عشق القلوب الجزء الأول سهام صادق
الــــــفـــــصــــــــل الــــــخـــــامـــــس
وقفت مريم تبكي وتصرخ وهي تراهم يقتربون منها بسُكرٍ شديد، لتسمع أحدهما وهو يقول: “كم أنتِ جميلة أيتها الفتاة المسلمة، أريد أن أخلع ذلك الحجاب عن شعرك لأراكِ كاملة أيتها الحورية”.
فيضحك الآخر وهو يقذف بداخل جوفه ذلك الحساء الكريه قائلاً: “هيا يا ميكل، افعل بها ما شئت أنت أولاً وسنلحقك..”.
فنظرَت حولها تتأمل أيّ أحدٍ ينجدها من هؤلاء، ولكن ما زال الوقت مبكراً، فتحركت سريعاً من أمامهم لتركض، وفجأة جذبتها يد أحدهما بقوة لتطرحها أرضاً.
لتصرخ به مريم قائلة: “أبعد عني يا حيوان”.
فينظر هو إلى صديقيه الآخرين قائلاً: “أشعر أنها تسبني هذه الفتاة اللعينة”.
فأَلجم فمها بقوة كي يسكت صوت صراخها، لتغمض مريم عيناها وتسبح بعقلها بدعاء سيدنا يونس: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”.. وظلت تردده طويلاً حتى هبطت دمعة من جفونها وهي تتأمل أعين ذلك السكير ورائحة فمه الكريهة المنبعثة.
فتسمع صوت صراخٍ وضجيجٍ يسير حولها، وامتدت يد أحدهما إلى ذلك السكير الآخر الذي كان قد طرحها أرضاً، فتتطلع إلى كل ما يحدث حولها حتى أغلقت عيناها وسبحت في دموعها.
لتستيقظ على لمسات ذلك الطبيب الذي يبدو من لهجته أنه سوري: “أنتِ بخير؟”.
فتحرك رأسها بإرهاق واعتدلت قائلة بخوف: “أنا فين وإيه اللي حصل؟”.
فيشير الطبيب بأصبعه على ذلك الشخص الواقف بعيداً يتحدث في هاتفه، لتتأمله للحظات فترى بعض الخدوش على وجهه وبجانب شفتيه.. فتنهض ببطء وهي تتكلم بضعف: “أنا ممكن أمشي صح؟”.
ليأتي يوسف على صوتها بعدما أنهى حديثه في الهاتف: “أنتِ كويسة؟”.
فترفع مريم رأسها الذي أخفضته أرضاً عندما تذكرت كل ما حدث، فيفهم هو ما يفكر فيه عقلها.
يوسف: “متخافيش، محصلش ليكي حاجة”.
فتنظر إليه بأعين ترقرقت بها الدموع: “أنا مش عارفة أشكرك إزاي”.
ليضحك يوسف قائلاً: “والله أنا مش عارف مين اللي يشكر مين”، ويظل يتفحصها بإعجاب ليقول ثانية: “تحبي أوصلك؟”.
فتتطلع إليه مريم قليلاً.. وكادت أن ترفض ولكن هزت برأسها تعبيراً عن موافقتها عندما تذكرت كل ما حدث لها.. وسارت من أمامه بخطى بسيطة، حتى خرجوا من ذلك المستوصف الصغير للطوارئ.
فيقترب منها يوسف حتى سار بجانبها: “أنتِ مصرية؟”.
فابتسمت وهي تحن إلى بلدها وتكره تلك الغربة التي عرضتها لكل هذا: “أيوه”.
فيداعب هو ذلك الجرح الذي أخذ موضعاً بجانب أحد حاجبيه: “عايشة هنا لوحدك؟”.
لتقف مريم فجأة بعد أن أغمضت عيناها بقوة: “عايشة مع صديقة ليا”.
فيقف يوسف بدوره لتقول هي: “أنا مش عارفة أشكرك إزاي”.
فيبتسم يوسف على طريقة حديثها الذي أول مرة يستشعره في أنثى: “أنتِ بتعملي إيه هنا يا….”.
فتصمت مريم للحظات قائلة وهي تكمل سيرها: “اسمي مريم، أما أنا هنا ليه فعشان أشتغل”.
فيعود يوسف لسيره مرة أخرى وهو يضع بكلتا يديه في جيوب بنطاله الرياضي، فتنظر هي إلى تلك الحافلة القادمة قائلة بامتنان: “أنا هنا هقدر أكمل طريقي، شكراً أستاذ”.
فيبتسم يوسف ابتسامة بسيطة وهو يتطلع إليها مودعاً إياها: “يوسف”.
ويقف يتأملها وهي تسير نحو الحافلة البسيطة لعامة الشعب في تلك البلدة.. فأغمض عيناه وهو يتنهد: “بنت غريبة أووي”.
………………………………………….. …………..
في داخل موطنا الحبيب بعيداً عن تلك الغربة!!
جلس أحمد يتطلع في هاتفه بتأفف وهو جالس بسيارته أمام بناية خطيبته، فنظر إلى ساعته بضيق.. حتى وجدها تردف إلى داخل السيارة بجانبه قائلة بدلع: “هتوديني فين بقى يا حبيبي؟”.
فابتسم أحمد بخبث وهو يميل نحوها كي يقبل أحد خديها: “أي مكان حبيبي يختاره”.
وسار بسيارته السوداء الفارهة التي قد حصل عليها قسطاً من ذلك البنك الذي يعمل به.. فحل الصمت بينهم قليلاً قبل أن يقول هو: “هي بنت خالك سافرت كندا؟”.
فيمتقع وجه أروى عندما ذكرها بتلك البغيضة التي تكرهها: “يا دي ست مريم دي!”.
فيلتف إليها أحمد بطرف عينيه قائلاً: “وهي عايشة مع مين هناك؟ أنا اللي أعرفه إن خالك محسن سافر أمريكا وصفّى كل تعاملاته ورأس ماله في كندا”.
فتصرخ به أروى قائلة: “إيه يا أحمد! ما تراعي إحساسي، مش معقول أكون معاك وتفتكر لي ست مريم.. ولا أنت من ساعة ما شوفتها أعجبت بيها؟”.
فأوقف أحمد سيارته جانباً في أحد الأماكن الهادئة والمظلمة قائلاً: “يا حبيبتي أنتِ عارفة إن سؤالي مقصديش بيه حاجة، مجرد سؤال يا ستي أوعي تتعصبي وتضايقي بقى.. لاحسن مفاجأتي هلغيها”.
فتقترب منه أروى لتداعب بشرة خديه بأناملها: “قولي بقى يا مودي هنروح فين؟”.
فيبتسم أحمد للمسات يديها وظل يتذكر أخاه البعيد وهو يحتضن النسوة التي تتهافتن عليه، حتى قربها منه أكثر ناظراً إليها بقوة: “أروى، أنا هعمل حاجة بس متزعليش مني ماشي؟”.
فنظرَت إليه أروى قليلاً وهي تحرك برأسها موافقة على ما سيفعله، وأغمضت عيناها عندما وجدت أنفاسه تقترب منها حتى بدأ يقبلها بقوة.. وابتعد عنها قليلاً ليقول: “أروى أنا عايزك تبقي كده”.
لتفتح أروى عيناها ببطء بعدما استعادت أنفاسها التي هربت منها: “اللي هو إيه !”.
فتنهد أحمد قليلاً قائلاً: “إننا نعمل أي حاجة عايزين نعملها من غير ما نفكر في الناس ومجتمعنا بتفكيره العقيم والمتخلف، يعني ما فيهاش حاجة لما أمسك إيدك أو أحضنك أو أبوسك زي ما بستك، أو حتى يكون في بينا علاقة”.
لتنظر إليه أروى طويلاً وتضع بيدها على شفتيها: “علاقة…”.
فيكمل أحمد بحديثه قائلاً: “وفيها إيه يا أروى! ما الأجانب بيكون بينهم علاقات كتير قبل الجواز وعادي بيتجوزوا بعض.. إحنا بس اللي مجتمع متخلف.. وكمان يا حبيبتي أنا مش عايز أضيع لحظة واحدة من عمرنا سوا قبل الجواز أو بعده.. لازم نعيش حياتنا من غير عقد أو تخلف”.
لتحرك هي برأسها له تأكيداً على كلامه قائلة: “عندك حق يا حبيبي”.. وتتذكر أمر مفاجأته غير عابئة بتلك القبلة المحرمة وذلك القرب.. أو حتى هذه الكلمات التي ترخص منها بعد أن أكرمها الله وجعلها حورية غالية: “إيه هي بقى المفاجأة يا حبيبي؟”.
فيتأملها أحمد بخبث بعدما التقط أحد يديها ليقبلها بنهم: “هنروح الديسكو عشان نرقص”.
لتضع أروى يدها على حجابها الملفوف على صيحات الموضة وخصلات شعرها تخرج منه: “هنروح الديسكو بالحجاب عادي؟ مش هيبقى منظري وحش؟”.
فيضحك أحمد ساخراً وهو يتأمل تفاصيل جسدها من تلك الملابس الملتصقة: “ده أنتِ كده اللي شكلك وحش يا حبيبتي”.
فتتأمله أروى طويلاً غير مدركة ما يقصده: “مش فاهمة أنت تقصد إيه يا حبيبي”.
فيميل أحمد على إحدى أذنيها: “بموت فيكي يا حبيبتي”.
فتتناثر كلمات ذلك الشرقي حول أذنيها كما يتناثر الهواء.. وتصبح للدنيا عالم خاص بهم يحللون فيها الحرام وكأنه هو الحلال.. وينظرون للحلال وكأنه هو من يكبت حريتهم عن شهواتهم.. ولكن كما سنتفاوت في درجات الجنة بعقولنا المتيقنة بأن كل ما يمنعنا عنه الخالق هو من أجل جزائنا بجنته في النهاية، سنتفاوت أيضاً في درجات النار بعقولنا التي تبحث عن الحرام لكي ترضي أهواءها.
………………………………………….. ……………..
اقتربت ريما منها بإشفاق وهي ترى ارتعاش جسدها القوي قائلة: “مريم، فيكي إيه؟ من ساعة ما رجعت من المطعم وأنا لاقياكي على الحال ده.. أنتِ ليه مروحتش المطعم؟ جون اللعين ما هيصدق”.
لترفع مريم وجهها المدمع من بين قدميها: “أنا عايزة أرجع مصر يا ريما”.
فتتأملها ريما قليلاً قائلة: “هترجعي لمين؟ لجوز أمك اللي مش عايزك في بيته وأمك غصب عنها مش قادرة تقول حاجة عشان متخسرش حياتها وولادها التانيين.. ولا لعمتك اللي طردتك عشان خافت هي وبنتها لتسرقي خطيب بنتها.. ولا عمك اللي كلمك مرة وقالك هيبعتلك تذكرة طيارة لأمريكا عشان تيجي تعيشي معاه وبعدين مسألش فيكي حتى رقمه غيره.. هترجعي لمين قوليلي؟”.
لتتطلع إليها مريم طويلاً قائلة بضعف وخوف: “أنا تعبانة أووي يا ريما.. أول مرة أحس إني ضعيفة أوي قدام الدنيا، طول عمري بقول لنفسي: لازم أقف وأقوم مهما حصل.. وأفضل ديماً الإنسانة اللي عمرها ما يئست من رحمة ربنا”.
فاقتربت منها ريما واحتضنتها بقوة قائلة: “مش أنتِ قولتي هتعلميني إزاي أصلي؟ إيه رأيك نقوم نصلي سوا.. هاا هترفضي طلبي وتفضلي قاعدة بتعيطي؟”.
لتتأملها مريم بسعادة وهي تمسح دموعها: “يااه يا ريما أخيراً.. عارفة؟ دلوقتي بقى إحنا بقينا نساعد بعض، كل ما واحد فينا هيضعف التاني هيقويه”.
لتضحك ريما على حديث صديقتها الجميل قائلة وهي تشير بأصبعها إليها: “بس أنا لسا مقررتش ألبس الحجاب.. وممكن أصلي سطر وأسيب عشرة”.
فابتسمت مريم على حديث صديقتها: “المهم متسيبيش كل الأبواب بينك وبين ربك مقفولة، افتحي باب يمكن في يوم يفتحلك كل الأبواب… هحكيلك حكاية اللص الصائم”.
فتأملتها ريما وهي تتطلع إليها بأعين الدهشة: “لص وصائم!”.
فابتسمت مريم قائلة وهي تنظر إلى فاه صديقتها المفتوح ببلاهة: “أحد الصحابة، سهيل بن عمرو، كان مسافر هو وزوجته.. وفي أثناء رحلتهم اعترضهم قطاع الطرق.. وخدوا منهم كل اللي معاهم من مال وطعام.. كل شيء!! وبعدين قعدوا اللصوص يأكلوا اللي حصلوا عليه من طعام وزاد.. فلاحظ سهيل بن عمرو إن قائد اللصوص مش بيشاركهم في الأكل ده، فسأله: أشمعنى أنت مش بتاكل معاهم؟!! فرد عليه وقاله: إني صائم.. فتعجب سهيل وقاله: تسرق وتصوم!! رد عليه وقاله: إني أترك باباً بيني وبين الله لعلّي أن أدخل منه يوماً ما.. وبعدها بعام أو عامين، رآه سهيل في الحج وهو يتعلق بأستار الكعبة، وقد أصبح زاهداً.. عابداً.. فنظر إليه وعرفه، فقاله: أو علمت.. من ترك بينه وبين الله باباً.. دخل منه يوماً ما”.
………………………………………….. ……………..
وقف أمجد يتأمله وهو يرتدي جاكيت بذلته الرسمية بعدما انتهى الاجتماع المتفق عليه مع أحد العملاء ليقول: “أنت إيه اللي عمل فيك كده؟”.
فالتف إليه يوسف بعدما هندم من رسميته ووقاره قائلاً بجدية: “عادي يا أمجد، مجرد خناقة متشغلش بالك بقى، خلينا دلوقتي نفكر في صفقتنا الجديدة”.
فنظر إليه أمجد طويلاً قبل أن يمد يده بذلك الملف قائلاً: “كل المعلومات اللي هتحتاجها بخصوص الصفقة الجديدة في الملف ده”.
ليبتسم يوسف بعدما رأى بعض المعلومات الاحترافية بخصوص صفقتهم وعملائهم: “هايل يا أمجد، هطلع عليه بعد ما حفلة رأس السنة تخلص، أنت معزوم عليها أكيد أنت وسالي”.
فتنهد أمجد قليلاً ليقول: “أنا لو عليا مش عايز أحضر حفلات بس أعمل إيه؟ سالي بتعشق الأجواء دي وأنا مبردش أقولها لا، كفاية إني مغربها معايا”.
فابتسم يوسف إليه ونظر في هاتفه وهو يغادر غرفة مكتبه: “هستناك، أوعى تتأخر”.
………………………………………….. …………….
تأملها جون والابتسامة تعلو شفتيه حتى قال وهو يقترب نحوها: “أكيد أنتِ عارفة إن اليوم اللي أخدتيه عطلة ده ماكانش يوم عطلتك، فبالتالي هيتخصم من مرتبك”.
فتنهدت مريم قليلاً قبل أن تحرك رأسها موافقة على ما سيفعله.. حتى مال نحوها قائلاً: “النهاردة مطعمنا، وطبعاً بذكائي أنا.. هيكون مسؤول عن حفلة رأس السنة لقصر أدور باشا..”.
فنظرَت إليه مريم بدهشة: “إزاي هنبقى مسؤولين عن قصر أنا وريما وأرناف؟”.
فتعالت ضحكات جون حتى قال ساخراً: “أنا ضميت نشاط مطعمنا لفندق (فيرمونت)، أكيد طبعاً سمعتي عنه”.
وقبل أن يكمل جون باقية حديثه.. أتت لانا راكضة اتجاه مريم قائلة بفرحة: “مريم أنتِ وحشتيني.. عارفة لانا سمعت إيه النهاردة مع عمو بتاع التاكسي؟ قرآن، كان صوت اللي بيغني حلو أوي يا مريم”.
فضحكت مريم على تعابير الصغيرة وتشبيهها لصوت الشيخ بالغناء.
ليمتقع وجه جون على حديث ابنته وكاد أن يصرخ في وجه ابنته ووجه تلك المسلمة التي يبغضها.. ولكن اقتراب سيلا منهم قد غير كل شيء.. لتبتسم سيلا لزوجها وتحتضنه قائلة: “سنة سعيدة يا عمري”، وتمسكه من إحدى يديه قائلة وهي تضعها على أحشائها: “السنة اللي جاية عيلتنا الصغيرة هينضم ليها فرد جديد”.
فيبتسم جون بسعادة، حتى يلمح بطرف عينيه ابنته التي تتجاذب مع مريم أطراف حديثها الطفولي وهي تصنع الكيك وبجانبهم ريما التي تداعبها أيضاً، فيتذكر حفلة الليلة وهو يقول: “سأفعل كل شيء كي أضايقك يا مريم… وأبعدك عن طفلتي”.
………………………………………….. ……………..
نظرت نهال إلى رسالتها التي أصبحت مقروءة دون رد، فتأملت رسالتها الحمقاء التي قد بعثتها له.. وأدمعت عيناها بألم وهي تشعر بجفاء أخيها، حتى وجدت برسالة نصية قد بعثت إليها: “إزيك يا نهال؟”.
فابتسمت وهي تمسح دموعها عندما رأت أن من يراسلها هو أمجد.
فردت بألم: “الحمد لله يا أمجد، أنت عامل إيه؟”.. وهبطت دموعها ثانية وهي تقول: “وياسين عامل إيه؟”.
وظلت لدقائق تنتظر رده حتى بعث لها بتلك الصورة التي قتلتها، فقد كانت صورة صغيره ياسين الذي أصبح عمره الآن ثلاث سنوات وزوجته سالي التي كانت إحدى جاراتها، وهو يقف يحمل صغيره وسالي تحتضن ذراعيه بقوة والابتسامة تعلو شفتيها.
فوضعت يدها على فمها لتكتم صوت شهقاتها، وتتذكر كم كانت تحبه سراً وهو لم يبادلها يوماً أي حب سوى الحب الأخوي الذي عذب أحدهما وجعل أحدهما زوجاً لأخرى وأباً لطفل.
وضحكت بألم وهي تبعث له بذلك الوجه المبتسم عبر رسالتها قائلة: “ربنا يخليهولك يا أمجد”.
ليكون رده الأكثر جرحاً: “عقبالك يا نهال لما يكون عندك طفل حلو كده زي ياسين…”.
فتأملت نهال صورة طفله بدقة وهي ترى ملامحه التي تشبه أباه حتى بدأ قلبها يتحدث خلف تلك الشاشة الإلكترونية: “مش نفسك يبقي عندك طفل كده؟ هو شاف حياته وبقي ليه أسرة، ليه بتعذبي نفسك؟ كان نفسك ياسين يبقي ابنك مش كده!!”.
وأفاقت على صوت رسالته الأخرى.. لترى اعتذاره عما فعله يوسف معها وأن الطريق ما زال صعباً كي يعود إليهم ويتحرر من الكره الذي صنعه جده.
………………………………………….. …………….
أنهوا إعداد الكعك والشطائر الخفيفة التي قد تعلماها من العجوز، ووقفوا على عتبة ذلك الباب الخلفي من المطبخ المطل على الحديقة الواسعة والمجهز لهم.. ناظرين إلى ذلك العالم، فتنهدت ريما تنهيدة قوية بعدما أعطت أحد الصواني الموضوع عليها كؤوس الخمور قائلة: “شايفة الحياة يا مريم؟”.
فنظرَت مريم طويلاً لكل ما تتأمله هي وصديقتها حتى أشاحت بوجهها قائلة: “أنتِ اللي شايفاه ده حياة؟”.
فابتسمت ريما وهي ترى أحد الرجال وقد أعجبها وسامته وهيئته التي تدل على ثرائه: “أومال إيه اللي هيكون حياة غير ده؟.. قصور وعربيات وحفلات وفساتين ورقص.. يااه أنا نفسي أبقى وسطهم..”، ثم تأملت صديقتها التي تنظر إليها قائلة: “عارفة إنك هتقولي عليا ضعيفة يا مريم، بس أنا بحب الدنيا أووي ونفسي أعيش كل حاجة فيها بترف.. أسافر وألبس وأتفسح وأرقص”.
لتتطلع مريم إليها طويلاً قائلة وهي تتأمل صفاء السماء بنجومها: “هي الدنيا فعلاً فيها حاجات كتير حلوة ممكن نتمتع بيها يا ريما”.
فتضحك ريما وهي تقول: “شوفتي كلامي صح إزاي؟”.
فتكمل مريم حديثها: “عندك السما والنجوم والقمر والشمس والجبال والبحار والسحاب والطير وجمال الأطفال وضحكتهم ونظرة في عيون طفل يتيم ودعوة أب وأم وحب الإخوة والأهل والأصدقاء وعشق الحبيب اللي حارب الدنيا عشان تبقي حلاله…”.
فيتهكم وجه ريما وهي تسمع فلسفة صديقتها: “يا مريم بقول قصور وفلوس وعربيات وسفر وفساتين وأرقص مع أجمل راجل.. تفتكري أنهي الأحسن؟”.
لتتنهد تلك “الفيلسوفة” كما ادعتها صديقتها، فتكمل مريم حديثها ببهجة: “(وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)”.
فيأتي جون في تلك اللحظة قائلاً وهو يستشيط غضباً: “مهمتك انتهت في المطبخ يا مريم، ودلوقتي تخلعي حجابك ده وتلبسي نفس (uniform) طقم العمل عشان تخرجي تقدمي المثلجات للضيوف”.
ويشير إلى ما يقصده فترى شتى أنواع الخمور، فتضع يدها على حجابها قائلة: “أنا برفض أوامرك مستر جون حتى لو هتفصلني عن العمل”.
فيتطلع إليها جون ساخراً، وتقترب ريما منهم قائلة بإشفاق على صديقتها: “مستر جون، أنا ممكن أخرج بدل مريم”.
ليضحك جون بتهكم: “أنتِ كمان يا ريما مكلفة بنفس الأوامر، إحنا دلوقتي مش بنشتغل في المطعم وبنعمل كيك وقهوة وبس وطعام من اختراع العجوز.. إحنا دلوقتي وسط عالم تاني راقي ومافيش حاجة اسمها لا.. (Business is business!)”.
………………………………………….. …………….
يدخل قصره وهو يتحدث في هاتفه: “أكيد مشتاق إني أشوفك يا عمري”، ثم تأمل ساعته قائلاً: “ده أحلى خبر سمعته، هستناكي بعد الحفلة، مع إن كان نفسي تحضري الحفلة معايا.. بس أكيد هعوضك بأحلى منها.. هتوحشيني لحد ما أشوفك”.
فيسمع ذلك الصوت العالي القادم من مطبخ قصره، حتى سار بخطوات بطيئة نحو المطبخ، ويرى ما يحدث بطرف عينيه ويسمع آخر كلمة يتحدث بها معها: “لو منفذتيش الأوامر فاعتبري نفسك مرفودة!!!!”.
………………………………………….. ………………..