عشق القلوب الجزء الأول سهام صادق

​تسطحت بضعف على فراشها البسيط، وهي تتألم قائلة بحنق: حيلي اتهد، آه يا رجلي، آه يا إيدي، آه يا راسي، آه يا سناني.
فتضحك ريما عليها قائلة: طب وإيه اللي دخل سنانك في الموضوع؟
فتضحك مريم هي الأخرى قائلة بتعب: هي جت عليها يعني، وكادت أن تكمل تأوهاتها…
حتى قالت ريما: وقفي شريط الآهات ده، وتعالي نتعشى.. أما أنا عاملالك…
لتقطع مريم حديث صديقتها قائلة: شوربة عدس بالجزر، حفظت وجبتنا الأساسية طول الشهر.
فتضحك ريما على صديقتها: لاء الجدول اتغير النهارده وبس، أصلك صعبتي عليا وعاملالك أكلة تجنن.. وتذهب ريما لتعود ثانية وهي محملة بذلك الطبق قائلة: شوفتي؟ وجيبالك الأكل كمان لحد عندك، يعني خدمة خمس نجوم.
لتنهض مريم سريعاً وهي تتأمل ذلك الطبق، قائلة بتبرم كالأطفال: إيه ده يا ريما؟
ريما بفخر: بريك بالتونة..
فتضحك مريم قائلة: تونة!
وتشرد قليلاً لتقول: أكل ماما وحشني أوي، وقبل أن تهرب دموعها.
نظرت إلى صديقتها لتجدها قد بدأت في تذوق طعامهما، بل التهمته بشدة، لتتطلع مريم إليها قائلة بحنق: طب أنا آكل إيه دلوقتي؟ ما فضلش غير قطعة، إنتي بتعملي فيا كده ليه يا ريما؟ والله أنا مش عايزة أخس.
فتضحك ريما بشدة وهي تنظر إليها: لاء أكتر من كده الصراحة مش هينفع، فتمد يدها بتلك القطعة قائلة: ما إنتي اللي سرحتي في أكل مصر، أعملك إيه؟
لتتطلع إليها مريم قائلة بعدما قذفت بتلك الوسادة عليها: وإنتي سرحتي في الطبق كله وطمعتي فيه، صح؟
لتتعالى صوت ضحكاتهم، وتجلس ريما بعدما اختلط صوت ضحكاتها بالأنين قائلة بدموع: إنتي اللي بتصبريني على الحياة هنا، بدي أرجع بلدي.
فتتطلع إليها مريم بعدما مدت يدها لتمسح دموعها: إحنا اتفقنا نقول إيه لما نحس بالخنقة؟
فتنظر إليها ريما قائلة كالأطفال: الحمد لله!
لتحتضنها مريم، وهي مدمعة العينين قائلة بحنان: أومال لو جون بيعملك زي ما بيعملني هتعملي إيه؟
فتبتعد عنها ريما بعد أن أزالت خصلات شعرها الحمراء: كنت انتحرت.
لتضحك مريم وهي تتذكر صوته الكريه: ربنا يصبرني عليه، ويرحمني من أكلك.
فتصبح ضحكات ريما هي من تعلو ثانية دون توقف.. حتى يغمضوا أعينهم سوياً لينعموا بقليل من الراحة، وتشرد كل منهما في عالمها ولمن اشتاقت.
…………………………………………………….
وعندما حل السكون على قصره، ووضع له خادمه ذلك المشروب وانصرف، مد يده كي يتذوق مشروبه الكحلي المثلج وهو يتابع أحوال البورصة هذه الفترة، وبعد دقائق كان قد انتهى من تصفحه ومشروبه هذا أيضاً..
لينهض من على كرسيه الوثير، ويظل يجول داخل تلك الحجرة ذهاباً وإياباً، حتى وقع ببصره على بعض الصور التي تجمعه هو وجده ووالدته عندما كان طفلاً، وأخرى لجده ووالدته، وصورة أيضاً لجدته التي لم يرها بل سمع عنها من أحاديث جده العاشق.. فأبتسم بألم وهو يراهم حتى تطلع إلى صورته وهو في عمر الشباب ليتذكر كلام جده وهو يقول: بقيت شبه يا يوسف، كارمن لو كانت فضلت عايشة لحد دلوقتي كانت هتشوف عبدالله فيك، أنا بكره عبدالله عشان هو السبب في موت بنتي الوحيدة….
فيفيق من شروده هذا على سماع عقارب الساعة التي تدق معلنة عن بداية منتصف الليل!
…………………………………………………….
تسطحت سالي بجانبه على الفراش بعد أن انتهت من وضع زينتها، فنظرت إلى زوجها بسخرية وهي تراه يقرأ في أحد الكُتب، ثم التفت بجسدها بأكمله بعيداً عنه، لتسرح في ملامح من فتنها بجماله وجسده.. وتغمض عينيها بقوة كي تشاهد تلك التخيلات التي صنعها لها عقلها، فتتخيله تارة يضمها وتارة أخرى يقبلها بشغف شديد، وتارة أخرى يضمها إلى صدره، وأخرى يراقصها وهي تتمايل بين يديه مثل الفراشة، فتفيق على لمسات أمجد وهو يقول: سالي إنتي نمتي؟
فتفتح سالي عيناها ببطء قبل أن تعود وتغلقها ثانية وهي تلعن حظها بأن من تزوجته ليس من فتن قلبها، وإنما كان اختيار العقل بأن تقبل بأحدهما حتى لا يفوتها قطار الزواج.
فينحني أمجد قليلاً نحو أحد خديها ليقبلها بحنان، ثم دثرها بالغطاء جيداً، وأطفأ نور تلك الأباجورة، وأصبح الظلام يحاوطهما كما يحاوط قلب أحدهما.
………………………………………………………
نظرت نهال إلى خطابها طويلاً وهي لا تعلم أكان ما تفعله صواباً أم خطأً.. فتضع بإصبعها على ذلك الزر الإلكتروني قبل أن تبعث برسالتها التي تخبره فيها باشتياق والده له، وكم تتمنى أن تراه ويراها، فهو حتى لا يعلم ملامحها إلا بتشويش بسيط حين رآهم في ذلك الفندق اللعين الذي يُذكرها دائماً بالخزي من أخٍ يربطهم القدر به بالاسم فقط لا أكثر، فأغمضت عيناها بألم وهي تتذكر نظرات والدها الحزينة وهو يقبل صورة التي تجلبها هي إليه من بعض المجلات أو صفحات الإنترنت بعد إلحاح طويل منه، فهو مثل أي أب مكلوم على فراق أحد أولاده.. لتضغط على زر الإرسال وتبعث له برسالتها على بريده الخاص المفعل لبعض الأشخاص المحدودين ومن ضمنهم أمجد ابن عمتها… وتجلس قليلاً على حاسوبها.. لتنتظر رده ثم تعاود قراءة رسالتها مرة أخرى ومرة أخرى، تقضم أظافرها بقلق من رده.
فتسرح بخيالها وتتخيل رداً مهيناً منه من المحتمل أن يبعثه لها، أو تجاهلاً لرسالتها…
لتغلق حاسوبها سريعاً وهي تسمع صوت نداء والدها لها، فتتذكر موعد دوائه وتذهب سريعاً إليه.
………………………………………………………..
أغلق يوسف حاسوبه بعنف ووقف يتحرك ذهاباً وإياباً بخطوات سريعة في غرفة مكتبه إلى أن وصل إلى إحدى الشرفات التي تطل على مساحة خضراء… ليتذكر تلك الرسالة التي بعثتها له تلك الفتاة التي تدعي أختاً اسماً.
ليدخل في تلك اللحظة أمجد وهو يحمل أحد الملفات قائلاً بوجه بشوش: مبروك يا يوسف، الصفقة الجديدة شركتنا فازت بيها.. لسا حالاً عاميلنا في ألمانيا مبلغني بالخبر ده.
فيلتف إليه يوسف بوجه لا يبدو عليه أي ملامح قائلاً: مين نهال ديه اللي بتقول إنها أختي… ليتذكر شيئاً: أوعي تكون البنت اللي كانت معاه يوم الفندق.
فينظر إليه أمجد طويلاً ويبتسم بحسرة: اللي بتقول إنها أختك ديه فهي فعلاً أختك، صحيح إنتوا مش أشقاء من الأم والأب.. بس دمكم واحد واسمكم مرتبط ببعض.
فيتهكم وجه يوسف ليقول ساخراً: والله هي تقريباً كان اسمها نهال عبدالله أحمد، وأنا اسمي يوسف أدورد، تفتكر فين بقى الترابط…
فيسير أمجد نحوه مقترباً منه ليقول: إنت ليه مصدق إن خالي كان ناسيك ومش بيسأل عليك.. بس هقول إيه للأسف جدك الباشا هو اللي كان إنسان ديكتاتور عايزك ليه وبس… حتى بعد ما مات بقيت ليه وبس.
فينظر إليه يوسف طويلاً قائلاً: أمجد إنت عارف أنا قد إيه بعزك فبلاش تخليني أخسرك إنت كمان.
ليبتسم أمجد بحزن: بتعزني عشان أنقذتك بدمي يا ابن خالي صح، رد جميل مش أكتر..
فيتذكر أمجد ذلك اليوم.. عندما أردف بقدميه إلى تلك البلد الغريبة عنه قلباً وقالباً، ولكن رغبته في أن يحيا حياة كريمة جعلته ينسى غربته وأحبابه، وكان عزاؤه الوحيد هو.. بأن في هذا الموطن ابن خاله الذي تمنى دوماً بأن يرى فيه كم تكون صلة الرحم قوية مهما كانت المسافات.. ولكن قد تلاشى كل هذا مع أول نظرة رآها في عينيه وكأنه يقول له ليس لدي أقارب ولا أريد تلك القرابة.. ولكن قد شاء القدر أن يتعرض هو لحادث قوي قد علم به من أحد الصحف الكندية عندما كان يجلس على أحد المقاهي ينظر إلى عناوين التوظيف، وعندما وقع بعيناه على هذا الخبر.. وأنه بحاجة إليه، ذهب سريعاً ناسياً قسوته معه واحتقاره له في أول لقاء كان بينهم… ليدخل ذلك المشفى سريعاً ويعلم بحاجته للدماء ولحظة كانت دماؤهم متطابقة.
فيفيق أمجد على صوت يوسف الهادئ ليسمعه وهو يقول: فين ملف الصفقة؟
…………………………………………………….
ظلوا يتجولون بسعادة في أنحاء هذه البلد، ويتمتعون بمنظر القلاع التي تحيطهم.. لتقف ريما فجأة قائلة: أنا تعبت من المشي يا مريم، إيه الفسحة الغريبة ديه؟
فتتطلع إليها مريم ضاحكة: بنحاول نخس يا ريما، إنتي مش شايفه إحنا بقينا شبه الفيلة إزاي؟
لتنظر ريما إلى جسدها وجسد صديقتها قائلة: قصدك بقينا شبه السحالي، فتتأمل المطاعم حولها قائلة: شايفه المطعم ده؟ آه مش أي حد يقدر يدخله ويتعشى فيه غير الأغنياء وبس، يااا نفسي أوي أدخله حتى لو هشتغل طباخة فيه.
فتبتسم مريم لحديث صديقتها: لاء أنا بقى هحلم أدخله عشان أتعشى فيه، هي الأحلام بفلوس؟.. وتغمض عيناها وهي تتذوق بعض الأكلات الشهية قائلة بمتعة: أمممم يا سلام على طعم الفراخ المشوية، ولا المكرونة، أمممم.
لتضحك ريما على خيال صديقتها: مكذبوش لما قالوا إن المصريين عشقهم الأول والأخير هو الأكل.
فتفتح مريم عيناها ضاحكة وتداعب وجنتي صديقتها: عذراً آنسة ريما، ممكن تقولينا الأخوة الجزائريين بيعشقوا إيه؟
وتنتظر رد صديقتها، حتى تجدها سارحة في ذلك العروس وهي تتمايل بخفة في أحضان عريسها وشخص آخر يقف يأخذ لهم بعض الصور، فتلمع عين مريم أيضاً وهي تشاهد ذلك المشهد المفعم بكل المشاعر الصادقة التي تتمناها أي فتاة.
فتلتف ريما إليها قائلة بحنين: تفتكري هيجي يوم وهنتصور زيهم كده، وهنلاقي حد يحضنا أوي؟
فتبتسم مريم لصديقتها بعدما أفاقت من بركان هذه المشاعر القوية: أكيد يا ريما، ربنا مبيحرمش عباده من أي متعة في الحياة مادام كانت في الحلال… المهم ندعي ونثق في كرمه وحده.
لتلتف ريما إليهم ثانية وهي حالمة بمثل ذلك اليوم، فتشاركها مريم في كل هذا… وتشيح بوجهها سريعاً عندما تراهم يتبادلون أحد القبلات بشغف وذلك المصور يلتقط لهم تلك الصورة.
………………………………………………………..
ظل يركض ويركض وشريط ذكرياته يسير أمامه ليتذكر طفولته، فتأتي أحد صوره عندما كان طفلاً في السابعة وبدأت أصابعه تخطو بالقلم على الورق.. فنكب على مكتبه الصغير وكتب أول خطاب لوالده وذهب سريعاً إلى جده قائلاً: أنا كتبت جواب يا جدو لبابا، شايف يا جدو أنا شاطر إزاي وبقيت بعرف أكتب.. ويخطو سريعاً من أمام جده الذي تتبعه نظراته بجمود.. فيقف أمام ذلك الصندوق البريدي الصغير بجانب قصرهم ويضع أول جواب له استطاع أن يكتبه إلى أباه البعيد عنه.
لتتكرر فعلته هذه كل يوم ولكن لا يوجد رد.. فيتأمل صندوق البريد بحسرة وهو فارغ من أي جواب قد بُعث إليه من مصر من والده.. حتى مر خمسة أعوام على ذلك، فتصيبه خيبة الأمل ويجلس يوماً أمام ذلك الصندوق بفرحة عندما رأى أحد الرسائل، فتأملها بسعادة وهو يركض بالداخل مهللاً: جدو بابا بعتلي جواب، وقال إنه جاي عشان يشوفني.. وياخدني معاه، أنت أكيد مش هتزعل يا جدو.
فيحتضنه جده وهو يتأمل صورة ابنته القابعة على مكتبه الوثير بحسرة: عايز تسيب جدو يا يوسف؟
ليقبله يوسف بحب: ما أنا مش هسيبك يا جدو، هجيلك علطول وأنت كمان هتجيلي.. أنا رايح أقول الخبر ده لمعلمتي ماري عشان تساعدني أن أشتري هدية لبابا.
فيفيق من شروده بعد أن أتعبته كثرة هذا الركض المهلك ويجلس على أحد المقاعد ناظراً إلى المياه التي أمامه متذكراً خيبته الأخرى عندما ظل شهراً بل سنة ينتظر قدوم والده… إلى أن وقف أمام جده ذات يوم وهو يمزق صور والده: أنا أكره والدي يا جدي ولم أعد أحبه…..
لتظهر ابتسامة مخفية على وجه ذلك الجد العجوز وهو يحتضنه قائلاً: مادام هذه رغبتك يا بني، فافعل ما شئت.
فيرفع يوسف وجهه بعد أن تصبب العرق على جبينه بغزارة ويحرك رأسه بقوة رافضاً حنينه لذلك الأب الذي قد تركه ورفض حبه بقسوة عكس جده العجوز الذي ظل دائماً بجواره يشاركه أحزانه ونجاحه ويغمره بحبه… فتنهد قائلاً: يوسف أدورد هذه هي كنيتي وليس كنية ذلك القاسي…….
…………………………………………………..
وقفت مريم تتمايل بين الحمام الذي أصبح يحاوطها كي تطعمها بغلاته المحببة له، فتتعالى أصوات هديل الحمام حولها وهي تبتسم كالأطفال.. وتتأمل الحمام الذي يصطف أمامها وآخر يطير حولها، فترفع عيناها لأعلى بسعادة قبل أن تقذف بعض الحبوب عالياً لتتناثر حولها بعشوائية فيطير الحمام ويرفرف بجناحيه حتى يسقط على الأرض ويلتقط الحبوب.
فتلتف بأعينها كي ترى عين تلك الصغيرة التي تتبعها بفرح.
فتقترب منها مريم وهي تبتسم قائلة: إنتي أحلى من الورد اللي بتبيعيه.
فتنظر إليها الطفلة بفرح بعدما فهمت حديثها، ممسكة بإحدى الوردات كهدية لها، فتقربها مريم إليها قائلة: الوردة الحلوة ديه تستاهل تكون هدية لأحلى بنوتة.. وتشير بإصبعها نحوها: اللي هي إنتي.
فتلمع عين الصغيرة بسعادة… لتقربها مريم إليها ثانية بعدما انحنت بجسدها كي تصبح في مستواها، وتمد بتلك الوردة التي قد حصلت عليها كهدية للتو فتضعها خلف خصلات شعرها الأشقر الناعم قائلة: إنتي حلوة أوي يا حبيبتي.
وأخرجت تلك الكعكة التي تضع بحقيبتها قائلة: تعالي نتقاسم بقى الكعكة ديه.
لتتابعها نظرات ذلك الشخص الذي يجلس عن بعد يتأمل هذه الفتاة العجيبة.. حتى سقط بأعينه ليراها تخرج بعض النقود وتتأملها ثم تتقاسمها مع الصغيرة.. كما قسمت معها تلك الكعكة، فأبتسم وهو يتأملهم رغماً عنه.
حتى أشاح بوجهه بعيداً عنهما وظل يتابع شريط ذكرياته حتى قطع تفكيره صوت رنين هاتفه، ليتحدث مع المتصل وقتاً طويلاً، وقبل أن يُنهي تلك المحادثة العملية.
سمع صوت صراخ يحاوطه أجبره بأن يلتف حوله ليرى من أين يأتي ذلك الصوت، حتى وقع ببصره على تلك الفتاة نفسها ولكن هذه المرة كانت محاطة بثلاث شباب يبدو عليهم السكر، فوقف يتأمل صراخها لبرهة.
ليصل صوت نحيبها العالي وصراخها إليه بقوة قد جعلته يتحرك إليها وهو لا يعلم هل ما سيفعله دليلاً بأن أصله الشرقي مازال في عروقه أم ماذا؟؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *