وعندما نظر لتلك الفتاة وجدها تبتسم له فهتفت به بصوت رقيق : –:" أزيك يا دكتور رفيق مامتك بتقول أنك دكتور فى كلية التجارة" زفر رفيق بضيق قائلاً : –:" أيوة وقالتلك إيه تانى" قالت الفتاة وهى مازالت مبتسمة: –:" قالتلى إنك كمان عندك شغلك الخاص وفاتح شركة أنت وصاحبك" دمدم رفيق ساخطاً بهمس : –:" ومقالتش كمان على مقاس الجزمة بتاعتى أه منك يا أمى" فعلا صوته قليلاً متسائلاً: –" وانتى خريجة إيه بقى يا أنسة" وضعت شعرها خلف أذنها وهى تقول بشئ من الفخر : –:" أنا دارسة سياحة فى ايطاليا" وضعت الفتاة ساق على الأخرى وأرتكزت بمرفقها على ساقها ، وهى واضعة يدها أسفل فكها ،تتفرس بملامحه ملياً ، حتى أثارت ريبته ، خاصة من إبتسامتها التى أخذت بالإتساع ، كلما تصاعدت نظراتها من أخمص قدميه لرأسه ، كأنها وجدت شئ يروقها _______________ بجلسة حرص ذلك الشاب على أن تكون سرية ، تقتصر عليه هو وصديق له ، متمرساً بأمور الكمبيوتر والبرمجة وخلاف ذلك ، فتعجب صديقه من أفعاله ، ولما هو أصر عليه أن يجلب معه حاسوبه الشخصى ، مخبراً إياه بأنه يريده بشأن أمر هام للغاية ، ولن يبخل عليه بالمال ، نظير ذلك فنظر له صديقه عاقدًا حاحبيه متسائلاً: – هو فى إيه يا عم بكر متصل بيا وتعال وهات اللاب توب ومدخلنى أوضتك المعفنة دى ليه ، أنا قربت أرجع يا أخى لملم بكر ثيابه المنثورة بكل ركن من أركان الغرفة ، وأحذيته التى تفوح منها رائحة العطب ، فوالدته سأمت من تنظيف غرفته ، فلا تدوم نظافتها دقائق معدودة ، حتى تعود وتجدها رأساً على عقب فهتف بصديقه بغيظ : – خلاص يا أخويا لم لسانك ده شوية أدينى شيلت الحاجة ركز معايا بقى أعاره أنتباهه كاملاً فى إنتظار سماع قوله ، فوجده يخرج هاتفه من جيبه يضعه بيده قائلاً بلهجة المنتصر : – التليفون ده عليه شوية صور عايزك تظبطهالى من الصور اللى بالك فيها تبسم صديقه ظناً منه أنه جلب له تلك الصورة المخلة للفتيات ، فهما يفعلان ذلك من وقت لآخر ، بدون خوف أو وجل من الله فتح الهاتف وهو يقول بحماس : – صور بس مش جايب فيلم كده ولا كده ولكن ما أن وقع بصره على صور ليان وماجد ، حتى أختفت إبتسامة ، ورفع شفته العليا مدمدماً : – إيه ده يا عم بكر أنت جايبلى صور البت ليان ليه ثم الصور مفيهاش حاجة يعنى دى واقفة بعيدة عنه يبجى عشرة متر أنت أهبل ولا إيه ، أنا لو أعرف أن المصلحة خايبة كده مكنتش جيت ناوله الهاتف ، وهم بترك مكانه وهو يحمل حاسوبه ، فجذبه بكر ، حتى أجلسه مكانه ثانية قائلاً : – أقعد أهمد وأنا هفهمك على كل حاجة دى مصلحة لو تمت هيعم الخير على الكل أثار فضوله بحديثه ، فوضع الحاسوب من يده وهو يقول : – إزاى يعنى مش فاهم يا بكر تبسم بكر عندما رآى فضوله ، الذى أطل من عيناه ، فبدأ شرح خطته له وهو يقول : – أنا جايبلك الصور دى علشان تظبطلى وشهم على كام صور حلوين كده من اللى بالك فيهم ، عارف الصور المفبركة اللى مبقاش حد يعرف يفرقهم عن الصور الحقيقية دى – طب وأنت عايز تعمل كده ليه هتستفاد إيه يعنى قالها صديقه فى إنتظاره أن يقدم له تفسيراً أخر فألتوى ثغره بإبتسامة شيطانية وهو يقول : –ماهو لما أروح أودى لليان الصور دى وأفرجهالها وتشوف بعينها الفضيحة اللى ممكن تحصلها فى البلد كلها ، ساعتها هفرض عليها إن قصاد سكوتى تتجوزنى، علشان ما أعملش فضيحة لها فى البلد ،وبكده أبقى ضمنتها وضمنت أرضها كمان وساعتها بس أقدر أردلها القلم اللى ضربتهولى قدام الناس عشرة مش قلم واحد بس بنت إلهام تبسم صديقه على تفكيره الشيطانى قائلاً : – يخرب بيت عقلك يا بكر دا أنت شيطان يا أخى – عايز تظبط الصور أخر حلاوة ، لدرجة أن هى نفسها تصدق أن الصور دى بتاعتها فاهم قالها بكر بتصميم ، فأقحم يده بداخل جيب سرواله ، وأخرج نقوداً وضعها بيده فنظر صديقه للنقود بحبور ، ودسها بحيب بنطاله ، وبدأ بتوصيل الهاتف بالحاسوب ، لنقل الصور ، فبعد إنتهاءه من إرسال الصور ، بحث عن إحدى الملفات السرية بحاسوبه ،وهو ملف مرفق به عدة صور منافية للأداب ، فبدأ بعرضها لبكر ، ليعلم أى من الصور يفضلها ،ليبدأ العمل عليها ________________ نهضت من مكانها ، بذلك الثوب الذى يصل بالكاد الى كاحليها فجلست بجواره ،باغتته بفعلتها تلك فعقد حاجبيه تعجباً من سلوك تلك الفتاة فأقتربت منه باغراء وبابتسامة : " وانت بقى يا دكتور رفيق عندك كام سنة" قال رفيق بإستياء ظاهر : –:" ليه هى أمى نسيت تقولك عندى كام سنة '' نقرت بإصبعها على ذقنها بتفكير وقالت: –:" هى على ما أعتقد قالت إن أنت عندك ٣٠سنة بس ليه أنت متجوزتش لحد دلوقتى" –:" نصيب بقى لسه ربنا مش رايد" قالها رفيق ، بينما بدأ شعور بالقلق يساوره حيال تلك الفتاة فقامت بوضع يدها على يده ، فأتسعت عيناه من جرأة تلك الفتاة التى خرج صوتها ناعماً وهى تقول بدلال : –:" أنت مالك قاعد متنشن ليه كده فك مش كده يا رفيق باين عليك جد زيادة عن اللزوم فكها مش كده" ظلت تدنو بوجهها منه ، حتى كادت أن تلصق وجهها بوجهه وكل هذا ، ورهف ومالك مازالا يقفان بالخارج يتابعان ما يجرى بالداخل قامت رهف بلطم وجنتها مما رأته من وقاحة تلك الفتاة وهى تقول : – يا نهار مش فايت إيه البت دى يا مالك رفع مالك حاجبيه هو الاخر بدهشة مما يراه ، فلوى شفايه قائلاً: –:" على خيرة الله دا أبيه رفيق هيديها على وشها دلوقتى هيظبطلها زوايا وشها قالت رهف بصوت شامت : –:" لو عملها يبقى عنده حق والله دى قليلة الأدب" وضعت الفتاة يدها على كتفه ، وكل هذا وهو مذهول من أفعالها ، ولكن قبل أن تقترب أكثر كان نافضا يدها عنه فى حركة اشمئزاز ، وهب واقفاً من مكانه ينظر إليها باستهجان فصاح بوجهها غاضباً: –:" ايه قلة الأدب والحياء اللى أنتى فيها دى " قابلت ثورته بهدوء أقرب للبرود ، فجذبت يده قائلة : –:" أنت وسيم أوى يا رفيق وشكلى كده هحبك تعال أقعد جمبى متخافش خليك أوبن مايندد متبقاش قفل كده يا رفيق بس تصدق اسمك حلو" غمغم رفيق بذهول : –:" قفل ! وأبقى أوبن مايندد خلاص أنا عرفت دلوقتى سياحة إيه دى اللى كنتى بتدريسها فى إيطاليا" سمعا مالك ورهف ذلك ، فتعالت صوت ضحكاتهما حتى سمعه رفيق ، فناداهما بصوت جهورى : –:" ادخلوا تعالوا رحبوا بضيفتنا" دلف مالك تتبعه رهف ، وهما يحاولان كتم ضحكاتهما بصعوبة ، فنظرت اليه الفتاة بغضب شديد مردفة : –:" هو فى ايه هو أنا فرجة ولا إيه" حدجها رفيق بنظرة ساخرة وهو يقول : – :" أنا بقولهم أنهم يرحبوا بيكى رهف نادى لماما بسرعة" خرجت رهف من الغرفة ، ووصلت إلى الحديقة ، فاخبرت والدتها بأن رفيق يريدها بالداخل ، فولجت منى مسرعة الى المنزل، وهى تخشى أن يكون حدث ما لا يحمد عقباه من ولدها فهتفت به بتساؤل : –:" ايوة يا حبيبى فى ايه" أجابها رفيق ببرود : –:" مفيش يا أمى بس الآنسة قالت إنها عايزة تمشى فندهت لحضرتك علشان مامتها تيجى تاخدها وأنتى يا هانم لمى بنتك كفاية السياحة مضروبة لوحدها" رمقته الفتاة بإستياء وقالت بغضب شديد : –:" يلا يا ماما واحد قليل الذوق " سحبت الفتاة حقيبتها بغضب ، من هذا الرجل البارد الذى اهانها بتلك الطريقة ، فخرجتا من المنزل وهى مازالت تدمدم بعبارات الإمتعاض والإستياء منه نظرت منى لرفيق قائلة بتساؤل –:" فى ايه اللى حصل يا رفيق" خرج رفيق من الغرفة وهو يقول : –:" مالك ورهف هيقولولك على اللى حصل انا طالع اغير هدومى واصلى على ما تحضروا العشا وياريت يا ماما تبطلى تجبيلى الأشكال دى علشان بجد زهقت" أردف بكلماته وذهب الى غرفته ، فنظرت منى لمالك ورهف ، فهى تريد تفسيراً لما حدث ، فقبل أن تفه بكلمة أسرع مالك بالذهاب لغرفته هو الأخر ، حتى لا تتمكن من سؤاله عن شئ فلم يتبقى سوى رهف ، فأقتربت منها والدتها قائلة : –:" ها يلا يا سوسة قوليلى فى إيه" أشارت رهف لنفسها بدهشة وهى تقول : –:" أنا سوسة يا مامتى" تأففت منى بضجر ، فهتفت بها بنفاذ صبر : –:" مش وقت الدراما بتاعتك ، يلا قوليلى رفيق عمل ليه كده" كسا الإشمئزاز وجه رهف وهى تخبر والدتها بما حدث فقالت بتقزز : –:" دى بنت قليلة الأدب يا ماما كان فاضل شوية وتبوس أبيه رفيق" دبت منى صدرها وهى تشهق بصدمة : –:" يالهوووى بجد يا بت يا رهف اللى بتقوليه ده ولا أخوكى اللى عمل كده كالعادة علشان ميتجوزش '' أجابتها رهف بتأكيد : –:" أه والله العظيم يا ماما حتى انا ومالك شوفناها وعلشان كده أبيه رفيق قالى اندهلك علشان تمشى له حق أبيه رفيق يعمل كده قليلة الأدب بجد" أيقنت منى من أن رفيق ، ربما سيظل ذلك الموقف عالق بذهنه ، يجعله غير راغب أكثر فى الزواج ، فكل حيلها معه تفضى بالنهاية للفشل ، فماذا تفعل هى ؟ فهو إبنها البكر ، وتريد الشعور بلذة السعادة بتزويجه ورؤية أطفاله _____________ وقفت ليان تنظر لتلك الآلات ، التى تقوم بتقطيع الأشجار ، وكأنها تقطع نياط قلبها ، فأنسكبت دموعها على وجنتيها بشدة ، وهى ترى جنتها الخاصة تتهدم ، وتتحول كأنها صحراء جرداء ، وقف بجوارها شقيقها ، فهو يعلم شعورها الآن ، ويعلم أيضاً مدى ارتباطها وتعلقها بتلك الأرض فربت على كتفها بمواساة قائلاً : –:" خلاص بقى ياليان كفاية عياط يا حبيبتى ويلا نروح" أنهمرت دموعها بغزارة فغمغمت ببكاء : – :"سيبنى يا باسم بقى بالله عليك كفاية اللى أنا فيه" التقط باسم كفها بين يده ، فجذبها برفق ، جعلها تسير بجواره ، فحاول الإبتسام وهو يقول: –:" يلا يا ليان بقى وكمان النتيجة هتبان النهاردة فتعالى علشان نشوف جبتى مجموع كام" عادت ليان إلى المنزل ، فقامت بفتح الموقع الخاص بنتيجة الثانوية العامة فنظرت جيداً بالشاشة ، وسرعان ما بكت أكثر فما هذا الحظ السيئ رأى شقيقها ذلك فشعر بالخوف قائلاً : –:" فى ايه يا ليان بتعيطى تانى ليه ، النتيجة فيها ايه" مسحت دموعها وهي تقول : –:" مجموعى كده مش هدخل تربية يا باسم زى ما كنت عايزة" لم يجد باسم سوى تلك الكلمات ليواسيها بها ، فقال برفق : –:" معلش بقى يا ليان ربنا عايز كده" وضعت رأسها بين يديها فهتفت به: –:" باسم لو سمحت اخرج برا سيبنى لوحدى شوية" خرج باسم من الغرفة ، فجلست تضم ركبتيها الى صدرها واضعة رأسها بينهما ، فحتى الدموع اكتفت منها ، فماذا يحدث لها ؟ تتوالى الاخبار السيئة على رأسها تباعا ً ، فأرض والدها ستصبح ملك للغريب ، وهى لن تستطيع الدراسة بالكلية التى تريدها فلمحت دلوف جدتها بعد علمها بما حدث ، فجلست بجانبها تضمها إليها وهى تقول : – :" معلش يا ليان متزعليش نفسك يا حبيبتى واكيد ربنا كتبلك اللى فيه الخير" تبسمت إبتسامة واهنة وهى تقول : –:" يلا أمر الله يا تيتة أعمل إيه يعنى" قبلتها جدتها على رأسها وقالت : –:" وأمر الله كله خير يا بنتى وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم " حركت ليان رأسها بإستكانة : –:" الحمد لله على كل حال يا تيتة" طرق باسم باب الغرفة المفتوح ، فنادته جدته قائلة : –:" ادخل يا باسم فى ايه" اختلجت عضلة قرب فم باسم وهو يقول : –:" ماما وجوزها جم تحت يا تيتة" زفرت ليان أنفاسها بإمتعاض فدمدمت بسخط : –:" بجملة المصايب هو فى ايه النهاردة" هتفت علية بنبرة خالية من أى شعور ، بعد سماع ما أخبرهما به باسم : –:" يلا بينا ياليان نشوف سبب الزيارة السعيدة دى إيه" هبطت ليان مع جدتها وأخيها ، كانت أمها جالسة بجوار ذلك الرجل البغيض ، الذى كادت نظراته تخترق جسد تلك الفتاة فحالت جدتها بينها وبين نظراته الدنيئة فوقفت أمامها تخفيها خلفها ، فقامت إلهام من مكانها ، تريد احتضان إبنتها ، فوقفت ليان بين ذراعيها بجمود ، فهى حتى لم ترفع يديها لتطوقها بهما ، فهى كأنها تمثال أو دمية لا حياة بها حاولت إلهام جذبها إليها أكثر ، إلا أنها أرتدت بخطواتها للخلف مبتعدة عنها ، فهتفت والدتها بإبتسامة عريضة: –:" حبيبتى وحشتينى أخبارك ايه" ردت ليان ببرود : –:" الحمد لله نحمده على كل حال" نهض فاروق من مكانه ومد يده لها قائلاً بخبث : –:" أزيك يا ليان عاملة إيه أنتى وباسم دا انتوا وحشنا أوى" رفضت ليان مس يده ، فأكتفت بالرد قائلة : –:" كويسين الحمد لله وشكراً على زيارتكم وسؤالكم" تبسمت إلهام بحرج من جفاء إبنتها بالحديث ، فنظرت إليها وتساءلت : –:" أنتى عملتى إيه فى النتيجة أنا عرفت أنها ظهرت النهاردة " مال ثغرها قليلاً بتأفف وهى تقول : –:" الحمد لله نجحت'' –:" لو روحتى جامعة القاهرة تعالى أقعدى عندنا على ما تخلصى دراسة" قالها فاروق وعيناه منصبة على وجهها البهى الطلعة ، فهو ينتهز تلك الفرصة، التى تأتى تلك الفتاة بها إلى القاهرة أو إلى منزله ، فشيطانه اللعين مازال لديه الاصرار التام على تلك الفتاة فسبقتها علية فى الرد وهى تقول برفض : – '' بنت إبنى مش هتقعد عند حد غريب" أزدردت إلهام لعابها قبل أن تقول : –:" دا أنا أمها يا حاجة علية إزاى تقولى كده أنتى خايفة على بنتى منى" تبسمت ليان وقالت بسخرية : –:" متتعبيش نفسك ياماما أنا هقعد فى المدينة الجامعية وزى تيتة ما قالت أنا مش هقعد عند حد غريب" قالت ليان عبارتها ، وهى ترمق زوج والدتها بكره خالص ، فهو المتسبب بإبعاد والدتها عنها وعن شقيقها إلا أنها أستمعت إليه قائلاً : –:" ليه تقعدى فى المدينة الجامعية ما البيت مفتوح دايما للحبايب" رفعت جانب شفتها العليا وهى تقول : –:" متشكرة بس وفر كرمك ده لحد تانى" حاولت إلهام تغيير دفة الحديث ، فهى تعلم أن والدة زوجها السابق ، لن تسمح بأن تظل ليان لديهما ، فهى تعلم مدى حب تلك المرأة لحفيدتها فتناولت عدة حقائب من جانبها تهم بفتحها وهى تقول : –:" تعالوا يا حبايبى أشتريت ليكم هدوم جميلة أوى هتعجبكم" وضعت علية يدها أسفل فكها وهى تقول بتهكم : –:"من فلوس حرام يا إلهام " ٥– " ليبقى سرًا " أرتعشت يداها وسقط ما تحمله بين كفيها ، فشل الحرج حركتها ، بعدما سمعت ما تفوهت به علية ، فصدرها ظل يصعد ويهبط بخوف ، من أن ينتبه أبناءها على مغزى حديث تلك العجوز ، فهى رأت بوضوح ، تقطيبة حاجبي إبنتها ، وأنفراج شفتيها ، كأنها على وشك سؤال ، ماذا يحدث وهى لا تعلم ؟ فإبتسمت إلهام بتوتر قائلة : –:" قصدك ايه يا حاجة علية بكلامك ده" زفرت علية بخفوت وتنهيدة ، فقالت وهى تحدق بباسم : –:" قصدى أنتى فهماه يا إلهام احنا مش هنضحك على بعض" أراد فاروق فض النقاش بينهما فهتف قائلاً: –:" فى ايه بس يا حاجة علية صلى على النبى واستهدى بالله" ألتوى ثغرها بإبتسامة هازئة وهى تقول : –:" وأنت تعرف ربنا أوى يا أستاذ فاروق" طحن فاروق أسنانه من خلف شفتيه المطبقتين ، فحدث ذاته سراً : –:" ولية قرشانة صحيح ، أنا عارف أنتى قاعدة ومتبتة فى الدنيا ليه وعزرائيل تايه عنك فين " نظرت ليان وباسم لبعضهما البعض وهما لا يفهمان شيئاً مما يجرى حولهما ، فدائماً جدتهما تصر على عدم اخذهما شئ من أمهما أو زوجها ، فسابقاً فشلت ليان فى معرفة سبب ذلك ، فهى لا تعلم ماهية مهنة زوج والدتها ، فما تعرفه وحدثتها به والدتها ، كونه يمتلك مطعماً فقط ولا تعرف أكثر من ذلك فأخذت يد جدتها بين راحتيها وتساءلت : :" أنتى قصدك إيه يا تيتة" سحبت علية يدها وربتت على وجنتها بلطافة : –:" مفيش حاجة يا حبيبتى يلا على أوضتك أنتى وأخوكى" تركت إلهام مكانها ، وجلست بجانب علية وإبتسمت لها بتملق : –:" انا ملحقتش اشوفهم يا حاجة علية ممكن بس نبات هنا النهاردة أشبع من ولادى أنا عارفة أنك قلبك طيب" وافقت علية على مضض ، أن تظل تلك المرأة وزوجها فى منزلها ، فهى لا تتخيل كيف استبدلت إلهام إبنها الراحل بهذا الرجل؟ فإبنها كان يشهد له الجميع بالخلق الحسن فأجابتها علية بضيق : – :" تنوروا يا إلهام متعودتش أقفل بيتى فى وش حد" –:" تسلمى يا حاجة علية ربنا يباركلك" قالتها إلهام بإمتنان مزيف ، فهى فشلت فى جذب ابنتها إليها أو إبنها ، فهما يتعاملان معها ببرود تام ، ولما لا وهى من تركتهما وهما صغار ، مفضلة بذلك رجلاً آخر عليهما حل المساء سريعاً ، فذهبت إلهام وزوجها إلى غرفة الضيوف ، فجلس فاروق على الفراش ، ينفث دخان سيجارته بشرود لاحظته زوجته فأقتربت منه تسأله عما أصابه : –:" مالك يا فاروق فى إيه وشك متغير ليه كده" نفث الدخان ببطئ قائلاً: –:" مفيش حاجة يا حبيبتى أنا كويس" جلست بجانبه على الفراش وقالت : –:" طب سرحان ليه كده" رفع شفته العليا مدمدماً بشئ من الضيق والسخط : –:" الصراحة الولية القرشانة اللى اسمها علية دى تنرفز شوفتى كانت بتكلمنا إزاى كان نفسى أقبض فى زمارة رقبتها " وضعت إلهام يدها على فمه ، تهتف بصوت منخفض : –" بس وطى صوتك حد يسمعك يا فاروق مش ناقصين كلام ومشاكل" أزاح فاروق يدها من على فمه وقال : _:" هى ليه مش عايزة بنتك تيجى عندنا هو إحنا هناكلها دا إحنا هنشيلها على كفوف الراحة" تمددت إلهام على الفراش وهى تقول: –:" خلاص سيبها براحتها هى حرة" إستدار بنصف جسده لها قائلاً بإصرار : –:" حرة إيه أنتى لازم تصرى على إن بنتك تيجى عندنا لما تروح الكلية ولا عايزة تسيبيها فى القاهرة لوحدها والله أعلم إيه اللى ممكن يحصلها ولا حد يضحك عليها" رمقته إلهام قائلة بغرابة : –:" وأنت مهتم أوى بالموضوع ده ليه يا فاروق" أستلقى فاروق على الفراش ، واضعاً يديه أسفل رأسه ، بعدما دعس سيجارته وأطفأها ، فقال بشئ من الدهاء : –" بنتك وخايف عليها يا حبيبتى بلاش يعنى ثم كده كده لو جدتها ماتت هتيجى تعيش معانا هى وأخوها" مدت إلهام يدها وأطفأت الإضاءة الجانبية للفراش وهى تقول : –:" اديك قولتها لما تموت ، يبقى منتكلمش فى الموضوع ده تانى" رد فاروق قائلاً بعبوس : –:" ربنا ياخدها النهاردة قبل بكرة ونسمع خبرها قريب" بذلك الوقت ، كانت علية تقف أمام باب الغرفة ، فهى سمعت حديثهما منذ البداية ، أثناء ذهابها الى المطبخ ، فعندما استمعت لاسم ليان وقفت مكانها ، فبسماعها حديث هذا الرجل المدعو فاروق ، زاد خوفها على حفيديها أكثر ، فماذا تفعل حتى يظل أحفادها بأمان بعيدا عن ذلك الرجل وشروره ؟ ________________ تجلس مقابل له على طاولة الطعام ، تتناول طعامها الصحى بهدوء غير عابئة به أو بتلك الصغيرة ، التى تشعر أنها يتيمة الأم ، وأمها ما زالت على قيد الحياة فغمر بيده وجنة صغيرته قائلاً بحب : –:" مش بتاكلى ليه يا كنزى يا حبيبتى" مطت الصغيرة شفتيها قائلة بفتور : –:"مش عايزة يا بابى أكل مش جعانة" جذبها من يدها قائلاً بحنان : –:" طب تعالى وانا هأكلك يا حبيبتى" ذهبت الصغيرة اليه ، فاجلسها على ساقه ، فرفع الملعقة لفمها ، فأبتلعت الطعام وهى تبتسم له فلم تستسغ شهيرة ذلك ، فهتف بأكمل بصرامة : –:" كده مينفعش يا أكمل سيب البنت تعتمد على نفسها" حدجها أكمل بنظرة نارية قائلاً بحنق : –:" البنت مش بتاكل يا هانم وأنتى مش مهتمة بيها أو بصحتها" تبسمت شهيرة بسخرية وقالت : –:" وأنت اللى مهتم أوى يا أكمل" ربت أكمل على جسد الصغيرة بحنو بالغ قائلاً : –:"بحاول يا شهيرة وأنتى عارفة أنا مشغول إزاى بس بالرغم من كده أنتى ما بتحاوليش تاخدى بالك من بنتك هو إحنا عندنا غيرها" نظرت إليه ببرود ، فقلبت عينيها بملل من حديثه الذى لا يكف عنه ، فعادت تتناول الحساء بتروى ، رأى ذلك لعن تحت انفاسه عقله الذى أوصله إلى تلك الحالة رفعت الصغيرة وجهها لأبيها وهى تقول : –" بابى عايزة أروح الملاهى" أماء أكمل لها برأسه باسماً فقال : –:" حاضر يا روح بابى خلصى أكل ونروح" فرحت الصغيرة بموافقة أبيها ولكن ماتت فرحتها عندما سمعت كلام والدتها وهى تقول: –:" مفيش خروج دلوقتى أنتى لازم تنامى بدرى" سكن الحزن بعين الصغيرة ، فعندما رأها والدها هكذا ثارت أعصابه ، فيكفى ما يحدث منها إلى هذا الحد فصاح بوجه زوجته بإنفعال : –:" لاء هنخرج يا شهيرة كنزى روحى للدادة وخليها تلبسك علشان نخرج '' ركضت الصغيرة مسرعة لتنفيذ ما طلبه منها والدها ، وحتى لا تسمع اعتراض والدتها فنظرت له شهيرة تصيح بانفعال مماثل : –:" أنت إزاى تكسر كلمتى للبنت" ترك أكمل المائدة وهو يقول ببرود : –:" حد قالك إن أنا دلدول لحضرتك وإن لازم أقولك حاضر ونعم لاء يا ماما فوقى أنا راجل أوى دا أنا تربية حوارى " صدرت منها أهة سخرية وهى تقول : –:" أيوة كده حن لاصلك ما لولا بابى كان زمانك لسه فى الحارة اللى جيت منها وكان زمانك قاعد على القهاوى وإحتمال تكون بتشحت" لم يدرى ما يفعل إلا وهو صافعها على وجنتها ، فقبض على شعرها بيده ، وراح يهز رأسها بعنف ، بسبب غيظه من حديث تلك المتعجرفة التى لا تتوانى عن إهانته ، متناسية أنه زوجها ، ويجب عليها إطاعته وإحترامه صرخت شهيرة بألم ، وهى تحاول تخليص شعرها من يده ، فهتفت به بوعيد : – :" سيب شعرى يا همجى والله لأكون قايلة لبابى كل حاجة وهخليه يشوف شغله معاك" دنى بوجهه منها وفح من بين أسنانه قائلاً بغيظ عظيم : –:" أنتى مفكرانى هخاف منك أنتى ولا أبوكى لاء فوقى لولا إن أنا دلوقتى وعدت كنزى إن أخرج معاها كان زمانى موريكى دلوقتى تربية الحوارى شكلها ايه يا بنت عامر الرفاعى" قال ذلك وقام بدفع رأسها ، حتى كادت أن تترنح من دفعه لها ، وتسقط من على مقعدها ، كل هذا وهى بحالة من الذهول ، فأكمل لم يفعل ذلك يوماً ، ولكن ربما وصل الآن إلى أقصى درجات الغضب ذهب أكمل الى غرفته قام بتبديل ثيابه ، و خرج من الغرفة ، فنظر اليها وجدها تجلس على إحدى الارائك تنظر إليه بعينان تطلق نيران ، ولكنه لم يعيرها إهتمام ، فابتسم لصغيرته و أمسك كفها الصغير متجه صوب سيارته ، أستقلا السيارة ، ولكنه لاحظ وجوم طفلته فقرص وجنتها بلطف قائلاً : –:" مالك يا حبيبتى أنتى زعلانة ليه" أطرقت الصغيرة برأسها وهى تغمغم بصوت حزين : –:" علشان سمعتك أنت ومامى بتتخانقوا يا بابى هى ماما مش بتحبنى ليه" أخذته الشفقة على حزنها وسؤالها المتكرر له ، فحاول التخفيف من حالتها ، فهتف لها بحب : –:" حبيبتى متقوليش كده هى بتحبك أوى ثم النهاردة عايزيين نتفسح فسحة حلوة ماشى" تبسمت الصغيرة قائلة بحماس : – :" ماشى يا بابى" ابتسم لطفلته ، فأحياناً كثيرة يسأل نفسه ،هل هو السبب فى حزن تلك الصغيرة بسبب إصراره على إنجابها أم ماذا ؟ ولكنه عاد واستغفر ربه على تفكيره ، فالله هو من أراد أن يرزقه بتلك الصغيرة الجميلة ________________ علم رفيق بظهور نتيجة الثانوية العامة ، فجلس بجوار شقيقته لمعرفة مخططاتها المستقبلية، وأى كلية تريد الدراسة بها ، فوجدها تسرع بإخباره بأنها تريد الدراسة بكلية التجارة ، فتعجب شقيقها مالك ووالدتها من الأمر ، فهى حصلت على مجموع يمكنها من الدراسة بأفضل الكليات ولكنها أصرت على قرارها فتعجب رفيق من إصرارها وقال : –:" اشمعنا اصرارك على كلية تجارة يعنى يا رهف" تبسمت له رهف وهى تقول بإعجاب : –:" علشانك أنت يا أبيه يا عسل أنت و علشان أنت كمان اللى تدرسلى فى الكلية ويبقالى وسطة بقى وامشي نافشة ريشى كده فى الكلية ما الدكتور يبقى أخويا" لوى مالك شفتيه قائلاً : –:" نافشة ريشك يبقى أبيه رفيق هيقصلك ريشك ده ما أنتى عارفة اللى فيها دا مش بعيد لو اتكلمتى يطردك من المحاضرة ويبقى شكلك وحش أوى يا رهف" زوت رهف حاجبيها قائلة بتساؤل : –:" بجد الكلام ده يا أبيه" ردت منى عوضاً عنه وهى تقول : –:" بس يا مالك متخوفهاش دا أخوها وميعملش كده فيها" تبسم رفيق لوالدته قائلاً : –:" لاء أعملها يا أمى لو هى استهترت علشان أنا أخوها أنا هبقى أخوها فى البيت فى الكلية دكتورها وبس" فقال مالك متفكهاً : –:" يا خسارة ريشك اللى نفشتيه على الفاضى يا رهف" مد رفيق يده يحاوط كتفىّ شقيقته بمحبة ، فقربها منه فهو رأى علامات الإمتعاض على وجهها ، فطبع قبلة على رأسها وقال : –:" حبيبة قلبى هتبقى شطورة وتقعد ساكتة فى المحاضرات وتسمع الكلام بس لحظة كده أنا أساساً مش بدرس لسنة اولى" سألته والدته بدهشة : –:" مش بدرس لأولى ليه مالهم هيعضوك يا رفيق" سمع رفيق صوت ضحكة شقيقه مالك ، فخاطبه محذراً: –:" بس يا ابنى أنت أكتم دلوقتى أنا برفض أدرس لأولى وكلهم فى الكلية عارفين كده بيبقوا لسه عايشين فى جو الثانوية وأنا مليش دماغ لكده" مطت رهف شفتيها قائلة : –:" ايه البخت ده بس برضه هدخل تجارة" مسد رفيق على ذراعها قائلاً : –:" اللى يريحك يا حبيبتى ده مستقبلك وأنتى أدرى بيه " أرتشفت منى من قدح القهوة خاصتها وهى تقول : :" على فكرة إحنا معزومين على فرح يوم الخميس يا رفيق فرح ابن واحد من الجيران اللى جمبنا عزمونا على الفرح" تبسم مالك قائلاً بمكر : –:" أنتى متأكده إن إحنا معزومين ياماما مش حاجة تانية" رمقته والدته بنظرة نارية ، فرفعت سبابتها بوجه قائلة : – :" هش يا واد أنت وأسكت شوية تعرف ولا متعرفش وضع مالك يده على فمه ، دليلاً على أنه سيلتزم الصمت ، ولكن رفيق قال بشئ من الضيق : –:" يبقى أكيد يا أمى عيزانى أجى معاكى علشان تشوفيلى عروسة من الفرح مش كده" قالت رهف ممازحة والدتها : –" دى موضة ستيناتى أوى دى يا ماما" زفرت منى من أنفها ، من تضيق الخناق عليها من أبناءها ، فهتفت بهم بشئ من الصرامة : –:" فى ايه مالكم دا كله علشان قولت معزومين على فرح" مسح رفيق وجهه براحتيه مغمغماً بصوت سمعته والدته : –:" نفسى يا أمى تبطلى تفكير فى الموضوع ده أنا مش عايز أتجوز يا أمى مش عايز أتجوز" حطت منى بيدها على رأسها وهى تقول : –:" طب متفسرش فى وشى علشان كلامك ده بيتعبنى وبيرفع ضغطى لما أشوف أول فرحتى مش عايز يفرحنى بيه ولا يتجوز ولا أشوف ولاده قبل ما أموت" ترك مالك مكانه وجلس على حافة مقعد والدته قائلاً بمزاح : – :" شوفت أهى ماما دخلت فى دور أمينة رزق أهى يلا يا حاجة فاضل فقرة يعنى أشوف أخواتك اتجوزوا وأنت قاعد لوحدك كده من غير زوجة وعيال" سمعوا ما قاله مالك ، فلم يمنعوا أنفسهم من الضحك على مزاحه ، ولكن اثناء ابتسامته اخذته الذكريات ، الى تلك الذكرى الأليمة فى حياته ، والتى لا يعلم بشأنها سوى صديقه أكمل فقط ، فجميعهم لا يعلمون حتى الآن ، سبب عدم رغبته فى الزواج ، فجراح الماضى مازالت تنزف بداخل قلبه منذ سنوات مضت ، فأدمت روحه أيضاً وصار قلبه يعلن حداداً على مشاعر الحب ، فقلبه مقبرة مدفون بداخلها أحاسيس ماتت فى مهدها نظرت رهف إلى تلك الرواية التى بين يديها ، والتى تقرأها بحماس شديد ، فعقد رفيق حاحبيه متأففاً من عادة شقيقته فى قراءة تلك الروايات ، التي يرى أنها مضيعة للوقت ، فقام بسحب الكتاب من بين يديها ، فشهقت رهف بصوت مسموع فحذرها قائلاً بحزم : – :" بطلى بقى قراية الروايات الغريبة دى" حاولت رهف أخذ الكتاب منه ، فلم تفلح محاولتها ، فخاطبته برجاء : –:" ليه كده يا أبيه دا البطل انضرب بالرصاص هات بقى أشوف مات ولا إيه مش كفاية مش بنخرج إلا قليل أوى وأنا فى اجازة أهو محدش فيكم فكر ياخدنى يفسحنى أخوات إيه دول مش عارفة" وضع رفيق الكتاب على الطاولة ، قائلاً بوعد : –:" أنتى عارفة إن أنا عندى شغل كتير وهخلصه ونسافر يومين فى أى حتة" صاحت رهف بسعادة وهى تهتف : –:" يعيش أبيه رفيق يحيا العدل" –:" اه منك أنتى يا سوسة يالى واكلة عقله" قالتها منى بضحكة خافتة ، وهى تعاود شرب قهوتها فقال رفيق بحب : –:" دى مش بس أختى دى بنتى وتربية ايدى" أقترب مالك منه رغبة منه فى أن يمازحه فقال : –:" تسلم ايدك يا كبير ايدك ابوسها" رفع رفيق حاجبه الأيسر قائلاً : –:" اتلم ياض أنت قولتلك ، ما أنت كمان تربية ايدى" نظرت منى لولدها البكر ، تشعر بالسعادة كونه إبنها ، وحامل لواء الأسرة ، فقالت بحنان وحب جارف : – :" ربنا يباركلنا فيك يا حبيبى وميحرمناش منك أبداً يارب" ترك رفيق مكانه وأقترب من والدته ، فأنحنى يقبل يدها قائلاً : –:" ولا منك يا أمى تصبحوا على خير بقى يلا يا استاذ على اوضتك تنام وتصحى بدرى مفهوم" رفع مالك يده بجانب رأسه كأنه يؤدى التحية العسكرية فقال : –:" حاضر يا أبيه مش هتشربنا اللبن كمان قبل ما أنام" قال مالك ذلك ، وفر هارباً من امام شقيقه ، قبل أن يقترب منه ، فهو أحياناً بمزاحه يجعل شقيقه يريد ضربه ، ولكن رفيق طوال سنوات رعايته لأشقاءه ، لم يقدم على ضرب أحد منهما ، فهما لا ينظران إليه على أنه شقيقهما فقط ، بل هو أبيهما أيضاً _______________ بعد الانتهاء من التنسيق وملأ الرغبات بالكليات المتاحة ، ظهرت نتيجة التنسيق ، فعلمت بها ليان ، وتغيرت ملامح وجهها غضباً وامتعاضاً ، فهى لا تريد الدراسة بتلك الكلية ولكن هذا هو قدرها فأقترب منها باسم قائلاً بتساؤل : –:" ها نتيجة التنسيق ايه جاتلك كلية إيه" كسا الحزن وجهها وهى تقول : –:" جالى كلية تجارة القاهرة" شعرت علية بالسعادة فقالت : –:" ألف مبروك يا حبيبتى ربنا يوفقك" هتفت ليان بضيق وضجر : –:" بس أنا الصراحة مش حابة الكلية دى ولا بحب دراسة الأرقام والرياضيات" –:" هتعملى ايه هتحولى لكلية تاتية يعنى ولا ايه" سألها باسم رغبة منه فى معرفة قرارها النهائى بهذا الأمر فلم يكن من ليان سوى أطلقت نهدة بخفوت وهى تقول : –:" مش عارفة والله أعمل ايه" اقترحت جدتها قائلة : –:" صلى صلاة استخارة يا حبيبتى وربنا هيدلك على الحل الصح" أماءت ليان برأسها موافقة على ما أبدته جدتها من نصيحة : –:" ماشى يا تيتة بس فى سؤال أنا عايزة اسألك عليه انتى ليه مش بتخلينا ناخد حاجة ماما جيباها لينا أو راضية تخلينى اروح عندهم" اجابتها علية بهدوء : –:" وأنتى عايزة تروحى تقعدى عندهم" هزت ليان رأسها نفياً وهى تقول : –:" لاء طبعا بس عايزة أعرف ايه السبب" قالت علية وهى تترك مجلسها : –:" مفيش حاجة متشغليش بالك بس أنتى لو روحتى جامعة القاهرة هتعملى ايه" ردت ليان قائلة : –:" هقعد فى المدينة الجامعية يا تيتة ، لان لو روحت من هنا للكلية كل يوم هيبقى الموضوع صعب أوى" نظر باسم لهاتفه وهو يقول : –:" وفى القاهرة عمو محسن هناك هو وماجد ممكن ياخدوا بالهم منك" عندما إستمعت لحديث شقيقها ، اصطبغ وجهها بذلك اللون القانى ، عندما تذكرت أن ماجد هو الأخر يدرس بجامعة القاهرة فأدت صلاة الاستخارة ، ووجدت نفسها ذاهبة لتقديم أوراقها بتلك الكلية ، فهذه هى إرادة الله ، أن تكمل دراستها بها ، على الرغم من عدم حبها لتلك الدراسة فبعد الانتهاء من تقديم أوراقها ، عادت الى المنزل ،فولجت البيت ولا تعلم أن هناك زائرين لهم ، أحدث صوتها جلبة عالية خاصة وهى تدندن أحد الاغانى الطفولية بصوتها الخلاب : –" ألف ارنب يجرى يلعب يأكل جزرا حتى يشبع" ولكن جحظت عيناها عندما وجدت من ينظرون لها بابتسامة على أفعالها ، فضحك محسن قائلاً : – " صوتك حلو يا ليان" توهج وجهها من شعورها بالخجل ، فخرج صوتها ضعيفاً وهى تقول: –:" عمو محسن أزيك أنا أسفة على الدوشة اللى عملتها دى" تبسم محسن وهو يدعوها للجلوس : –:" ولا يهمك أنتى عاملة ايه أقعدى أحكيلى عملتى ايه فى الكلية النهاردة" جلست ليان على إستحياء وقالت : –:" الحمد لله النهاردة قدمت ورقى فى كلية التجارة" فرك ماجد يديه ببعضهما البعض قائلاً : –:" ربنا يوفقك ياليان" أبتلعت ليان لعابها قبل أن تقول: –:" شكرا يا ماجد هى طنط صابرة مجتش معاكم ليه" ساد التوتر على محيا محسن ، فحاول الإبتسام وهو يقول : –" اصلها تعبانة شوية مقدرتش تيجى معانا" نظرت له ليان قائلة بإهتمام : –:" الف سلامة عليها هى تيتة وباسم فين" رد ماجد قائلاً : –:" جدتك يا ستى مصرة تعملنا شاى واحنا طلبنا منها ترتاح هى مش راضية" تبسمت ليان وقالت: –:" هى تيتة كده عن اذنكم اشوفها" خرجت من الغرفة ، بخطوات مرتجفة ، فهى وضعت نفسها بموقف محرج للغاية ، فأنبت ذاتها وهى تقول: –:" داخلة أغنى ألف أرنب يقول عليا ايه دلوقتى هبلة شكلى بقى وحش أوى" سمعت جدتها غمغمتها ، ولم تفهم منها شيئاً ، فأقتربت منها وتساءلت بغرابة : –:" أنتى بتكلمى نفسك يا ليان ولا ايه" أنتفضت ليان بعد سماع صوت جدتها : –:" ها لاء يا تيتة مفيش حاجة عنك أنتى الشاى" قامت بحمل أكواب الشاى ، وجدتها تتبعها ، فدلفتا الى الغرفة ووضعت الصينية ، فولج باسم أيضاً قائلاً : –:" منور يا عم محسن وأنت يا دكتور" صافح محسن يد باسم الممدودة قائلاً بحنين : –:" تسلم يا إبنى سبحان الله كأنى شايف أبوك يا باسم صحيح اللى خلف مامتش ، أنا سمعت يا حاجة علية أنك ناوية تبيعى الجنينة الشرقية" أماءت علية برأسها مراراً وهى تقول بأسى : –:" ايوة بس لسه لدلوقتى مفيش مشترى مناسب للأرض" رد محسن قائلاً : –:" ربنا يسهل الارض دى كانت غالية اوى على سامى الله يرحمه" تدور الاحاديث من حولها ، غير واعية هى لشئ سوى ذلك الشاب الجالس بالمقعد المقابل لها ، فعلى الرغم من انها لم ترفع عينيها عن موضع قدميها ، ولكن لا تعلم لما تشعر بكل هذا التوتر ؟ كأنه جاء لخطبتها ، أنبت نفسها على أفكارها السخيفة ، فهو لم ينهى دراسته الجامعية بعد ، ولكنها تتحين تلك اللحظة بصبر كاد أن ينفذ سمعت صوت رنين هاتفها دليلاً على وصول بعض الرسائل لها على أحد مواقع التواصل الإجتماعى، فأخذته من جيبها ، لترى ما الأمر ، فالصوت تردد عدة مرات كأن وصل لها العديد من الرسائل فتحت الهاتف تتصفح الرسائل ، جحظت عينيها وهى ترى تلك الصور المخلة ، وليس هذا فحسب فوجه الفتاة بالصور وجهها هى ، هبت واقفة من مكانها ، فأثارت غرابتهم ، خاصة وهى تقف متصنمة بوقفتها ، ويداها معلقة بالهواء ، مما أدى لسقوط الهاتف منها ، فلم ينتهى الأمر لهذا الحد ، بل سقطت مغشياً عليها فى الحال فصرخت علية وهى تدب صدرها بخوف وصاحت قائلة : – لياااان رواية في هواها متيم. بقلم سماح نجيب.