الجزء الأول من الفصل الخامس من لولا الغرام بقلمي روز أمين
-قهوة حضرتك إيه يا أبيه.
رد وكأنه جهازٌ آليٌ مبرمج،خاليًا من المشاعر الإنسانية:
-سادة يا منى
إلتفتت إلى تلك الجالسة بعجرفة وسألتها:
-تشربي إيه يا إلهام؟
-ميرسي يا حبيبتي، ولا أي حاجة.
لم تكرر عليها السؤال، وانسحبت لتتوارى داخل المطبخ لتُعِد قهوة شقيقها بروحٍ تحترق ودموعٍ تأبى السقوط إمتثالاً لكرامتها.
___________
بعد مضي قرابة ساعة
كان يجلس في ردهة الاستقبال صغيرة المساحة برفقة زوجته وطفليه الصغيرين ووالدته، استقبلتهم “رغدة”بحفاوة بالغة، قبل أن تستأذن وتتسلل إلى الداخل لتوقظ زوجها الغارق في نومه ليستقبل ضيوفه.
راحت تطالع أثاث المنزل المتواضع بنظرات يشوبها الإشمئزاز، شعرت السيدة” وفاء” بدمائها تغلي في عروقها، واجتاحتها رغبة عارمة في النهوض وتوبيخ هذه المرأة الوقحة،وتلقينها درساً قاسيًا في الأدب والذوق، وصد إهانتها الصامتة لابنتيها.
كادت أن توبخها بسيلٍ من الكلمات اللاذعة،وقبل أن تنطلق من بين شفتيها،ألقت نظرة خاطفة صوب أحفادها الصغار الذين يجلسون بابتساماتٍ وهم يتطلعون عليها بوجوهٍ كالملائكة، رأت بأم عينيها فرحتهم العارمة بلقائها، وعلمت أن أي مشاحنة الآن ستفسد نقاء قلوبهم، وربما تحرمها من رؤيتهم مجدداً.
فكظمت غيظها الشديد، وابتلعت غصتها بمرارة.
ضغطت على كفيها بقوة وتنفست الصعداء متمالكة أعصابها بصعوبةٍ بالغة،وقد فضلت الصمت واحتواء الموقف، مضحية بكبريائها في سبيل تلك الإبتسامات الصغيرة التي لا ذنب لها في حقارة والدتهم.
نظر “بهاء” إلى ساعة يده، وتمتم باستياءٍ أفصحت عنه عيناه:
-ما تندهي على رغدة يا ماما، كل ده بتصحي جوزها، إحنا كده هنتأخر
هتفت بحنقٍ:
-هتتأخر على إيه؟!، وبعدين هي أختك لسه كملت خمس دقايق
أجابها بمنتهى البرود:
-حتى الخمس دقايق دول يا ماما،معنديش رفاهية إني أضيعهم،ده غير إن الأولاد عندهم مدارس بكرة ولازم يناموا بدري.
استغلت “إلهام”حالة الضيق التي وصل إليها، لتنطق بكلماتٍ لائمةٍ تعاتبه:
-ما هو ده اللي أنا قلتهولك وأنا بطلب منك تخليهم مع الناني يا “بهاء”، بس انتَ اللي صممت تجيبهم معانا
-إهدي يا حبيبتي وخليكِ محضر خير…قالتها”وفاء” بسخرية، ثم تابعت حديثها اللائم لنجلها:
-وانتَ يا حبيبي اصبر، الدنيا ما طارتش، جوز أختك تعبان والعلاج بيخليه مدروخ وطول اليوم نايم،على ما يصحى ويغير هدومه هيطلع على طول.