الفصل الحادي عشر من لولا الغرام بقلمي روز أمين
-هتتكلم تقول إيه يا ماما؟ هي ليها عين ترد أصلاً؟
ثم تابع بحدة وانفعالٍ أشد وأقوى:
-لا ولسة المفاجأة الكبيرة، لما تعرفي الهانم اختارت مين علشان يكون جوز بنت منير الخولي
طالعتهُ راندا بأعين شاخصة مترقبة لحديثه بقوة، لتقاطعه زوجتهُ وهي تترجاهُ بنبرة متألمة ونظراتٍ مستعطفة، في محاولة بائسة منها لحماية صديقتها:
-كفاية يا سامح، الكلام بالطريقة دي ما ينفعش
وتابعت بنبرة رحيمة:
-خد نهلة واتكلم معاها لوحدكم وافهم منها.
أشار لزوجته بحسمٍ، ورمقها بنظرة حادة كصقر يوشك على قنص فريسته، ثم هتف قائلاً بجفاء:
-من فضلك يا مايا، بلاش تتدخلي في الموضوع ده،وخليكِ بعيد أفضل .
تراجعت وابتلعت غصتها مرغمة، بعد أن اقتحمتها مشاعر الخجل والانكسار من طريقة زوجها الفظة أمام الجميع.
في المقابل، وجد سامح دعمًا من شقيقه رائد، الذي تحدث بنبرة تشجيعية جامدة:
-اتكلم وقول اللي عندك يا سامح، الموضوع مش شخصي علشان تتكلم فيه مع نهلة لوحدك.
وتابع مبررًا باستفاضة:
-الإنسان اللي نهلة هترتبط بيه ده شخص هيدخل عيلتنا ويبقى محسوب علينا، فلازم نوافق عليه كلنا،وقبل كل ده،لازم يكون شخصية محترمة ومن عيلة مرموقة.
توسعت ابتسامة ساخرة على ثغر سامح، الذي نطق بنبرة تقطر فوقية وكبرياءًا قفز من بين حروفه:
-من جهة عيلته المرموقة، فهي مرموقة فعلاً.
ثم تابع بازدراء وانكماشًا لملامح وجهه، مشيرًا بيداه باحتقار في طريقة مسرحية:
-الباشا اللي اختارته أختك، أبوه حتة موظف كحيان في هيئة حكومية متدنية، وأخوه الكبير حتة محاسب في شركة ما حدش سمع عنها قبل كده.
واستطرد بتعالٍ أعمى وكأن عائلته خُلقت من طينة لا تشبه طينة البشر:
-وأمه ست بيت بسيطة جدًا، وساكنين في حارة شعبية بيئة، شفت قد إيه النسب اللي أختك جيباهولنا يشرف يا سيادة المستشار؟”
وقع الكلمات على راندا كان كالصاعقة، لُجم لسانها وتجمدت الدماء في عروقها، وكأن الصدمة شلت حواسها وأوقفت دورة حياتها بالكامل، عجزت عن الاستيعاب، وبدت وكأنها تنظر إلى ابنتها للمرة الأولى.
أما نهلة، فقد تملكتها حالة غريبة من الذهول، شعرت في تلك اللحظة وكأن الأرض تسحب من تحت قدميها، وجدران المكان برغم شساعته يضيق عليها ليخنقها، كانت دقات قلبها تقرع في أذنها كطبولٍ حرب، والكلمات القاسية التي ألقاها شقيقها كانت تنغرس في كرامتها وكبريائها كشظايا زجاجٍ مكسور، لم يكن الخوف وحده ما يشلها، بل ذلك الخذلان العارم من عائلتها التي تقيس البشر بالمظاهر الفارغة، وبلحظة خُلقت قوة مفاجئة من رحم هذا الانكسار لتنفض عنها رداء الخوف تمامًا، فقد أدركت أن الصمت لم يعد درعًا، بل بات اعترافًا بالذنب لسرًا لم ترتكب فيه خطأً.