الفصـــــــــــــــــــــــــــــل الأول نظرت إلى يديها لتجدها قد باشت وأبيض جلدها من كثرة الصابون والماء، اللذان أصبحت تعيش بينهما مع الأطباق التي لا تنتهي من الغسل، لتتأمل ساعتها البسيطة قبل أن تركض مسرعة إلى عملها وهي تتذكر أعين العجوز الضخم وصوته العالي وهو ينهرها. مريم بتعب من أثر ذلك الركض: أنا كده اتأخرت، ومستر عدنان مش هيرحمني. وبعد ركضٍ قد جعل حركة تنفسها تضطرب، وصلت إلى المطعم الذي تعمل به، لتقف أمامه قائلة بصوت مضطرب: آسفة مستر عدنان. لينظر إليها عدنان بعدما داعب شاربه ووضع يده على كرشه الضخم وهو يتلذذ بمذاق ذلك الحساء قائلاً: انتوا المصريين كده. وتركها وذهب ليكمل باقي ما يصنعه من طبخ في مطعمه المتواضع. فتتابعها نظرات صديقتها ريما.. فهي عربية من أصل جزائري تعيش هنا في كندا من أجل العمل كي تجلب نقوداً تنفق بها على والدتها المريضة وأخاها الذي مازال طالباً: مريم أنتي اتأخرتي كده ليه؟ لتضحك مريم بشدة على نطقها للغة المصرية البسيطة: لو كنت أعرف أن تعليمي ليكي للغتي هيخليها بالشكل ده، كنت فكرت قبل ما أعلمهالك يا ريما، أنتي دمرتي اللغة. فتداعبها ريما وهي تقترب منها بشوكتها العملاقة: كده يا مريم ماشي، أنتي اتأخرتي ليه بقى؟؟ لتنظر إليها مريم بحسرة: كنت ببعت فلوس لماما، وبعدين قررت أفضل شوية قدام البحر، أصله بيفكرني بإسكندرية. فتبتسم ريما إليها قائلة: بس أنتي كده مش هيبقى معاكي فلوس كتير، تقدري تجيبي لبس ليكي، وتدفعي إيجار السكن، ولا هتقدري تخرجي في العطلة، وده أول مرتب ليكي ليه مخلتهوش؟ فتترك مريم الطبق الذي تغسله من بين أيديها قائلة: ومين قال إن أنا عايزة أجيب هدوم، أو عايزة أخرج في العطلة، فلوس السكن الحمد لله أنا عاملة حسابها يا ستي ومتخافيش مش هخليكي تدفعيلي وأدبسك. ريما بابتسامة: مش قصدي يا مريم، أنا أقصد... وقبل أن تكمل ريما حديثها اقتربت مريم منها بوجه مبتسم: وأنا بهزر يا ريما على فكرة. ليسمعوا صوت العجوز الصخب يعلو حتى تقول ريما ضاحكة: أكيد الأكلة الجديدة اللي بيخترعها مقاديرها متظبطتش معاه. .................................................. ................ وإذا تأملت ذلك القصر، ستشاهد صرحاً عملاقاً وسط حديقة خضراء واسعة محاطة ببلورات الكريستال المضاءة التي تعلو هذه الأعمدة الأسطوانية، وعندما تردف قدماك داخله ستنبهر عيناك بهذا الطراز الذي صُمم به، لترى عالماً من الثراء الفاحش الذي يعيشه صاحب ذلك القصر. وضع يده بتثاؤب على تلك المنضدة التي بجانبه، إلى أن وقعت يداه على هاتفه الخلوي الذي قد اهتز بقوة ليعلن عن رنين أحدهما، فضغط بيده عليه كي يرى المتصل وهو ينهض من فراشه بعدما ألقى بنظرة على تلك المرأة التي تتسطح بجانبه على ذلك الفراش الوثير، فيتذكر ليلتهم المثيرة أمس، فيبتسم بسخرية ويذهب سريعاً إلى حمامه المزخرف بماء الذهب، فيأخذ حماماً منعشاً كي يريحه بعد تلك الليلة التي قضاها، وبعد وقت ليس بالكثير خرج وهو يضع تلك المنشفة على شعره الأسود الغزير الناعم كي يحجب قطرات الماء عن التساقط، فيعلن هاتفه مرة أخرى عن اتصال فينظر إلى ذلك المتصل ثانية. يوسف: اجتماع إيه اللي بعد ساعة ده، آه خلاص افتكرت، خلي جومانة تحضر الأوراق المهمة يا أمجد. فيلقي بهاتفه جانباً، ويدخل ذلك الممر الذي ينتهي بحجرة واسعة مليئة بأحدث ملابس الموضة الرسمية وغير ذلك، وبعد دقائق كان يخرج وهو ينثر من عطره المفضل على بذلته ويقف أمام المرآة ليمشط شعره برسمية، وتصبح هذه هي هيئته العملية، حتى تستيقظ تلك المرأة بعدما استنشقت رائحة عطره الفواحة فنهضت من على الفراش وهي تحكم غطاء جسدها العاري. صوفيا: هشوفك أمتا تاني يا جو؟ ليبتسم لها هو بعدما ارتدى ساعته الأنيقة: أكيد لما يجيلي مزاج يا صوفيا، وقبل أن يذهب ويتركها: آه صحيح أنا كتبتلك شيك بالمبلغ اللي محتاجه، عشان تعرفي بس أن يوسف أدورد مش بياخد حاجة غير لما بيدفع تمنها. فتترك هي لكلماته أن تتناثر حولها كما تناثر ذلك العطر حتى أصبحت رائحته تتلاشي، فتمسك الشيك وتتأمل المبلغ فتبتسم ابتسامة عارمة..... .................................................. ................ وعندما رددت بقلبها قبل لسانها قول الله تعالي (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) أغمضت عيناها ببطء، وهي تتذكر حياتها السابقة، لتدمع عيناها على الماضي وهي تضم كتاب الله إلى صدرها قائلة: ربنا مش بيظلم حد يا مريم، اصبري. فتتجمع الغيوم حول السماء، ويبدأ المطر بالسقوط بغزارة، لتقف ناظرة للسماء من شرفة غرفتها الصغيرة التي تقطنها مع صديقتها ريما في ذلك البلد الأوروبي... وهي ممددة بإحدى يديها فتتساقط قطرات المطر لتنساب من بين أصابعها، حتى تبتسم وهي تتذكر طفولتها بشرود. يلا يا مريم، ادخلي بسرعة عشان متبرديش. فتنظر لوالدتها بابتسامة هادئة: لاء أنا عايزة ألعب في المطر، وأفضل باصة للسما كتير، مش أنتي قولتيلي يا ماما أن ربنا بيستجاب لدعائنا لما المطر بينزل لأنه بيجي معاه الخير، أنا هفضل أدعي بقى أن بابا ينزل من السما. لتحتضنها والدتها بقوة، وهي تمسح على شعرها قائلة بحب: بابا راح عند ربنا يا حبيبتي، واللي بيروح مش بيرجع تاني، ادعيله أن ربنا يرحمه. فترفع بوجهها المبلل من أحضان والدتها: ربنا يرحمك يا بابا!! لتفيق مريم من شرودها، على صوت صديقتها: يلا يا مريم العشا جاهز... فتذهب إلى طاولتهما الصغيرة ناظرة إلى ذلك الحساء الساخن قائلة: إيه ده يا ريما؟ فتبتسم ريما قائلة: شوربة عدس بالجزر، أنتي ناسيه أننا بقينا في نص الشهر؟ لتضحك مريم على صديقتها: أنتي تقريباً بتعملينا طول الشهر شوربة عدس بالجزر يا ريما. فترفع ريما وجهها عن طبقها قائلة: شوربة العدس مفيدة في الجو ده. وبعد أن نظرت مريم إلى طبقها وقطعة الخبز الصغيرة: بسم الله الرحمن الرحيم. لتتطلع إليها ريما: هو أنتي كنتي بتقري إيه يا مريم، أنا كنت سامعة صوتك وأنتي بتبكي. فتبتسم مريم لها: كنت بقرأ في كتاب ربنا يا ريما، عايزاني بقى إزاي مبكيش وأنا بين إيد الحنان المنان الكريم. لتنظر إليها ريما بغرابة: وأنتي ليه كنتي بتقولي لا يظلم ربك أحداً، هو ربنا ظالم؟ فتمد مريم يدها لتضعها برفق على يد صديقتها: بالعكس يا ريما، ده هو الحاكم والعادل الأعظم، إحنا اللي بنظلم نفسنا، وبنظلمها قوي كمان، وأنا لما بحس إني مظلومة في الدنيا وشيطاني بيصورلي أن ربنا ظالمني، بحب قوي أفتكر الآية ديه، عشان أثبت لشيطاني كويس أن ربنا عمره ما ظلم حد من عباده، وبكده نفسي بتطيب، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. فتنهض ريما بدورها من على المنضدة: أنتي فيلسوفة يا مريم، وعارفة عن ربنا حاجات كتير ريما متعرفهاش، بس ليه بقى ربنا خلق ناس زي وزيك فقراء بيتعذبوا في حياتهم وناس تانية عايشة في قصور وراكبة أحدث العربيات، وترفع ريما إحدى المجلات قائلة: شايفة الحفلات، وشايفة الناس دول، آه لو واحد فيهم دخل مطعمنا ده ممكن مستر عدنان يبقى أغنى واحد في المنطقة.. فتبتسم مريم قائلة لصديقتها: هو أنتي مبصليش ليه يا ريما ولا أنتي مسلمة بالاسم بس؟ فتمسك ريما بطبقها كي تفرغ ما به من طعام قائلة: وهصلي ليه مادام مفيش أي أمنية لريما بتتحقق، لا ريما بقيت غنية، ولا حياتها اتغيرت، الأحسن أن ريما تعيش كده من غير دين. فتتأملها مريم بحسرة، وهي تخرج من جيبها صورة ذلك الطفل ذو قدم واحدة قائلة: طيب والطفل ده أنتي مش شايفة نفسك أنك أحسن منه، وأنتي واقفة على رجلك، ليه بصيتي لأصحاب القصور والعربيات الحديثة، ومبصتيش للطفل ده؟ فتقول ريما ساخرة: عشان لازم نبص ديماً للأحسن مننا، ده هو المفروض، مينفعش الإنسان يبص للأقل منه. فتربط مريم على كتف صديقتها بعدما نهضت: أنتي طيبة يا ريما، بس عقلك ده عايز غسيل من أول وجديد. فتضحك ريما قائلة: بالعكس أنتي اللي عقلك ده عايز غسيل من جديد، لتمسك بيدها حتى تقترب من تلك المرآة الصغيرة التي تتوسط غرفتهما: بصي لنفسك، في حد لسا بيلبس كده، أو حاطت على شعره القماشة ديه... ده اسمه تخلف يا مريم. فتبتسم مريم لصديقتها قائلة: وأجمل تخلف يا ريما صدقيني، إحنا ليه بتعجبنا المجوهرات والتحف الجميلة؟ لتنظر إليها ريما قائلة بتعجب: عشان مش أي حد يقدر يشوفها ويشتريها، يعني أنا وأنتِ مثلاً منقدرش نقف عند أكبر محلات المجوهرات، لأنهم ممكن يفتكرونا لصوص. فتضحك مريم قائلة: وأنا بقى مش سلعة رخيصة عشان أي حد يقدر يشوفها، وشوفتي أنتي شبهتي اللي بيشوف المجوهرات ديه بأيه باللصوص، شوفتي بقى ربنا حافظني إزاي بحجابي ولبسي ده، حافظني حتى من عيون اللصوص، عشان أنا غالية... لتنظر إليها ريما بتعجب قائلة: يلا ننام يا مريم عشان شغلنا بكرة. فتبتسم مريم.. وتهرب ريما من تلك الأفكار التي تراودها بأحلامها.. .................................................. ............... شخصية إذا رأيتها ستظن بأنها لا تفعل شيئاً سوى العمل، وكيف لا تظن ذلك وبالرغم من عمره الذي لا يتعدى الثلاثين سوى بثلاث أعوام، أصبح يحمل اسماً ناجحاً في عالم البيزنس، نعم هو ينتمي لتلك الطبقة ولكن عندما بدأ يتخلى عن رفاهية الشباب ويدخل هذا العالم استطاع أن يثبت اسمه وبقوة رغم نزواته التي أيضاً تلاحقه وتسرق منه بقية عمره.. فيرفع وجهه قليلاً بعدما نظر في بعض الأوراق بإتقان ووقعها: كده أوراق الصفقة تمام، يا أمجد في أي حاجة تانية؟ فينظر أمجد إلى بعض الأوراق.. ثم يعود بالنظر إليه فيقول: عجباك حياتك ديه يا يوسف، سهرات وشرب، فين نفسك من كل ده؟ ليرتخي هو بجسده الرياضي قليلاً، حتى ينهض من على كرسي مكتبه قائلاً: ما الشرب والسهر والستات، هي ديه نفسي يا أمجد. فيضحك أمجد قائلاً: وأنت مبسوط بحياتك ديه بقى؟ فيبتسم يوسف قائلاً: جداً، هو في حد يلاقي حياة زي ديه وميتبسطش؟ وقبل أن يتحدث إليه أمجد ثانية، تطلع هو إلى ساعة يده قائلاً: متكملش عارف هتكلمني عن الدين، بس للأسف ديني ده اللي بتتكلم عليه أنا معرفش عنه حاجة، أنا مسلم اسماً وبس، ثم قال ضاحكاً: ومسيحي برضه. ليقول أمجد متنهداً: بس أنت مسلم يا يوسف، ولا أنت ناسي أن والدك مسلم، صحيح أنت اتربيت في وسط عائلة مسيحية عشان والدتك مسيحية، بس أنت في النهاية اسمك يوسف عبد الله أحمد... يا ابن خالي. فيبتسم يوسف قائلاً: أنت آه قولت إني اتربيت على الدين المسيحي، بس للأسف ولا بقيت مسلم ولا بقيت مسيحي، أنا عايش بعقيدة نفسي. ليتطلع إليه أمجد بأسى.. حتى يقول يوسف: بكرة عندنا اجتماع بدري، ومتشغلش بالك بيا كتير.. سلام. وانصرف وهو لا يفكر بشيء سوى بعالمه الفاني، حتى تتبعته نظرات ابن عمته بإشفاق وهو يقول: ربنا يهديك يا ابن خالي! .................................................. ............. نظرت إليها الطفلة بعفوية، ثم بدأت تُقرب يديها التي لطخت بالدقيق حتى أصبحت بيضاء مثلها تماماً، وبرغم من بياض يديها إلا أنها اكتسبت ذلك اللون أيضاً، فتأملتها مريم بضحك قائلة: كده يا لانا، تعملي فيا كده.. فتمسك بيدها برفق، حتى يقتربوا سوياً من تلك المرآة التي تتوسط هذا المطبخ: شوفتي بقينا إزاي، ودلوقتي لو جدو دخل علينا هيرفدني. لتبتسم الصغيرة قائلة: بس لانا مش هتخلي جدو يرفد مريم، لأن لانا بتحب مريم كتير. فتحتضنها مريم وهي تبتسم على نطق الصغيرة لها باسمها، من بين حديثها وهي تقول: مريم كتير.. طب أشمعنا كتير بقى اللي قولتيها بالعربي اللي حاله يعتبر ماشي معاكي؟ لتنظر إليها الطفلة قائلة: مش أنتي كل شوية تقوليلي، أنا بحبك يا لانا كتير، فالانا لازم تقول لمريم إنها برضه بتحبها كتير. فتتطلع إليها مريم بحب قائلة: طيب تعالي يلا أغسلك إيدك، وننضف هدومنا يا مفعوصة. فتتطلع إليها لانا.. حتى تضحك مريم على منظر فاها الذي فُتح ببلاهة: إيه مفعوصة ديه؟؟ لتضحك مريم.. وقبل أن تكمل حديثها مع الطفلة، وجدت هذا العجوز يقف ينظر إليهما بتفحص بعد أن صنع تلك الكعكة لحفيدته. فتمسك مريم بيد الفتاة الصغيرة كي تهندم هيئتها ليقول جدها: أنتي مش شايفة المطعم مليان زبائن.. روحي قدمي المشروبات المطلوبة يلا. لتضحك مريم من كلمة العجوز عن مطعمهم البسيط الذي لا يردف إليه إلا القليل. .................................................. ............. الـــــــفـــــصــــــــــــــل الــــثــــانـــــــــــــــــي أدمعت عيناها وهي ترى كلمات ابنتها التي سُطرت في ذلك الجواب، فأحتضنت الجواب بشدة وهي تستنشق عبير رائحته وكأنها تريد أن تحتضن صاحبته، لتمسح دموعها سريعاً عندما وجدت زوجها واقفاً أمامها. فهمي بحنق: كل يوم لازم ألاقيكِ قاعدة نفس القعدة، ست نكدية، ما خلاص سافرت وأطمنتي عليها.. فتتطلع إليه سعاد بألم يعتصر قلبها: منك لله، أنت السبب، كان فيها إيه لو كملت ثوابك عليها.. بعد السنين دي كلها زهقت منها؟ فيظفر فهمي بضيق قائلاً: وأنا إيه اللي يجبرني أستحملها كل السنين دي؟ ولادي أحق منها بالفلوس اللي بصرفها عليها، أنا أستحملتها لحد ما تخرجت من الجامعة وبكده أنا عملت بأصلي، مش زي ناس. فتتذكر سعاد أهل زوجها السابق قائلة: أنت السبب خليتها تسافر تدور على عمها في كندا، منك لله يا شيخ. ليصرخ فهمي بوجهها: سعاد ياريت تلزمي حدودك معايا، وبنتك خلاص غارت.. ربي عيالك الباقيين بقى ولا أنتي مخلفتيش غير مريم؟ فتنظر إليه سعاد بحسرة: حتى حبي ليها مستكتره فيها، حرام عليك دي يتيمة، اتحرمت من أبوها وهي لسا طفلة مكملتش سبع سنين، أما ولادي التانيين ربنا أنعم عليهم بوجودك ووجودي، أما اليتيمة دي اللي طردتها من بيتك كان ليها مين؟ فيصمت فهمي قليلاً ليقول بتنهد: بنتك هي اللي سمعتنا واحنا بنتكلم، أنا مطردتهاش. فتنظر إليه سعاد بألم: عايزها تسمعك وأنت بتقول إنك مش مجبر تتحملها تاني، وأهل أبوها اللي أنت عارفهم كويس أنهم مش بيسألوا فيها إن هما أولى بيها، عايزها تسمع كل ده يا فهمي.. وتفضل قاعدة في بيتك؟ دي يا حبيبة عيني كانت بتشتغل طول ما هي في الجامعة عشان متكلفكيش مصاريف جامعتها، وحولت ورقها جامعة بعيدة عشان تريحك من همها وقعدت في بيت طالبات، وعايزها أول ما تسمع كلامك تفضل مستنية لحد لما تيجي تقولهولها بنفسك، بدل ما تقولهولي.. أنا عارفة إنك من زمان وأنت مش طايقها، كانت نظراتك واضحة أوي يا فهمي، بنتي كانت حساها وأنا كنت بشوف نظرة الألم في عينيها وهي حاسة إنها عبء على جوز أم بيتتكفل بيها عشان الواجب، مش الرحمة. ليتطلع إليها فهمي بلامبالاة: خلاص خلصتي كلامك؟ فتنظر إليه سعاد بحسرة، وتسقط دموعها على ابنتها حزناً وشوقاً. .................................................. ................ كانت هذه هي حياته التي يعشقها، من يتطلع إليه نهاراً سيجده مثل الآلة التي تفكر وتعمل وكأن رفاهية الحياة لا يبالي بها شيئاً، ولكن عندما يحل الليل لا يكون سوى رجلاً يبحث عن نزواته وعلاقاته التي تتعدد.. وأمام سطوة ماله ووسامته وجسده كان يحصل على ما يريد بدون عناء، فيتطلع إلى تلك المرأة التي تحاوطه بذراعيها وهو يراقصها لتقول هي بهيام يمتلكها أمام نظرات عيونه الراغبة: أنا مش مصدقة نفسي، إني برقص معاك يا يوسف، وتقترب منه أكثر لتعانقه قائلة بهمس: هو احنا هنقضيها رقص طول الليل؟ ليتطلع إليها ناظراً لها بتأمل.. فيشير إلى حارسه الشخصي بأن يجهز له سيارته فيقربها منه أكثر قائلاً: كانت سهرة جميلة أوي يا روز، فينظر إلى ساعته قائلاً: للأسف لازم أمشي عشان عندي اجتماع بكرة مهم أوي.. فتتطلع إليه هي بحنق شديد.. ويسير هو من أمامها بهيئته الجذابة، لينهي تلك الليلة التي قد علم فيها رغبة صاحبتها منه، ولكن مادام هو لا يرغب، فلتحترق هي حنقاً منه كما شاءت.. لتظهر ابتسامة ساخرة على محياه، ويركب سيارته بعدما قد فُتح أحد أبوابها إليه ويغمض عيناه قليلاً وهو يأمر سائقه بأن يذهب به إلى بيته الذي يقطنه بمفرده بعدما توفت والدته وبعدها جده.. ليصبح هو وحده الوريث لتلك الإمبراطورية التي قد ورثها عن جده الذي أصبحت كنيته معروفاً باسمه كما يدعون يوسف أدورد .................................................. ............. وعندما أغمضت مريم عيناها كي تنعم بالراحة قليلاً، كان شريط حياتها يسير بدون توقف أمام أعينها، فتسقط دمعة قد اجتازت جفونها ببراعة، حتى أصبحت دموعها سيلاً، فتتردد تلك الكلمة التي سمعتها من عمتها عندما ذهبت إليها كي تستنجد بها: خدي الفلوس دي، وأوراق سفرك بقيت جاهزة أهوه، وسافري لعمك محسن يا مريم، هو هيساعدك ويشوفلك شغل هناك. فتتطلع هي إلى عمتها بألم.. حتى تمد عمتها بيدها فتضع داخل كفيها الظرف الذي يحتوي على بعض الأموال وتذكرة طائرتها.. فتخرج عمتها، وتبتسم هي ساخرة عندما تذكرت حديث عمتها مع ابنتها: واحنا ذنبنا إيه يا ماما نتكفل بمصاريفها، وتعيش معانا، البنت دي لازم تمشي، مش كفاية أول ما جات عندنا أحمد خطيبي أعجب بيها، أنا مش هستنى لحد ما تسرقه مني.. أنتي لازم تتصرفي يا ماما. فتفيق على صوت أقدام صديقتها لتجفف دموعها سريعاً وهي تقول بصدمة: مالك يا ريما فيكي إيه!! ثم تأملت هيئتها المزرية بألم، لتمد يدها برفق كي تساعدها قائلة بإشفاق: ليه بتعملي في نفسك كده؟ فتضحك ريما بدون وعي: أنتي حلوة أوي يا مريم، السهرة دي كانت بجد ناقصاكي، هو زين ليه سابني يا مريم عشان أنا مش حلوة، ولا عشان فقيرة وبشتغل في المطبخ؟ هو قالي كده، قالي إني خدامة وكمان طباخة، زين ضحك عليا يا مريم. فتجلس ريما على طرف الفراش ببكاء وتخرج من حقيبتها تلك الزجاجة الكريهة لتقربها من فمها قائلة: لازم أنسى!! وقبل أن ينزلق ذلك المنكر الكريه ليختلط بدماء جسدها، قذفته مريم بعيداً قائلة: وأنتي كده هترتاحي، لما تكوني أشبه بالحيوان، ومش حاسة بنفسك؟ لتتطلع إليها ريما بغضب.. وقبل أن تتحدث كانت تنظر إليها مريم بحزن قائلة: هو ربنا ميزنا عن الحيوان بإيه يا ريما، مش بعقولنا برضو، وليه بنزعل لما حد بيشبهنا بالحيوان؟ مش عشان الحيوان تصرفاته هوجاء؟ تقدري تقولي للكلب أنت هتعضني ليه، أو تقولي للقطة أنتي خربشتيني ليه، أو الأسد أنت عايز تأكلني ليه؟؟ فتتسطح ريما بجسدها على الفراش والنوم يداعب جفونها قائلة: هو في حد يقدر يقول للأسد أنت هتأكلني ليه، يا لكِ من حمقاء يا مريم!! فتمسح مريم على شعرها قائلة بحنان: ما أنتي دلوقتي زيه يا ريما، أنتي لو شوفتي زين دلوقتي قدامك ممكن تموتيه. لتنظر إليها ريما قائلة: هموته عشان هو خاين، وضحك عليا وجرحني. فتربط مريم على كتفيها: لما هتفوقي وتصحي، هتكتشفي إنك كنتِ غلطانة بتفكيرك ده، عشان تضيعي نفسك بسبب إنسان زيه، شوفتي بقى الفرق بين وأنتِ في وعيك ومن غير وعيك... فتضحك ريما قائلة: أنا دلوقتي من غير وعي صح؟ لتبتسم مريم قائلة: نامي يا ريما وأنا هفضل جنبك. فتمسك ريما يدها بحنان قائلة: كانوا ديماً بيقولوا على المسلمين إرها،،،،بيين، فتصمت قليلاً بعد أن غالبها النعاس، لتصحو ثانية قائلة بتثاقل وبابتسامة مرسومة على محياها: بس طلعوا أحلى إرهابيين، ممكن نقابلهم. وتصبح أخلاقك.. هي وحدها من يعرف العالم بها جمال دينك، وما أعظمه. .................................................. ............. وعندما سمع يوسف آخر كلمة يتفوه بها هو.. وقف للحظات يتطلع إليه بجمود قائلاً: طيب وأنا أعمل إيه يعني يا أمجد؟ لينظر إليه أمجد بأسى قائلاً: ده أبوك يا يوسف ومهما أنكرته وبعدت عنه هيفضل أبوك، دمك واسمك منه، ليه تحرمه من أنه يشوفك؟ فيضحك يوسف بشدة قائلاً: أمجد، بلاش لو سمحت شغل العاطفة اللي ديماً بتكلمني بيه ده، أنا أتربيت إن العاطفة وكل الكلام الفارغ ده المفروض ميبقوش من حساباتنا، لو سمحت يا أمجد بلاش نتكلم في الموضوع ده تاني. فيتنهد أمجد قائلاً: أنت هتفوق أمتا يا يوسف، لما عمرك كله يضيع؟ فيضحك يوسف بشدة قائلاً: أخبار ياسين أيه، عجبته الهدية؟ فينظر إليه أمجد قائلاً بتنهد: الهدية عجبته يا سيدي وسالي عازماك على العشا النهاردة ياريت متتأخرش زي العادة، وعارف طبعاً إنك عايز تغير الموضوع عشان كده مش هقولك حاجة غير إن ربنا يهديك. فيقترب منه يوسف قائلاً بابتسامة: أنت عندك أمل إني أبقى إنسان تاني وأتغير، متوقعش إن هيجي يوم وهبقى يوسف اللي أنت عايزه، أصل حياتي كده يا أمجد ومش هتتغير، متتعبش نفسك مع حد مفيش منه أمل... روح شوف شغلك بقى، ومضيعش وقتك ووقتي. ليتأمله أمجد بألم... حتى ينصرف من أمامه بعدما أيقن أن الحديث معه لا يجلب سوى الكبر والعند لديه. .................................................. ........... وعندما دخل بقدميه إلى حجرة صغيرته، كي يفاجئها بتلك اللعبة الحديثة، وهو يقول: لانا حبيبة بابي شوفتي أنا جبتلك.. وقبل أن تتفوه فاهها بحرفٍ آخر، ظل ينظر إلى أعين ابنته اللامعة وهي تبتسم له بفرحة، بعدما وضعت تلك القماشة الحريرية التي تضعها والدتها حول عنقها كي تعطي لها مظهراً مُنمقاً.. ولكن هي قد أتخذتها موضعاً على شعرها الأشقر لكي تغطيه بعناية قائلة: شوفت يا بابي لانا حلوة أزاي؟ فتقترب من أباها قائلة: أنا حلوة كده يا بابي صح؟ لينزع تلك القماشة بعنف قائلاً بصوت صارخ: لأ وحش، شكلك وحش، ويمسكها من ذراعيها قائلاً بصوت جامد وهو ينده على زوجته: سيلا، سيلا. لتقف زوجته أمامه مصدومة وهي تتطلع إلى أعين ابنتها الباكية، فتجذبها بحنان إليها قائلة: أهدئي لانا حبيبتي. فيصرخ بها جون قائلاً بتهكم: بنتك بتضع الحجاب لتغطي شعرها، وأنتي تقولي لها أهدئي؟ فتمسك هي يد صغيرتها بحنان قائلة: قبلي والدك يا صغيرتي، وأعتذري منه. فتقترب منه هي كي تقبله، وكاد أن يبعد وجهه عنها، ولكنها وضعت قبلتها سريعاً بحنان قائلة: أنا آسفة.. ليحتضنها هو قائلاً بحنان، بعدما هدأ: لانا عزيزتي، أنتي مسيحية ولستِ مسلمة، والمسلمون وحدهم هم من يرتدون الحجاب عزيزتي. فتتطلع إليه هي قائلة بتساؤل يناسب عمرها الصغير الذي لا يتجاوز السبع سنوات: بس مريم مسلمة، وأنا عايزة أكون زي مريم. فيضم كفيه بقوة قائلاً: لماذا تحبين مريم هكذا وتقلدينها؟ فتقترب زوجته منه كي تُنهي تلك المشاجرة قائلة بهدوء: لانا عزيزتي، اذهبي إلى المطبخ لقد صنعت لكِ كيكة الشوكولاتة التي تحبينها. فتركض الطفلة سريعاً غير عابئة بذلك الحوار الذي سيحدث، ليقول جون بغضب: أرأيتِ، من جعلتِها تعمل في مطعم والدك، تريد أن تجعل ابنتك مثلها! فتتطلع إليه سيلا قائلة: لماذا تكره المسلمين هكذا؟ لكل شخص منا دينه ويجب أن نحترم بعضنا، ولانا لا تعرف شيئاً وحين تكبر ستفهم، دعها هي من تختار ماذا تريد. فيقترب منها هو بعنف قائلاً: تُريدين ابنتي أن تصبح مسلمة؟ فتنظر إليه بهدوء قائلة: لو ابنتي أحبت أن تصبح مسلمة، فلن أغضب، فهي سوف تعتنق دين قد أحبته وفهمت تعاليمه. وتتطلع إليه هي قائلة: هل أعجبك حالك؟ أنت لا تعرف شيئاً عن الدين المسيحي كما يجب، أنت مسيحي بالاسم وفقط، وأنا لا أريد ابنتي أن تصبح مثلنا، أريدها قريبة من الرب دائماً ليحفظها ويرعاها، فلن يفرق معي أن تكون يهودية أو مسيحية أو مسلمة. فتصبح نظراته وحده هي من تحاوطها، لتقول هي: لا تفكر أن تجعل والدي يطردها، لن أسمح لك بذلك أفهمت؟ فيتحول حنقه إلى غضب عارم، حتى ينصرف سريعاً من أمامها وهو يسب ليس فيها، بل بمن جعلت ابنتة تفكر مثلها وتحاول أن تتبعها، وجعلت زوجته أيضاً تحبها. .................................................. ................ وقف يتلذذ بطعم ذلك المشروب البغيض، وكأنه يرى فيه متعة لا يرى مثلها، فيبتسم ابتسامة مزيفة لهؤلاء الرجال الذين يضمهم ذلك الحفل، فهذا العالم الذي يحيطه لا يصلح له سوى تلك الابتسامة، ليرفع يوسف بكأسه كي يلتصق بكأس ذلك الشريك الجديد. يوسف: شركتنا محظوظة كتير، إنها انضمت لمجموعة أدورد باشا، إمبراطورية عظيمة فعلاً قدر يكونها. فيبتسم يوسف متذكراً جده الذي عوضه عن حنان والديه، فهو كان دائماً يرى فيه ابنته التي توفت قهراً بسبب ترك زوجها لها الذي تحدت الجميع من أجله لكي تتزوجه، ولكنه تركها بعدما أصبحت تحمل طفليها في أحشائها، لتعود إلى والديه ثانية بذلك الطفل، وبرغم كره جده لوالده ونقمته عليه لما فعله بابنته الوحيدة، أعطاه كل الحنان والحب وأيضاً الثروة. فيقترب منه ذلك المدعو فادي قائلاً: روحت فين مستر يوسف، ثم نظر إلى سكرتيرته الخاصة قائلاً: أعرفك بسارة سكرتيرتي الخاصة، أكيد شوفتها في اجتماعاتنا بـ لبنان.. فيبتسم يوسف بابتسامة مزيفة متذكراً محاولاتها المفضوحة في التقرب منه.. لتقول هي بدلال يُطغي على جميع جسدها حتى شفتاها: أنت كتير متألق مستر يوسف، أنا بستغرب إنك لحد هلا مازلت مو متزوج. فيبتسم هو ساخراً بعدما أرتشف القليل من ذلك المشروب قائلاً: عندك عروسة ليا ولا إيه يا سارة؟ فتبتسم هي إليه: بدك لبنانية ولا ناوي تتجوز من مصر، أصل معظم المصريين بيحبوا ديماً يتجوزوا من بلدهم حتى لو عاشوا كتير متغربين في بلد غير بلدهم، بيحنوا ديماً لموطنهم. ليتطلع فادي على حديثهم، ويتركهم كي يكملوه بمفردهما ويتابع هو ضيوف حفلته بعدما اطمأن على أهم عضو فيها. فيضحك يوسف قائلاً: شكلك عارفة حاجات كتير عن عقلية الرجل المصري. لتقترب منه هي بدلال بالغ قائلة: فيك ملامح كتير مصرية، حتى شخصيتك. فيبتسم يوسف مازحاً: وانتي بقى بتحبي إيه؟ لتهمس في أذنيه... حتى يتطلع إليها قائلاً: ياريت أشوفك قبل ما تسافري. وينصرف من أمامها، بعدما ابتسمت هي لوصولها إلى ما ترغب فيه متنهدة بحالمية، فتعدل من فستانها الأزرق القصير عاري الكتفين.. وتظل نظراتها عالقة به. .................................................. ............ رواية عشق القلوب. بقلم سهام صادق. الـــــفــــصـــــل الـــــثـــــالــــــثـــــــ مرت الأيام وقد مرض العجوز... وأصبح زوج ابنته مَن يشرف على أمور المطعم. وعندما سمعت مريم صوت المدعو جون يُناديها بقوة، تأكدت بأنه يوجد خطب ما قد فعلته، ولكن ماذا فعلت، وهي في بداية يومها، فتتطلع إليها ريما قائلة: "مريم أنتِ عملتي إيه؟" لتنظر إليها مريم بعدما هزت بكتفيها تعبيراً عن النفي: "ده أنا لسه بقول بسم الله الرحمن الرحيم عشان أبدأ في معركتي مع الصحون والصابون.. تقولي لي عملتي إيه؟" فتصمت قليلاً لتقول: "يمكن أكون عاملة حاجة وأنا معرفش!" فتبتسم ريما قائلة بحنان: "طيب روحي شوفيه لأن شكله متعصب." وقبل أن تردف قدماها خارج ذلك المطبخ، وقف يتطلع إليها جون قائلاً: "تنظيف المطعم عليكي كل يوم قبل ما يتفتح، سامعة؟" فتتطلع إليه مريم بدهشة قائلة: "بس ده مش شغلي أنا.." وقبل أن تكمل حديثها معه: جون: "مممممم، يبقى مع السلامة، وماتفكريش إن سيلا هتمنعني إني أطردك..." لتغمض مريم عينيها بألم بعدما تذكرت بأن ليس لديها مال يعولها، حتى عمها أصبحت لا تعلم عنه شيئاً سوى أنه قد هاجر لأمريكا قبل وصولها ببضعة أيام: "حاضر." فيتطلع إليها هو ساخراً، فتقع نظراته على ريما ويبتسم لها قائلاً: "طاب يومك ريما!" فتضحك بألم على تلك المعاملة التي يستثنيها بها عن ريما.. فريما يعجبه فيها تحررها ولا مبالاتها بأي شيء يخص دينها، حتى إنه أصبح ييقن بأن حقاً يوجد مسلمون بلا إسلام، ولو أُعلنت حرب ضد دينهم لوقفوا متفرجين يبحثون عن أنفسهم وفقط. لتقول مريم وهي تقلد صوته: "طاب يومك ريما!!" فتقترب ريما منها ضاحكة: "آه لو سمعك دلوقتي." لتنظر إليها مريم بحنق: "نفسي أعرف ليه بيكرهني كده؟" لتربت ريما على كتف صديقتها بحنان قائلة: "عشان ميعرفش مريم بجد." فتبتسم قائلة بحب: "طيب روحي شوفي شغلك يا طباخة هانم، عشان مايتحرقش، وابعدي شوكتك ديه عني." فتتذكر ريما كلمة حبيبها الذي تركها بسبب عملها، قائلة بتهكم: "شكلي هفضل طباخة طول عمري." فتبتسم مريم قائلة بعدما شعرت بتأثير تلك الكلمة على صديقتها دون قصد منها: "وأنا هفضل مساحة، شكلي.. ههههه." فتنسى ريما حزنها قائلة بضحك: "طباخة ومساحة!" ويصبح الضحك وحده هو مَن يعبر عن حالهما!! .................................................. ............. وعندما تطلع يوسف بجانبه، تذكر تلك الليلة، فكم كانت بارعة في أن تجذبه إليها وتحصل على ليلة ترغب فيها الكثير منهن، فيبتسم ساخراً كعادته وينهض من جانبها كي يذهب إلى حمامه.. وبعدما أنهى كل ما يريد فعله، كانت نهاية المطاف أن يقف أمام تلك المرآة ليهندم ملابسه وينثر من عطره النفاذ حول عنقه، ولكن لمسات يدها التي أحاطته قد جعلته ينتبه لها، وبرغم من قصر قامتها بالنسبة له... رفعت بقدميها كي تلامس خصلات شعره قائلة: "بدي أشوفك تاني." فابتسم هو بعدما أحاطها بكلتا يديه وقربها منه: "أكيد، الصفقات بينا كتير أنا وفادي، وهنشوف بعض دايماً." لتبتسم ساره قائلة: "يعني هشوفك بلبنان؟" فيلتف يوسف كي يتطلع إلى المرآة ثانية: "طيارتك الساعة كام؟" ساره بشغف: "الساعة 11 مساء!!" لينظر إليها يوسف ثانية وهو يتطلع إلى تلك العلبة الزرقاء القطيفة: "أتمنى إنها تعجبك،" ويقترب منها هامساً: "زي ما أنتِ عجبتيني." لتتناثر كلمات جملته حولها غير عابئة بما تحتويه من معنى، فتتطلع إلى ذلك الخاتم بانبهار يلاحظه هو... ليبتسم ابتسامة لا توحي سوى بتهكم صاحبها، أما هي فكانت في عالم آخر بأعين لامعة متسلطة على ذلك الخاتم الماسي! .................................................. ............... وكلما تطلع إلى صورته، تأملته عيناه بحسرة، لتلمس أصابعه بارتجاف تلك الملامح التي تشبهه تماماً فيقول بألم: "سامحني يا بني، بس صدقني، أنا مسبتش أمك، هي اللي هربت مني لما فكرت للحظة إني ممكن أتخلص منك وأنت لسه ماجيتش على الدنيا." لتقترب منه ابنته قائلة بألم يعتصر قلبها على والدها المسن: "برضو بتفكر فيه يا بابا؟ نسيت اللي عامله فيك لما روحتله الفندق عاملنا زي الشحاتين، لو أنت نسيت أنا ممكن أفكرك." فيغمض عبد الله عيناه بألم: "هو اللي كرهه فيا، جده السبب، كارمن لو كانت عايشة عمرها ما كانت هتكرهه فيا." فتحتضن هي أباها قائلة بحسرة: "كفاية عليك أنا وأحمد يا سي بابا،" فتطبع قبلة حانية على خد ذلك العجوز ليقول هو بشوق: "ويوسف كمان أوعى تنسي إنه أخوكي يا نهال." لتتطلع نهال بحسرة لشوق والدها إلى ذلك الابن العاق، متذكرة نظراته إليهم وسط رجاله عندما جاء يعقد أحد صفقاته في موطنه الأصلي دون أن يتذكر بأن بداخل هذا البلد أباً يشتاق إليه وأخوة راغبين في رؤيته. .................................................. .............. نظرت مريم إلى أدوات التنظيف التي بيدها، حتى أغمضت عيناها وهي تشفق على حالها من تلك المهمة التي أصبحت مفروضة عليها، فيعم السكون حولها ناظرة إلى ذلك الممر الذي يرد منه الزبائن، فتجد حركة الناس خارجاً مازالت قليلة.. لتتطلع إلى تلك الساعة المعلقة على جدران المطعم، فتدق بقوة لتعلن عن بداية وقت جديد يحتوي على ستين دقيقة، ليأتي ذلك الصوت من خلفها وهي غير مصدقة فتنظر إلى صديقتها..... حتى تقول ريما بتعجب: "مستغربة ليه كده؟ وأنا اللي قولت أجي أساعدك." فتتطلع مريم إلى صديقتها قائلة: "بس أنتِ لسه ميعاد شغلك يا ريما." فتنظر ريما إليها قائلة: "وتفتكري هتقدري تخلصي تنظيف المطعم كل ده لوحدك؟ اسكتي بقى وبلاش رغي، ولا أنتم المصريين كده دايماً بتحبوا تتكلموا كتير؟" فتبتسم مريم قائلة بحنان: "معلشي يا آنسة ريما استحملينا، ده حتى إحنا برضه أشقاء." فتقترب منها ريما لتحتضنها: "من ساعة ما اتعرفت عليكي وحبيتك، بقينا أخوات قبل ما نكون أصدقاء، دايماً واقفة معايا، ما تجاهلتنيش زي بعض الناس عشان أنا متحررة ومعرفش حاجة عن ديني، أو لأني إنسانة مستهترة، بالعكس دايماً بتوجهيلي النصيحة والكلمة الطيبة على قد ما بتقدري،" ثم تابعت بالحديث قائلة بصوت عالٍ: "مستر جون!" فتفزع مريم من سماع ذلك الاسم، وعندما التفتت حولها كي تبحث عنه بعينيها.. كانت ضحكات ريما تخبرها عن تلك المزحة السخيفة التي أرعبتها. .................................................. ................. وعندما ارتخى بجسده قليلاً في ذلك المسبح الرخامي، الذي تنبعث منه المياه بتدفق من كل الجوانب، أعلن هاتفه الخلوي عن رسالة نصية، ليتأمل تلك الرسالة التي تحتوي على كلمة واحدة: "وحشتني .... (ساره)" فيلقي يوسف بهاتفه جانباً، بعدما مد بيديه إلى ذلك المشروب الكحولي ثم تناوله دفعة واحدة وبعدها يهبط بجسده هارباً من أفكاره تحت المياه الرطبة، ويرفع برأسه سريعاً، وهو يزيل خصلات شعره الأسود الناعم التي تناثرت بعبث على وجهه، ويخرج بعدها ليمسك بمنشفته، بعدما ارتدى ذلك البورنص ذات اللون الأبيض، ويسير صاعداً إلى غرفته كي يستعد لتلك العزومة التي أعدها أمجد له هو وزوجته سالي... .................................................. ............. وعندما توقف محرك البحث على تلك الصورة التي تجمعه مع إحداهن، أطلق صفيراً عالياً ليقول: "طبعاً ما أنت عايش في عز محدش يحلم بيه، لازم تبقى ديه حياتك وكل الستات تبقى تحت إشارة بس يا يوسف باشا." ليدخل صديقه طارق إلى الحجرة التي تضم مكتبين في ذلك البنك قائلاً: "أستاذ مصطفى عايزك يا أحمد." فيتطلع أحمد إليه بعدما أغلق حاسوبه الشخصي: "أنت ليه يا ابني دايماً بتطلعني من العالم اللي أنا فيه، لـ الهم اللي إحنا فيه؟" ليرفع صديقه رأسه بعيداً عن تلك الملفات التي انكب عليها قائلاً: "الهم اللي أنت فيه ده شغلك، وكمان فين الهم؟ أنت بتشتغل في أكبر بنك عالمي في القاهرة، غير إن أنت نسيت كنت قد إيه بتحلم وإحنا لسه طلبة في الجامعة إننا بس تجيلنا فرصة تدريب فيه، مش وظيفة." فيتطلع إليه أحمد قائلاً: "لاء منسيتش يا سيدي، بس لما أبقى شايف حياة وعالم تاني ناس عايشين فيه، فأكيد هنسى أحلامي الضئيلة يا سيدي وهدور على أحلام أكبر." فيتطلع طارق إليه بنصف عين: "طبعاً ما هو أخو الملياردير يوسف أدورد ، أشهر رجل أعمال في أوروبا وأمريكا شمالها وجنوبها، لازم يبقى طموحه أكبر من كده." فيضحك أحمد قائلاً وهو يهندم ربطة عنقه: "شوفت؟ عشان لما أقولك من كرم أخلاقي إنك تبقى صديقي." ويرحل أحمد من أمام صديقه كي يذهب إلى مدير عمله، فيتنهد طارق قليلاً ويعود إلى عمله ثانية.. .................................................. ........... كانت نظراتها الراغبة له تحاوطه، كان يظن سابقاً أنها نظرات إعجاب وفقط، ولكن مع كل مرة كانت نظراتها تلاحقه تثبت له أنها نظرات أنثى راغبة، فهو يعلم تماماً هذه النظرة، فكيف لرجل مثله لا يفهم مثل هذه النظرات؟ فتقترب منهم سالي وهي تحمل فناجين القهوة المعدة لهم بجسدها الممشوق وفستانها الأحمر الضيق الذي يفصل جسدها، وبرغم من طوله ولكنه أصبح وكأنه عارٍ... ليقول أمجد: "طبعاً أنت عايز حاجة تانية غير القهوة، بس أنسى." فيبتسم يوسف قائلاً وهو يحمل فنجانه: "تسلمي يا سالي." لترتسم البسمة على وجه سالي.. حتى يقول: "ههه، لا أنا دلوقتي محتاج قهوة، ويا سيدي أنا عارف إنك مابتشربش ولا أنت ولا سالي عشان من المحرمات." فينظر إليه أمجد قائلاً: "وده المفروض إن أنت كمان تعمله يا يوسف." ليبتسم يوسف وهو يتطلع إلى زوجة ابن عمته: "جوزك ده خنيق أوي يا سالي، أنا مش عارف ليه لسه لحد دلوقتي مستحملاه." فتنظر إليه سالي قائلة: "تصدق يا يوسف ده بقى معترض على كل لبسي حتى طريقة لفي للحجاب بقى معترض عليها مع إن الموضة كده، بجد أمجد بقى فظيع." ليتطلع إليها أمجد بحنق: "يا دي الموضة اللي بقى كل اهتمامك عليها، أنتِ ماكنتيش كده وإحنا في مصر، على العموم أنا مش بجبرك أنا بقولك الصح،" ثم تطلع إليه قائلاً: "للأسف بنحب أوي نتمتع في الحرام، وبننسى الحلال، مع إنه أجمل وأحلى." فيضحك يوسف بشدة، لتشاركه سالي نوبة هذا الضحك قائلاً هو: "أمجد أنت في كندا، يعني مش في مصر، حتى مصر برضه يعني كل الأمور بقيت عادية والتحرر بقى شبيه بالدول الأوربية." فيبتسم أمجد لهما قائلاً: "الواحد بيندم على كل لحظة بجد كان جاهل فيها بدينه، دايماً بنحب أوي نتثقف ونفهم في الأمور الدنيوية، وده شيء مؤسف." وقبل أن يتكلم أمجد ثانية، جاء طفلهما وهو يحمل لعبته الحديثة المكونة من سيارة بريموت كنترول قائلاً: "عمو يوسف، أنا مش عارف ألعب بيها، كل شوية تقف." ليضمها يوسف إليه قائلاً بعد أن حمله: "طيب تعالَ بقى يا بطل نشوف فيها إيه، ونلعب سوا." لتحاوطهم نظرات سالي، فتتطلع إلى زوجها الذي أمسك بأحد الكتب التي يفضلها وأخذ يقرأها بشغف... فتلتفت ناظرة إلى طفلها ثانية، بل وبالأصح هو، وتظل تتأمله بشغف شديد!! .................................................. ............. الــفــصــل الرابع تسطحت بضعف على فراشها البسيط، وهي تتألم قائلة بحنق: حيلي اتهد، آه يا رجلي، آه يا إيدي، آه يا راسي، آه يا سناني. فتضحك ريما عليها قائلة: طب وإيه اللي دخل سنانك في الموضوع؟ فتضحك مريم هي الأخرى قائلة بتعب: هي جت عليها يعني، وكادت أن تكمل تأوهاتها... حتى قالت ريما: وقفي شريط الآهات ده، وتعالي نتعشى.. أما أنا عاملالك... لتقطع مريم حديث صديقتها قائلة: شوربة عدس بالجزر، حفظت وجبتنا الأساسية طول الشهر. فتضحك ريما على صديقتها: لاء الجدول اتغير النهارده وبس، أصلك صعبتي عليا وعاملالك أكلة تجنن.. وتذهب ريما لتعود ثانية وهي محملة بذلك الطبق قائلة: شوفتي؟ وجيبالك الأكل كمان لحد عندك، يعني خدمة خمس نجوم. لتنهض مريم سريعاً وهي تتأمل ذلك الطبق، قائلة بتبرم كالأطفال: إيه ده يا ريما؟ ريما بفخر: بريك بالتونة.. فتضحك مريم قائلة: تونة! وتشرد قليلاً لتقول: أكل ماما وحشني أوي، وقبل أن تهرب دموعها. نظرت إلى صديقتها لتجدها قد بدأت في تذوق طعامهما، بل التهمته بشدة، لتتطلع مريم إليها قائلة بحنق: طب أنا آكل إيه دلوقتي؟ ما فضلش غير قطعة، إنتي بتعملي فيا كده ليه يا ريما؟ والله أنا مش عايزة أخس. فتضحك ريما بشدة وهي تنظر إليها: لاء أكتر من كده الصراحة مش هينفع، فتمد يدها بتلك القطعة قائلة: ما إنتي اللي سرحتي في أكل مصر، أعملك إيه؟ لتتطلع إليها مريم قائلة بعدما قذفت بتلك الوسادة عليها: وإنتي سرحتي في الطبق كله وطمعتي فيه، صح؟ لتتعالى صوت ضحكاتهم، وتجلس ريما بعدما اختلط صوت ضحكاتها بالأنين قائلة بدموع: إنتي اللي بتصبريني على الحياة هنا، بدي أرجع بلدي. فتتطلع إليها مريم بعدما مدت يدها لتمسح دموعها: إحنا اتفقنا نقول إيه لما نحس بالخنقة؟ فتنظر إليها ريما قائلة كالأطفال: الحمد لله! لتحتضنها مريم، وهي مدمعة العينين قائلة بحنان: أومال لو جون بيعملك زي ما بيعملني هتعملي إيه؟ فتبتعد عنها ريما بعد أن أزالت خصلات شعرها الحمراء: كنت انتحرت. لتضحك مريم وهي تتذكر صوته الكريه: ربنا يصبرني عليه، ويرحمني من أكلك. فتصبح ضحكات ريما هي من تعلو ثانية دون توقف.. حتى يغمضوا أعينهم سوياً لينعموا بقليل من الراحة، وتشرد كل منهما في عالمها ولمن اشتاقت. ............................................................. وعندما حل السكون على قصره، ووضع له خادمه ذلك المشروب وانصرف، مد يده كي يتذوق مشروبه الكحلي المثلج وهو يتابع أحوال البورصة هذه الفترة، وبعد دقائق كان قد انتهى من تصفحه ومشروبه هذا أيضاً.. لينهض من على كرسيه الوثير، ويظل يجول داخل تلك الحجرة ذهاباً وإياباً، حتى وقع ببصره على بعض الصور التي تجمعه هو وجده ووالدته عندما كان طفلاً، وأخرى لجده ووالدته، وصورة أيضاً لجدته التي لم يرها بل سمع عنها من أحاديث جده العاشق.. فأبتسم بألم وهو يراهم حتى تطلع إلى صورته وهو في عمر الشباب ليتذكر كلام جده وهو يقول: بقيت شبه يا يوسف، كارمن لو كانت فضلت عايشة لحد دلوقتي كانت هتشوف عبدالله فيك، أنا بكره عبدالله عشان هو السبب في موت بنتي الوحيدة.... فيفيق من شروده هذا على سماع عقارب الساعة التي تدق معلنة عن بداية منتصف الليل! ............................................................. تسطحت سالي بجانبه على الفراش بعد أن انتهت من وضع زينتها، فنظرت إلى زوجها بسخرية وهي تراه يقرأ في أحد الكُتب، ثم التفت بجسدها بأكمله بعيداً عنه، لتسرح في ملامح من فتنها بجماله وجسده.. وتغمض عينيها بقوة كي تشاهد تلك التخيلات التي صنعها لها عقلها، فتتخيله تارة يضمها وتارة أخرى يقبلها بشغف شديد، وتارة أخرى يضمها إلى صدره، وأخرى يراقصها وهي تتمايل بين يديه مثل الفراشة، فتفيق على لمسات أمجد وهو يقول: سالي إنتي نمتي؟ فتفتح سالي عيناها ببطء قبل أن تعود وتغلقها ثانية وهي تلعن حظها بأن من تزوجته ليس من فتن قلبها، وإنما كان اختيار العقل بأن تقبل بأحدهما حتى لا يفوتها قطار الزواج. فينحني أمجد قليلاً نحو أحد خديها ليقبلها بحنان، ثم دثرها بالغطاء جيداً، وأطفأ نور تلك الأباجورة، وأصبح الظلام يحاوطهما كما يحاوط قلب أحدهما. ............................................................... نظرت نهال إلى خطابها طويلاً وهي لا تعلم أكان ما تفعله صواباً أم خطأً.. فتضع بإصبعها على ذلك الزر الإلكتروني قبل أن تبعث برسالتها التي تخبره فيها باشتياق والده له، وكم تتمنى أن تراه ويراها، فهو حتى لا يعلم ملامحها إلا بتشويش بسيط حين رآهم في ذلك الفندق اللعين الذي يُذكرها دائماً بالخزي من أخٍ يربطهم القدر به بالاسم فقط لا أكثر، فأغمضت عيناها بألم وهي تتذكر نظرات والدها الحزينة وهو يقبل صورة التي تجلبها هي إليه من بعض المجلات أو صفحات الإنترنت بعد إلحاح طويل منه، فهو مثل أي أب مكلوم على فراق أحد أولاده.. لتضغط على زر الإرسال وتبعث له برسالتها على بريده الخاص المفعل لبعض الأشخاص المحدودين ومن ضمنهم أمجد ابن عمتها... وتجلس قليلاً على حاسوبها.. لتنتظر رده ثم تعاود قراءة رسالتها مرة أخرى ومرة أخرى، تقضم أظافرها بقلق من رده. فتسرح بخيالها وتتخيل رداً مهيناً منه من المحتمل أن يبعثه لها، أو تجاهلاً لرسالتها... لتغلق حاسوبها سريعاً وهي تسمع صوت نداء والدها لها، فتتذكر موعد دوائه وتذهب سريعاً إليه. ................................................................. أغلق يوسف حاسوبه بعنف ووقف يتحرك ذهاباً وإياباً بخطوات سريعة في غرفة مكتبه إلى أن وصل إلى إحدى الشرفات التي تطل على مساحة خضراء... ليتذكر تلك الرسالة التي بعثتها له تلك الفتاة التي تدعي أختاً اسماً. ليدخل في تلك اللحظة أمجد وهو يحمل أحد الملفات قائلاً بوجه بشوش: مبروك يا يوسف، الصفقة الجديدة شركتنا فازت بيها.. لسا حالاً عاميلنا في ألمانيا مبلغني بالخبر ده. فيلتف إليه يوسف بوجه لا يبدو عليه أي ملامح قائلاً: مين نهال ديه اللي بتقول إنها أختي... ليتذكر شيئاً: أوعي تكون البنت اللي كانت معاه يوم الفندق. فينظر إليه أمجد طويلاً ويبتسم بحسرة: اللي بتقول إنها أختك ديه فهي فعلاً أختك، صحيح إنتوا مش أشقاء من الأم والأب.. بس دمكم واحد واسمكم مرتبط ببعض. فيتهكم وجه يوسف ليقول ساخراً: والله هي تقريباً كان اسمها نهال عبدالله أحمد، وأنا اسمي يوسف أدورد، تفتكر فين بقى الترابط... فيسير أمجد نحوه مقترباً منه ليقول: إنت ليه مصدق إن خالي كان ناسيك ومش بيسأل عليك.. بس هقول إيه للأسف جدك الباشا هو اللي كان إنسان ديكتاتور عايزك ليه وبس... حتى بعد ما مات بقيت ليه وبس. فينظر إليه يوسف طويلاً قائلاً: أمجد إنت عارف أنا قد إيه بعزك فبلاش تخليني أخسرك إنت كمان. ليبتسم أمجد بحزن: بتعزني عشان أنقذتك بدمي يا ابن خالي صح، رد جميل مش أكتر.. فيتذكر أمجد ذلك اليوم.. عندما أردف بقدميه إلى تلك البلد الغريبة عنه قلباً وقالباً، ولكن رغبته في أن يحيا حياة كريمة جعلته ينسى غربته وأحبابه، وكان عزاؤه الوحيد هو.. بأن في هذا الموطن ابن خاله الذي تمنى دوماً بأن يرى فيه كم تكون صلة الرحم قوية مهما كانت المسافات.. ولكن قد تلاشى كل هذا مع أول نظرة رآها في عينيه وكأنه يقول له ليس لدي أقارب ولا أريد تلك القرابة.. ولكن قد شاء القدر أن يتعرض هو لحادث قوي قد علم به من أحد الصحف الكندية عندما كان يجلس على أحد المقاهي ينظر إلى عناوين التوظيف، وعندما وقع بعيناه على هذا الخبر.. وأنه بحاجة إليه، ذهب سريعاً ناسياً قسوته معه واحتقاره له في أول لقاء كان بينهم... ليدخل ذلك المشفى سريعاً ويعلم بحاجته للدماء ولحظة كانت دماؤهم متطابقة. فيفيق أمجد على صوت يوسف الهادئ ليسمعه وهو يقول: فين ملف الصفقة؟ ............................................................. ظلوا يتجولون بسعادة في أنحاء هذه البلد، ويتمتعون بمنظر القلاع التي تحيطهم.. لتقف ريما فجأة قائلة: أنا تعبت من المشي يا مريم، إيه الفسحة الغريبة ديه؟ فتتطلع إليها مريم ضاحكة: بنحاول نخس يا ريما، إنتي مش شايفه إحنا بقينا شبه الفيلة إزاي؟ لتنظر ريما إلى جسدها وجسد صديقتها قائلة: قصدك بقينا شبه السحالي، فتتأمل المطاعم حولها قائلة: شايفه المطعم ده؟ آه مش أي حد يقدر يدخله ويتعشى فيه غير الأغنياء وبس، يااا نفسي أوي أدخله حتى لو هشتغل طباخة فيه. فتبتسم مريم لحديث صديقتها: لاء أنا بقى هحلم أدخله عشان أتعشى فيه، هي الأحلام بفلوس؟.. وتغمض عيناها وهي تتذوق بعض الأكلات الشهية قائلة بمتعة: أمممم يا سلام على طعم الفراخ المشوية، ولا المكرونة، أمممم. لتضحك ريما على خيال صديقتها: مكذبوش لما قالوا إن المصريين عشقهم الأول والأخير هو الأكل. فتفتح مريم عيناها ضاحكة وتداعب وجنتي صديقتها: عذراً آنسة ريما، ممكن تقولينا الأخوة الجزائريين بيعشقوا إيه؟ وتنتظر رد صديقتها، حتى تجدها سارحة في ذلك العروس وهي تتمايل بخفة في أحضان عريسها وشخص آخر يقف يأخذ لهم بعض الصور، فتلمع عين مريم أيضاً وهي تشاهد ذلك المشهد المفعم بكل المشاعر الصادقة التي تتمناها أي فتاة. فتلتف ريما إليها قائلة بحنين: تفتكري هيجي يوم وهنتصور زيهم كده، وهنلاقي حد يحضنا أوي؟ فتبتسم مريم لصديقتها بعدما أفاقت من بركان هذه المشاعر القوية: أكيد يا ريما، ربنا مبيحرمش عباده من أي متعة في الحياة مادام كانت في الحلال... المهم ندعي ونثق في كرمه وحده. لتلتف ريما إليهم ثانية وهي حالمة بمثل ذلك اليوم، فتشاركها مريم في كل هذا... وتشيح بوجهها سريعاً عندما تراهم يتبادلون أحد القبلات بشغف وذلك المصور يلتقط لهم تلك الصورة. ................................................................. ظل يركض ويركض وشريط ذكرياته يسير أمامه ليتذكر طفولته، فتأتي أحد صوره عندما كان طفلاً في السابعة وبدأت أصابعه تخطو بالقلم على الورق.. فنكب على مكتبه الصغير وكتب أول خطاب لوالده وذهب سريعاً إلى جده قائلاً: أنا كتبت جواب يا جدو لبابا، شايف يا جدو أنا شاطر إزاي وبقيت بعرف أكتب.. ويخطو سريعاً من أمام جده الذي تتبعه نظراته بجمود.. فيقف أمام ذلك الصندوق البريدي الصغير بجانب قصرهم ويضع أول جواب له استطاع أن يكتبه إلى أباه البعيد عنه. لتتكرر فعلته هذه كل يوم ولكن لا يوجد رد.. فيتأمل صندوق البريد بحسرة وهو فارغ من أي جواب قد بُعث إليه من مصر من والده.. حتى مر خمسة أعوام على ذلك، فتصيبه خيبة الأمل ويجلس يوماً أمام ذلك الصندوق بفرحة عندما رأى أحد الرسائل، فتأملها بسعادة وهو يركض بالداخل مهللاً: جدو بابا بعتلي جواب، وقال إنه جاي عشان يشوفني.. وياخدني معاه، أنت أكيد مش هتزعل يا جدو. فيحتضنه جده وهو يتأمل صورة ابنته القابعة على مكتبه الوثير بحسرة: عايز تسيب جدو يا يوسف؟ ليقبله يوسف بحب: ما أنا مش هسيبك يا جدو، هجيلك علطول وأنت كمان هتجيلي.. أنا رايح أقول الخبر ده لمعلمتي ماري عشان تساعدني أن أشتري هدية لبابا. فيفيق من شروده بعد أن أتعبته كثرة هذا الركض المهلك ويجلس على أحد المقاعد ناظراً إلى المياه التي أمامه متذكراً خيبته الأخرى عندما ظل شهراً بل سنة ينتظر قدوم والده... إلى أن وقف أمام جده ذات يوم وهو يمزق صور والده: أنا أكره والدي يا جدي ولم أعد أحبه..... لتظهر ابتسامة مخفية على وجه ذلك الجد العجوز وهو يحتضنه قائلاً: مادام هذه رغبتك يا بني، فافعل ما شئت. فيرفع يوسف وجهه بعد أن تصبب العرق على جبينه بغزارة ويحرك رأسه بقوة رافضاً حنينه لذلك الأب الذي قد تركه ورفض حبه بقسوة عكس جده العجوز الذي ظل دائماً بجواره يشاركه أحزانه ونجاحه ويغمره بحبه... فتنهد قائلاً: يوسف أدورد هذه هي كنيتي وليس كنية ذلك القاسي....... ........................................................... وقفت مريم تتمايل بين الحمام الذي أصبح يحاوطها كي تطعمها بغلاته المحببة له، فتتعالى أصوات هديل الحمام حولها وهي تبتسم كالأطفال.. وتتأمل الحمام الذي يصطف أمامها وآخر يطير حولها، فترفع عيناها لأعلى بسعادة قبل أن تقذف بعض الحبوب عالياً لتتناثر حولها بعشوائية فيطير الحمام ويرفرف بجناحيه حتى يسقط على الأرض ويلتقط الحبوب. فتلتف بأعينها كي ترى عين تلك الصغيرة التي تتبعها بفرح. فتقترب منها مريم وهي تبتسم قائلة: إنتي أحلى من الورد اللي بتبيعيه. فتنظر إليها الطفلة بفرح بعدما فهمت حديثها، ممسكة بإحدى الوردات كهدية لها، فتقربها مريم إليها قائلة: الوردة الحلوة ديه تستاهل تكون هدية لأحلى بنوتة.. وتشير بإصبعها نحوها: اللي هي إنتي. فتلمع عين الصغيرة بسعادة... لتقربها مريم إليها ثانية بعدما انحنت بجسدها كي تصبح في مستواها، وتمد بتلك الوردة التي قد حصلت عليها كهدية للتو فتضعها خلف خصلات شعرها الأشقر الناعم قائلة: إنتي حلوة أوي يا حبيبتي. وأخرجت تلك الكعكة التي تضع بحقيبتها قائلة: تعالي نتقاسم بقى الكعكة ديه. لتتابعها نظرات ذلك الشخص الذي يجلس عن بعد يتأمل هذه الفتاة العجيبة.. حتى سقط بأعينه ليراها تخرج بعض النقود وتتأملها ثم تتقاسمها مع الصغيرة.. كما قسمت معها تلك الكعكة، فأبتسم وهو يتأملهم رغماً عنه. حتى أشاح بوجهه بعيداً عنهما وظل يتابع شريط ذكرياته حتى قطع تفكيره صوت رنين هاتفه، ليتحدث مع المتصل وقتاً طويلاً، وقبل أن يُنهي تلك المحادثة العملية. سمع صوت صراخ يحاوطه أجبره بأن يلتف حوله ليرى من أين يأتي ذلك الصوت، حتى وقع ببصره على تلك الفتاة نفسها ولكن هذه المرة كانت محاطة بثلاث شباب يبدو عليهم السكر، فوقف يتأمل صراخها لبرهة. ليصل صوت نحيبها العالي وصراخها إليه بقوة قد جعلته يتحرك إليها وهو لا يعلم هل ما سيفعله دليلاً بأن أصله الشرقي مازال في عروقه أم ماذا؟؟ الــــــفـــــصــــــــل الــــــخـــــامـــــس وقفت مريم تبكي وتصرخ وهي تراهم يقتربون منها بسُكرٍ شديد، لتسمع أحدهما وهو يقول: "كم أنتِ جميلة أيتها الفتاة المسلمة، أريد أن أخلع ذلك الحجاب عن شعرك لأراكِ كاملة أيتها الحورية". فيضحك الآخر وهو يقذف بداخل جوفه ذلك الحساء الكريه قائلاً: "هيا يا ميكل، افعل بها ما شئت أنت أولاً وسنلحقك..". فنظرَت حولها تتأمل أيّ أحدٍ ينجدها من هؤلاء، ولكن ما زال الوقت مبكراً، فتحركت سريعاً من أمامهم لتركض، وفجأة جذبتها يد أحدهما بقوة لتطرحها أرضاً. لتصرخ به مريم قائلة: "أبعد عني يا حيوان". فينظر هو إلى صديقيه الآخرين قائلاً: "أشعر أنها تسبني هذه الفتاة اللعينة". فأَلجم فمها بقوة كي يسكت صوت صراخها، لتغمض مريم عيناها وتسبح بعقلها بدعاء سيدنا يونس: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".. وظلت تردده طويلاً حتى هبطت دمعة من جفونها وهي تتأمل أعين ذلك السكير ورائحة فمه الكريهة المنبعثة. فتسمع صوت صراخٍ وضجيجٍ يسير حولها، وامتدت يد أحدهما إلى ذلك السكير الآخر الذي كان قد طرحها أرضاً، فتتطلع إلى كل ما يحدث حولها حتى أغلقت عيناها وسبحت في دموعها. لتستيقظ على لمسات ذلك الطبيب الذي يبدو من لهجته أنه سوري: "أنتِ بخير؟". فتحرك رأسها بإرهاق واعتدلت قائلة بخوف: "أنا فين وإيه اللي حصل؟". فيشير الطبيب بأصبعه على ذلك الشخص الواقف بعيداً يتحدث في هاتفه، لتتأمله للحظات فترى بعض الخدوش على وجهه وبجانب شفتيه.. فتنهض ببطء وهي تتكلم بضعف: "أنا ممكن أمشي صح؟". ليأتي يوسف على صوتها بعدما أنهى حديثه في الهاتف: "أنتِ كويسة؟". فترفع مريم رأسها الذي أخفضته أرضاً عندما تذكرت كل ما حدث، فيفهم هو ما يفكر فيه عقلها. يوسف: "متخافيش، محصلش ليكي حاجة". فتنظر إليه بأعين ترقرقت بها الدموع: "أنا مش عارفة أشكرك إزاي". ليضحك يوسف قائلاً: "والله أنا مش عارف مين اللي يشكر مين"، ويظل يتفحصها بإعجاب ليقول ثانية: "تحبي أوصلك؟". فتتطلع إليه مريم قليلاً.. وكادت أن ترفض ولكن هزت برأسها تعبيراً عن موافقتها عندما تذكرت كل ما حدث لها.. وسارت من أمامه بخطى بسيطة، حتى خرجوا من ذلك المستوصف الصغير للطوارئ. فيقترب منها يوسف حتى سار بجانبها: "أنتِ مصرية؟". فابتسمت وهي تحن إلى بلدها وتكره تلك الغربة التي عرضتها لكل هذا: "أيوه". فيداعب هو ذلك الجرح الذي أخذ موضعاً بجانب أحد حاجبيه: "عايشة هنا لوحدك؟". لتقف مريم فجأة بعد أن أغمضت عيناها بقوة: "عايشة مع صديقة ليا". فيقف يوسف بدوره لتقول هي: "أنا مش عارفة أشكرك إزاي". فيبتسم يوسف على طريقة حديثها الذي أول مرة يستشعره في أنثى: "أنتِ بتعملي إيه هنا يا....". فتصمت مريم للحظات قائلة وهي تكمل سيرها: "اسمي مريم، أما أنا هنا ليه فعشان أشتغل". فيعود يوسف لسيره مرة أخرى وهو يضع بكلتا يديه في جيوب بنطاله الرياضي، فتنظر هي إلى تلك الحافلة القادمة قائلة بامتنان: "أنا هنا هقدر أكمل طريقي، شكراً أستاذ". فيبتسم يوسف ابتسامة بسيطة وهو يتطلع إليها مودعاً إياها: "يوسف". ويقف يتأملها وهي تسير نحو الحافلة البسيطة لعامة الشعب في تلك البلدة.. فأغمض عيناه وهو يتنهد: "بنت غريبة أووي". .................................................. .............. في داخل موطنا الحبيب بعيداً عن تلك الغربة!! جلس أحمد يتطلع في هاتفه بتأفف وهو جالس بسيارته أمام بناية خطيبته، فنظر إلى ساعته بضيق.. حتى وجدها تردف إلى داخل السيارة بجانبه قائلة بدلع: "هتوديني فين بقى يا حبيبي؟". فابتسم أحمد بخبث وهو يميل نحوها كي يقبل أحد خديها: "أي مكان حبيبي يختاره". وسار بسيارته السوداء الفارهة التي قد حصل عليها قسطاً من ذلك البنك الذي يعمل به.. فحل الصمت بينهم قليلاً قبل أن يقول هو: "هي بنت خالك سافرت كندا؟". فيمتقع وجه أروى عندما ذكرها بتلك البغيضة التي تكرهها: "يا دي ست مريم دي!". فيلتف إليها أحمد بطرف عينيه قائلاً: "وهي عايشة مع مين هناك؟ أنا اللي أعرفه إن خالك محسن سافر أمريكا وصفّى كل تعاملاته ورأس ماله في كندا". فتصرخ به أروى قائلة: "إيه يا أحمد! ما تراعي إحساسي، مش معقول أكون معاك وتفتكر لي ست مريم.. ولا أنت من ساعة ما شوفتها أعجبت بيها؟". فأوقف أحمد سيارته جانباً في أحد الأماكن الهادئة والمظلمة قائلاً: "يا حبيبتي أنتِ عارفة إن سؤالي مقصديش بيه حاجة، مجرد سؤال يا ستي أوعي تتعصبي وتضايقي بقى.. لاحسن مفاجأتي هلغيها". فتقترب منه أروى لتداعب بشرة خديه بأناملها: "قولي بقى يا مودي هنروح فين؟". فيبتسم أحمد للمسات يديها وظل يتذكر أخاه البعيد وهو يحتضن النسوة التي تتهافتن عليه، حتى قربها منه أكثر ناظراً إليها بقوة: "أروى، أنا هعمل حاجة بس متزعليش مني ماشي؟". فنظرَت إليه أروى قليلاً وهي تحرك برأسها موافقة على ما سيفعله، وأغمضت عيناها عندما وجدت أنفاسه تقترب منها حتى بدأ يقبلها بقوة.. وابتعد عنها قليلاً ليقول: "أروى أنا عايزك تبقي كده". لتفتح أروى عيناها ببطء بعدما استعادت أنفاسها التي هربت منها: "اللي هو إيه !". فتنهد أحمد قليلاً قائلاً: "إننا نعمل أي حاجة عايزين نعملها من غير ما نفكر في الناس ومجتمعنا بتفكيره العقيم والمتخلف، يعني ما فيهاش حاجة لما أمسك إيدك أو أحضنك أو أبوسك زي ما بستك، أو حتى يكون في بينا علاقة". لتنظر إليه أروى طويلاً وتضع بيدها على شفتيها: "علاقة...". فيكمل أحمد بحديثه قائلاً: "وفيها إيه يا أروى! ما الأجانب بيكون بينهم علاقات كتير قبل الجواز وعادي بيتجوزوا بعض.. إحنا بس اللي مجتمع متخلف.. وكمان يا حبيبتي أنا مش عايز أضيع لحظة واحدة من عمرنا سوا قبل الجواز أو بعده.. لازم نعيش حياتنا من غير عقد أو تخلف". لتحرك هي برأسها له تأكيداً على كلامه قائلة: "عندك حق يا حبيبي".. وتتذكر أمر مفاجأته غير عابئة بتلك القبلة المحرمة وذلك القرب.. أو حتى هذه الكلمات التي ترخص منها بعد أن أكرمها الله وجعلها حورية غالية: "إيه هي بقى المفاجأة يا حبيبي؟". فيتأملها أحمد بخبث بعدما التقط أحد يديها ليقبلها بنهم: "هنروح الديسكو عشان نرقص". لتضع أروى يدها على حجابها الملفوف على صيحات الموضة وخصلات شعرها تخرج منه: "هنروح الديسكو بالحجاب عادي؟ مش هيبقى منظري وحش؟". فيضحك أحمد ساخراً وهو يتأمل تفاصيل جسدها من تلك الملابس الملتصقة: "ده أنتِ كده اللي شكلك وحش يا حبيبتي". فتتأمله أروى طويلاً غير مدركة ما يقصده: "مش فاهمة أنت تقصد إيه يا حبيبي". فيميل أحمد على إحدى أذنيها: "بموت فيكي يا حبيبتي". فتتناثر كلمات ذلك الشرقي حول أذنيها كما يتناثر الهواء.. وتصبح للدنيا عالم خاص بهم يحللون فيها الحرام وكأنه هو الحلال.. وينظرون للحلال وكأنه هو من يكبت حريتهم عن شهواتهم.. ولكن كما سنتفاوت في درجات الجنة بعقولنا المتيقنة بأن كل ما يمنعنا عنه الخالق هو من أجل جزائنا بجنته في النهاية، سنتفاوت أيضاً في درجات النار بعقولنا التي تبحث عن الحرام لكي ترضي أهواءها. .................................................. ................. اقتربت ريما منها بإشفاق وهي ترى ارتعاش جسدها القوي قائلة: "مريم، فيكي إيه؟ من ساعة ما رجعت من المطعم وأنا لاقياكي على الحال ده.. أنتِ ليه مروحتش المطعم؟ جون اللعين ما هيصدق". لترفع مريم وجهها المدمع من بين قدميها: "أنا عايزة أرجع مصر يا ريما". فتتأملها ريما قليلاً قائلة: "هترجعي لمين؟ لجوز أمك اللي مش عايزك في بيته وأمك غصب عنها مش قادرة تقول حاجة عشان متخسرش حياتها وولادها التانيين.. ولا لعمتك اللي طردتك عشان خافت هي وبنتها لتسرقي خطيب بنتها.. ولا عمك اللي كلمك مرة وقالك هيبعتلك تذكرة طيارة لأمريكا عشان تيجي تعيشي معاه وبعدين مسألش فيكي حتى رقمه غيره.. هترجعي لمين قوليلي؟". لتتطلع إليها مريم طويلاً قائلة بضعف وخوف: "أنا تعبانة أووي يا ريما.. أول مرة أحس إني ضعيفة أوي قدام الدنيا، طول عمري بقول لنفسي: لازم أقف وأقوم مهما حصل.. وأفضل ديماً الإنسانة اللي عمرها ما يئست من رحمة ربنا". فاقتربت منها ريما واحتضنتها بقوة قائلة: "مش أنتِ قولتي هتعلميني إزاي أصلي؟ إيه رأيك نقوم نصلي سوا.. هاا هترفضي طلبي وتفضلي قاعدة بتعيطي؟". لتتأملها مريم بسعادة وهي تمسح دموعها: "يااه يا ريما أخيراً.. عارفة؟ دلوقتي بقى إحنا بقينا نساعد بعض، كل ما واحد فينا هيضعف التاني هيقويه". لتضحك ريما على حديث صديقتها الجميل قائلة وهي تشير بأصبعها إليها: "بس أنا لسا مقررتش ألبس الحجاب.. وممكن أصلي سطر وأسيب عشرة". فابتسمت مريم على حديث صديقتها: "المهم متسيبيش كل الأبواب بينك وبين ربك مقفولة، افتحي باب يمكن في يوم يفتحلك كل الأبواب... هحكيلك حكاية اللص الصائم". فتأملتها ريما وهي تتطلع إليها بأعين الدهشة: "لص وصائم!". فابتسمت مريم قائلة وهي تنظر إلى فاه صديقتها المفتوح ببلاهة: "أحد الصحابة، سهيل بن عمرو، كان مسافر هو وزوجته.. وفي أثناء رحلتهم اعترضهم قطاع الطرق.. وخدوا منهم كل اللي معاهم من مال وطعام.. كل شيء!! وبعدين قعدوا اللصوص يأكلوا اللي حصلوا عليه من طعام وزاد.. فلاحظ سهيل بن عمرو إن قائد اللصوص مش بيشاركهم في الأكل ده، فسأله: أشمعنى أنت مش بتاكل معاهم؟!! فرد عليه وقاله: إني صائم.. فتعجب سهيل وقاله: تسرق وتصوم!! رد عليه وقاله: إني أترك باباً بيني وبين الله لعلّي أن أدخل منه يوماً ما.. وبعدها بعام أو عامين، رآه سهيل في الحج وهو يتعلق بأستار الكعبة، وقد أصبح زاهداً.. عابداً.. فنظر إليه وعرفه، فقاله: أو علمت.. من ترك بينه وبين الله باباً.. دخل منه يوماً ما". .................................................. ................. وقف أمجد يتأمله وهو يرتدي جاكيت بذلته الرسمية بعدما انتهى الاجتماع المتفق عليه مع أحد العملاء ليقول: "أنت إيه اللي عمل فيك كده؟". فالتف إليه يوسف بعدما هندم من رسميته ووقاره قائلاً بجدية: "عادي يا أمجد، مجرد خناقة متشغلش بالك بقى، خلينا دلوقتي نفكر في صفقتنا الجديدة". فنظر إليه أمجد طويلاً قبل أن يمد يده بذلك الملف قائلاً: "كل المعلومات اللي هتحتاجها بخصوص الصفقة الجديدة في الملف ده". ليبتسم يوسف بعدما رأى بعض المعلومات الاحترافية بخصوص صفقتهم وعملائهم: "هايل يا أمجد، هطلع عليه بعد ما حفلة رأس السنة تخلص، أنت معزوم عليها أكيد أنت وسالي". فتنهد أمجد قليلاً ليقول: "أنا لو عليا مش عايز أحضر حفلات بس أعمل إيه؟ سالي بتعشق الأجواء دي وأنا مبردش أقولها لا، كفاية إني مغربها معايا". فابتسم يوسف إليه ونظر في هاتفه وهو يغادر غرفة مكتبه: "هستناك، أوعى تتأخر". .................................................. ................ تأملها جون والابتسامة تعلو شفتيه حتى قال وهو يقترب نحوها: "أكيد أنتِ عارفة إن اليوم اللي أخدتيه عطلة ده ماكانش يوم عطلتك، فبالتالي هيتخصم من مرتبك". فتنهدت مريم قليلاً قبل أن تحرك رأسها موافقة على ما سيفعله.. حتى مال نحوها قائلاً: "النهاردة مطعمنا، وطبعاً بذكائي أنا.. هيكون مسؤول عن حفلة رأس السنة لقصر أدور باشا..". فنظرَت إليه مريم بدهشة: "إزاي هنبقى مسؤولين عن قصر أنا وريما وأرناف؟". فتعالت ضحكات جون حتى قال ساخراً: "أنا ضميت نشاط مطعمنا لفندق (فيرمونت)، أكيد طبعاً سمعتي عنه". وقبل أن يكمل جون باقية حديثه.. أتت لانا راكضة اتجاه مريم قائلة بفرحة: "مريم أنتِ وحشتيني.. عارفة لانا سمعت إيه النهاردة مع عمو بتاع التاكسي؟ قرآن، كان صوت اللي بيغني حلو أوي يا مريم". فضحكت مريم على تعابير الصغيرة وتشبيهها لصوت الشيخ بالغناء. ليمتقع وجه جون على حديث ابنته وكاد أن يصرخ في وجه ابنته ووجه تلك المسلمة التي يبغضها.. ولكن اقتراب سيلا منهم قد غير كل شيء.. لتبتسم سيلا لزوجها وتحتضنه قائلة: "سنة سعيدة يا عمري"، وتمسكه من إحدى يديه قائلة وهي تضعها على أحشائها: "السنة اللي جاية عيلتنا الصغيرة هينضم ليها فرد جديد". فيبتسم جون بسعادة، حتى يلمح بطرف عينيه ابنته التي تتجاذب مع مريم أطراف حديثها الطفولي وهي تصنع الكيك وبجانبهم ريما التي تداعبها أيضاً، فيتذكر حفلة الليلة وهو يقول: "سأفعل كل شيء كي أضايقك يا مريم... وأبعدك عن طفلتي". .................................................. ................. نظرت نهال إلى رسالتها التي أصبحت مقروءة دون رد، فتأملت رسالتها الحمقاء التي قد بعثتها له.. وأدمعت عيناها بألم وهي تشعر بجفاء أخيها، حتى وجدت برسالة نصية قد بعثت إليها: "إزيك يا نهال؟". فابتسمت وهي تمسح دموعها عندما رأت أن من يراسلها هو أمجد. فردت بألم: "الحمد لله يا أمجد، أنت عامل إيه؟".. وهبطت دموعها ثانية وهي تقول: "وياسين عامل إيه؟". وظلت لدقائق تنتظر رده حتى بعث لها بتلك الصورة التي قتلتها، فقد كانت صورة صغيره ياسين الذي أصبح عمره الآن ثلاث سنوات وزوجته سالي التي كانت إحدى جاراتها، وهو يقف يحمل صغيره وسالي تحتضن ذراعيه بقوة والابتسامة تعلو شفتيها. فوضعت يدها على فمها لتكتم صوت شهقاتها، وتتذكر كم كانت تحبه سراً وهو لم يبادلها يوماً أي حب سوى الحب الأخوي الذي عذب أحدهما وجعل أحدهما زوجاً لأخرى وأباً لطفل. وضحكت بألم وهي تبعث له بذلك الوجه المبتسم عبر رسالتها قائلة: "ربنا يخليهولك يا أمجد". ليكون رده الأكثر جرحاً: "عقبالك يا نهال لما يكون عندك طفل حلو كده زي ياسين...". فتأملت نهال صورة طفله بدقة وهي ترى ملامحه التي تشبه أباه حتى بدأ قلبها يتحدث خلف تلك الشاشة الإلكترونية: "مش نفسك يبقي عندك طفل كده؟ هو شاف حياته وبقي ليه أسرة، ليه بتعذبي نفسك؟ كان نفسك ياسين يبقي ابنك مش كده!!". وأفاقت على صوت رسالته الأخرى.. لترى اعتذاره عما فعله يوسف معها وأن الطريق ما زال صعباً كي يعود إليهم ويتحرر من الكره الذي صنعه جده. .................................................. ................ أنهوا إعداد الكعك والشطائر الخفيفة التي قد تعلماها من العجوز، ووقفوا على عتبة ذلك الباب الخلفي من المطبخ المطل على الحديقة الواسعة والمجهز لهم.. ناظرين إلى ذلك العالم، فتنهدت ريما تنهيدة قوية بعدما أعطت أحد الصواني الموضوع عليها كؤوس الخمور قائلة: "شايفة الحياة يا مريم؟". فنظرَت مريم طويلاً لكل ما تتأمله هي وصديقتها حتى أشاحت بوجهها قائلة: "أنتِ اللي شايفاه ده حياة؟". فابتسمت ريما وهي ترى أحد الرجال وقد أعجبها وسامته وهيئته التي تدل على ثرائه: "أومال إيه اللي هيكون حياة غير ده؟.. قصور وعربيات وحفلات وفساتين ورقص.. يااه أنا نفسي أبقى وسطهم.."، ثم تأملت صديقتها التي تنظر إليها قائلة: "عارفة إنك هتقولي عليا ضعيفة يا مريم، بس أنا بحب الدنيا أووي ونفسي أعيش كل حاجة فيها بترف.. أسافر وألبس وأتفسح وأرقص". لتتطلع مريم إليها طويلاً قائلة وهي تتأمل صفاء السماء بنجومها: "هي الدنيا فعلاً فيها حاجات كتير حلوة ممكن نتمتع بيها يا ريما". فتضحك ريما وهي تقول: "شوفتي كلامي صح إزاي؟". فتكمل مريم حديثها: "عندك السما والنجوم والقمر والشمس والجبال والبحار والسحاب والطير وجمال الأطفال وضحكتهم ونظرة في عيون طفل يتيم ودعوة أب وأم وحب الإخوة والأهل والأصدقاء وعشق الحبيب اللي حارب الدنيا عشان تبقي حلاله...". فيتهكم وجه ريما وهي تسمع فلسفة صديقتها: "يا مريم بقول قصور وفلوس وعربيات وسفر وفساتين وأرقص مع أجمل راجل.. تفتكري أنهي الأحسن؟". لتتنهد تلك "الفيلسوفة" كما ادعتها صديقتها، فتكمل مريم حديثها ببهجة: "(وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)". فيأتي جون في تلك اللحظة قائلاً وهو يستشيط غضباً: "مهمتك انتهت في المطبخ يا مريم، ودلوقتي تخلعي حجابك ده وتلبسي نفس (uniform) طقم العمل عشان تخرجي تقدمي المثلجات للضيوف". ويشير إلى ما يقصده فترى شتى أنواع الخمور، فتضع يدها على حجابها قائلة: "أنا برفض أوامرك مستر جون حتى لو هتفصلني عن العمل". فيتطلع إليها جون ساخراً، وتقترب ريما منهم قائلة بإشفاق على صديقتها: "مستر جون، أنا ممكن أخرج بدل مريم". ليضحك جون بتهكم: "أنتِ كمان يا ريما مكلفة بنفس الأوامر، إحنا دلوقتي مش بنشتغل في المطعم وبنعمل كيك وقهوة وبس وطعام من اختراع العجوز.. إحنا دلوقتي وسط عالم تاني راقي ومافيش حاجة اسمها لا.. (Business is business!)". .................................................. ................ يدخل قصره وهو يتحدث في هاتفه: "أكيد مشتاق إني أشوفك يا عمري"، ثم تأمل ساعته قائلاً: "ده أحلى خبر سمعته، هستناكي بعد الحفلة، مع إن كان نفسي تحضري الحفلة معايا.. بس أكيد هعوضك بأحلى منها.. هتوحشيني لحد ما أشوفك". فيسمع ذلك الصوت العالي القادم من مطبخ قصره، حتى سار بخطوات بطيئة نحو المطبخ، ويرى ما يحدث بطرف عينيه ويسمع آخر كلمة يتحدث بها معها: "لو منفذتيش الأوامر فاعتبري نفسك مرفودة!!!!". .................................................. .................... الــــــفـــــصـــــــل الــــــســــــــــادس تسطحت كل منهن على فراشها وهما تتأوهان بتعب، لتغمض عيناها ريما قائلة بحالمية: ياريت كل الحفلات زي كده، واعتدلت في نومتها كي تتسطح على أحد جانبيها قائلة: بس جون ده غريب أوي يامريم أنا مصدقتش أن شوفير يوسف أدورد قدر يحل الموضوع ده بسهولة.. معقول الشوفير ليه تأثير أوي كده.. يا كان نفسي أشوف البطل المغوار اللي عمل كده. فتتألم مريم وهي تضع يدها على ساقيها وتغير مجرى حديث صديقتها: آه يارجلي آه، قومي ياريما الله يخليكي وسيبك من جون ده... وهاتيلي مية سخنة. لترفع ريما أحد حاجبيها قائلة: المصري مصري من يومه.. غلس ورخم بطبعه.. أنا بكلمك في إيه وانتي بتفكري في إيه. فانظرت إليها مريم قائلة: جون ده إنسان مريض تتوقعي منه أي حاجة، وآه الحمد لله مترفضتش وفي نفس الوقت منفذتش كلامه المجنون... عارفة مشكلة جون إيه أنه مش عايز يشوف الصورة الحلوة للمسلمين.. عايز يشوف دايماً النماذج اللي بتثبتلهم مسلمين بلا إسلام. فأشاحت ريما بوجهها حزناً قائلة: عندك حق. لتشعر مريم بتأثير كلماتها على صديقتها قائلة بحنان: أخلاقنا كمسلمين هي اللي بتدل على جمال دينا... الإسلام انتشر بالأخلاق والتسامح مش بأي حاجة تانية.. أما عبادتك وتقربك من ربنا فده بين العبد وربه.. فلازم نحسن أعمالنا في الدنيا عشان نلاقي بعدين.. أدعيها دايماً يارب (اللهم لا تعلق قلوبنا بالدنيا وعلقها دائماً بما تحبه وترضى). لتعتدل ريما من جلستها قائلة بسعادة: أدعيلي يامريم ماشي، وأوعي في يوم تسبيني لوحدي.. أنا لسا ضعيفة. فتضحك مريم قائلة بحب: أنا بعد اللي شوفته منك النهارده، هعمل عليكي كلب حراسة.. أنتي مشوفتيش نفسك وانتي عمالة تتفرجي على الناس في الحفلة وبتحاولي تقلديهم.. هي حفلة مين صحيح؟ فتتطلع إليها ريما بحالمية: ما أنا قولتلك يوسف أدورد، أشهر وأجمل وأوسم رجل أعمال.. ياه يامريم ده مفيش ست بتقدر أنها متشوفهوش في المجلات ومتعجبش بيه.. لاء والأحلى أنه بيجمع بين الرجل الشرقي والغربي أصله من أصل عربي وتقريباً مصري اللي سمعته عنه. فتستمع مريم إلى حديث صديقتها حتى تبتسم وهي تتذكر أحاديث أصدقائها القدام عندما يرون أحد النجوم والفنانين فتقول ضاحكة: سبحان الله الستات هما نفس الستات فعلاً سواء مصر أو الجزائر أو حتى كندا. لتقذف ريما تلك الوسادة عليها قائلة: ده على أساس أنك مش ست، ومبتعجبيش بأي حد. لتخفض مريم رأسها أرضاً: مفيش حد فينا فاقد للشهوات، ولا معصومين ولا كاملين ياريما كلنا لينا قصة حب وجعت قلوبنا وحد عينينا كانت بتموت كل يوم وهي بتشوفه... فظلت ريما تتأمل صديقتها حتى قالت: طب ما تحكيلي على حبيبك بقي. فنظرت إليها مريم ساخرة: كان فيه واتخلى عني عشان نفسه، كفاية رغي بقي وتعالي نشوف حاجة لوجع رجلينا دي. وبعد وقتاً ليس بالكثير، كانت كل منهن تجلس على حافة الفراش وتضع على أحد كتفيها فوطتها وتمدد بأرجلها في الماء الدافئ والنوم يداعب عينيها!! .................................................. ................. جلست سالي بجانب طفلها الصغير وهو نائم، لتتذكر ذلك الحفل بكل ما فيه، فتنهش الغيرة قلبها وهي تشاهد ذلك المقطع الذي صنعه عقلها المريض. لتقول وهي تضغط على شفتيها: أنت ليه مش حاسس بحبي يايوسف؟ فتشرد في لمساته حينما كان يراقص أخرى ويحتضنها، وتلك القبلة التي وضعتها على شفتيه إحداهن ليندمج فيها هو معها، وابتسامته الساحرة وسط حضور حفلته، فتأتي صورته وهو يداعب خصلات شعره عندما يتحدث ويبتسم لضيوفه... فيتوقف عقلها عن كل ذلك عندما استشعرت بأنفاس أمجد تحاوطها وهو يحملها من على فراش صغيرهما ليقول بحب: عجبتك الهدية ياحبيبتي؟ لترفع سالي بوجهها الشارد قائلة: أمجد خضتني حرام عليك. فيبتسم إليها أمجد بعدما وضعها على فراشهما: لقيتك اتأخرتي عليا.. فقولت أروح أشوف حبيبي اتأخر عليا ليه. وظلت تتأمله للحظات حتى اتكأت على أحد جانبيها. سالي: تصبح على خير أمجد.. وأغمضت جفونها وعقلها شارداً برجل آخر يتمتع بليلته مع أخرى. .................................................. ................. نظرت إليه سارة وهي تتأمل ذلك الجرح بجانب أحد حاجبيها وشفتيه قائلة بتعجب: شو بك يوسف ايش عمل فيك هيك؟ ليرفع يوسف برأسه كي يستند به على أحد الوسادات وجذبها إلى أحضانه قائلاً: إيه شكلي كده مش عجبك؟ فضحكت سارة وهي تلامس خصلات شعره السوداء وتتخذ صدره العالي وسادة لها: أنا بحبك بأي شيء ياحبيبي، أنت عمري. فيتأملها يوسف طويلاً وهو يتحسس شفتيها بأنامله: سارة بلاش توهمي نفسك أنك بتحبيني، أنتي عارفة أني زي ما بقضي ليلة معاكي بقضيها مع غيرك.. يعني أنتي النهارده في حضني بكرة غيرك وهكذا.. إحنا بنتبسط مع بعض وبس أما حب ومشاعر وكلام من ده مش معايا أنا. لتتطلع إليها سارة طويلاً حتى نظرت إلى ذلك الخاتم الذي يلمع في أحد أصابعها: حلو كتير الخاتم، ميرسي ياعمري. فيضمها إليه بعدما أطفأ نور الأباجورة التي بجانبه وهو يقول: كده أنتي بقيتي فهماني وتعجبيني! .................................................. ................. تأمل جون زوجته وهي تقبل ابنتها بعدما ذهبت في نوم عميق، ونظر لها نظرة قد فهمت معناها.. لتخرج من حجرة صغيرتها بعدما أطفأت أنوارها. وأتبعته قائلة بتعب: أتريد شيئاً عزيزي؟ فألتف جون إليها قائلاً: أنا مبحبش مريم دي، مريم لازم تبعد عن حياتنا ومطعمنا.. للأسف فرصة طردها ضاعت مني. ففنظرت إليه سيلا طويلاً حتى قالت: أنت ليه بتكره مريم ياجون، جون مريم بنت طيبة.. أنا لن أنسى ما فعلته معي عندما كنت أجلس أبكي بعد خلافنا الأخير.. لولا مريم ما كانت حياتنا عادت ثانية.. أنا أحب مريم وأحب المسلمين ولا تفرق معي ديانة أي شخص المهم أن يعاملني بإنسانيته. ليتطلع جون إليها طويلاً ليقول بحدة: مريم الملاك.. أكيد ليها علاقة بأحد الكبار هنا، فيكتور منعني من طردها ليه مع أن فيكتور لم يتقابل يوماً بمريم حتى في الحفل؟ فنظرت إليه سيلا طويلاً حتى جلست على فراشها بتعب: أنت تكرهها والجميع يحبها ياعزيزي، فمن في بالك يستحق الحب؟ فيصرخ جون بها قائلاً: سيلا، افهمي حديثك قبل أن تنطقي به. لتغمض عيناها سيلا قائلة بإرهاق يبدو على ملامحها الشقراء: تصبح على خير ياعزيزي. .................................................. ................ أمسك أحمد بفنجان قهوته قائلاً وهو يتأمل حاسوبه: شايف الحفلة اللي الباشا كان عاملها، كل المجلات الأوروبية والأمريكية بتتكلم عنها. فيترك طارق كوب قهوته ويتجه نحو صديقه قائلاً: وريني كده الحفلة... ويطلق صفيراً عالياً: أوووه مش معقول ده قصر أخوك! ليتأمل أحمد القصر قائلاً بضيق: حفيد أدورد باشا عايزه يعيش إزاي؟ فيصمت طارق للحظات قائلاً: نصيبه يا أحمد أنه يعيش حياة الترف دي، مين عالم يمكن قصاد الحياة اللي أنت بتحسده عليها أكيد فاقد حياة تانية وواضح من صورته وحياته أنه عايش بتحرر وضياع أنا بشفق عليه بجد. فيقع أحمد عند أحد الصور ويظل يتفحص كل شيء فيه ليقول: تصدق يا طارق أني بحبه بس في نفس الوقت بكرهه.. صعب أنك تكون غريب عن أقرب الناس ليك، أخويا لو جيه مصر صدفة واتقابلنا مش هيعرفني ولا عايز أصلاً يعرف أي حد مننا. ليتأمله طارق قليلاً حتى يقول بتنهد: ربنا يصلحلكم الحال ياصاحبي. فيغلق أحمد حاسوبه قائلاً: مالك ياطارق أنت من الصبح مش عجبني فيك إيه، هي نهال مزعلاك في حاجة، شكل أختي منكّدة عليك؟ فيبتسم طارق قائلاً بألم: أحمد أنا قبل ما أخطب أختك أنت أقرب صاحب ليا، قولي بصراحة نهال بتحب حد؟ ليضحك أحمد قائلاً: نهال أختي تحب، أنت عبيط يابني نهال دي مفيش حد في حياتها غيري أنا وبابا بس من ساعة ما ماما أتوفيت من عشر سنين وإحنا كل دنيتها.. تحب مين يابني بس يمكن لسا بتحاول تتعود عليك وأنت عارف نهال متحفظة في التعامل. ليبتسم طارق بارتياح: وأكتر حاجة عجباني فيها هي تحفظها والتزامها وبرها لوالدكم.. أنا بحلم باليوم اللي هتبقى فيه مراتي وأم ولادي عايز ولادي كلهم يبقوا شبهها.. فينظر إليه أحمد طويلاً وهو يتذكر حفلة أمس التي حضرها هو وأروى، وانتهت بقبلة أخرى طويلة دون رفض، ليحن عقله إلى ما تربى عليه ذلك الشرقي ويبقى الرجل رجلاً لا يرغب سوى في الأنثى التي يكون وصالها صعباً. .................................................. ............... نظرت ريما إلى مريم بسعادة: أخيراً جون سافر وريحنا. لتضحك مريم وهي تتأمل فرحة صديقتها: أسبوع واحد بس متفرحيش ياريما أوي، مش المفروض النهارده نروح نزور السيد عدنان؟ فابتسمت ريما وهي تراها تعد أحد أنواع الكيك التي يعشقها العجوز قائلة بمرح: وعاملاله كيك بالتوت كمان، تخيلي جون لو هنا وشافك وانتي بتعملي الكيك كان هيقول إيه؟ لتتذكر مريم صراخه بها قائلة بشبه ابتسامة وهي تقلد صوته: اغسلي يديكِ أيتها المسلمة الغبية، سيصبح الطعام فاسداً منكِ! فتتأمل ريما نظرات صديقتها الحزينة.. لتقول مريم ثانية: بيكرهني أوي ياريما، أنا مش بزعل على كرهه ليا.. قد مابزعل أنه بيكره الإسلام أوي كده مع أني بشوف ساعات في نظرة عينيه رغبته القوية أنه يصبح مسلماً.. فتنظر إليها ريما بحسرة على حالها، حتى تقول ضاحكة وهي تتذوق طعم الكيك: لذيذ أيتها الطباخة الجديدة! .................................................. ........... ابتسم أمجد بقوة وهو يرى يوسف يحمل ياسين ويدغدغه فيضحك أمجد قائلاً: طب اتجوز مادام أنت بتحب الأطفال كده. ليضحك يوسف بعدما حضن الطفل: أتجوز لا أنسي، أنا لو اتجوزت كل نزواتي دي هتنتهي، غير أن أنا مبسوط كده. فنظر إليه أمجد قليلاً ليقول: صفقتنا اللي هتكون بمصر مين اللي هينزلها يايوسف؟ فينظر إليه يوسف بتعجب: أنت عارف أني مبحبش أنزل مصر أصلاً غير للضرورة وبعد آخر مرة والكلام اللي الصحافة اتكلمت عنه بسببه.. مبقتش أفكر أنزل تاني.. فالمهمة هتكون ليك وآه سالي تنزل تشوف أهلها فرصة يعني ليك وليها. فيتطلع أمجد إلى ساعته قائلاً: مش عارف سالي اتأخرت ليه، الشوبينج والموضة هتجننها خلاص، مع أن أنا بحبها بطبيعتها ومش عايز أي حاجة بس أقول إيه ياسيدي أنت السبب بحفلاتك وسهراتك. فينظر يوسف إليه طويلاً قائلاً: أمجد أنت اتجوزت سالي عن قصة حب؟ ليتأمله أمجد قائلاً بشغف وهو يتذكر إحداهن: للأسف لاء جواز عادي، شوفتها عجبتني فتجوزتها. فيتطلع يوسف إليه بدهشة قائلاً: ليه يا أمجد؟ أمجد: لأن للأسف اللي حبيتها كانت بالنسبة ليا طفلة، ماكانش ينفع أهدم أحلامها وأمتلكها.. كان لسا مستقبلها ودراستها قدامها كانت شايفاني أخوها الكبير ديماً، حتى يوم ما سألتها أنا بالنسبة ليكي إيه؟ فيتذكر أمجد صوت كلماتها وهي تقول ضاحكة: يا أمجد أنت أخويا الكبير. فيقترب منه يوسف بعدما تأمل ياسين الذي جلس بجانب ألعابه: وهي اتجوزت؟ فيحرك أمجد رأسه بالنفي قائلاً بابتسامة حاول أن يرسمها على شفتيه: بلاش أنت بالذات تسأل عنها! فيتأمله يوسف دون فهم لمقصده... حتى يركض ياسين إليهم قائلاً: يلا نلعب كورة يايوسف. .................................................. ................. جلست نهال بجانب والدها لتطعمه قائلة: يلا ياسي بابا اشرب الشوربة. فابتسم عبدالله بحب قائلاً: عارف أني تعبك معايا يابنتي، بس نصيبك يبقى ليكي أب ديماً تعبان ومحتاج اللي يرعاه.. ثم تذكر أمر أخاها قائلاً: خليتِ أحمد يبعت لأخوه الرسالة اللي طلبتها منه أنه يبعتها؟ فتأملته نهال بإشفاق: آه يابابا خليت أحمد يبعتها. وتتذكر نهال حديث أخاها معها عندما طلبت منه بذلك الطلب ولكن رده كان بالرفض.. لتبعث هي بالرسالة. فيربت عبدالله على أحد كفيها قائلاً بحزن: أكيد مش عايز يعرفنا تاني. فتتطلع إليه نهال بوجه مبتسم وهي تُزيح بصينية الطعام جانباً: بالعكس يابابا هو لسا مردش على الرسالة ومادام مردش في أمل أنه يرد علينا ومين عالم يمكن الوقت يكون قرب عشان نتجمع. فيبكي عبدالله قائلاً: لازم تفضلوا تحبوه يانهال.. يوسف أخوكم الكبير، أنا عارف أن أنتي بتحبيه يابنتي.. بس أحمد.. لتصمت نهال قليلاً قائلة: بالعكس يابابا أحمد بيحب يوسف أوي، بس للأسف عشان هو مش حاسس بوجوده وقربه كأخ كبير محتاجله فشعوره بيتحول لكره مزيف. فيربط عبدالله بحب على يد ابنته قائلاً بحنان: طارق عايز يحدد ميعاد كتب الكتاب!! .................................................. ................ نظر إليهم العجوز طويلاً بعدما أنهى كعكته المفضلة التي صنعوها له قائلاً: أعتقد أن البيض قليلاً، واللبن أيضاً. ففنظرت كل من ريما ومريم لبعضهما حتى قال هو بضحك: ولكن الكعكة جميلة جداً أيتها الفتاتان. فتدخل سيلا في تلك اللحظة قائلة: أجمل شيء قد حدث في مطعمنا يا أبي ريما ومريم. ليتأملهم العجوز عدنان قليلاً قائلاً بتعب: حقاً ياابنتي. ثم نظر إليهما ليقول ضاحكاً: أريد المرة القادمة كعكة الفراولة أسمعتما؟ .................................................. ............ وضعت سعاد الطعام بيأس ونظرت إلى تلك الوجبة التي كانت تحبها ابنتها، فتأملت زوجها وهو يأكل بنهم.. ليرفع هو وجهه عن طعامه. فهمي: متقعدي ياسعاد ولا هتسدي نفسنا زي كل يوم وتشغلي اسطوانتك المعتادة من ساعة ما المحروسة بنتك سافرت. فينظر أولادها التوأم إليها ذات الخمسة عشر عاماً بإشفاق. فتتأملهم هي قائلة: كلوا أنتوا ياولاد.. عشان تدخلوا أوضتكم تذاكروا. ليمضغ فهمي الطعام قائلاً بتمتع: الأكل بجد يجنن ياسعاد، من زمان أوي معملتيش الأكل دي! فتبتسم هي بحسرة فقد أصبحت تتجنب أن تصنع بعض الأكلات التي كانت تحبها ابنتها حتى لا تشعر بالمرارة التي قد احتلت قلبها منذ رحيلها من بيت زوجها. قائلة بحنين: ياتري عاملة إيه دلوقتي يامريم يابنتي؟ .................................................. ............... أوقف سائقه السيارة جانباً، ليهبط هو منها متأملاً جمال مدينة تورونتو في ذلك الوقت.. فمنذ وقتاً طويلاً لم يتجول جولة هكذا.. فيسير يوسف بخطى بطيئة وهو يتأمل كل شيء حوله. حتى وقف عند ذلك المطعم الصغير لتخرج هي منه ضاحكة: أوعي تقفلي المطعم وتمشي من غيري ياريما، ساعة وهرجعلك علطول وياريت بدل ما أنتي قاعدة فاضية نظفي المطعم.. وتسير بخطى سريعة حتى تصطدم بأحدهم دون قصد. فترفع مريم بوجهها قائلة بخجل: أنا آسفة. ليضحك يوسف بقوة قائلاً: مش ملاحظة أن الصدف اللي بتجمعنا غريبة؟ فتتذكر مريم صوته، وملامحه قائلة بامتنان: يمكن عشان أشكرك تاني على اللي عملته معايا! فيبتسم يوسف بود ويسير بجانبها: أنتي برضه لسا فاكرة نفسك أنك في مصر وبتمشي في شوارع كندا كده عادي لوحدك... لسا مخوفتيش؟ فتتذكر مريم ما حدث لها بخوف قائلة: كل شيء بيحصلنا مقدّر، الحمد لله! ليقف يوسف، ناظراً إليها: أنتي بتشتغلي في المطعم ده؟ لتكمل مريم سيرها قائلة بتنهد: آه بشتغل في المطعم، ولا أنت كنت فاكر أني بشتغل في فندق فيرمونت؟ وتلتفت إليه قائلة بود: شكراً على اللي عملته معايا في الحفلة، لولا إصرارك أنك تخلي الباشا بتاعك يتدخل كنت زماني مرفوضة. ليبتسم يوسف وهو يتذكر تلك الكذبة التي قد كذبها عليها، فقد أخبرها بأنه يعمل سائقاً لصاحب ذلك القصر، حتى وقوف سيارته بالقرب من مكان عملها ليس صدفة بل كان اختياره لعله يرى تلك الفتاة التي أطلق عليها بالفتاة الغريبة!!.. فيتأمله وهي تلاعب أحد الأطفال أرضاً ليقول: أنسب شيء أني أكون فقير قدامك يامريم.. عشان أقدر أوصل ليكي. .................................................. ............ الــــــفــــصـــــل الـــــســـــابــــــع اعتدل يوسف في جلسته الأرستقراطية وتأمل ساعته قليلاً، وبدأ عقله يتذكر آخر لقاء كان بينهما حينما رآها، فتنهد بشرود عندما عاد شريط مقطع ذلك اليوم في عقله. يوسف: شكلك بتحبي الأطفال أوي، وباين من طريقة تعامل الطفل معاكي إنه يعرفك. فابتسمت مريم بخجل بعدما ودعت الطفل ووالدته، ثم أشارت على أحد المحلات قائلة: عشان مطعمنا قريب من محل تحف والد الطفل، وبما إننا في نفس المكان فأكيد هيبقي فيه معرفة. ليضحك يوسف على حديثها قائلاً: هو أنتي ليه دايماً بتحبي تجاوبي وكأنك في امتحان؟ المهم يا ستي أنا حابب أعزمك على فنجان قهوة بما إننا مصريين زي بعض. فابتسمت مريم بابتسامة بسيطة قائلة: مقدرش أقبل طلبك ده.. آسفة!! ليداعب يوسف خصلات شعره السوداء الغزيرة قائلاً بحرج: عزومتي دي مش عشان زي ما أنتي فاكرة، بس أنا حابب أساعدك إنك تلاقي فرصة عمل تانية تقدري تزودي دخلك بيها وماتكونيش تحت رحمة اللي اسمه جون ده. فتخفض مريم رأسها أرضاً قائلة بامتنان: هو أنت بتساعدني ليه مع إنك متعرفنيش؟ يوسف: مش قولتلك عشان إحنا مصريين زي بعض!! فيقطع شروده هذا دخول أمجد عليه قائلاً وهو يمسك بأحد الأوراق: مش مريم دي البنت بتاعة الحفلة.. اللي عرفتها بأنك السواق! فيتنهد يوسف قائلاً: أيوه هي يا أمجد.. مريم متعرفش إن أنا يوسف أدورد فينظر إليه أمجد طويلاً قائلاً: يوسف أنا آسف مقدرش أستمر معاك في الخدعة دي وتفضل فاكرة إن أنا يوسف صاحب القصر.. غير إنك عايزني أخليها تبقي مربية لياسين ابني.. لأ يا يوسف سامحني. فيتنهد يوسف قائلاً: صدقني أنا عايز أساعدها مش أكتر.. وهما يومين بس يا أمجد هتجيب ياسين عندي القصر ومش هخليك تظهر في الصورة بعد كده. ليقترب أمجد منه قائلاً: أنت عايز منها إيه، البنت دي مش زي ما أنت فاكر.. سيبها في حالها يا يوسف. لينهض يوسف من على كرسي مكتبه، ناظراً إليه طويلاً ليقول بشرود: عايز أكتشفها يا أمجد، فهمت.. ومادام أنت مش موافق على طلبي فأنا مقدرش أجبرك على كده، أنا هشغلها في فندق من فنادقنا!! .................................................................... تسطحت مريم على فراشها بتعب ولأول مرة تظل عيناها تلمع في سقف تلك الغرفة دون بكاء.. لترتسم ابتسامة لا تعلم عنها شيئاً وهي تتذكر معاملته الطيبة معها.. لتحدث نفسها قائلة بطيبة: يااه معقول في ناس كده زي يوسف، بس حياته صعبة أوي، يعني هو عايش هنا من زمان من ساعة ما أهله توفوا في كندا وفضل عايش مع صاحب القصر وحفيده لحد ما كبر وبقي بعدين السواق بتاعه.. طلعت مش أنا لوحدي اللي ضايعة في الحياة دي.. لتأتي صورته في ذهنها يوم ذلك الحفل. فلاش باك!! ريما: مريم أنا هطلع ورا مستر جون أطلب منه إني أعمل أنا المهمة دي.. بلاش يا مريم تمشي.. صدقيني السيد عدنان وسيلا مش هيوافقوا على تصرفاته دي.. جون ده مريض وعنصري. لتمسك مريم بمعصمها قائلة: ريما بلاش تخسري شغلك بسببي.. أنا كنت بفكر أسيب الشغل في المطعم من بداية وجوده. فتنظر إليها ريما طويلاً قائلة وهي تسير من أمامها: مريم أنا قولت هساعدك. وتذهب ريما، ولكن عيون ذلك الشخص الذي يراقبهما من بعيد قد اقتربت وهو يمشي بخطى بسيطة قائلاً وهو يصدر نحنحته: صدفة عجيبة يا آنسة مريم مش كده؟ لتلتفت مريم على مصدر ذلك الصوت قائلة بتعجب: أنت بتعمل إيه هنا، وإزاي أنت في الحفلة دي؟ أنت جرسون هنا صح؟ وتتطلع على هيئته المرتبة والمنمقة والتي لا تدل سوى على أنه ينتمي إلى تلك الطبقة التي يشاهدونها خلف زجاج ذلك المطبخ.. ليقطع يوسف تفكيرها قائلاً بضحكة بسيطة: براحة طيب وأنا هرد عليكي. وظل يتفحصها قليلاً قبل أن يقول: أنا سمعت حوارك أنتي ومديرك.. لتتطلع إليه مريم باندهاش.. حتى يقطع هو نظرات أعينها قائلاً: أنا ممكن أساعدك.. لتفيق مريم على لمسات ريما.. وتنظر إليها قائلة: مالك يا ريما؟؟ ريما بطفولة: جعانة أوي يا مريم.. وتقريباً مفيش أي حاجة في تلاجتنا العزيزة... والوقت خلاص أتأخر. لتضحك مريم على نظرات صديقتها الجوعانة: يعني أنتي عايزة إيه دلوقتي.. تاكليني.. حرام عليكي ده أنا حتى عضم. لتقذفها ريما بتلك الوسادة التي بجانبها قائلة: هو الشعب كله نفس النمط ده يا مريم؟ لتتطلع إليها مريم بغباء مصطنع: شعب مين؟؟ فتنظر إليها ريما بطرف عينيها قائلة: الشعب الشقيق يا أوختاه. لتضحك مريم على نظرات صديقتها قائلة بدعابة: في الواقع.. فتقترب ريما منها عند تلك الكلمة قائلة: في الواقع أنا جعانة بلا شقيق بلا أخوي. ليطلق هاتف ريما في تلك اللحظة رنينه، وتبتعد قائلة بعدما أخذت ما تحت الوسادة: في الواقع أنا خلاص أخدت اللي أنا عايزاه... محتفظة بشيكولاتة السواق يا مريم من ساعة الحفلة. لتبتسم مريم على حديث صديقتها.. حتى تفيق على صوتها ثانية: مريم ده.. زين!! .................................................................... نظرت نهال إليه طويلاً.. لترى ابتسامته وحدها هي من تزين ثغره، فتظهر نغزتاه العميقتان حتى اقترب هو منها. طارق: وحشتيني، جيت أشوفك. وابتسم وهو يمد يده بباقة الزهور: شايفة رومانسية أحلى من كده.. لتتأمل نهال هيئته وذلك الحب الذي يشع من عينيه الصادقة: طارق إحنا لازم.. طارق بحب: طارق إحنا لازم إيه يا نهال.. طارق بيحبك وميقدرش يستغني عنك، عارف إنك مش عايزة تبعدي عن والدك وتسيبيه لوحدك.. ثم نظر إليها بحنان: وعشان كده يا ستي أنا معنديش أي اعتراض صدقيني إن عمو عبدالله يجي يعيش معانا. ليسمعوا صوت عبدالله آتياً من غرفته: مين يا نهال يا بنتي؟ طارق بابتسامة: هتفضلي سايباني واقف كده على الباب؟ على فكرة عمو وأحمد عارفين إني جاي وكمان معزوم على الغدا ولا أنتي هتبقي بخيلة وهتطرديني؟ لتبادله نهال بتلك البسمة قائلة بخجل: اتفضل. فيسير طارق للداخل أمام أعين نهال، حتى يلتف إليها قائلاً: عجبك الورد ولا مطلعش ليا في الرومانسية؟ فيخرج عبدالله في تلك اللحظة وهو يتكئ على إحدى العصي بانحناء قائلاً بتعب: كده يا نهال يا بنتي سايبة طارق لسه واقف؟ فيتأمل طارق خجلها حتى تقول هي: ها أبداً اتفضل! ليبتسم عبدالله قائلاً: تعالي يا طارق يا ابني، لازم تتعود على كده.. البيت بيتك يا ابني. فينظر إليها طارق طويلاً حتى ينظر والدها إلى باقة الزهور التي بيد ابنته. عبدالله بسعادة: إيه يا نهال شكلك مركزة في الورد ومش معانا خالص، والأكل اللي على النار شكله كمان هيتحرق. لتتطلع نهال إلى أعين طارق اللامعة حتى تقول داخلها وهي تتأمله: خايفة أظلمك وأظلم نفسي يا طارق! ويصبح للحب ناراً تأكل قلوبنا عندما يريدك أحداً ويفعل لأجلك كل شيء يسعدك وأنت مازلت تعيش على بقايا عشق قديم. .................................................................... دخلت مريم القصر بخطوات بطيئة وهي تتأمل كل ما حولها بأعين لا تصدق بأن على الأرض نعيماً هكذا... فرغم أنها دخلته للمرة الثانية ولكن هذه المرة تدخله في وقت مبكر ومازال الضوء يعكس أشعته على كل جزء من أركانه، فوقفت عند تلك البحيرة الصغيرة لتتأمل أشعة النافورة التي تتمثل على شكل أحد الفيلة وتتناثر من زلومته الطويلة المياه بانسياب.. فتنهدت وهي تتذكر حديث صديقتها ريما إليها: يا سلام لو كنت مكانك يا مريم، مش معقول ترفضي تشتغلي في فندق (فيرمونت). لتضحك مريم قائلة بمرح: وماله مطعمنا يا عزيزتي ريما، ده يكفي وجود جون فيه. فتتأمل ريما غرفتها البسيطة قائلة: عارفة يعني إيه تشتغلي في فندق مشهور زي ده... يعني سنتين وتقدري ترجعي بلدك ويبقي عندك مطعم خاص بيكي، لكن صديقتي العزيزة تهوى الفقر. لتعود مريم من شرودها متأملة ساعة يديها البسيطة حتى تجده يقف خلفها ليقول ضاحكاً: الأمن بلغني بوجودك، عجبك القصر صح؟ مريم بسعادة: المكان هنا حلو أوي. ليقترب منها يوسف بابتسامة جذابة: بتحبي الطبيعة؟ فتشرد مريم بذاكرتها وهي تتذكر أحد أحلامها: نفسي يبقي عندي مكان حلو زي ده. ليشعر يوسف بسهولة مهمته، فهي كما ظن مثلهن لا ترغب سوى في المال والترف، فابتسم بخبث وهو يتفحصها رغم حشمتها.. مريم بابتسامة هادئة: بس لو كان من فضل ربي عليا وهعيش برضاه. فتعجب يوسف من حديثها ليقول: يعني لو بقي عندك مال زي ده ممكن ترفضيه؟ فأغمضت مريم عيناها وهي تتأمل المكان في ذهنها: ما أنا قولتلك لو كان من فضل ربي عليا، ومادام هعيش في نعيمه وأنا بطيعه وبرضيه والدنيا منستنيش حقه عليا، أكيد هتمني يبقي عندي قصر حلو زي ده وفلوس أقدر أتصدق بيها وأساعد بيها الناس. فضحك يوسف وهو يتعجب من كلامها: أنتي إنسانة غريبة فعلاً! ثم نظر إلى ساعته فقال: أكيد جاية تبلغيني النهارده بموافقتك بما إن مفيش بينا أي وسائل اتصال غير علمك بالمكان بسبب يوم الحفل. ثم ابتسم وهو يتحدث وعاد لوجهه البشوش معها: أنا كلمت يوسف باشا.. وهو وافق إنه يديكي فرصة شغل هنا في أحد الفنادق اللي يمتلك فيها أسهماً. فابتسمت وهي تتذكر تخمين صديقتها ريما على أصل ذلك المترف: تقريباً هو مصري صح! ليضحك يوسف وهو يداعب خصلات شعره على حديث الصحافة التي لم تكف يوماً عن الحديث في أصوله: مظبوط. فلمعت عيناها وهي تتحدث: عشان كده إنتوا صحاب والتعامل بينكم شكله في ود.. لا إلا طبعاً مكنش عيني بمساعدتك. ثم تنحنحت كي تخبره بردها: بس أنا جيت النهارده هنا عشان أعتذرلك مش عشان أوافق على عرضك. ليمتقع وجه يوسف من رفضها، ويبتعد بوجهه بعيداً عنها كي لا ترى تغير ملامحه حتى تقول هي باعتذار: مريم: أنا آسفة بجد أستاذ يوسف.. عارفة إنك كنت عايز تساعدني وبرفضي ده سببتلك إحراج مع الباشا بتاعك بس.. فيظل هو ساكن مكانه حتى تقول: بس أنا مقدرش أسيب مطعم السيد عدنان هو بحاجة لي، ومش معقول لما وافق يساعدني وأشتغل في مطعمه أسيبه مع أول فرصة. ليلتفت إليه يوسف سريعاً عند سماعه تلك الجملة: أظن إن رغبة رئيسك الجديد في العمل إنك تسيبي المطعم. فتخفض مريم برأسها أرضاً قائلة: هي دي فعلاً رغبته للأسف، بس مقدرش أتخلى عن مطعم العجوز. وكاد أن يلعن نفسه على تلك الحماقة التي ارتكبها في حق نفسه عندما اتخذ دور الشوفير لنفسه كي يتقرب منها وتصبح فريسته القادمة، ورفعت هي عيناها حتى وجهت عيناها مباشرة دون قصد منها.. فنظر إليها هو طويلاً ليتأمل تلك النظرة التي لأول مرة يراها، وقال وهو يبتسم دون أن يشعر: رغم إني زعلت بأنك صغرتي من وضعي قدام الباشا، بس أنا هقدر أتصرف، وضيعتي أحد الفرص اللي مش هتتكرر تاني. فابتسمت مريم ابتسامتها الهادئة.. فنظر هو إلى ساعته بأرستقراطية قائلاً بلامبالاة: يوسف باشا مش موجود دلوقتي في القصر تقدري تقضي نزهة فيه لو حابة.. بس للأسف أنا مضطر أمشي حالاً آنسة مريم عشان أروح أشوف شغلي.. وفرصة سعيدة. وصار من أمامها بخطى سريعة، لتتأمل تغيره المفاجئ معها، حتى تتنهد بأسى فقد انتهى وجود أحد الأشخاص التي استشعرت معهم بالأمان رغم قلة معرفتها بهم ولكن للأسف قرارها قد أغضبه. .................................................................... نظرت سالي طويلاً إلى تلك العلبة الصغيرة التي تضم بعض الحبوب، حتى أخرجتها من بين ملابسها لتضع آخر حبة على راحة كفيها.. ورفعت بكفها كي تلتقط تلك الحبة بفمها فألقتها أرضاً وهي تتذكر حديثه الأخير معها: حافظي على حياتك يا سالي.. حافظي على حب أمجد ليكي وحافظي على أسرتك. فانسالت دموعها بقوة وهي تتذكر لحظة غبائها عندما أخبرته بمشاعرها في ذلك اليوم الذي أتي فيه عندهم من أجل مقابلة أمجد ولكن عدم وجود أمجد في ذلك الوقت قد سمح لغبائها بأن يتجاوز في التخيل بأنها تستطيع أن تصبح من إحداهن. وتذكرت ذهابه من أمامها سريعاً عندما أنهى حواره معها واصطدامه بأمجد الذي أندهش من ذهابه السريع دون أي كلمة منه... فانسالت دموعها بازدياد وهي تلعن قلبها الأحمق وعقلها المريض... حتى اقتربت من مرآتها في غرفتها وظلت تتأمل شحوب وجهها في هذين اليومين. ابتسمت وهي تتطلع إلى جسدها الممشوق وتذكرها برغبة أمجد الدائمة في إنجاب طفل آخر.. فاتجهت نحو خزانتها وتأملت أحد فساتينها الضيقة والمثيرة.. والتقطت هاتفها الموضوع على منضدة زينتها وضغطت بأصبعها على زر الاتصال حتى جاء صوته: سالي: وحشتني أوي يا أمجد، أنا محتاجاك معايا دلوقتي أوعي تتأخر يا حبيبي!! .................................................................... جلسوا يتناولون الطعام بمفردهم، في ذلك الجو الهادئ. حتى تأملته أروى بحب: إيه رأيك في فستاني يا أحمد؟ فرفع أحمد وجهه عن طبقه ليتأمل جسدها المفصل الذي قد منعه عقله وأشعره لأول مرة بأن كل أفكاره ليست سوى رغبات يتقبلها عقله عند رؤيته لأخاه مع هؤلاء النسوة، أم حين يتأمل تلك المدعوة بخطيبته يشعر بالاشمئزاز منها رغم تجاوزها الكثير معه بسببه هو.. فتنهد قائلاً وأعينه تعلقت دون قصد منه بفتحة صدرها الكبيرة في ذلك الفستان الذي يظهر الكثير: أحمد وهو يشيح بوجهه سريعاً: أروى فين مامتك وباباكي.. مش المفروض النهارده أنا معزوم على الغدا ومن الواجب إنهم يكونوا موجودين؟ لتبتسم أروى وهي تلتهم طعامها: عادي يا أحمد، بابا مسافر وماما مع صحابها في النادي.. وكمان أنت خطيبي وقريب هتبقي جوزي وهما واثقين فيك وفيا وأنا واثقة كمان فيك يا حبيبي. بس إيه رأيك في استايل لبسي النهارده وتسريحة شعري، أنا عارفة إنك بتحب دايماً تشوفني بشعري. ثم وقفت تتمايل أمامه بخفة.. حتى تذكرت شيئاً. أروى: آه نسيت أقولك يا حبيبي أنا نزلت صور كتير لموديلات جديدة وحديثة عشان فرش شقتنا.. وأمسكت أحد أيديه بعدما أنهوا تناول طعامهم وذهبت نحو غرفتها وهي تأمر خادمة شقتهم الفارهة: يا صباح بليز هاتيلنا العصير في أوضتي. لتأتي الخادمة على صوتها وهي تراها تذهب لغرفتها قائلة بحزن: هي دي آخرة تربية الهوانم اللي أهم حاجة عندهم نفسهم وسايبين بيتهم وولادهم. وسار أحمد معها إلى غرفتها لأول مرة حتى قال بضيق: أروى هاتي اللاب بتاعك وتعالي نقعد في الصالون.. أو في أي مكان غير ده. فجلست أروى على تلك الأريكة الواسعة في غرفتها ذات اللون الأحمر القاتم وابتسمت وهي ترى بعض الموديلات العصرية دون أن تستمع لكلامه: بص يا أحمد.. شوف أوضة النوم دي، طب بص على الصالون العصري، ولا تصميم المطبخ يا أحمد بجد يجنن. فنظر إليها أحمد طويلاً وهو يتذكر حديثه السابق معها: إننا نعمل أي حاجة عايزين نعملها من غير ما نفكر في الناس ومجتمعنا بتفكيره العقيم والمتخلف، يعني مافيهاش حاجة لما أمسك إيدك أو أحضنك أو أبوسك زي ما بوستك أو حتى يكون في بينا علاقة. لتقطع أروى شروده وهي تأخذ أحد أكواب العصير الذي أعدته الخادمة إليهم: أحمد العصير يا حبيبي، وتعالى بقي اتفرج معايا. فاقترب أحمد منها وجلس بجانبها وهو يتأمل اندماجها في شاشة حاسوبها الشخصي حتى امتدت يده للعبث في خصلات شعرها المصبوغ منها بعض الخصلات.. فابتسمت أروى على لمساته حتى احتضنها بقوة وهو يقول بتمتع: أنتي النهارده حلوة أوي يا أروى. وأبعدها عن أحضانه قليلاً، ليتأمل شفتيها المطلية بأحمر الشفاه وقبلها بقوة.. حتى ابتعدت هي عنه بأنفاس متقطعة: أحمد! فضمها أحمد إليه وهو يلامس كتفها العاري بأنامله: بحبك يا أروى. .................................................................... تنهد أمجد بعمق وهو يتأمله حتى قال: بجد البنت دي ربنا بيحبها، لدرجة دي كانت نيتك إنك تضمها للقائمة بتاعتك يا يوسف؟ فابتسم يوسف وهو يتذكر هيئتها قائلاً: كان نفسي أجرب أوي النوع ده، صحيح أنا مسافر لبنان أسبوع عشان الصفقة الجديدة مع فادي. فتأمله أمجد قليلاً قبل أن يقول: طب وخصوص السفر لمصر، هسافر إزاي وأنت مش موجود؟ فتطلع يوسف إلى حاسوبه الشخصي قائلاً: سفارية مصر اتأجلت خلاص الفترة دي. ثم اعتدل في جلسته قبل أن يغلق حاسوبه ووقف يحتسي أحد المشروبات المثلجة: أعذرني يا أمجد مش هقدر أقبل عزومتك على العشا، ورايا ميعاد مهم. فاقترب منه أمجد بهدوء حتى قال: طب وياسين اللي بقاله أسبوع بيسأل عنك.. أقوله إيه دلوقتي؟ وياسيدي العزومة هتكون عليا متقلقش. فالتف يوسف إليه وهو يحتسي مشروبه في رشفة واحدة: هحاول يا أمجد، بس مقدرش أوعدك. وصار أمجد من أمامه واقترب من باب غرفة مكتبه الواسع: أوك يا يوسف، أشوفك بليل بقي. .................................................................... تطلعت إليها مريم بصدمة حتى قالت بتلعثم: أنا مش فاهمة حاجة يا ريما، أنتي وزين هتتجوزوا وهتسافروا بلجيكا؟ فابتسمت ريما بحالمية وهي تتذكر حبيبها زين الذي تركها فجأة ثم عاد إليها: آه يا مريم.. متعرفيش أنا مبسوطة قد إيه.. زين الفترة اللي فاتت سافر بلجيكا واستقر في شغل كويس وقدر يوفر ليا شغل، ورجع تاني كندا عشان ياخدني معاه وأعتذر مني كتير أوي على كلامه ليا. فتأملتها مريم بحزن وهي تقول: يعني هتسيبيني هنا لوحدي؟ فاحتضنتها ريما بقوة وهي تحادثها: أستقر هناك بس، وهخلي زين كمان يأمنلك شغل وتيجي تعيشي معانا في بلجيكا... أنا بحب زين أوي يا مريم. فابتعدت مريم عن أحضان صديقتها وحبست دموع وحدتها حتى قالت بسعادة: طب يلا بقي عشان نحتفل بالخبر الحلو ده يا أحلى عروسة. وفرت دمعة من عينيها وهي تتذكر كل لحظاتها مع تلك الصديقة الحنونه رغم عدم اتفاقهم في أشياء كثيرة.. وابتعدت مريم بوجهها كي لا ترى صديقتها دموعها وتظن أنها غير سعيدة من أجلها.. ونهضت من على طرف فراشها لتتأمل سعادة صديقتها بذلك الفستان الأبيض الذي قد جلبه لها حبيبها زين، ووقفت خلفها تتطلع إليها بحب وهي تراها تضعه على جسدها أمام مرآتهما الصغيرة.... الـــــفــــــصـــــــل الــــثـــــامـــــــن وضعت سالي يديها على يدي أمجد بحنان وهي تكمل حديثها الحميمي وكأن اليوم هو عيد زواجهم.. حتى تمايلت على إحدى أذنيه لتحادثه بهمس، ووضعت قطعة اللحم المشوية في شوكتها وعادت تكمل إطعامه... ولكن كل ما كان يشغل تفكيرها هل كل هذا سيجعله يشعر بأن الخاسر هو وليست هي؟ فرفعت وجهها قليلاً كي تتأمل معالم وجهه لتجده غارقاً مع ابنها ياسين في اللعب، ونظراته لا توحي بأي شيء يجعلها تشعر بأن فكرة اصطحابه معهم في ذلك العشاء الحميمي قد زرعت الغيرة في قلبه. ليرن هاتف يوسف في تلك اللحظة.. ويستأذن منهم.. ولكن نظرات سالي كانت ما زالت تتفرسه بغضب، ليتأمل أمجد صمتها المفاجئ. أمجد: سالي، روحتي فين؟ ويلامس يديها بكفه وهو يتأمل طفلهم: على فكرة، يوسف عرض عليا أنه ياخد ياسين النهارده معاه القصر. فتنظر إليه سالي طويلاً، وتلتف بأعينها تبحث عنه لتجده مندمجاً بحديثه مع المتصل الذي يبدو من ملامحه بأنه يحادث أنثى تبثه كلاماً مُثيراً يجعله يبتسم لها بخفة، فيلتف يوسف بوجهه في تلك اللحظة نحوهم حتى يجد أعينها تحاوطه. سالي بهدوء بعدما أشاحت بوجهها عنه: لا يا أمجد، أنا ما أسيبش ياسين عند يوسف، أنت عارف علاقته وحياته إزاي. ليتفرس أمجد وجه زوجته قائلاً: بس ديه مش أول مرة يا سالي، ياسين بيبات مع يوسف.. أنتِ عارفة قد إيه ياسين بيحبه ومتعلق بيه.. وكمان يوسف بيراعي ياسين أكتر مني ومنك، ومش معقول تفكيرك وصل أنه هيخلي ابني يشوف نزواته! فتنظر سالي إلى طفلها الذي يحاول النهوض من على كرسيه المخصص، كي يسير نحو ذلك الرجل الذي احتل قلبه وقلب أمه وعقلها.. حتى تقول ببرود: برضه مش موافقة إن ياسين يبات مع يوسف النهارده، اعتذر منه يا أمجد وقوله مرة تانية. ليأتي يوسف ويتأمل ضحكات الصغير قائلاً: إيه رأيك يا ياسو نروح أنا وأنت ونسيب بابا وماما؟ فيمد الطفل يده قائلاً: يلا نروح أنا وأنت. فيضحك يوسف على حب ذلك الصغير له بهذا الحد، حتى ينحني كي يحمله، لتتحدث سالي بجمود: بس ياريت ابني ما يشوفش أي منظر مش مناسب لطفل في سنه.. ليخرصها أمجد بصوته قائلاً: سالي! حتى يلتف يوسف إليهم بعدما حمل الصغير: ما تقلقيش يا سالي، مش معقول قذارتي هتوصل للطفل الصغير.. أنا النهارده مع ياسين وبس. ويسير بخطى هادئة بعدما ودع أمجد وشكره على ذلك العشاء. فنظر أمجد لسالي بعتاب قائلاً: على فكرة، أنا كنت هرفض بالذوق!! لتلمع عين سالي بالغيرة، فينهض أمجد قائلاً: مش كفاية كده؟ .................................................. ................. جلست مريم على فراش صديقتها وهي تتأمل كل ركن في غرفتهم البسيطة، متذكرة كل شيء قد مر بينهم من لحظات قد جعلتها تنسى غربتها حتى لو قليلاً، وابتسمت وهي تشرد في ابتسامة صديقتها اليوم عندما أصبحت زوجة لمن أحبت، وكيف ضمها زين إليه في سعادة، فوضعت يدها على قلبها وهي تتذكر كيف تمت تلك الزيجة بهذه السرعة الغريبة، ولكن فرحة صديقتها قد جعلتها لا تتمنى شيئاً سوى أن يرزقها الله بحياة سعيدة مع من أحبت. ونهضت من على الفراش بعدما أطلقت لحذائها ذات الكعب العالي العنان.. ووقفت أمام مرآتها كي تزيل حجابها بهدوء، حتى سقطت دمعة من عينيها لتشاهد نفسها في المرآة ولأول مرة تشفق على نفسها مما يحدث لها، لتقول بحب وهي تتذكر ريما: ربنا يسعدك يا ريما، وظلت تردد تلك الكلمة على لسانها. حتى سمعت قطرات المطر القوية تتساقط على زجاج شرفتها.. فاقتربت من شرفتها بأمل وهي ترى هطول المطر، فابتسمت قائلة بحنين: وحشتني أوي يا بابا، ثم تذكرت والدتها وإخوتها الاثنين من زوج أمها حتى ابتسمت وهي تتذكر كيف كانت تستطيع أن تفرقهما عن بعضهما رغم تشابههما القوي، فسقطت دموعها وهي تتأمل حالها الوحيد في ذلك العالم.. وابتسمت وهي تزيل دموعها عندما جاءت بذهنها قول الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) .................................................. ............................. أنهى يوسف شراب مشروبه، ونظر إلى ياسين النائم الذي يتسطح على فراشه ويبتسم وكأن في أحلامه ما يدغدغه ويلاعبه، فاقترب منه ليلامس أنامله الصغيرة قائلاً بصوت حنون: عارف يا ياسين أنا بحبك أوي، ونفسي يبقى عندي طفل شبهك، كل الناس فاكراني وحش وقذر أوي.. أنا عارف أني كده بس اللي يعيش هنا في القصر ده لازم يبقى كده... فتمايل الطفل قليلاً في حركته حتى قال يوسف ضاحكاً: أنا بتكلم معاك إزاي كده أصلاً. فسمع اهتزاز هاتفه المفاجئ ونظر إلى رقم المتصل حتى وجه حديثه إليه قائلاً: ده أمجد اللي بيتصل، شكله خايف عليك. وبصوت ضاحك كان يمازحه: يوسف: إيه يا أمجد؟ أنت هتخاف على ابنك مني زي مراتك ولا إيه؟ ما تقلقش، ما عنديش حد في البيت غير الأستاذ ياسين ونام كمان. ويلجم حديثه عند سماع صوتها وهي تتحدث: أنا سالي مش أمجد يا يوسف. فيظل الصمت بينهم حتى يقول بجمود: ياسين نايم وبكرة الصبح أكيد هيبقى عندكم يا سالي.. طمني أمجد وتصبحي على خير. وأغلق الهاتف دون أن ينتظر ردها، حتى ألقت سالي بالهاتف جانباً وهي تزفر بغضب من تصرفاته الجامدة التي أصبح يعاملها بها منذ علمه بمشاعرها تجاهه.. فاقترب منها أمجد بعدما أنهى حمامه الهادئ قائلاً بحب وهو يلامس وجهها بأنامله: وحشتيني أوي يا حبيبتي. .................................................. .............. جلس أحمد بشرود يشعل سيجارة تلو الأخرى وهو يفكر في حياته القادمة.. فنظر إلى كوب قهوته الذي قد برد، حتى جاء طارق عندما لمح وجوده على طاولتهم المفضلة في ذلك الكافيه.. واقترب منه قائلاً: إيه يا بني كمية السجاير ديه؟ فنظر إليه أحمد قليلاً قبل أن يطفئ لهيب سيجارته في تلك المطفأة المخصصة: أنت اتأخرت عليا ليه يا طارق؟ فابتسم طارق بسعادة: كنت بحضر أوراق كتب الكتاب، ياه أنا مش مصدق يا أحمد، أخيراً نهال هتبقى مراتي. فنظر إليه أحمد بسعادة وهو يرى مدى عشقه لأخته: ربنا يسعدكم يا صاحبي. طارق: بس أنت طلعت ندل يا ابني أنت، مافيش أي مساعدة منك حتى... ابقى افتكر كل ده ماشي.. عشان يوم إجراءات كتب كتابك أنت وأروي لو طلبت مني مساعدة أو من مراتي ولا هنعرفك. فنظر إليه أحمد بشرود وهو يتذكر اسم أروي حتى تنهد: أعذرني يا طارق، وكمان مراتك اللي بتتكلم عنها ديه تبقى أختي يا أستاذ. فتنهد طارق بحب: يااه أمتى بكرة يجي عشان أقولها كل اللي نفسي فيه، ده أختك ديه طلعت عيني.. بس على قلبي زي العسل. فتأمل أحمد السعادة التي تطل من عين صديقه، فتذكر آخر لقاء كان بينه وبين أروي عندما دعاتهُ إلى الغداء ولم يجد أحداً من أهلها سوى هي وخادمتها.. حتى أتت صورتها وهي بين أحضانه ليشاهدوا بعض الصور الخاصة بغرف النوم، وحديثهم عما سيحدث بينهم في تلك الليلة واستجابتها لحديثه.. فقد تمنى في تلك اللحظة أن يجدها تصرخ به وتضربه على وقاحته، ولكن كل ما وجده أمامه امرأة عالمة بكل شيء يخص الزوج وليس فتاة بكراً. ليلوح طارق أمام عينيه بأصابعه قائلاً: ها يا بني روحت فين؟ فيبتسم أحمد بابتسامة شاحبة لصديقه، وهو شارد بذهنه في صورة خطيبته الحمقاء التي تُلبي كل رغباته دون تمنع. .................................................. .............. تقدمت مريم نحو الطاولات الموضوعة بحزن، وبدأت تعد هيئة كل طاولة كما اعتادت هي وصديقتها ريما... فتأملت المكان حولها لتجد أعين ذلك الشاب الكندي تحاوطها بإشفاق عليها، فقد كان شاباً حديث السن، فاقترب منها قائلاً: أتريدين أن أساعدك يا مريم؟ فابتسمت مريم وهي تكمل إعداد الطاولات: أنا خلاص قربت أخلص يا أرناف.. روح ذاكر أنت، وأنا هكمل باقي شغلك. فبادلها ذلك الشاب الذي ما زال طالباً بابتسامة هادئة: لا تشغلي بالك من أجلي، فقد أنهيت معظم واجباتي.. وأريد أن أساعدك. ونظر إلى باقي الطاولات وابتسم لها وذهب يعدهم معها لاستقبال الزبائن. فهربت دمعة حبيسة من أعين مريم وهي تتذكر مزاح صديقتها ريما، واتجهت ناحية مطبخ مطعمهم المتواضع وأمسكت بشوكة ريما التي دائماً كانت تمزح بها معها.. وبدأت تكمل إعداد الحلوى والمأكولات البسيطة التي يتخصص فيها مطعمهم، لتسمع صياح لانا الصغيرة باسمها.. قائلة بسعادة وهي تترك ما بيدها: مريم: لانا حبيبتي وحشتيني. فتركض لانا نحو أحضانها قائلة ببراءة: أخبرت أمي إذا أنجبت أختاً لي.. سأسميها مريم.. أرأيتِ ثيابي؟ فتأملت مريم ثياب الصغيرة حتى قالت: حلوة زي لانا الحلوة. وابتسمت وهي ترى سيلا تمسك بيد العجوز عدنان ويدخلون من باب المطعم، حتى قال عدنان: اشتقت لمطبخي وكعكاتي الشهية. فضحكت سيلا وهي تتأمل والدها حتى قالت بسعادة: كنتِ جميلة في عرس ريما يا مريم.. حقاً تشبهين الملائكة. وتأملت المطعم الفارغ من الزبائن حتى قالت: ما زال الوقت مبكراً، ونظرت إلى والدها وهو يسرع نحو مطبخه باشتياق حتى ضحكت قائلة: أصر اليوم أن يأتي ليرى المطعم. مريم بسعادة: أكيد المطعم وحشه أوي. ليسمعوا صوته وهو يصرخ باسم مريم: مريم، تعالي هنا. فاتجهت سيلا بصحبة مريم نحو المطبخ ليتأملوه وهو يتذوق بعض المأكولات وبجانبه الصغيرة حتى قال: أصبحتِ طباخة ماهرة، أيتها الصغيرة. .................................................. ............... تأملته نهال لآخر مرة لها قبل أن تصبح زوجة لرجل آخر سيربط اسمه باسمها، حتى قالت من بين دموعها وهي تتطلع إلى صورته وصورة ابنه وزوجته سالي من خلال شاشة حاسوبها: مش كل حاجة بنتمناها لازم تتحقق، أنت بقي ليك حياتك يا أمجد وأسرة جميلة عايش معاها... وهبطت دموعها وهي تتأمل كل جزء فيه بندم: دلوقتي جه وقت إن الكتاب يتقفل.. وكل صفحة جواه لازم تتنسي.. عشان، وقبل أن تكمل بقية حديثها الذي تخاطب به صورته، شهقت بقوة وهي تقول: عشان أنا دلوقتي هبقى ملك لإنسان تاني وهديله قلبي قبل اسمي، ولازم أحافظ عليه وأخلق الحب اللي مات جوايا عشانه... طارق ما لوش ذنب في حياتي اللي فاتت ولا حبي المجهول.. أنا نفسي أعترفله بكل حاجة بس خايفة أبني بينا حواجز ما أقدرش أهدمها بعدين. ثم وضعت يدها على قلبها وهي تناجي ربها: يا رب سامحني على شيء ما كانش بإيدي، وأديني القوة إني أنسى كل الماضي وأعيش زوجة مخلصة عفيفة من الذنوب. وأغلقت حاسوبها الشخصي بعدما حذفت كل شيء يتعلق بأمجد وبحبها السري. حتى سمعت رنين هاتفها ليأتي صوته الحنون: كلها ساعات بسيطة وهتبقي مراتي، كان نفسي النهارده يبقى فرحنا بس هصبر، وكفاية إن اسمك هيبقى مرتبط باسمي وهقدر أقولك كل اللي نفسي فيه يا زوجتي. فأدمعت عيناها وهي تحادثه بخجل: نهال: وأنا عندي كلام كتير عايزة أقولهولك يا طارق، بس صبرنا كتير مش هنصبر الكام ساعة دول؟ فابتسم وهو يحادثها قائلاً: بحبك، بحبك أوي يا نهال. وأغلق هاتفه بعدما بث شوقه وحبه لها... حتى ابتسمت وهي تتمتم: هدايا ربنا ديماً بتسعدنا، بعد ما بنظن إن الدنيا حرمتنا من اللي كنا بنتمناه.. .................................................. ............. دخل أمجد إليه ، فوجده منهمكاً في النظر بحاسوبه حتى قال وهو يقترب من مكتبه: اللي يشوفك هنا في الشركة ويشوفك بره الشغل يقول شتان بين يوسف أدورد اللي كل همه شغله وبس، ويوسف أدورد اللي أهم حاجة عنده أنه يتبسط ويعيش حياته. فأشاح يوسف بوجهه عن حاسوبه باستقراطية حتى اعتدل في جلسته قائلاً: الشغل شغل يا صديقي.. بس الحياة حياة برضه وأنا بحب الاتنين الشغل والحياة. فابتسم أمجد وهو يرى حديثه العملي ونظرته في الحياة: هتسافر لبنان بكرة مش كده؟ فعاد يوسف للنظر في حاسوبه قائلاً: بكرة على طيارة الساعة 2 الضهر. فجلس أمجد على أحد المقاعد المقابلة له: صحيح عملت إيه مع البنت المصرية اللي عايز تضمها للقائمة، وافقت على عرضك في الشغل؟ فتنهد يوسف قليلاً قبل أن يغلق حاسوبه الشخصي: انسى الموضوع ده خلاص. فنظر إليه أمجد طويلاً حتى قال وهو سعيد: رفضت أكيد، مش قلتلك البنت ديه هتثبتلك أنها مش زي أي حد.. ماهو مش معقول! فيتطلع إليه يوسف بتهكم: ومدام هي محتشمة ومحجبة وملتزمة كده إيه اللي جابها تعيش في دولة أوروبية وتيجي حفلة عارفة وواثقة أنها كله حرام في حرام؟ ها، قول وكمل نظرتك. فتطلع إليه أمجد طويلاً قبل أن يقول: بلاش نحكم على الناس من بعيد، وما حدش فينا يعرف أسباب التاني اللي بتضطره إنه يعمل حاجة غيره بيبص ليها على أنها ما تنفعش. فتنهد يوسف طويلاً قبل أن يتذكر ملامحها الهادئة: بس أنا ماكانتش فاكر إن في نماذج من الستات ساذجة وطيبة كده.. فابتسم أمجد وهو يتأمل حديثه: الساذج والطيب في الزمن ده ليه رب ديماً بيحميه ما تقلقش، وأبسط مثال إنها رفضت مساعدتك وهربت من فخك يا سواق يا يوسف أدورد. فضحك يوسف وهو يتذكر كذبته حتى عدل من هندام رابطة عنقه: كويس إن الموضوع فشل.. أصل ماكانتش هستحمل دور السواق ده كتير. فنهض أمجد من على الكرسي المقابل له حتى قال: أسيبك تشوف شغلك بقى. ليرتخي يوسف بجسده وهو يفتح حاسوبه كي يكمل متابعة بعض الصور ناظراً إلى أخته بسعادة على موقع التواصل الاجتماعي في عقد قرانها: إنتي جميلة أوي يا نهال. وجاء بأعينه عند إحدى الصور التي قد وضعها أخوه على صفحته الخاصة وتضمهم جميعاً، فأغلق حاسوبه بقوة وهو ما زال يشعر بكره سنين من ذلك الأب الذي حرمه من حنانه. .................................................. ............... جلست مريم على طاولتهم الصغيرة تنظر إلى طبقها الذي يضم حساءً ساخناً، مبتسمة بحزن وهي تقول: الأكل ما بقاش ليه طعم يا ريما. فتسمع رنين هاتفها البسيط الذي قد أعطته سيلا لها هدية منها، حتى رأت الرقم الوحيد الذي يضمه الهاتف وهو رقم سيلا. لترد بسعادة وهي تعلم بأن المتصلة لانا التي بالتأكيد قد أصرت على والدتها بأن تهاتفها: مريم: حبيبتي الحلوة لانا، أخبارها إيه؟ لتسمع صوت سيلا الباكي، وشهقاتها: سيلا: مريم.. أبي قد تعب قلبه فجأة، وأنا معه الآن في المشفى بمفردي فاجون لم يأتِ من رحلته بعد.. اذهبي أرجوكِ إلى لانا فهي بمفردها في المنزل. .................................................. .............. انتهى من ليلته مع إحداهن، ليلتقط هاتفه وينظر إلى الوقت المتبقي لرحلته للبنان، فلم يتبقَ سوى خمس ساعات فقط. لتتمايل في حركتها تلك المرأة التي تتسطح بجانبه، فينهض من جانبها حتى تفيق هي: صوفيا: شو حبيبي لسا بدري على ميعاد رحلتك. فيبتسم يوسف وهو يتجه ناحية حمامه قائلاً: كملي نومك أنتِ يا حبيبتي، أنا لسا ورايا شوية حاجات هخلصها قبل ميعاد السفر. لتبتسم تلك الشقراء له بعدما عبثت بخصلات شعرها القصير: هتوحشني كتير يا حبيبي.. وتطلق له قبلة هوائية مفعمة بالأنوثة. فيضحك يوسف وهو يرى دلالها الأنثوي.. ويكمل سيره ناحية حمامه بكبرياء شرقي تجسده طباع غربي!! .................................................. ........................... رواية عشق القلوب. بقلم سهام صادق.