الجزء الأول من الفصل الخامس من لولا الغرام بقلمي روز أمين
أراد أن يخفف من وطأةِ ما تشعرُ به من آلامٍ ومخاوفَ من الزمان، فاحتضن كفها ليقول بكلماتٍ تقطرُ وداً وليناً:
-وانا روحت فين بس يا فيفي، هو انتِ فاكرة إني هقدر أسيبك واعيش بعيد عنك؟!
بأعين يملأها العتب تمتمت:
-ما هو كمان كان بيقول زيك كده.
ابتلعت غصتها وهرعت نحو المطبخ، لتتركه وحيداً مع حيرته، وقسوة ما يمر به من شتاتٍ ومشاعر متضاربة،بات قلبه ممزقاً بين وجع تلك الغالية، وبين لوعة شقيقه التائه.
________
أنهى صادق مكالمته والتفت، ليرى زوجته تجلس مع طفليهما على تلك الأريكة المريحة، كانت تطوي الملابس المغسولة بعناية وتساعدها صغيرتهما، بينما يلهو الصغير بإحدى ألعابه، اتخذ مقعده في الجهة المقابلة، ونظر إليها قائلًا:
-أنا رايح بكرة البلد.
قص عليها ما حدث تحت تأثر “منى”البالغ،ثم نظر إلى الصغيرة وهو يقول:
-جهزي نفسك يا دليلة هتيجي معايا بكرة، علشان تراضي عمتك.
التمعت عينا الفتاة بوميض السعادة، ورفرف قلبها وهي تقول بصوتٍ يتدفق منه الحماس:
-حاضر يا بابا.
بينما خرج صوت “منى”مرتبكًا بعض الشيء:
-بس بكره مش هينفع خالص يا صادق، أخويا “بهاء” كلمني وقال إنه جاي يزورنا بكره الساعة تمانية بعد المغرب، هو وأولاده ومراته،وكمان ماما جاية.
وتابعت بلطفٍ ولين:
-خليها بعد بكره أرجوك.
تغيرت ملامح “صادق” بغتةً، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة سبقت كلماته الغير محسوبة:
-بهاء؟! هو لسه فاكر إن ليه أخت رجعت من السفر بعد سنتين غربة؟!.
سقطت كلماته المتهكمة كصفعةٍ باردة على قلبها، فأنزلت عينيها أرضًا وقد كسا الحزن محياها، رفعت الفتاة عينيها البريئتين لتتنقل بنظراتها بين والديها، شاعرةً بالتوتر المفاجئ الذي أصاب كلاهما، هنا، أدرك سريعًا حجم الألم الذي تسبب به لرفيقة دربه، التي لا ذنب لها في جحود شقيقها الوحيد.
وقفت تجمع الملابس التي طوتها وتحركت للأعلى في خطواتٍ ثقيلة، شيع صعودها على الدرج بنظراتٍ يقطر من داخلها الندم.
تنهد بثقلْ وانسحب ليلحق بها للطابق العلوي، وما إن دلف إلى الغرفة، حتى رآها تقف عند النافذة المطلة على الحديقة، تنظر إلى السماء بعيونٍ تترقرق فيها العبرات.
جاورها الوقوف وبدون سابق إنذار جذبها برفقٍ ليسكنها أحضانه، لف ذراعه حولها ثم مال يُقبل مقدمة رأسها وهو يقول معتذرًا: