الفصل التاسع والعشرين لولا الغرام روز امين
-على فكرة يا باشمهندس، انا فاكرك، انت كنت رئيس اتحاد الطلبة، صح كده؟!
انفرجت أسارير رشيد فخرًا بذاكرة الشاب وأجابه:
-صح كدا.
بدأ التدريب، وانخرط الشباب في المهام الموكلة إليهم بنشاط ملحوظ حتى أزفت ساعة الغداء، ولأن رشيد شعر برباط وثيق يجمعه بهؤلاء الفتية لكونهم امتدادًا لجامعته، فقد أحاطهم برعاية بالغة.
داخل كافتيريا الموقع، اجتمع رشيد بصحبة الشباب على نفس الطاولة، هبطت أطباق الطعام، وشرع الجميع في تناول غدائهم وسط أجواء ملأها الشباب بالدعابة والمزاح، فتعالت ضحكاتهم صاخبة في المكان، باستثناء وائل، إذ كان يجلس منطفئ الملامح، عابس الوجه، شاردًا في عالمه الخاص.
استفز هذا الوجوم المبالغ فيه رشيد، فشعر بالغيظ وضيق الصدر من هذا النفور، وسأله بنبرة تهكمية مستنكرة:
-مالك يا حبيبي، من وقت ما جيت وانت مكشر ولابس لنا الوش الخشب، خير ان شاء الله؟!
رمقه وائل بنظرة دهشة مصدومة من قسوة الأسلوب، فسارع حسين إلى تدارك الموقف واضعًا كفه على كتف صديقه وقال مدافعًا بلين:
-وائل حد ودود جداً يا باشمهندس، هو بس الفترة دي بيمر بأزمة نفسية.
تنحنح حسين بريبة، واستطرد بصوت خفيض محملاً بالشجن:
-وائل بباه اتوفي قريب بأزمة قلبية.
وقع الكلمات على رشيد كان كالصاعقة، فانزعج بشدة، وتبدلت ملامحه لتبدو عليه علامات الندم الشديد والحزن من نفسه على تسرعه، نظر إلى وائل بنبرة تقطر حزنًا صادقًا وتأثرًا شديدًا اعتذر به صوتُه:
-البقاء لله يا باشمهندس، وآسف على طريقتي.
هز وائل رأسه متفهمًا الموقف وأجابه بنبرة وقورة:
-ولا يهمك يا باشمهندس.
وعلى إثر ذلك، تقدم بقية الحضور لتقديم العزاء لوائل، محيطين إياه بهالة من التعاطف والمواساة.
ومع حلول الليل وسكون الحركة، انصرف الجميع إلى غرفهم طلبًا للراحة،كان يشعر بتأنيب الضمير على طريقته الحادة مع الشاب، لم يهدأ باله حتى توجه صوب غرفة وائل، وطرق الباب ثم دلف للداخل سائلاً باهتمام:
-عامل ايه يا باشمهندس؟
شكره وائل بحفاوة، وأشار له مرحبًا بالجلوس، أخرج رشيد علبة سجائره، وممد يده بها متسائلاً:
-سيجارة؟
أجابه بهدوء ونبرة مهذبة:
-متشكر، انا مبدخنش.
تنهد رشيد بعمق وعقب وهو يعيد العلبة إلى جيبه بعدما سحب منها واحدة: