عشق القلوب الجزء الأول سهام صادق

​الـــــــفـــــصــــــــــــــل الــــثــــانـــــــــــــــــي

​أدمعت عيناها وهي ترى كلمات ابنتها التي سُطرت في ذلك الجواب، فأحتضنت الجواب بشدة وهي تستنشق عبير رائحته وكأنها تريد أن تحتضن صاحبته، لتمسح دموعها سريعاً عندما وجدت زوجها واقفاً أمامها.
فهمي بحنق: كل يوم لازم ألاقيكِ قاعدة نفس القعدة، ست نكدية، ما خلاص سافرت وأطمنتي عليها..
فتتطلع إليه سعاد بألم يعتصر قلبها: منك لله، أنت السبب، كان فيها إيه لو كملت ثوابك عليها.. بعد السنين دي كلها زهقت منها؟
فيظفر فهمي بضيق قائلاً: وأنا إيه اللي يجبرني أستحملها كل السنين دي؟ ولادي أحق منها بالفلوس اللي بصرفها عليها، أنا أستحملتها لحد ما تخرجت من الجامعة وبكده أنا عملت بأصلي، مش زي ناس.
فتتذكر سعاد أهل زوجها السابق قائلة: أنت السبب خليتها تسافر تدور على عمها في كندا، منك لله يا شيخ.
ليصرخ فهمي بوجهها: سعاد ياريت تلزمي حدودك معايا، وبنتك خلاص غارت.. ربي عيالك الباقيين بقى ولا أنتي مخلفتيش غير مريم؟
فتنظر إليه سعاد بحسرة: حتى حبي ليها مستكتره فيها، حرام عليك دي يتيمة، اتحرمت من أبوها وهي لسا طفلة مكملتش سبع سنين، أما ولادي التانيين ربنا أنعم عليهم بوجودك ووجودي، أما اليتيمة دي اللي طردتها من بيتك كان ليها مين؟
فيصمت فهمي قليلاً ليقول بتنهد: بنتك هي اللي سمعتنا واحنا بنتكلم، أنا مطردتهاش.
فتنظر إليه سعاد بألم: عايزها تسمعك وأنت بتقول إنك مش مجبر تتحملها تاني، وأهل أبوها اللي أنت عارفهم كويس أنهم مش بيسألوا فيها إن هما أولى بيها، عايزها تسمع كل ده يا فهمي.. وتفضل قاعدة في بيتك؟ دي يا حبيبة عيني كانت بتشتغل طول ما هي في الجامعة عشان متكلفكيش مصاريف جامعتها، وحولت ورقها جامعة بعيدة عشان تريحك من همها وقعدت في بيت طالبات، وعايزها أول ما تسمع كلامك تفضل مستنية لحد لما تيجي تقولهولها بنفسك، بدل ما تقولهولي.. أنا عارفة إنك من زمان وأنت مش طايقها، كانت نظراتك واضحة أوي يا فهمي، بنتي كانت حساها وأنا كنت بشوف نظرة الألم في عينيها وهي حاسة إنها عبء على جوز أم بيتتكفل بيها عشان الواجب، مش الرحمة.
ليتطلع إليها فهمي بلامبالاة: خلاص خلصتي كلامك؟
فتنظر إليه سعاد بحسرة، وتسقط دموعها على ابنتها حزناً وشوقاً.
………………………………………….. …………….
كانت هذه هي حياته التي يعشقها، من يتطلع إليه نهاراً سيجده مثل الآلة التي تفكر وتعمل وكأن رفاهية الحياة لا يبالي بها شيئاً، ولكن عندما يحل الليل لا يكون سوى رجلاً يبحث عن نزواته وعلاقاته التي تتعدد.. وأمام سطوة ماله ووسامته وجسده كان يحصل على ما يريد بدون عناء، فيتطلع إلى تلك المرأة التي تحاوطه بذراعيها وهو يراقصها لتقول هي بهيام يمتلكها أمام نظرات عيونه الراغبة: أنا مش مصدقة نفسي، إني برقص معاك يا يوسف، وتقترب منه أكثر لتعانقه قائلة بهمس: هو احنا هنقضيها رقص طول الليل؟
ليتطلع إليها ناظراً لها بتأمل.. فيشير إلى حارسه الشخصي بأن يجهز له سيارته فيقربها منه أكثر قائلاً: كانت سهرة جميلة أوي يا روز، فينظر إلى ساعته قائلاً: للأسف لازم أمشي عشان عندي اجتماع بكرة مهم أوي..
فتتطلع إليه هي بحنق شديد.. ويسير هو من أمامها بهيئته الجذابة، لينهي تلك الليلة التي قد علم فيها رغبة صاحبتها منه، ولكن مادام هو لا يرغب، فلتحترق هي حنقاً منه كما شاءت.. لتظهر ابتسامة ساخرة على محياه، ويركب سيارته بعدما قد فُتح أحد أبوابها إليه ويغمض عيناه قليلاً وهو يأمر سائقه بأن يذهب به إلى بيته الذي يقطنه بمفرده بعدما توفت والدته وبعدها جده.. ليصبح هو وحده الوريث لتلك الإمبراطورية التي قد ورثها عن جده الذي أصبحت كنيته معروفاً باسمه كما يدعون يوسف أدورد
………………………………………….. ………….
وعندما أغمضت مريم عيناها كي تنعم بالراحة قليلاً، كان شريط حياتها يسير بدون توقف أمام أعينها، فتسقط دمعة قد اجتازت جفونها ببراعة، حتى أصبحت دموعها سيلاً، فتتردد تلك الكلمة التي سمعتها من عمتها عندما ذهبت إليها كي تستنجد بها: خدي الفلوس دي، وأوراق سفرك بقيت جاهزة أهوه، وسافري لعمك محسن يا مريم، هو هيساعدك ويشوفلك شغل هناك.
فتتطلع هي إلى عمتها بألم.. حتى تمد عمتها بيدها فتضع داخل كفيها الظرف الذي يحتوي على بعض الأموال وتذكرة طائرتها.. فتخرج عمتها، وتبتسم هي ساخرة عندما تذكرت حديث عمتها مع ابنتها:
واحنا ذنبنا إيه يا ماما نتكفل بمصاريفها، وتعيش معانا، البنت دي لازم تمشي، مش كفاية أول ما جات عندنا أحمد خطيبي أعجب بيها، أنا مش هستنى لحد ما تسرقه مني.. أنتي لازم تتصرفي يا ماما.
فتفيق على صوت أقدام صديقتها لتجفف دموعها سريعاً وهي تقول بصدمة: مالك يا ريما فيكي إيه!!
ثم تأملت هيئتها المزرية بألم، لتمد يدها برفق كي تساعدها قائلة بإشفاق: ليه بتعملي في نفسك كده؟
فتضحك ريما بدون وعي: أنتي حلوة أوي يا مريم، السهرة دي كانت بجد ناقصاكي، هو زين ليه سابني يا مريم عشان أنا مش حلوة، ولا عشان فقيرة وبشتغل في المطبخ؟ هو قالي كده، قالي إني خدامة وكمان طباخة، زين ضحك عليا يا مريم.
فتجلس ريما على طرف الفراش ببكاء وتخرج من حقيبتها تلك الزجاجة الكريهة لتقربها من فمها قائلة: لازم أنسى!!
وقبل أن ينزلق ذلك المنكر الكريه ليختلط بدماء جسدها، قذفته مريم بعيداً قائلة: وأنتي كده هترتاحي، لما تكوني أشبه بالحيوان، ومش حاسة بنفسك؟
لتتطلع إليها ريما بغضب.. وقبل أن تتحدث كانت تنظر إليها مريم بحزن قائلة: هو ربنا ميزنا عن الحيوان بإيه يا ريما، مش بعقولنا برضو، وليه بنزعل لما حد بيشبهنا بالحيوان؟ مش عشان الحيوان تصرفاته هوجاء؟ تقدري تقولي للكلب أنت هتعضني ليه، أو تقولي للقطة أنتي خربشتيني ليه، أو الأسد أنت عايز تأكلني ليه؟؟
فتتسطح ريما بجسدها على الفراش والنوم يداعب جفونها قائلة: هو في حد يقدر يقول للأسد أنت هتأكلني ليه، يا لكِ من حمقاء يا مريم!!
فتمسح مريم على شعرها قائلة بحنان: ما أنتي دلوقتي زيه يا ريما، أنتي لو شوفتي زين دلوقتي قدامك ممكن تموتيه.
لتنظر إليها ريما قائلة: هموته عشان هو خاين، وضحك عليا وجرحني.
فتربط مريم على كتفيها: لما هتفوقي وتصحي، هتكتشفي إنك كنتِ غلطانة بتفكيرك ده، عشان تضيعي نفسك بسبب إنسان زيه، شوفتي بقى الفرق بين وأنتِ في وعيك ومن غير وعيك…
فتضحك ريما قائلة: أنا دلوقتي من غير وعي صح؟
لتبتسم مريم قائلة: نامي يا ريما وأنا هفضل جنبك.
فتمسك ريما يدها بحنان قائلة: كانوا ديماً بيقولوا على المسلمين إرها،،،،بيين، فتصمت قليلاً بعد أن غالبها النعاس، لتصحو ثانية قائلة بتثاقل وبابتسامة مرسومة على محياها: بس طلعوا أحلى إرهابيين، ممكن نقابلهم.
وتصبح أخلاقك.. هي وحدها من يعرف العالم بها جمال دينك، وما أعظمه.
………………………………………….. ………….
وعندما سمع يوسف آخر كلمة يتفوه بها هو.. وقف للحظات يتطلع إليه بجمود قائلاً: طيب وأنا أعمل إيه يعني يا أمجد؟
لينظر إليه أمجد بأسى قائلاً: ده أبوك يا يوسف ومهما أنكرته وبعدت عنه هيفضل أبوك، دمك واسمك منه، ليه تحرمه من أنه يشوفك؟
فيضحك يوسف بشدة قائلاً: أمجد، بلاش لو سمحت شغل العاطفة اللي ديماً بتكلمني بيه ده، أنا أتربيت إن العاطفة وكل الكلام الفارغ ده المفروض ميبقوش من حساباتنا، لو سمحت يا أمجد بلاش نتكلم في الموضوع ده تاني.
فيتنهد أمجد قائلاً: أنت هتفوق أمتا يا يوسف، لما عمرك كله يضيع؟
فيضحك يوسف بشدة قائلاً: أخبار ياسين أيه، عجبته الهدية؟
فينظر إليه أمجد قائلاً بتنهد: الهدية عجبته يا سيدي وسالي عازماك على العشا النهاردة ياريت متتأخرش زي العادة، وعارف طبعاً إنك عايز تغير الموضوع عشان كده مش هقولك حاجة غير إن ربنا يهديك.
فيقترب منه يوسف قائلاً بابتسامة: أنت عندك أمل إني أبقى إنسان تاني وأتغير، متوقعش إن هيجي يوم وهبقى يوسف اللي أنت عايزه، أصل حياتي كده يا أمجد ومش هتتغير، متتعبش نفسك مع حد مفيش منه أمل… روح شوف شغلك بقى، ومضيعش وقتك ووقتي.
ليتأمله أمجد بألم… حتى ينصرف من أمامه بعدما أيقن أن الحديث معه لا يجلب سوى الكبر والعند لديه.
………………………………………….. ………..
وعندما دخل بقدميه إلى حجرة صغيرته، كي يفاجئها بتلك اللعبة الحديثة، وهو يقول: لانا حبيبة بابي شوفتي أنا جبتلك.. وقبل أن تتفوه فاهها بحرفٍ آخر، ظل ينظر إلى أعين ابنته اللامعة وهي تبتسم له بفرحة، بعدما وضعت تلك القماشة الحريرية التي تضعها والدتها حول عنقها كي تعطي لها مظهراً مُنمقاً.. ولكن هي قد أتخذتها موضعاً على شعرها الأشقر لكي تغطيه بعناية قائلة: شوفت يا بابي لانا حلوة أزاي؟ فتقترب من أباها قائلة: أنا حلوة كده يا بابي صح؟
لينزع تلك القماشة بعنف قائلاً بصوت صارخ: لأ وحش، شكلك وحش، ويمسكها من ذراعيها قائلاً بصوت جامد وهو ينده على زوجته: سيلا، سيلا.
لتقف زوجته أمامه مصدومة وهي تتطلع إلى أعين ابنتها الباكية، فتجذبها بحنان إليها قائلة: أهدئي لانا حبيبتي.
فيصرخ بها جون قائلاً بتهكم: بنتك بتضع الحجاب لتغطي شعرها، وأنتي تقولي لها أهدئي؟
فتمسك هي يد صغيرتها بحنان قائلة: قبلي والدك يا صغيرتي، وأعتذري منه.
فتقترب منه هي كي تقبله، وكاد أن يبعد وجهه عنها، ولكنها وضعت قبلتها سريعاً بحنان قائلة: أنا آسفة..
ليحتضنها هو قائلاً بحنان، بعدما هدأ: لانا عزيزتي، أنتي مسيحية ولستِ مسلمة، والمسلمون وحدهم هم من يرتدون الحجاب عزيزتي.
فتتطلع إليه هي قائلة بتساؤل يناسب عمرها الصغير الذي لا يتجاوز السبع سنوات: بس مريم مسلمة، وأنا عايزة أكون زي مريم.
فيضم كفيه بقوة قائلاً: لماذا تحبين مريم هكذا وتقلدينها؟
فتقترب زوجته منه كي تُنهي تلك المشاجرة قائلة بهدوء: لانا عزيزتي، اذهبي إلى المطبخ لقد صنعت لكِ كيكة الشوكولاتة التي تحبينها.
فتركض الطفلة سريعاً غير عابئة بذلك الحوار الذي سيحدث، ليقول جون بغضب: أرأيتِ، من جعلتِها تعمل في مطعم والدك، تريد أن تجعل ابنتك مثلها!
فتتطلع إليه سيلا قائلة: لماذا تكره المسلمين هكذا؟ لكل شخص منا دينه ويجب أن نحترم بعضنا، ولانا لا تعرف شيئاً وحين تكبر ستفهم، دعها هي من تختار ماذا تريد.
فيقترب منها هو بعنف قائلاً: تُريدين ابنتي أن تصبح مسلمة؟
فتنظر إليه بهدوء قائلة: لو ابنتي أحبت أن تصبح مسلمة، فلن أغضب، فهي سوف تعتنق دين قد أحبته وفهمت تعاليمه. وتتطلع إليه هي قائلة: هل أعجبك حالك؟ أنت لا تعرف شيئاً عن الدين المسيحي كما يجب، أنت مسيحي بالاسم وفقط، وأنا لا أريد ابنتي أن تصبح مثلنا، أريدها قريبة من الرب دائماً ليحفظها ويرعاها، فلن يفرق معي أن تكون يهودية أو مسيحية أو مسلمة.
فتصبح نظراته وحده هي من تحاوطها، لتقول هي: لا تفكر أن تجعل والدي يطردها، لن أسمح لك بذلك أفهمت؟
فيتحول حنقه إلى غضب عارم، حتى ينصرف سريعاً من أمامها وهو يسب ليس فيها، بل بمن جعلت ابنتة تفكر مثلها وتحاول أن تتبعها، وجعلت زوجته أيضاً تحبها.
………………………………………….. …………….
وقف يتلذذ بطعم ذلك المشروب البغيض، وكأنه يرى فيه متعة لا يرى مثلها، فيبتسم ابتسامة مزيفة لهؤلاء الرجال الذين يضمهم ذلك الحفل، فهذا العالم الذي يحيطه لا يصلح له سوى تلك الابتسامة، ليرفع يوسف بكأسه كي يلتصق بكأس ذلك الشريك الجديد.
يوسف: شركتنا محظوظة كتير، إنها انضمت لمجموعة أدورد باشا، إمبراطورية عظيمة فعلاً قدر يكونها.
فيبتسم يوسف متذكراً جده الذي عوضه عن حنان والديه، فهو كان دائماً يرى فيه ابنته التي توفت قهراً بسبب ترك زوجها لها الذي تحدت الجميع من أجله لكي تتزوجه، ولكنه تركها بعدما أصبحت تحمل طفليها في أحشائها، لتعود إلى والديه ثانية بذلك الطفل، وبرغم كره جده لوالده ونقمته عليه لما فعله بابنته الوحيدة، أعطاه كل الحنان والحب وأيضاً الثروة.
فيقترب منه ذلك المدعو فادي قائلاً: روحت فين مستر يوسف، ثم نظر إلى سكرتيرته الخاصة قائلاً: أعرفك بسارة سكرتيرتي الخاصة، أكيد شوفتها في اجتماعاتنا بـ لبنان..
فيبتسم يوسف بابتسامة مزيفة متذكراً محاولاتها المفضوحة في التقرب منه.. لتقول هي بدلال يُطغي على جميع جسدها حتى شفتاها: أنت كتير متألق مستر يوسف، أنا بستغرب إنك لحد هلا مازلت مو متزوج.
فيبتسم هو ساخراً بعدما أرتشف القليل من ذلك المشروب قائلاً: عندك عروسة ليا ولا إيه يا سارة؟
فتبتسم هي إليه: بدك لبنانية ولا ناوي تتجوز من مصر، أصل معظم المصريين بيحبوا ديماً يتجوزوا من بلدهم حتى لو عاشوا كتير متغربين في بلد غير بلدهم، بيحنوا ديماً لموطنهم.
ليتطلع فادي على حديثهم، ويتركهم كي يكملوه بمفردهما ويتابع هو ضيوف حفلته بعدما اطمأن على أهم عضو فيها.
فيضحك يوسف قائلاً: شكلك عارفة حاجات كتير عن عقلية الرجل المصري.
لتقترب منه هي بدلال بالغ قائلة: فيك ملامح كتير مصرية، حتى شخصيتك.
فيبتسم يوسف مازحاً: وانتي بقى بتحبي إيه؟
لتهمس في أذنيه… حتى يتطلع إليها قائلاً: ياريت أشوفك قبل ما تسافري.
وينصرف من أمامها، بعدما ابتسمت هي لوصولها إلى ما ترغب فيه متنهدة بحالمية، فتعدل من فستانها الأزرق القصير عاري الكتفين.. وتظل نظراتها عالقة به.
………………………………………….. …………
​رواية عشق القلوب.
بقلم سهام صادق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *