عشق القلوب الجزء الأول سهام صادق

الـــــفــــصـــــل الـــــثـــــالــــــثـــــــ

​مرت الأيام وقد مرض العجوز… وأصبح زوج ابنته مَن يشرف على أمور المطعم.
وعندما سمعت مريم صوت المدعو جون يُناديها بقوة، تأكدت بأنه يوجد خطب ما قد فعلته، ولكن ماذا فعلت، وهي في بداية يومها، فتتطلع إليها ريما قائلة: “مريم أنتِ عملتي إيه؟”
لتنظر إليها مريم بعدما هزت بكتفيها تعبيراً عن النفي: “ده أنا لسه بقول بسم الله الرحمن الرحيم عشان أبدأ في معركتي مع الصحون والصابون.. تقولي لي عملتي إيه؟” فتصمت قليلاً لتقول: “يمكن أكون عاملة حاجة وأنا معرفش!”
فتبتسم ريما قائلة بحنان: “طيب روحي شوفيه لأن شكله متعصب.”
وقبل أن تردف قدماها خارج ذلك المطبخ، وقف يتطلع إليها جون قائلاً: “تنظيف المطعم عليكي كل يوم قبل ما يتفتح، سامعة؟”
فتتطلع إليه مريم بدهشة قائلة: “بس ده مش شغلي أنا..” وقبل أن تكمل حديثها معه:
جون: “مممممم، يبقى مع السلامة، وماتفكريش إن سيلا هتمنعني إني أطردك…”
لتغمض مريم عينيها بألم بعدما تذكرت بأن ليس لديها مال يعولها، حتى عمها أصبحت لا تعلم عنه شيئاً سوى أنه قد هاجر لأمريكا قبل وصولها ببضعة أيام: “حاضر.”
فيتطلع إليها هو ساخراً، فتقع نظراته على ريما ويبتسم لها قائلاً: “طاب يومك ريما!”
فتضحك بألم على تلك المعاملة التي يستثنيها بها عن ريما.. فريما يعجبه فيها تحررها ولا مبالاتها بأي شيء يخص دينها، حتى إنه أصبح ييقن بأن حقاً يوجد مسلمون بلا إسلام، ولو أُعلنت حرب ضد دينهم لوقفوا متفرجين يبحثون عن أنفسهم وفقط.
لتقول مريم وهي تقلد صوته: “طاب يومك ريما!!”
فتقترب ريما منها ضاحكة: “آه لو سمعك دلوقتي.”
لتنظر إليها مريم بحنق: “نفسي أعرف ليه بيكرهني كده؟”
لتربت ريما على كتف صديقتها بحنان قائلة: “عشان ميعرفش مريم بجد.”
فتبتسم قائلة بحب: “طيب روحي شوفي شغلك يا طباخة هانم، عشان مايتحرقش، وابعدي شوكتك ديه عني.”
فتتذكر ريما كلمة حبيبها الذي تركها بسبب عملها، قائلة بتهكم: “شكلي هفضل طباخة طول عمري.”
فتبتسم مريم قائلة بعدما شعرت بتأثير تلك الكلمة على صديقتها دون قصد منها: “وأنا هفضل مساحة، شكلي.. ههههه.”
فتنسى ريما حزنها قائلة بضحك: “طباخة ومساحة!”
ويصبح الضحك وحده هو مَن يعبر عن حالهما!!
………………………………………….. ………….
وعندما تطلع يوسف بجانبه، تذكر تلك الليلة، فكم كانت بارعة في أن تجذبه إليها وتحصل على ليلة ترغب فيها الكثير منهن، فيبتسم ساخراً كعادته وينهض من جانبها كي يذهب إلى حمامه.. وبعدما أنهى كل ما يريد فعله، كانت نهاية المطاف أن يقف أمام تلك المرآة ليهندم ملابسه وينثر من عطره النفاذ حول عنقه، ولكن لمسات يدها التي أحاطته قد جعلته ينتبه لها، وبرغم من قصر قامتها بالنسبة له… رفعت بقدميها كي تلامس خصلات شعره قائلة: “بدي أشوفك تاني.”
فابتسم هو بعدما أحاطها بكلتا يديه وقربها منه: “أكيد، الصفقات بينا كتير أنا وفادي، وهنشوف بعض دايماً.”
لتبتسم ساره قائلة: “يعني هشوفك بلبنان؟”
فيلتف يوسف كي يتطلع إلى المرآة ثانية: “طيارتك الساعة كام؟”
ساره بشغف: “الساعة 11 مساء!!”
لينظر إليها يوسف ثانية وهو يتطلع إلى تلك العلبة الزرقاء القطيفة: “أتمنى إنها تعجبك،” ويقترب منها هامساً: “زي ما أنتِ عجبتيني.”
لتتناثر كلمات جملته حولها غير عابئة بما تحتويه من معنى، فتتطلع إلى ذلك الخاتم بانبهار يلاحظه هو… ليبتسم ابتسامة لا توحي سوى بتهكم صاحبها، أما هي فكانت في عالم آخر بأعين لامعة متسلطة على ذلك الخاتم الماسي!
………………………………………….. ……………
وكلما تطلع إلى صورته، تأملته عيناه بحسرة، لتلمس أصابعه بارتجاف تلك الملامح التي تشبهه تماماً فيقول بألم: “سامحني يا بني، بس صدقني، أنا مسبتش أمك، هي اللي هربت مني لما فكرت للحظة إني ممكن أتخلص منك وأنت لسه ماجيتش على الدنيا.”
لتقترب منه ابنته قائلة بألم يعتصر قلبها على والدها المسن: “برضو بتفكر فيه يا بابا؟ نسيت اللي عامله فيك لما روحتله الفندق عاملنا زي الشحاتين، لو أنت نسيت أنا ممكن أفكرك.”
فيغمض عبد الله عيناه بألم: “هو اللي كرهه فيا، جده السبب، كارمن لو كانت عايشة عمرها ما كانت هتكرهه فيا.”
فتحتضن هي أباها قائلة بحسرة: “كفاية عليك أنا وأحمد يا سي بابا،” فتطبع قبلة حانية على خد ذلك العجوز ليقول هو بشوق: “ويوسف كمان أوعى تنسي إنه أخوكي يا نهال.”
لتتطلع نهال بحسرة لشوق والدها إلى ذلك الابن العاق، متذكرة نظراته إليهم وسط رجاله عندما جاء يعقد أحد صفقاته في موطنه الأصلي دون أن يتذكر بأن بداخل هذا البلد أباً يشتاق إليه وأخوة راغبين في رؤيته.
………………………………………….. …………..
نظرت مريم إلى أدوات التنظيف التي بيدها، حتى أغمضت عيناها وهي تشفق على حالها من تلك المهمة التي أصبحت مفروضة عليها، فيعم السكون حولها ناظرة إلى ذلك الممر الذي يرد منه الزبائن، فتجد حركة الناس خارجاً مازالت قليلة.. لتتطلع إلى تلك الساعة المعلقة على جدران المطعم، فتدق بقوة لتعلن عن بداية وقت جديد يحتوي على ستين دقيقة، ليأتي ذلك الصوت من خلفها وهي غير مصدقة فتنظر إلى صديقتها…..
حتى تقول ريما بتعجب: “مستغربة ليه كده؟ وأنا اللي قولت أجي أساعدك.”
فتتطلع مريم إلى صديقتها قائلة: “بس أنتِ لسه ميعاد شغلك يا ريما.”
فتنظر ريما إليها قائلة: “وتفتكري هتقدري تخلصي تنظيف المطعم كل ده لوحدك؟ اسكتي بقى وبلاش رغي، ولا أنتم المصريين كده دايماً بتحبوا تتكلموا كتير؟”
فتبتسم مريم قائلة بحنان: “معلشي يا آنسة ريما استحملينا، ده حتى إحنا برضه أشقاء.”
فتقترب منها ريما لتحتضنها: “من ساعة ما اتعرفت عليكي وحبيتك، بقينا أخوات قبل ما نكون أصدقاء، دايماً واقفة معايا، ما تجاهلتنيش زي بعض الناس عشان أنا متحررة ومعرفش حاجة عن ديني، أو لأني إنسانة مستهترة، بالعكس دايماً بتوجهيلي النصيحة والكلمة الطيبة على قد ما بتقدري،” ثم تابعت بالحديث قائلة بصوت عالٍ: “مستر جون!”
فتفزع مريم من سماع ذلك الاسم، وعندما التفتت حولها كي تبحث عنه بعينيها.. كانت ضحكات ريما تخبرها عن تلك المزحة السخيفة التي أرعبتها.
………………………………………….. ……………..
وعندما ارتخى بجسده قليلاً في ذلك المسبح الرخامي، الذي تنبعث منه المياه بتدفق من كل الجوانب، أعلن هاتفه الخلوي عن رسالة نصية، ليتأمل تلك الرسالة التي تحتوي على كلمة واحدة: “وحشتني …. (ساره)”
فيلقي يوسف بهاتفه جانباً، بعدما مد بيديه إلى ذلك المشروب الكحولي ثم تناوله دفعة واحدة وبعدها يهبط بجسده هارباً من أفكاره تحت المياه الرطبة، ويرفع برأسه سريعاً، وهو يزيل خصلات شعره الأسود الناعم التي تناثرت بعبث على وجهه، ويخرج بعدها ليمسك بمنشفته، بعدما ارتدى ذلك البورنص ذات اللون الأبيض، ويسير صاعداً إلى غرفته كي يستعد لتلك العزومة التي أعدها أمجد له هو وزوجته سالي…
………………………………………….. ………….
وعندما توقف محرك البحث على تلك الصورة التي تجمعه مع إحداهن، أطلق صفيراً عالياً ليقول: “طبعاً ما أنت عايش في عز محدش يحلم بيه، لازم تبقى ديه حياتك وكل الستات تبقى تحت إشارة بس يا يوسف باشا.”
ليدخل صديقه طارق إلى الحجرة التي تضم مكتبين في ذلك البنك قائلاً: “أستاذ مصطفى عايزك يا أحمد.”
فيتطلع أحمد إليه بعدما أغلق حاسوبه الشخصي: “أنت ليه يا ابني دايماً بتطلعني من العالم اللي أنا فيه، لـ الهم اللي إحنا فيه؟”
ليرفع صديقه رأسه بعيداً عن تلك الملفات التي انكب عليها قائلاً: “الهم اللي أنت فيه ده شغلك، وكمان فين الهم؟ أنت بتشتغل في أكبر بنك عالمي في القاهرة، غير إن أنت نسيت كنت قد إيه بتحلم وإحنا لسه طلبة في الجامعة إننا بس تجيلنا فرصة تدريب فيه، مش وظيفة.”
فيتطلع إليه أحمد قائلاً: “لاء منسيتش يا سيدي، بس لما أبقى شايف حياة وعالم تاني ناس عايشين فيه، فأكيد هنسى أحلامي الضئيلة يا سيدي وهدور على أحلام أكبر.”
فيتطلع طارق إليه بنصف عين: “طبعاً ما هو أخو الملياردير يوسف أدورد ، أشهر رجل أعمال في أوروبا وأمريكا شمالها وجنوبها، لازم يبقى طموحه أكبر من كده.”
فيضحك أحمد قائلاً وهو يهندم ربطة عنقه: “شوفت؟ عشان لما أقولك من كرم أخلاقي إنك تبقى صديقي.”
ويرحل أحمد من أمام صديقه كي يذهب إلى مدير عمله، فيتنهد طارق قليلاً ويعود إلى عمله ثانية..
………………………………………….. ………..
كانت نظراتها الراغبة له تحاوطه، كان يظن سابقاً أنها نظرات إعجاب وفقط، ولكن مع كل مرة كانت نظراتها تلاحقه تثبت له أنها نظرات أنثى راغبة، فهو يعلم تماماً هذه النظرة، فكيف لرجل مثله لا يفهم مثل هذه النظرات؟
فتقترب منهم سالي وهي تحمل فناجين القهوة المعدة لهم بجسدها الممشوق وفستانها الأحمر الضيق الذي يفصل جسدها، وبرغم من طوله ولكنه أصبح وكأنه عارٍ… ليقول أمجد: “طبعاً أنت عايز حاجة تانية غير القهوة، بس أنسى.”
فيبتسم يوسف قائلاً وهو يحمل فنجانه: “تسلمي يا سالي.”
لترتسم البسمة على وجه سالي.. حتى يقول: “ههه، لا أنا دلوقتي محتاج قهوة، ويا سيدي أنا عارف إنك مابتشربش ولا أنت ولا سالي عشان من المحرمات.”
فينظر إليه أمجد قائلاً: “وده المفروض إن أنت كمان تعمله يا يوسف.”
ليبتسم يوسف وهو يتطلع إلى زوجة ابن عمته: “جوزك ده خنيق أوي يا سالي، أنا مش عارف ليه لسه لحد دلوقتي مستحملاه.”
فتنظر إليه سالي قائلة: “تصدق يا يوسف ده بقى معترض على كل لبسي حتى طريقة لفي للحجاب بقى معترض عليها مع إن الموضة كده، بجد أمجد بقى فظيع.”
ليتطلع إليها أمجد بحنق: “يا دي الموضة اللي بقى كل اهتمامك عليها، أنتِ ماكنتيش كده وإحنا في مصر، على العموم أنا مش بجبرك أنا بقولك الصح،” ثم تطلع إليه قائلاً: “للأسف بنحب أوي نتمتع في الحرام، وبننسى الحلال، مع إنه أجمل وأحلى.”
فيضحك يوسف بشدة، لتشاركه سالي نوبة هذا الضحك قائلاً هو: “أمجد أنت في كندا، يعني مش في مصر، حتى مصر برضه يعني كل الأمور بقيت عادية والتحرر بقى شبيه بالدول الأوربية.”
فيبتسم أمجد لهما قائلاً: “الواحد بيندم على كل لحظة بجد كان جاهل فيها بدينه، دايماً بنحب أوي نتثقف ونفهم في الأمور الدنيوية، وده شيء مؤسف.”
وقبل أن يتكلم أمجد ثانية، جاء طفلهما وهو يحمل لعبته الحديثة المكونة من سيارة بريموت كنترول قائلاً: “عمو يوسف، أنا مش عارف ألعب بيها، كل شوية تقف.”
ليضمها يوسف إليه قائلاً بعد أن حمله: “طيب تعالَ بقى يا بطل نشوف فيها إيه، ونلعب سوا.”
لتحاوطهم نظرات سالي، فتتطلع إلى زوجها الذي أمسك بأحد الكتب التي يفضلها وأخذ يقرأها بشغف… فتلتفت ناظرة إلى طفلها ثانية، بل وبالأصح هو، وتظل تتأمله بشغف شديد!!
………………………………………….. ………….
​
​
الــفــصــل الرابع

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *