عشق القلوب الجزء الأول سهام صادق
الــــــفــــصـــــل الـــــســـــابــــــع
اعتدل يوسف في جلسته الأرستقراطية وتأمل ساعته قليلاً، وبدأ عقله يتذكر آخر لقاء كان بينهما حينما رآها، فتنهد بشرود عندما عاد شريط مقطع ذلك اليوم في عقله.
يوسف: شكلك بتحبي الأطفال أوي، وباين من طريقة تعامل الطفل معاكي إنه يعرفك.
فابتسمت مريم بخجل بعدما ودعت الطفل ووالدته، ثم أشارت على أحد المحلات قائلة: عشان مطعمنا قريب من محل تحف والد الطفل، وبما إننا في نفس المكان فأكيد هيبقي فيه معرفة.
ليضحك يوسف على حديثها قائلاً: هو أنتي ليه دايماً بتحبي تجاوبي وكأنك في امتحان؟ المهم يا ستي أنا حابب أعزمك على فنجان قهوة بما إننا مصريين زي بعض.
فابتسمت مريم بابتسامة بسيطة قائلة: مقدرش أقبل طلبك ده.. آسفة!!
ليداعب يوسف خصلات شعره السوداء الغزيرة قائلاً بحرج: عزومتي دي مش عشان زي ما أنتي فاكرة، بس أنا حابب أساعدك إنك تلاقي فرصة عمل تانية تقدري تزودي دخلك بيها وماتكونيش تحت رحمة اللي اسمه جون ده.
فتخفض مريم رأسها أرضاً قائلة بامتنان: هو أنت بتساعدني ليه مع إنك متعرفنيش؟
يوسف: مش قولتلك عشان إحنا مصريين زي بعض!!
فيقطع شروده هذا دخول أمجد عليه قائلاً وهو يمسك بأحد الأوراق: مش مريم دي البنت بتاعة الحفلة.. اللي عرفتها بأنك السواق!
فيتنهد يوسف قائلاً: أيوه هي يا أمجد.. مريم متعرفش إن أنا يوسف أدورد
فينظر إليه أمجد طويلاً قائلاً: يوسف أنا آسف مقدرش أستمر معاك في الخدعة دي وتفضل فاكرة إن أنا يوسف صاحب القصر.. غير إنك عايزني أخليها تبقي مربية لياسين ابني.. لأ يا يوسف سامحني.
فيتنهد يوسف قائلاً: صدقني أنا عايز أساعدها مش أكتر.. وهما يومين بس يا أمجد هتجيب ياسين عندي القصر ومش هخليك تظهر في الصورة بعد كده.
ليقترب أمجد منه قائلاً: أنت عايز منها إيه، البنت دي مش زي ما أنت فاكر.. سيبها في حالها يا يوسف.
لينهض يوسف من على كرسي مكتبه، ناظراً إليه طويلاً ليقول بشرود: عايز أكتشفها يا أمجد، فهمت.. ومادام أنت مش موافق على طلبي فأنا مقدرش أجبرك على كده، أنا هشغلها في فندق من فنادقنا!!
…………………………………………………………..
تسطحت مريم على فراشها بتعب ولأول مرة تظل عيناها تلمع في سقف تلك الغرفة دون بكاء.. لترتسم ابتسامة لا تعلم عنها شيئاً وهي تتذكر معاملته الطيبة معها.. لتحدث نفسها قائلة بطيبة: يااه معقول في ناس كده زي يوسف، بس حياته صعبة أوي، يعني هو عايش هنا من زمان من ساعة ما أهله توفوا في كندا وفضل عايش مع صاحب القصر وحفيده لحد ما كبر وبقي بعدين السواق بتاعه.. طلعت مش أنا لوحدي اللي ضايعة في الحياة دي..
لتأتي صورته في ذهنها يوم ذلك الحفل.
فلاش باك!!
ريما: مريم أنا هطلع ورا مستر جون أطلب منه إني أعمل أنا المهمة دي.. بلاش يا مريم تمشي.. صدقيني السيد عدنان وسيلا مش هيوافقوا على تصرفاته دي.. جون ده مريض وعنصري.
لتمسك مريم بمعصمها قائلة: ريما بلاش تخسري شغلك بسببي.. أنا كنت بفكر أسيب الشغل في المطعم من بداية وجوده.
فتنظر إليها ريما طويلاً قائلة وهي تسير من أمامها: مريم أنا قولت هساعدك.
وتذهب ريما، ولكن عيون ذلك الشخص الذي يراقبهما من بعيد قد اقتربت وهو يمشي بخطى بسيطة قائلاً وهو يصدر نحنحته: صدفة عجيبة يا آنسة مريم مش كده؟
لتلتفت مريم على مصدر ذلك الصوت قائلة بتعجب: أنت بتعمل إيه هنا، وإزاي أنت في الحفلة دي؟ أنت جرسون هنا صح؟
وتتطلع على هيئته المرتبة والمنمقة والتي لا تدل سوى على أنه ينتمي إلى تلك الطبقة التي يشاهدونها خلف زجاج ذلك المطبخ.. ليقطع يوسف تفكيرها قائلاً بضحكة بسيطة: براحة طيب وأنا هرد عليكي.
وظل يتفحصها قليلاً قبل أن يقول: أنا سمعت حوارك أنتي ومديرك..
لتتطلع إليه مريم باندهاش.. حتى يقطع هو نظرات أعينها قائلاً: أنا ممكن أساعدك..
لتفيق مريم على لمسات ريما.. وتنظر إليها قائلة: مالك يا ريما؟؟
ريما بطفولة: جعانة أوي يا مريم.. وتقريباً مفيش أي حاجة في تلاجتنا العزيزة… والوقت خلاص أتأخر.
لتضحك مريم على نظرات صديقتها الجوعانة: يعني أنتي عايزة إيه دلوقتي.. تاكليني.. حرام عليكي ده أنا حتى عضم.
لتقذفها ريما بتلك الوسادة التي بجانبها قائلة: هو الشعب كله نفس النمط ده يا مريم؟
لتتطلع إليها مريم بغباء مصطنع: شعب مين؟؟
فتنظر إليها ريما بطرف عينيها قائلة: الشعب الشقيق يا أوختاه.
لتضحك مريم على نظرات صديقتها قائلة بدعابة: في الواقع..
فتقترب ريما منها عند تلك الكلمة قائلة: في الواقع أنا جعانة بلا شقيق بلا أخوي.
ليطلق هاتف ريما في تلك اللحظة رنينه، وتبتعد قائلة بعدما أخذت ما تحت الوسادة: في الواقع أنا خلاص أخدت اللي أنا عايزاه… محتفظة بشيكولاتة السواق يا مريم من ساعة الحفلة.
لتبتسم مريم على حديث صديقتها.. حتى تفيق على صوتها ثانية: مريم ده.. زين!!
…………………………………………………………..
نظرت نهال إليه طويلاً.. لترى ابتسامته وحدها هي من تزين ثغره، فتظهر نغزتاه العميقتان حتى اقترب هو منها.
طارق: وحشتيني، جيت أشوفك.
وابتسم وهو يمد يده بباقة الزهور: شايفة رومانسية أحلى من كده..
لتتأمل نهال هيئته وذلك الحب الذي يشع من عينيه الصادقة: طارق إحنا لازم..
طارق بحب: طارق إحنا لازم إيه يا نهال.. طارق بيحبك وميقدرش يستغني عنك، عارف إنك مش عايزة تبعدي عن والدك وتسيبيه لوحدك.. ثم نظر إليها بحنان: وعشان كده يا ستي أنا معنديش أي اعتراض صدقيني إن عمو عبدالله يجي يعيش معانا.
ليسمعوا صوت عبدالله آتياً من غرفته: مين يا نهال يا بنتي؟
طارق بابتسامة: هتفضلي سايباني واقف كده على الباب؟ على فكرة عمو وأحمد عارفين إني جاي وكمان معزوم على الغدا ولا أنتي هتبقي بخيلة وهتطرديني؟
لتبادله نهال بتلك البسمة قائلة بخجل: اتفضل.
فيسير طارق للداخل أمام أعين نهال، حتى يلتف إليها قائلاً: عجبك الورد ولا مطلعش ليا في الرومانسية؟
فيخرج عبدالله في تلك اللحظة وهو يتكئ على إحدى العصي بانحناء قائلاً بتعب: كده يا نهال يا بنتي سايبة طارق لسه واقف؟
فيتأمل طارق خجلها حتى تقول هي: ها أبداً اتفضل!
ليبتسم عبدالله قائلاً: تعالي يا طارق يا ابني، لازم تتعود على كده.. البيت بيتك يا ابني.
فينظر إليها طارق طويلاً حتى ينظر والدها إلى باقة الزهور التي بيد ابنته.
عبدالله بسعادة: إيه يا نهال شكلك مركزة في الورد ومش معانا خالص، والأكل اللي على النار شكله كمان هيتحرق.
لتتطلع نهال إلى أعين طارق اللامعة حتى تقول داخلها وهي تتأمله: خايفة أظلمك وأظلم نفسي يا طارق!
ويصبح للحب ناراً تأكل قلوبنا عندما يريدك أحداً ويفعل لأجلك كل شيء يسعدك وأنت مازلت تعيش على بقايا عشق قديم.
…………………………………………………………..
دخلت مريم القصر بخطوات بطيئة وهي تتأمل كل ما حولها بأعين لا تصدق بأن على الأرض نعيماً هكذا… فرغم أنها دخلته للمرة الثانية ولكن هذه المرة تدخله في وقت مبكر ومازال الضوء يعكس أشعته على كل جزء من أركانه، فوقفت عند تلك البحيرة الصغيرة لتتأمل أشعة النافورة التي تتمثل على شكل أحد الفيلة وتتناثر من زلومته الطويلة المياه بانسياب.. فتنهدت وهي تتذكر حديث صديقتها ريما إليها:
يا سلام لو كنت مكانك يا مريم، مش معقول ترفضي تشتغلي في فندق (فيرمونت).
لتضحك مريم قائلة بمرح: وماله مطعمنا يا عزيزتي ريما، ده يكفي وجود جون فيه.
فتتأمل ريما غرفتها البسيطة قائلة: عارفة يعني إيه تشتغلي في فندق مشهور زي ده… يعني سنتين وتقدري ترجعي بلدك ويبقي عندك مطعم خاص بيكي، لكن صديقتي العزيزة تهوى الفقر.
لتعود مريم من شرودها متأملة ساعة يديها البسيطة حتى تجده يقف خلفها ليقول ضاحكاً: الأمن بلغني بوجودك، عجبك القصر صح؟
مريم بسعادة: المكان هنا حلو أوي.
ليقترب منها يوسف بابتسامة جذابة: بتحبي الطبيعة؟
فتشرد مريم بذاكرتها وهي تتذكر أحد أحلامها: نفسي يبقي عندي مكان حلو زي ده.
ليشعر يوسف بسهولة مهمته، فهي كما ظن مثلهن لا ترغب سوى في المال والترف، فابتسم بخبث وهو يتفحصها رغم حشمتها..
مريم بابتسامة هادئة: بس لو كان من فضل ربي عليا وهعيش برضاه.
فتعجب يوسف من حديثها ليقول: يعني لو بقي عندك مال زي ده ممكن ترفضيه؟
فأغمضت مريم عيناها وهي تتأمل المكان في ذهنها: ما أنا قولتلك لو كان من فضل ربي عليا، ومادام هعيش في نعيمه وأنا بطيعه وبرضيه والدنيا منستنيش حقه عليا، أكيد هتمني يبقي عندي قصر حلو زي ده وفلوس أقدر أتصدق بيها وأساعد بيها الناس.
فضحك يوسف وهو يتعجب من كلامها: أنتي إنسانة غريبة فعلاً!
ثم نظر إلى ساعته فقال: أكيد جاية تبلغيني النهارده بموافقتك بما إن مفيش بينا أي وسائل اتصال غير علمك بالمكان بسبب يوم الحفل.
ثم ابتسم وهو يتحدث وعاد لوجهه البشوش معها: أنا كلمت يوسف باشا.. وهو وافق إنه يديكي فرصة شغل هنا في أحد الفنادق اللي يمتلك فيها أسهماً.
فابتسمت وهي تتذكر تخمين صديقتها ريما على أصل ذلك المترف: تقريباً هو مصري صح!
ليضحك يوسف وهو يداعب خصلات شعره على حديث الصحافة التي لم تكف يوماً عن الحديث في أصوله: مظبوط.
فلمعت عيناها وهي تتحدث: عشان كده إنتوا صحاب والتعامل بينكم شكله في ود.. لا إلا طبعاً مكنش عيني بمساعدتك.
ثم تنحنحت كي تخبره بردها: بس أنا جيت النهارده هنا عشان أعتذرلك مش عشان أوافق على عرضك.
ليمتقع وجه يوسف من رفضها، ويبتعد بوجهه بعيداً عنها كي لا ترى تغير ملامحه حتى تقول هي باعتذار:
مريم: أنا آسفة بجد أستاذ يوسف.. عارفة إنك كنت عايز تساعدني وبرفضي ده سببتلك إحراج مع الباشا بتاعك بس..
فيظل هو ساكن مكانه حتى تقول: بس أنا مقدرش أسيب مطعم السيد عدنان هو بحاجة لي، ومش معقول لما وافق يساعدني وأشتغل في مطعمه أسيبه مع أول فرصة.
ليلتفت إليه يوسف سريعاً عند سماعه تلك الجملة: أظن إن رغبة رئيسك الجديد في العمل إنك تسيبي المطعم.
فتخفض مريم برأسها أرضاً قائلة: هي دي فعلاً رغبته للأسف، بس مقدرش أتخلى عن مطعم العجوز.
وكاد أن يلعن نفسه على تلك الحماقة التي ارتكبها في حق نفسه عندما اتخذ دور الشوفير لنفسه كي يتقرب منها وتصبح فريسته القادمة، ورفعت هي عيناها حتى وجهت عيناها مباشرة دون قصد منها.. فنظر إليها هو طويلاً ليتأمل تلك النظرة التي لأول مرة يراها، وقال وهو يبتسم دون أن يشعر: رغم إني زعلت بأنك صغرتي من وضعي قدام الباشا، بس أنا هقدر أتصرف، وضيعتي أحد الفرص اللي مش هتتكرر تاني.
فابتسمت مريم ابتسامتها الهادئة.. فنظر هو إلى ساعته بأرستقراطية قائلاً بلامبالاة: يوسف باشا مش موجود دلوقتي في القصر تقدري تقضي نزهة فيه لو حابة.. بس للأسف أنا مضطر أمشي حالاً آنسة مريم عشان أروح أشوف شغلي.. وفرصة سعيدة.
وصار من أمامها بخطى سريعة، لتتأمل تغيره المفاجئ معها، حتى تتنهد بأسى فقد انتهى وجود أحد الأشخاص التي استشعرت معهم بالأمان رغم قلة معرفتها بهم ولكن للأسف قرارها قد أغضبه.
…………………………………………………………..
نظرت سالي طويلاً إلى تلك العلبة الصغيرة التي تضم بعض الحبوب، حتى أخرجتها من بين ملابسها لتضع آخر حبة على راحة كفيها.. ورفعت بكفها كي تلتقط تلك الحبة بفمها فألقتها أرضاً وهي تتذكر حديثه الأخير معها:
حافظي على حياتك يا سالي.. حافظي على حب أمجد ليكي وحافظي على أسرتك.
فانسالت دموعها بقوة وهي تتذكر لحظة غبائها عندما أخبرته بمشاعرها في ذلك اليوم الذي أتي فيه عندهم من أجل مقابلة أمجد ولكن عدم وجود أمجد في ذلك الوقت قد سمح لغبائها بأن يتجاوز في التخيل بأنها تستطيع أن تصبح من إحداهن.
وتذكرت ذهابه من أمامها سريعاً عندما أنهى حواره معها واصطدامه بأمجد الذي أندهش من ذهابه السريع دون أي كلمة منه… فانسالت دموعها بازدياد وهي تلعن قلبها الأحمق وعقلها المريض… حتى اقتربت من مرآتها في غرفتها وظلت تتأمل شحوب وجهها في هذين اليومين.
ابتسمت وهي تتطلع إلى جسدها الممشوق وتذكرها برغبة أمجد الدائمة في إنجاب طفل آخر.. فاتجهت نحو خزانتها وتأملت أحد فساتينها الضيقة والمثيرة.. والتقطت هاتفها الموضوع على منضدة زينتها وضغطت بأصبعها على زر الاتصال حتى جاء صوته:
سالي: وحشتني أوي يا أمجد، أنا محتاجاك معايا دلوقتي أوعي تتأخر يا حبيبي!!
…………………………………………………………..
جلسوا يتناولون الطعام بمفردهم، في ذلك الجو الهادئ.
حتى تأملته أروى بحب: إيه رأيك في فستاني يا أحمد؟
فرفع أحمد وجهه عن طبقه ليتأمل جسدها المفصل الذي قد منعه عقله وأشعره لأول مرة بأن كل أفكاره ليست سوى رغبات يتقبلها عقله عند رؤيته لأخاه مع هؤلاء النسوة، أم حين يتأمل تلك المدعوة بخطيبته يشعر بالاشمئزاز منها رغم تجاوزها الكثير معه بسببه هو.. فتنهد قائلاً وأعينه تعلقت دون قصد منه بفتحة صدرها الكبيرة في ذلك الفستان الذي يظهر الكثير:
أحمد وهو يشيح بوجهه سريعاً: أروى فين مامتك وباباكي.. مش المفروض النهارده أنا معزوم على الغدا ومن الواجب إنهم يكونوا موجودين؟
لتبتسم أروى وهي تلتهم طعامها: عادي يا أحمد، بابا مسافر وماما مع صحابها في النادي.. وكمان أنت خطيبي وقريب هتبقي جوزي وهما واثقين فيك وفيا وأنا واثقة كمان فيك يا حبيبي.
بس إيه رأيك في استايل لبسي النهارده وتسريحة شعري، أنا عارفة إنك بتحب دايماً تشوفني بشعري.
ثم وقفت تتمايل أمامه بخفة.. حتى تذكرت شيئاً.
أروى: آه نسيت أقولك يا حبيبي أنا نزلت صور كتير لموديلات جديدة وحديثة عشان فرش شقتنا.. وأمسكت أحد أيديه بعدما أنهوا تناول طعامهم وذهبت نحو غرفتها وهي تأمر خادمة شقتهم الفارهة: يا صباح بليز هاتيلنا العصير في أوضتي.
لتأتي الخادمة على صوتها وهي تراها تذهب لغرفتها قائلة بحزن: هي دي آخرة تربية الهوانم اللي أهم حاجة عندهم نفسهم وسايبين بيتهم وولادهم.
وسار أحمد معها إلى غرفتها لأول مرة حتى قال بضيق: أروى هاتي اللاب بتاعك وتعالي نقعد في الصالون.. أو في أي مكان غير ده.
فجلست أروى على تلك الأريكة الواسعة في غرفتها ذات اللون الأحمر القاتم وابتسمت وهي ترى بعض الموديلات العصرية دون أن تستمع لكلامه: بص يا أحمد.. شوف أوضة النوم دي، طب بص على الصالون العصري، ولا تصميم المطبخ يا أحمد بجد يجنن.
فنظر إليها أحمد طويلاً وهو يتذكر حديثه السابق معها:
إننا نعمل أي حاجة عايزين نعملها من غير ما نفكر في الناس ومجتمعنا بتفكيره العقيم والمتخلف، يعني مافيهاش حاجة لما أمسك إيدك أو أحضنك أو أبوسك زي ما بوستك أو حتى يكون في بينا علاقة.
لتقطع أروى شروده وهي تأخذ أحد أكواب العصير الذي أعدته الخادمة إليهم: أحمد العصير يا حبيبي، وتعالى بقي اتفرج معايا.
فاقترب أحمد منها وجلس بجانبها وهو يتأمل اندماجها في شاشة حاسوبها الشخصي حتى امتدت يده للعبث في خصلات شعرها المصبوغ منها بعض الخصلات.. فابتسمت أروى على لمساته حتى احتضنها بقوة وهو يقول بتمتع: أنتي النهارده حلوة أوي يا أروى.
وأبعدها عن أحضانه قليلاً، ليتأمل شفتيها المطلية بأحمر الشفاه وقبلها بقوة.. حتى ابتعدت هي عنه بأنفاس متقطعة: أحمد!
فضمها أحمد إليه وهو يلامس كتفها العاري بأنامله: بحبك يا أروى.
…………………………………………………………..
تنهد أمجد بعمق وهو يتأمله حتى قال: بجد البنت دي ربنا بيحبها، لدرجة دي كانت نيتك إنك تضمها للقائمة بتاعتك يا يوسف؟
فابتسم يوسف وهو يتذكر هيئتها قائلاً: كان نفسي أجرب أوي النوع ده، صحيح أنا مسافر لبنان أسبوع عشان الصفقة الجديدة مع فادي.
فتأمله أمجد قليلاً قبل أن يقول: طب وخصوص السفر لمصر، هسافر إزاي وأنت مش موجود؟
فتطلع يوسف إلى حاسوبه الشخصي قائلاً: سفارية مصر اتأجلت خلاص الفترة دي.
ثم اعتدل في جلسته قبل أن يغلق حاسوبه ووقف يحتسي أحد المشروبات المثلجة: أعذرني يا أمجد مش هقدر أقبل عزومتك على العشا، ورايا ميعاد مهم.
فاقترب منه أمجد بهدوء حتى قال: طب وياسين اللي بقاله أسبوع بيسأل عنك.. أقوله إيه دلوقتي؟ وياسيدي العزومة هتكون عليا متقلقش.
فالتف يوسف إليه وهو يحتسي مشروبه في رشفة واحدة: هحاول يا أمجد، بس مقدرش أوعدك.
وصار أمجد من أمامه واقترب من باب غرفة مكتبه الواسع: أوك يا يوسف، أشوفك بليل بقي.
…………………………………………………………..
تطلعت إليها مريم بصدمة حتى قالت بتلعثم: أنا مش فاهمة حاجة يا ريما، أنتي وزين هتتجوزوا وهتسافروا بلجيكا؟
فابتسمت ريما بحالمية وهي تتذكر حبيبها زين الذي تركها فجأة ثم عاد إليها: آه يا مريم.. متعرفيش أنا مبسوطة قد إيه.. زين الفترة اللي فاتت سافر بلجيكا واستقر في شغل كويس وقدر يوفر ليا شغل، ورجع تاني كندا عشان ياخدني معاه وأعتذر مني كتير أوي على كلامه ليا.
فتأملتها مريم بحزن وهي تقول: يعني هتسيبيني هنا لوحدي؟
فاحتضنتها ريما بقوة وهي تحادثها: أستقر هناك بس، وهخلي زين كمان يأمنلك شغل وتيجي تعيشي معانا في بلجيكا… أنا بحب زين أوي يا مريم.
فابتعدت مريم عن أحضان صديقتها وحبست دموع وحدتها حتى قالت بسعادة: طب يلا بقي عشان نحتفل بالخبر الحلو ده يا أحلى عروسة.
وفرت دمعة من عينيها وهي تتذكر كل لحظاتها مع تلك الصديقة الحنونه رغم عدم اتفاقهم في أشياء كثيرة.. وابتعدت مريم بوجهها كي لا ترى صديقتها دموعها وتظن أنها غير سعيدة من أجلها.. ونهضت من على طرف فراشها لتتأمل سعادة صديقتها بذلك الفستان الأبيض الذي قد جلبه لها حبيبها زين، ووقفت خلفها تتطلع إليها بحب وهي تراها تضعه على جسدها أمام مرآتهما الصغيرة….