«بسم الله لا قوة إلا بالله» «لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.» "تنويه هاااام، هذه الرواية أحداثها حقيقية وكل ما ورد بها من أحداث قد حدثت بالفعل" 🔹الفصل التاسع والعشرون 🔹 «لَوْلاَ الغَرَامُ» #_لَوْلاَ_الغَرَامُ،بقلمي روز أمين هذه الرواية مسجلة حصريًا بإسمي "روز أمين" وممنوع نقلها لأية مدونة أو موقع أو صفحات أخري ومن يفعل هذا قد يعرض حالهُ للمسائلة القانونية. __________________________ «"صُدفة"، كلِمةٌ بسيطة من أربعةِ أحرف، لكنها تملكُ مِن القوة ما يكفي لإعادة تشكيل حياتنا بالكامل، هي اللمسة الخفية التي تجمعنا بأشخاصٍ لم نكن نعلمُ بوجودهم، وفي لحظةٍ مباغتةٍ، تكتملُ بها الدوائر المغلقة، فتُبنى من مَحض صدفةٍ حياةٌ كاملة، وتُولدُ حكاياتٌ ومصائر لم نكن لنَحسب لها حساباً. حينها فقط، نقفُ مأخوذين أمام عظمة الخالق وجلال قدرته في ترتيب هذا العالم، نرى بيقين كيف يَسوقُ سبحانه الأسباب، ويُحرك القلوب والبشر من أقاصي الأرض، لِيضعهم في طريقنا في الزمان والمكان المناسبين، ليثبت لنا في كل مرة، أن تدبير الله لأقدارنا أرحب وأجمل بكثير مما رسمته مخيلتنا.» بقلمي«روز آمين» تتناول الخاطرة موضوع "الصُدف"، وما تصنعه من تحولات في مسار حياتنا. _______♕_______ في تمام الثالثة فجرًا، كان المنزل غارقًا في سكونٍ تام، بينما كانت بسمة تعيش في عالمٍ آخر نسجته نبضات قلبها، فمنذ أن غادر هشام لم يهدأ هاتفها، فبعد أن استأذن شقيقها"رشيد" بلطفٍ ورقي ونال رقمها، بدأت مكالمتهما الأولى، كانت كلماته تتدفق لقلبها كعزفٍ رقيق، فغيبتها عن الكون من حولها، وحلقت بروحهما معًا فوق غيمةٍ من السعادة الهائلة،فباتت مستسلمة تمامًا لجاذبية رجلٍ استطاع باقتدار كيف يسرق قلبها من اللقاء الأول. قطع تلك الخلوة الرومانسية طرقات هادئة على الباب، انتفضت بخجل، وأغلقت الخط مع هشام على عجل، ثم سمحت للطارق بالدخول، انفتح الباب، وأطلّ شقيقها ليرى وجهها المضيء بالفرحة، كانت ملامحها تشع بنضارة تسرق الأنظار. نظر إليها فسعد داخله لأجلها، وراح يسألها بنبرة تقطرُ ودًا: -صاحيه ليه لحد الوقت؟ طالعتهُ والبهجة تفيض من عينيها، لتجيبه بابتسامة مشرقة: -مش جايلي نوم. خطا نحوها وجلس على طرف فراشها برفق،راح يتأمل وجهها الذي تملؤه السعادة، وسألها وعيناه تبتسمان: -مبسوطة؟ اتسعت ابتسامتها، وطغت السعادة على وجهها، فاكتفت بإيماءة خجولة من رأسها، مد يده وأمسك بكفها في حنو بالغ، ثم قال: -ربنا يسعدك يا حبيبتي، هشام راجل جدع وابن ناس بجد. ثم صمت لبرهة وتابع بنبرة تقطر عطفاً: -كده أقدر اقول إني اطمنت عليكِ. تعلقت عيناها بخاصتيه وهي تسأله بشغفٍ ورجاء: -وانت يا رشيد، مش ناوي تطمنا عليك انت كمان؟ رسم على شفتيه ابتسامة صافية، وهز رأسه وهو يقول ممازحًا: -انا كده تمام اوي، باشا مع نفسي، أخرج براحتي، و انام واقوم براحتي، غبي انا علشان اروح اجيب واحدة تنكد عليا؟ انطلقت ضحكة من أعماق قلبها، ثم عقبت بكلماتٍ تداعبه بها: -وانت بقى فاكر ان ماما هتسيبك كده؟ ضحك بخفة ملوحاً بيده: -سيبك من سمسمة وخلينا فيكِ. ثم استطرد كلامه تحت نظراتها المترقبة: -أنا ان شاءالله ناوي اجيب لك هدية في الشبكة، شوفي انت محتاجة ايه علشان لما نروح تبقي مكررة. واستطرد موضحًا: -وبابا كمان ان شاءالله هيجيب لك خاتم، فشوفي محتاجة اسورة جنبه ولا خاتم تاني. غمرتها مشاعر دافئة من الامتنان، فأمسكت بيده، وأحاطته بنظرات تفيض رقة وتأثراً، وقالت بصوت ناعم: -انا مش عاوزة حاجة يا حبيبي، كفاية وجودكم حواليا. وتابعت بامتنانٍ جارف: -وكفاية اوي انك متحمل كل مصاريفي يا رشيد، ومفيش حاجة بحتاجها إلا وبتجيبها؛ لي، ربنا يقدرني واقدر ارد لك جزء من جمايلك عليا. لمعت عيناها بتأثرٍ رقيق، فنظر في عينيها بمنتهى الحنان وقال: -بطلي هبل، جمايل ايه اللي بين يا الاخوات؟ ساد الصمت لثوانٍ، تأمل فيها ملامحها الرقيقة، قبل أن يضيف بابتسامة دافئة: -عارفة يا بسمة، أنا كتير أوي بحس انك بنتي ومسؤولة مني. تألقت السعادة في عينيها كنجوم تلمع في ظلام الليل، وهتفت بقلب سعيد وعينين ممتنتين: -ربنا يخليك ليا، ويرزقك على قد طيبة قلبك وحنيتك علينا يا حبيبي. انحنى نحوها وطبع قبلة حانية على جبينها، ثم وقف وهو يبتسم قائلاً: -أذان الفجر على وشك، يلا اتوضي واجهزي علشان تنامي بعد الصلاة وترتاحي. أومأت له بابتسامة راضية، فخرج متوجهاً ليتوضأ. وما هي إلا دقائق حتى ارتفع صوت الأذان، فخرج رشيد ووالده يخطوان بس/كينة نحو المسجد، تاركين خلفهما بيتاً يفيض بالسلام والدعوات. _______♕_______ داخل كافيتريا الجامعة، كانت ندى تقف بملامح هادئة بانتظار تلبية طلبها، كوبان من مشروب "الكابتشينو الدافئ"، أحدهما لها والآخر لصديقتها التي فضلت انتظارها بالخارج، للاستمتاع بين أوراق الشجر الأخضر، وتحت أشعة الشمس الدافئة. وفيما هي غارقة في ترقب تجهيز طلبها، اخترق مسامعها صوت جهوري مميز، يحمل نبرة جديدة على أذنها، التفتت بنصف عين، لترتسم الدهشة تدريجيًا على محياها حين وقع بصرها عليه، إنه رجل المراقبة ذاته، كانت هذه هي المرة الأولى التي تسمع فيها رنين صوته. اذ قال بنبرته القوية تلك: -السلام عليكم. ردت بهدوء حذر وهي تتأمله: -وعليكم السلام. ساد صمت قصير، وقفت فيه تترقب ما سيجود به، لتبصر في عينيه رغبة جادة في الحديث، حين تابع قائلاً: -ممكن أخد من وقتك ربع ساعة؟ اتسعت عيناها بذهول طفيف، فاستطرد هو مسرعًا ليشرح مقصده ويزيل ريبتها: -هنقعد هنا في الكافتريا، نشرب حاجة مع بعض وهقول لك الموضوع اللي عاوز اتكلم معاكِ فيه. ما هي إلا ثوانٍ معدودة،حتى تحولت نظراتها لباردة جافة، رمقته باستهجان بَين،وقالت بصرامة: -حضرتك تعرفني؟!، فيه بينا سابق معرفة يعني؟ ولم تنتظر إجابته، بل أردفت بتهكم واضح لاذع: -جاري، قريبي، مشتركين مع بعض في نفس النادي وانا معرفش؟! أربكته حدتها المفاجئة، فهز رأسه ببلاهة وعفوية وهو يجيبها: -لا. هنا، زادت نبرتها حدة وهي تقول: -ولما هو لا، ازاي تتجرأ وتطلب مني طلب زي ده؟، لا وكمان عاوزنا نقعد وناكل ونشرب ونحلي؟! أمام ملامحها الغاضبة الحادة وطريقتها القاطعة في الحديث، لم يقو على كبح جماح وسامته التي تجلت في ابتسامة واسعة أظهرت صف أسنانه الأبيض، حاول بذكاء ومزاح أن يمتص ذلك التشنج ويكسر جليد صرامتها، فقال ضاحكًا: -أكل وحلو مرة واحدة؟!، ده أنا يدوب قولت نشرب حاجة، ركزي معايا الله يكرمك، أنا كل اللي في جيبي تمن كوبايتين عصير برتقال بالعافية. ثم نظر إليها بطريقة مستعطفة، تحمل دلالاً خفيًا ومحبة التمعت في عينيه وهو يتابع: -بس لو مصممة على الحلو، أنا مستعد أغسل صحون الكافيتيريا أسبوع بحاله. وتابع مازحًا ببسمة زادت من جاذبيته: -والله ما خسارة فيكِ. لم تستطع المقاومة أكثر، فقد كان لمزاحه سحرًا طغى على كبريائها، فلتت منها ضحكة واسعة أضاءت وجهها غصبًا عنها، لكنها سرعان ما استعادت توازنها وسألته مستفسرة: -انت عاوز ايه؟! تلاشت ابتسامته العابثة، لتحل محلها ملامح هادئة رصينة، ونظر إليها بعمق مردفًا بنبرة مطمئنة: -الكلام اللي عاوزك فيه مينفعش يتقال واحنا واقفين كده. أشار بيده نحو طاولة قريبة في زاوية هادئة، وتابع برجاء عذب: -تعالي نقعد وهقولك على حاجة، وصدقيني مش هأخرك. تنهدت بضيق وهي تقبض بأصابعها على كوبين الكابتشينو التي تسلمتهما من العامل، ثم أشارت بسبابتها نحو الطاولة قائلة بجفاء: -اتفضل وقول الكلمتين بتوعك. أومأ لها برأسه هادئًا، وجلسا معًا، التفت إليها وباشر حديثه بابتسامة خفيفة غازلت شفتيه: -تحبي تشربي ايه؟ وقبل أن تنطق، قاطعها مسرعًا حين تذكر حديثها، ليردف بابتسامة أكثر اتساعًا،زادته حسنًا: -انا اسف نسيت، تحبي تاكلي إيه؟ أشارت إلى كوبها ببرود ممتزج بالضيق: -ميرسي، معايا الكابتشينو بتاعي. ثم استطردت بلهجة حملت الكثير من الغِلظة والتعالي: -ياريت تدخل في الموضوع على طول علشان صاحبتي مستنياني برة، والكابتشينو هيبرد. اتسعت ابتسامته وهو يتأمل ملامحها الحادة، وسألها بنبرة غلب عليها الفضول: -هو انتِ عصبية كده على طول؟! أجابته بجدية صارمة وصوت حاسم: -مع الناس اللي بتحب اللف والدوران بس. لم يثنه برودها، بل ابتسم مجددًا وباح لها بنبرة صادقة وخافتة: -بصراحة كده يا ندى أنا معجب بيكِ ، ومن يوم ما شوفتك وانا مش قادر اشيلك من بالي،ولا قادر أشيل عيني من عليكِ. ارتخت ملامحها الجافة ولم تظهر أي مفاجأة، لترتسم على ثغرها ابتسامة هادئة،قبل أن تُعقب على اعترافه بنبرة خفيضة حملت شيئًا من التقبل واللين: -اه ما انا خدت بالي. انفرجت أساريره ظنًا منه أنه أحرز تقدمًا، لكنها باغتته مكملة بتهكم: -بصراحة انت عامل مجهود جبار، بس يا خسارة، العنوان طلع غلط يا استاذ فريد. نهضت من مقعدها وحملت المشروب مستعدة للمغادرة، فانتفض هو الآخر من مكانه بلهفة،وهو يقول: -انت رايحة فين، احنا لسه مخلصناش كلامنا؟! ثم ضيق عينيه فجأة، واجتاحت ملامحه دهشة ذهلت بها نبرته وهو يستطرد: -وبعدين انت عرفتي اسمي منين؟! ارتسمت على ثغرها ابتسامة ساخرة، ونظرت إليه بتحدٍ: -مش انت لوحدك اللي بتعرف تراقب وتخطط يا متر، انا اعرف عنك كل حاجة، ولو حاولت تضايقني انا و صاحبتي مرة تانية، هنروح نقدم فيك شكوة للعميد. برغم نبرة التهديد الواضحة في كلماتها، إلا أن عينيه لمعتا بنظرات غارقة في الإعجاب، واقترب خطوة وهو يقول بهمس مفعم بالشغف: -وانا مالي بصاحبتك، أنت اللي تخصيني يا ندى، وبصراحة اكتر، بعد اللي قولتيه وعملتيه ده، عجبتيني ودخلتي دماغي أكتر. ابتلعت ريقها بتوتر خفي أثارته نظراته المصوبة نحوها، لكنها سرعان ما استعادت شتات نفسها على صوت دليلة التي تملكها الخوف إثر تأخرها، فأتت تستطلع الأمر. أمسكت دليلة بذراعها وعيناها تترقبان المكان برعب وهي تسألها بلهفة: -انتِ كويسة؟ فيه حد ضايقك؟ نظرت ندى إلى فريد بثبات وصرامة بالغة زادت من انبهاره بها، وقالت بثباتٍ قوي: -محدش يقدر يزعلني، يلا بينا. استدارت والتفتت مغادرة، بينما ظل هو واقفًا في مكانه، يتابع طيفها الراحل وعيناه تلاحقان خطوتها بثقة، ثم تمتم بابتسامة لعوبة هزت كيانه: -شرسة، وأنا اموت في الشراسة. ما إن خطتا خطواتهما خارج الكافتيريا، حتى استدارت دليلة نحوها فجأة، وجذبتها من ذراعها وهي تهتف بنبرة اشتعلت بالعصبية واللوم،من شدة هلعها عليها: -انتِ ازاي يا هانم تروحي تقعدي مع الولد ده،وقدام الجامعة كلها؟! بمنتهى الثبات والبرود، مدت يدها وناولتها كوبها، وقالت بنبرة رخيمة هادئة: -اشربي الكابتشينو بتاعك قبل ما يبرد. اتسعت عينا دليلة بذهول صاعق، وحدجتها بنظرات غاضبة وهي تمتم بعدم تصديق: -تصدقي انك باردة. أطلقت ضحكة صافية خففت من حدة الموقف، وعلقت متهكمة: -الحق عليا اني عوزاكي تلحقي مشروبك قبل ما يبرد وميبقلوش لازمة. لم تتراجع حدة دليلة، بل سألتها بفضول ممزوج بالخوف: -كان عاوز منك ايه؟ رفعت كتفيها بلامبالاة واضحة، ورسمت على ثغرها ابتسامة ساخرة وهي تحلل الموقف: -بيستظرف، تلاقيه قال لنفسه دي بنت ساذجة في سنة أولى ولسه خام، أدخل عليها بكلمتين حلوين،وهي يا حرام هتفرفر في ايدي وما هتصدق. ثم لوحت بيدها في الهواء بخفة وثقة تامة، وأردفت بابتسامة متألقة: -بس على مين؟ أختك اديت له كلمتين، هيحرم يقرب مننا مرة تانية. انفجرت دليلة ضاحكة وقد زال توترها، وقالت بإعجاب وفخر بصديقتها: -غبي، ميعرفش انه وقع في اذكى فتيات جيلها. تعالت ضحكاتهما معًا، وشرعتا في السير ببطء،وهما ترتشفان المشروب الساخن في وئامٍ واسترخاء. كل ذلك حدث تحت أنظار فريد الذي كان يراقبهما من بعيد، حيث اتسعت حدقتاه بإعجاب تضاعف مئات المرات، ووقع أسيرًا لعقل هذه الفتاة، رصانتها، وذكائها الفتاك،ردودها وسرعة بديهتها، تنفس الصعداء بعمق، وشعر بقلبه ينبض بطريقة مختلفة، قبل أن يستدير بخطوات ثابتة متحركًا صوب مبنى كليته ليحضر محاضرته المقررة. _______♕_______ بعد يومين، وداخل أحد محال المجوهرات الراقية، اجتمع شمل الاحِبة، حيث حضر رشيد برفقة والدته وشقيقته بسمة، والتحق بهم هشام ووالدته وصفاء، ظللت السعادة وجوههم وهم يستعدون لاختيار "الشبكة". وقفت بسمة أمام واجهة العرض الزجاجية، وسرعان ما جاورها هشام بحضوره المهيب ورجولته الطاغية التي تبث الأمان في نفسها،بينما تحرك رشيد للخارج لكي يجيب على مكالمة خاصة بالعمل. التفت هشام نحو سارقة لبه وسألها بنبرة دافئة: -عجبتك حاجة؟ أجابت وعيناها تتنقلان بين عدة أطقم متلألئة من الذهب الخالص: -محتارة. مال عليها هامسًا بنبرة رخيمة تذيب القلوب: -شوفي أكتر واحد مرتاحة له ونحجزه، وتأكدي ان أي حاجة هتختاريها هتبقى تحفة عليكِ. تطلعت إليه بعيون هامسة غارقة في العشق، فاسترسل وهو يتعمق في سحر عينيها، مكملاً بنبرة شديدة العذوبة: -علشان حبيبي هو اللي بيخلي أي حاجة حلوة، مش العكس. ارتجف قلبها بعنف، واجتاحتها مشاعر غامرة جعلت الفراشات تتراقص أسفل معدتها من فرط السعادة، لكنها ارتبكت فجأة حين لمحت نظرات والدتها المصوبة نحوهما، فأشاحت بوجهها سريعًا نحو المعروضات الذهبية لتداري حمرتها. اقتربت منهما صفاء وهتفت بنبرة ودودة تملؤها الألفة: -ها يا بسوم، فيه حاجة من دول عجبتك؟ التقطت أنفاسها وتطلعت إليها بحيرة واضحة، فمال هشام نحوها مجددًا وقال بهدوء ومراعاة شديدة: -لو مش عاحبك حاحة هنا ممكن نروح محل تاني، عادي. هزت رأسها نفيًا وأردفت مسرعة: -بالعكس، كل حاجة هنا حلوة أوي، أنا بس اللي محتارة ومعنديش خبرة. انطلقت ضحكة رقيقة من صفاء وهي تعلق مسترجعة ذكرياتها: -ومين فينا كان عندها خبرة،ده انا قعدت اختار في شبكتي ساعة بحالها، وبعد ما اختار ارجع في كلامي وابدل بحاجة تانية، لحد ما الجواهرجي زهق مننا، وكان هيطردنا برة المحل. تعالت ضحكات الجميع، ليرفع هشام يده مشيرًا إلى أحد الأطقم المتميزة، وسألها مستطلعًا رأيها: -طب ايه رأيك في ده؟ ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة وعلقت بإعجاب: -حلو اوي. وقع اختيارهم النهائي على الدبل، فتقدم الصائغ متسائلاً بمهنية: -تحبوا تكتبوا اساميكم والتاريخ عليها؟! أجابه هشام دون تردد وبسرعة البرق: -اه طبعاً. بادلته حبيبته ابتسامة ممتنة، لينهمك الصائغ في حفر الأسماء، وما إن انتهى حتى أمسكت دبلتها، وتأملتها بسعادة بالغة وهي تقرأ اسمه المنقوش بعناية، (هشام). كان قلبها يرفرف فرحًا مع كل حرف تدققه عيناها، وفي المقابل، كان هو الآخر يمسك بدبلته ويقرأ اسمها بشغف لا يقل عن خاصتها، التفت هشام نحو والدتها ووالدته، وقال بنبرة راجية، مازحًا: -هو مينفعش نلبس الدبل النهاردة؟ نظرت إليه سامية بوجه بشوش تملؤه الطيبة، وأجابت ضاحكة: -والخطوبة هيبقى لزمتها ايه، لما تلبسوا الدبل هنا يا ابني. عقب على كلماتها بابتسامة خفيفة: -نبقى نقلعهم تاني ونحطهم في العلبة. أنهى رشيد مكالماته الهاتفية ودلف إلى المحل متسائلاً: -ايه الأخبار؟ ربت هشام على كتفه بامتنان، وقال مازحًا: -اخيرا خلصت تليفوناتك يا عم المهم. ضحك رشيد بزهو وثقة، وعلق متهكمًا: -اخوك جامد وثابت نفسه في مكانه، ميعرفوش يتحركوا خطوة واحدة في الشغل من غيري، حتى في الاجازة مش راحميني. داعبه هشام بابتسامة عريضة: -ماشي يا عم الثابت. سدد هشام ثمن الشبكة، وهنا تدخل رشيد ممازحًا، حيث جذب شقيقته من يدها بلطف وأوقفها أمام واجهة العرض مجددًا وهو يقول لهشام: -وسع شوية يا اتش واديني فرصتي. تبسم هشام، والتفت رشيد نحو شقيقته،وقال بحنو بالغ: -يلا يا حبيبتي اختاري هديتك. تدخلت والدة هشام بتهذيب قائلة: -ملوش لزوم يا باشمهندس، ما هشام جاب لها، ولو عاوزة تاني نجيب لها تاني. وتابعت بابتسامة حنون: -هو احنا عندنا كام بسمة. ربتت سامية على كتفها بامتنان متبادل وراحت تقول: -انتوا قد الدنيا يا حبيبتي، بس دي ملهاش علاقة، دي هدية اخوها ليها. انتقت بسمة سوارًا وخاتمًا في غاية الأناقة، فتقدم رشيد وسدد قيمتهما براحة، ثم تأهبوا جميعًا لمغادرة المكان. وأمام بوابة المحل، أصر هشام على دعوتهم جميعًا لتناول وجبة الغداء في نادي الشرطة، وبعد جدال وممانعة طفيفة من رشيد، وافق الأخير متأثرًا بإلحاحه. _______♕_______ في منزل السيد عبد الرحمن، كانت يمنى تقف في المطبخ أمام الموقد، تحرك محتويات القدر بعنف، بينما ارتسمت على ملامحها علامات الغضب والضيق العارم، دلف كريم عائدًا من عمله، وتطلع حوله بتعجب قائلاً: -امال ماما فين يا يمنى؟ استدارت نحوه بحدة، ورمقته بنظرة ساخطة، ونبرة مليئة بالتهكم: -اللي واخد عقلك يا حبيبي، ما انت عارف انهم هيجيبوا الشبكة النهاردة. ضرب جبهته بخفة كمن تذكر شيئًا غاب عنه وعقب: -اه صح،ده انا كنت ناسي. زفرت بحنق واستياء شديدين واردفت باستهجان: -قولت لهم ياخدوني أختار معاهم علشان عارفة ذوق اختك، مامتك مرضيتش وقالت لي امال مين هيعمل الغدا. تقدم كريم نحو الطاولة ببرود، والتقط قطعة من طعام "الكفتة" الناضجة قضمها وهو يعلق بلامبالاة: -طب ما هي معاها حق. اشتعلت عيناها بالغل، وصاحت به بحدة وسخط: -وانت يعني هتقول ايه غير كده؟ ثم تابعت بنبرة حادة تنضح بالحسد: -ما اخوك على قلبه فلوس قد كدا، فيها ايه لو كان طلب لنا اكل جاهز وانا كنت روحت معاهم، بدل ما انا قاعدة متمرمطة كده، زي الخدامة اللي بتخدم بلُقمتها. حاول تهدئتها مبررًا الأمر ببرود: -ما انتِ عارفة ان بابا مريض قولون ومبيعرفش ياكل من برة يا يمنى. لوحت بالملعقة الكبيرة في الهواء بتشويح غاضب وزفرت وهي تقول: -ده بدل ما تقف مع مراتك وتجيب لي حقي، واقف تبرر لهم قلة ذوقهم معايا؟! وتابعت حديثها كمن يصب الزيت على النار،لتزيد الموقف اشتعالاً: -يا أستاذ، اللي حصل ده قلة تقدير وعدم احترام ليك قبل ما يكون ليا، أمك وأخوك لو عاملين لك حساب وبيحترموك، كانوا عملوا لي أنا كمان حساب واحترموني. تنفس بضيق، وفتح فمه ليرد عليها، لكن قاطعهما صوت دوران مفتاح الباب الخارجي، فقد عاد والده من المسجد بعد أداء صلاة العصر. أشار لزوجته بسبابة يده لتصمت، فزفرت بحنق واستدارت للموقد تتابع طهي الطعام بغيظ، دلف الأب، وحين لمحهما قال بنبرة ودودة: -انت جيت يا كريم؟ أجابه بنبرة هادئة: -اه يا بابا، لسه داخل من شوية. التفت عبدالرحمن نحو يمنى وقال بنبرة موجهة: -كويس، لو خلصتي الأكل، اغرفي لنا علشان نتغدا يا بنتي. سألته بفضول ممتزج بالضيق: -مش هنستنى ماما والباشمهدس؟ أوضح لها الأمر ببساطة: -هما اتصلوا بيا من شوية وقالوا ان هشام عزمهم على الغدا، في نادي الشرطة. ثم أشار لابنه مكملاً: -اطلع غير هدومك على ما مراتك تغرف الاكل يا كريم. وانسحب تاركًا إياهما متوجهًا صوب غرفته، بمجرد اختفاء طيفه خلف الباب، التفتت نحو زوجها وهمست بفحيح غاضب: -شوفت، هيتغدوا برة اشكال واصناف، ورامينا احنا هنا ولا سائلين عنا. نظر كريم إلى أطباق الطعام الشهية أمامه، وحثها بحدة وضيق: -اللي يسمعك يقول هنتغدى فول وبصارة. وأومأ بيده نحو الأصناف المتنوعة مستطردًا: -مش كفتة وفراخ ورقاق وملوخية؟ استدار لقصد مسكنه، لكنها استوقفته سريعًا ببث سمومها مجددًا في عقله، وسألته بسخط لاذع: -تقدر تقولي اخوك مجبلكش تليفون محمول لحد الوقت ليه؟ مش كنت انت اولى من ابوك اللي راميه طول اليوم على التربيزة برة؟ ثم أكملت وهي تذكي نيران الحقد في جوفه: -ده حتى بسمة لما جاب لها واحد، وانت ولا عبرك، زي ما يكون مستخسر فيك تمنه. كان وقع كلماتها في نفسه، كطعنة س/كين مسمومة، أحيت في أعماقه غلاً دفيناً وحقداً أسود بدأ ينهش صدره بلا رحمة تجاه شقيقه الناجح، رمقها بنظرة ضيقة تحمل مزيجًا من العجز والغضب، ولم ينطق بكلمة. صعد الأدراج بسرعة البرق نحو مسكنه ليبدل ثيابه، بينما كانت مشاعر الحقد تتضخم وتتكاثر داخل قلبه يوماً بعد يوم، يغذيها كلامها في كل مرة، ليتعاظم كرهه لشقيقٍ لم يكن له أي ذنب، سوى أنه ناجح. _______♕_______ داخل ردهة النادي المطل على النهر، أشرف هشام بنفسه على طلب الطعام، متعمدًا انتقاء تشكيلة فاخرة من اللحوم المشوية لأجل حبيبته، وما إن هبطت الأطباق على الطاولة حتى بدت شهية تسر النظر. بادر هشام بنقل قطع اللحم إلى طبق بسمة، وتابعها بعينين تفيضان بالرعاية وهو يسألها باهتمام: -عاوزة حاجة تانية؟ تسلل الخجل إلى وجنتيها إثر هذا الاهتمام البالغ ونظراته المسلطة نحوها، فاكتفت بهز رأسها نفيًا مع ابتسامة شكر رقيقة، لم يفوت رشيد الفرصة، فرمق هشام بنظرة ذات مغزى مغلفة بالمداعبة قائلاً: -ما تاكل يا هشام باشا، اللحمة هتبرد، ولو بردت هتشد وتجلد ومش هتعرف تاكلها. ابتسم هشام بثقة وثبات، وراح يوزع قطع من اللحم داخل صحون والدته وشقيقته وايضًا سامية، وعقب بلهجة حملت فخرًا خفيًا بحاله: -تشد مع الناس الضعيفة يا هندسة،متقلقش، هشام الحديدي بتعرف يتأقلم مع أي وضع بسرعة. ثم أشار بيده لطبق رشيد بابتسامة وهدوء: -كُل أنت قبل ما تبرد يا حبيبي، ألف هنا. ارتسمت على شفتي بسمة ابتسامة عذبة وهي تتابع مناوشاتهما اللطيفة، تلك التي بدأت تألفها بل وتعشق تفاصيلها. بعد برهة، أزيحت الأطباق وحلّت مكانها القهوة الفواحة وقطع الحلوى، استغل هشام الفرصة واصطحب بسمة نحو ذلك السور الزجاجي القصير،حيث ينبثق منه مشهد النيل الساحر، وقفت تتأمل انعكاس المياه، فدنا منها وسألها بحنو بالغ: -مبسوطة يا حبيبتي؟ التفتت إليه، وكانت عيناها تقطران سعادة لا تسعها الأرض وهي تجيب: -اوي يا هشام، لدرجة اني حاسة ان روحي طايرة في السما. انفرجت أساريره وساد الصمت للحظة، قبل أن يبوح بابتسامة خافتة: -عارفة يا بسمة، أنا عمري ما امنت بالحب ولا كنت بصدق في حواديته. ثم استرسل بصدق هائل كاشفًا عن ماضيه: -كنت باحتقر أي راجل يضعف ويقدم تنازلات بحجة انه بيحب وتابع بملامح وجه مستنكرة: -كنت بشوفه ضعف وقلة عقل وعدم وعي. قطع حديثه فجأة، والتفت نحوها ليرسل في عينيها نظرة هائمة عميقة أخذ معها نفسًا عميقًا،قبل ان يسترسل: -لحد ما شوفتك، من اول مرة حسيت إن فيكِ حاجة مختلفة. ضيق عينيه قليلاً وهو يتعمق بخاصتيها، وكأنه يسترجع تلك اللحظات الأولى، ثم قال بنبرة هادئة حملت صدقًا عميقًا: -يمكن عجبني فيكِ تمردك، لان كل البنات اللي كانوا في محيطي، كانوا بيحاولوا يظهروا لي رقتهم وشياكتهم ومدى تحضرهم. وتأمل ملامحها بإعجاب هائل،وهو يقول بقوة أذابت ما تبقى من حصونها : -لكن انتِ كنتي عاملة زي القطة الشرسة اللي بتخربش، ومكدبش عليكِ، خربشتك دي هي اللي عجبتني،وقدرت تحرك فيا مشاعر،مكنتش أعرف بوجودها من الأساس. صمت لثوانٍ، ثم لمعت عيناه بذكرى محببة فابتسم بشدة: -لحد النهاردة مش قادر انسى شكلك وانتِ واقفة زي الشبر ونص وبتقولي لي بتحدي، احنا مظاهرتنا سلمية، ومش هنروح غير لما نوصل صوتنا. انفجرت ضاحكة حين تذكرت ذلك الموقف، ثم تطلعت إليه بنظرة حانية ممتزحةٍ بالفضول وسألته: -انت عاوز تقولي انك حبتني من اول يوم شوفتني فيه؟! رفع حاجبه بكبرياء وجاذبية طاغية ميزت شخصيته، وأجاب بنبرة ثقيلة متزنة: -مش حب بالمعنى الحرفي. ثم تدارك الأمر معبرًا عن عمق أثرها: -بس زي ما قولت لك، قدرتي تحركي حاجة جوايا، ودي عمرها ما حصلت، علشان كده كنتي مميزة بالنسبة لي. داعبتها رغبة الأنثى في الدلال واستكشاف مكانتها بقلبه، فسألته بغنج رقيق: -طب والوقت؟ كانت عيناه في تلك اللحظة تأسران القلوب بجاذبيتهما، ركز بصره في عمق عينيها ليعلن استسلامه قائلاً: -انضميت لقايمة الرجالة اللي كنت بحتقرهم زمان. ابتسمت بنصرٍ رقيق، وتملكها شعورًا بالفخر والتميز، فتابع هو بصدقٍ دافئ: -بقيتي أخر حد بفكر فيه قبل ما اغمض عيني وانام، وأول طيف بيخطر على بالي بمجرد ما بفتح عيني، وكأن يومي مبقاش بيبدأ ولا بينتهي غير بيكِ. تنهد بعمق، وخرج صوته ساحرًا يقطر غرامًا خالصًا: -ملكتيني يا بسمة، بقيتي بتجري في دمي. ثم رفع رأسه بكبرياء ليمتزج غروره بعشقه مستطردًا: -هشام موافي اللي مفيش ست في الدنيا كلها قدرت عليه،جيتي أنتِ وبكل بساطة، حطمتي كبريائه وخليتي قلبه يركع لعشقك. وبدون سابق إنذار، تلاشت قواها وانساقت وراء سحر كلماته، خاضعة تمامًا لسلطان الهوى،نطقت بكلمات فاضت بشغفٍ جارف: -أنا بحبك اوي يا هشام. اتسعت عيناه هيامًا، وباتت نظراته تلتهم تفاصيل وجهها وهو يهمس بذوبان: -وانا بعشق كل ما فيكِ، يا قلب وروح، وحياة هشام. _______♕_______ في منزل الفقيد،السيد كمال،كانت رغدة تجلس بصحبة والدتها التي انتقلت للعيش معها لتؤنس وحدتها بعد رحيل زوجها. ما زالت رغدة تتشح بالسواد، متمسكة بحزنها الدفين على زوجها وحبيب عمرها،قطع هذا السكون دخول وائل عائدًا من جامعته، تقدم نحوها بخطى حانية، وطبع قبلة دافئة على رأسها وهو يسألها برقة: -عاملة ايه يا ماما؟ التفتت إليه بملامح مطفأة، وخرج صوتها واهنًا يحمل يأسًا وخنوعًا وكأنه فارق الحياة منذ زمن، لتجيب: -الحمدلله يا وائل. تدخلت الجدة وهي تقول بحنو تجلى بنظراتها: -ادخل يا حبيبي غير هدومك على ما اغرف لك الغدا. بعد فترة وجيزة، فرغ وائل من تناول طعامه وانتقل للجلوس معهما في بهو المنزل ليرتشفوا الشاي معًا، صوب نظراته نحو والدته، فاعتصر قلبه حزنًا وألمًا على حالها، فقد أصبحت شاحبة تمامًا، وتلاشت النضرة من وجهها وكأنها زهدت الدنيا وما فيها بعد رحيل والده. أراد أن ينتشل سكونها ويغرس في قلبها بعض الفرح ، فقال بنبرة حاول جعلها مبتهجة،رغم حزنه الشديد على فراق غاليه: -عندي ليكم خبر حلو أوي يا ماما. رفعت عينيها المجهدتين إليه، وسألته بذات الانطفاء والهدوء: -خير يا وائل؟ تحدث بصوت جاهد كثيرًا ليخرج منه بعض الحماس والتشجيع: -الكلية عندنا هتطلعنا تدريبات في شركات بترول علشان تأهلنا للشغل على ارض الواقع. ثم تابع برضا وقناعة بدت على ملامحه: -الحمد لله اسمي جه في شركة امريكية مرتباتها كويسة جداً، تدريبي هيكون في بريمة في البحر الأحمر، وان شاء الله هسافر بعد عشر أيام، وهقعد اسبوع هناك. التمعت عينا الجدة وحركت جسدها بحماس وهي تسأله: -ودي هيعينوك فيها بعد ما تتخرج يا وائل؟! أوضح لها بحرفية وهدوء متبسمًا: -كل شركة هتعين العدد اللي محتاجاه من المهندسين اللي هيتدربوا يا تيتة، على حسب الشخص وكفائته. وتابع مترجيًا: -دعواتك ليا يا تيتة. رفعت كفيها داعية: -ربنا يجعلك مكان معاهم ويرزقك من حيث لا تحتسب يا ابني، وتكون عوض لامك عن المرحوم. التقطت رغدة نفسًا عميقًا خرج محملاً بالآهات، ونظرت لذلك القطعة من روحها قائلة بامتنان صامت: -ربنا يحفظك و يكتب لك الخير منين ما تروح يا حبيبي. ابتسم لها بحنو، ثم دنا منها وقبل رأسها مجددًا، مطلقًا تنهيدة ألم صامتة، فحتى هذه اللحظة، لم يتمكن هو ولا والدته من تخطي فاجعة وفاة كمال، وظلت روحه الغائبة، الحاضر الأكبر في تفاصيل حياتهما. ______♕______ انقضت تلك الليلة الساحرة التي طالما حلمت بها، حفل خطوبتها الرائع الذي أبدع رشيد في تنظيم تفاصيله على متن يخت نيلي فاخر، حيث امتزج صخب الموسيقى بضحكات العروسين اللذين بدا وكأنهما ملكا الكون في تلك الليلة. وبعد يومين، كانت بسمة تقبع في غرفتها، متظاهرة بالانغماس بين سطور كتبها الجامعية، لكن عقلها وقلبها كانا يحلقان في فضاء آخر تمامًا، استسلمت لأصابعها وهي تدير دبلتها الذهبية حول بنصرها بنعومة دافئة، وارتسمت على ثغرها ابتسامة غارقة في العشق وهي تستحضر ملامح هشام العاشقة والواثقة في آنٍ واحد وهو يُلبسها إياها. أسبلت جفنيها بهيام وس/كينة، لكن س/كينتها نُحرت بعنف إثر اندفاع باب الغرفة الذي انفتح على مصراعيه دون استئذان. فتحت عينيها بذعر، لتجد يمنى تقتحم خلوتها ببرود، وتسير بخطى واثقة لتلقي بجسدها فوق الفراش، رامقة إياها بنظرة فضولية وهي تسألها: -قافلة على نفسك وبتعملي ايه؟ طردت بسمة زفرة حانقة من جوفها، وأشارت بكفها نحو الأوراق المبعثرة أمامها مجيبة باقتضاب: -بذاكر يا يمنى. ثم تابعت بملامح حادة ونبرة لم تخلُ من التقريع: -ومية مرة قولت لك لما تيجي تدخلي عليا تبقى تخبطي، ده بعد اذنك يعني. لم يحرك هذا الحديث اللائم في يمنى ساكنًا، بل رمقتها بنظرة مستخفة، ولوت شفاهها قائلة باستهانة: -هو انا داخلة على راجل علشان استأذن؟ اما انتِ غريبة اوي ! استفز هذا المنطق العقيم كبرياء بسمة، فهتفت مدافعة عن حرمة غرفتها باعتراض صلب: -هو انا علشان مش راجل تبقى اوضتي مستباحة؟ افرضي اني كنت بغير هدومي وانت فتحتي، وبالصدفة بابا ولا رشيد او كريم كانوا معديين؟! أدركت يمنى أن التمادي في الجدال سيفسد غايتها، فزفرت بملل وقررت التنازل ظاهريًا لإجبارها على الصمت، فقالت بتهكم: -خلاص يا بسمة، مش هدخل اوضتك تاني غير اما اخبط، مبسوطة كده؟! التقطت بسمة أنفاسها ببطء تحاول ترميم روعها وتهدئة أعصابها الثائرة، لتباغتها يمنى بسؤال مبطن بالفضول: -أخبارك ايه مع هشام؟ تحفظت بسمة في إجابتها، وردت بكلمة واحدة مقتضبة لتغلق الباب أمام تطفلها: -الحمدلله. استهجنت هذا البرود في التعبير، وعقدت ذراعيها قائلة بنبرة تحريضية: -بصراحة يا بسمة انا مش عاجبني حالك مع هشام. حدجتها بنظرة مشدوهة، فاسترسلت يمنى ببث سمومها وضخ أفكارها الخبيثة في عقل الفتاة: -خطيبك راجل مبسوط ومعاه فلوس، المفروض تطلبي منه يجيب لك هدايا ويعمل لك مرتب شهري محترم. اتسعت حدقتا بسمة بذهول صاعق، واجتاحتها موجة من الغثيان من هذا الابتذال، وقالت بنبرة مستنكرة تفيض بالاشمئزاز: -نعم؟! انتِ عوزاني ارخص نفسي واروح اطلب من هشام فلوس؟! رفعت رأسها بزهو غريب، وراحت تعقب بكلمات لا تمت للحياء بصلة: -وايه يعني، ده خطيبك ولازم يشيل مسؤليتك من الوقت، ده لمصلحتك يا عبيطة. وراحت تضغط بكلماتها: - اسمعي الكلام، علشان بعد الجواز يبقى متعود وايده فرطة معاكِ. شعرت بالأسف على تفكير زوجة أخيها المنحط، حركت رأسها برفض قاطع، رفضٍ تمليه عليها أصالتها وعزة نفسها التي تترفع بها عن كل مادة، ثم قالت بكبرياء: -انا الحمدلله، لا بابا ولا رشيد مخليني محتاجة حاجة، وحتى لو محتاجة، كرامتي وعزة نفسي اكبر بكتير من أي اعتبارات تانية. لوت يمنى فمها بضيق ممتزج بالسخرية من هذه المبادئ التي تصفها بالساذجة، وتابعت بث سمومها: -وحد قال انك محتاجة؟ ياستي خدي منه الفلوس وحوشيها تنفعك بعدين. شعرت بأن الهواء في الغرفة بات ملوثًا بكلمات يمنى الفاسدة، فلم تعد تحتمل سماع هذا الهراء، وقررت إنهاء المقابلة بذكاء وتهذيب صارم: -معلش يا يمنى، انا عاوزة اذاكر علشان عندي محاضرة مهمة بكرة ومحتاجة اجهز لها. نهضت من فوق الفراش بملامح تعبر عن امتعاضها من صد بسمة المستمر لها، لكنها تصنعت الود قائلة وهي تتحرك نحو الباب: -حاضر يا حبيبتي، تحبي اعملك كباية شاي؟ أجابتها بنبرة حاسمة خالية من أي دفء لتسرع رحيلها: -متشكرة، ماما عملت لي كباية من شوية. وما إن خرجت تلك الغريبة الاطوار وأغلقت الباب وراءها، حتى أطلقت بسمة زفرة حارة طويلة، ملقية بظهرها على مقعدها، وهي تلعن في سرها ذلك اليوم الذي وافقت فيه والدتها على إقحام هذه الشخصية السامة وسط عائلتهم، لتعكر صفو ونقاء حياتهم. ______♕______ مضت الأيام سريعًا، وصل وائل إلى أرض البحر الأحمر ، ومن هناك استقل مروحية تابعة للشركة برفقة أربعة من زملائه المتفوقين. وفي تدبير عجيب صاغته الأقدار، كان موقع تدريبهم هو ذات البريمة البحرية التي يعمل بها رشيد عبدالرحمن، فسبحان من يدبر الأقدار، ويجمع بين أرواحًا لم تكن تدري بوجود بعضها من الأساس،ليخلق بينها في لحظةٍ واحدة رابطاً وثيقاً لا تمحوه الأيام. وقف مدير البريمة يعرف الجميع ببعضهم البعض، وفي تلك اللحظة التفت رشيد نحو الشباب، فارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة مرحبة وهو يقول: -يا محاسن الصدف، تعرفوا انكم من نفس جامعتي، جامعة القاهرة. بادله أحد الطلاب الابتسامة ذاتها وعقب بامتنان: -ده من حسن حظنا يا باشمهندس. فيما أشار طالب آخر يدعى حسين نحو رشيد، متحدثًا بنبرة حماسية: -على فكرة يا باشمهندس، انا فاكرك، انت كنت رئيس اتحاد الطلبة، صح كده؟! انفرجت أسارير رشيد فخرًا بذاكرة الشاب وأجابه: -صح كدا. بدأ التدريب، وانخرط الشباب في المهام الموكلة إليهم بنشاط ملحوظ حتى أزفت ساعة الغداء، ولأن رشيد شعر برباط وثيق يجمعه بهؤلاء الفتية لكونهم امتدادًا لجامعته، فقد أحاطهم برعاية بالغة. داخل كافتيريا الموقع، اجتمع رشيد بصحبة الشباب على نفس الطاولة، هبطت أطباق الطعام، وشرع الجميع في تناول غدائهم وسط أجواء ملأها الشباب بالدعابة والمزاح، فتعالت ضحكاتهم صاخبة في المكان، باستثناء وائل، إذ كان يجلس منطفئ الملامح، عابس الوجه، شاردًا في عالمه الخاص. استفز هذا الوجوم المبالغ فيه رشيد، فشعر بالغيظ وضيق الصدر من هذا النفور، وسأله بنبرة تهكمية مستنكرة: -مالك يا حبيبي، من وقت ما جيت وانت مكشر ولابس لنا الوش الخشب، خير ان شاء الله؟! رمقه وائل بنظرة دهشة مصدومة من قسوة الأسلوب، فسارع حسين إلى تدارك الموقف واضعًا كفه على كتف صديقه وقال مدافعًا بلين: -وائل حد ودود جداً يا باشمهندس، هو بس الفترة دي بيمر بأزمة نفسية. تنحنح حسين بريبة، واستطرد بصوت خفيض محملاً بالشجن: -وائل بباه اتوفي قريب بأزمة قلبية. وقع الكلمات على رشيد كان كالصاعقة، فانزعج بشدة، وتبدلت ملامحه لتبدو عليه علامات الندم الشديد والحزن من نفسه على تسرعه، نظر إلى وائل بنبرة تقطر حزنًا صادقًا وتأثرًا شديدًا اعتذر به صوتُه: -البقاء لله يا باشمهندس، وآسف على طريقتي. هز وائل رأسه متفهمًا الموقف وأجابه بنبرة وقورة: -ولا يهمك يا باشمهندس. وعلى إثر ذلك، تقدم بقية الحضور لتقديم العزاء لوائل، محيطين إياه بهالة من التعاطف والمواساة. ومع حلول الليل وسكون الحركة، انصرف الجميع إلى غرفهم طلبًا للراحة،كان يشعر بتأنيب الضمير على طريقته الحادة مع الشاب، لم يهدأ باله حتى توجه صوب غرفة وائل، وطرق الباب ثم دلف للداخل سائلاً باهتمام: -عامل ايه يا باشمهندس؟ شكره وائل بحفاوة، وأشار له مرحبًا بالجلوس، أخرج رشيد علبة سجائره، وممد يده بها متسائلاً: -سيجارة؟ أجابه بهدوء ونبرة مهذبة: -متشكر، انا مبدخنش. تنهد رشيد بعمق وعقب وهو يعيد العلبة إلى جيبه بعدما سحب منها واحدة: -ربنا يديم عليك فضله، ويبعد لعنتها عنك. رد عليه بوجه بشوش: -متشكر، وربنا يتوب عليك منها. تمتم رشيد بامتنان: -امين. أشعل سيجارته، وارتشف منها نفسًا عميقًا ثم نفث دخانها في الهواء، وتطلع إلى الشاب سائلاً بفضول: -عندك اخوات يا وائل؟ أجابه بنبرة تخفي وراءها حملاً ثقيلاً: -لا، أنا وحيد امي و ابويا الله يرحمه. خرجت تنهيدة رشيد محملة بالترحم والدعاء: -الله يرحمه، وربنا يبارك لك في مامتك، خلي بالك منها. أومأ وائل بعزم وثبات معلقًا: -اكيد، دي جوة عنيا، مبقاش ليها غيري بعد وفاة بابا. شعر برغبة صادقة في انتشال هذا الشاب من عثرته ومساندته، فربت على كتفه بقوة ودعم قائلاً: -انا حابة اساعدك يا وائل، هديك رقم تليفوني وخلينا على تواصل، وبعد ما تتخرح، هتوسط لك عند مدير الشركة، هو بيعزني، وان شاءلله لو اتوسطت لك مش هيكسفني. انفرجت أسارير وائل واختفت كل ملامح العبوس، لترتسم على وجهه علامات الحماس واللهفة العارمة وهو يسأله بعدم تصديق: -بجد، انت ممكن فعلاً تتوسط لي؟ ابتسم لرد فعله المبهج، وطمأنه قائلاً: -ان شاءالله محلولة، بس بشرط. ضيق وائل عينيه بترقب وقلق،فقد توقع طلبه للمال مقابل الوظيفة، فنطق متسائلاً بحذر: -شرط ايه؟ أجابه رشيد بهدوءٍ وس/كينة ظهرت بعينيه: -تخلي الحاجة ام وائل تدعي لي. تبددت مخاوف وائل تمامًا، واجتاحته موجة عارمة من الفرح والامتنان، فأردف مسرعًا بوعود صادقة: -ده انا هخليها تدعي لك مع كل ركعة ان شاء الله. ابتسم بهدوء، وأخرج بطاقة شخصية من جيبه وناوله إياه قائلاً: -ده كارتي وفيه رقم تليفوني، سيفه عندك وابقى رنلي علشان أسيف رقمك انا كمان. ثم نهض مستعدًا للمغادرة واستطرد: -تصبح على خير. استدار وتحرك بخطوات واثقة نحو الباب ليستوقفه صوت وائل الذي نهض خلفه ورمقه بنظرات تفيض بعبارات الشكر والثناء الجارف،وهو يقول: -باشمهندس رشيد. التفت إليه رشيد، فتابع وائل بامتنان: -متشكر. ابتسم له وهز رأسه بإيماءة ودودة أظهرت أصالة معدنه ،ثم خرج وأغلق الباب وراءه بلطف. تأمّل وائل البطاقة بين يديه، ثم رفع ناظريه نحو السماء حامداً الله ومستبشراً بفضله، فقد علم أن الله قد ساقه إلى هذا المكان النائي، لينتشله من عتمة ظروفه، ويفتح له باب رزقٍ جديداً،سيكون بلا شك نقطة تحول كبرى تدفعه بقوة نحو الأمام. انتهى الفصل #لَوْلاَ_الغَرَامُ_روز_أمين