في كنف الشيخ الجزء الأول
وفي وسط محاولاتها للاستكشاف، اطمن قلبها جداً لما لقت ابنها “ياسين” صاحب الأربع سنين مبسوط وفرحان للغاية. ياسين كان بيلعب بحرية وانطلاق بره الخيمة مع الجدة ومع أطفال الديرة، يجري في الصحراء ويلعب مع الجمال والخيل بعفوية وطاقة طفل في سنه، وكأنه ينتمي للمكان ده من زمان.
بدأت تجمع تفاصيل الصورة من كلام الحريم حواليها بحسن نية. سمعت اسم “الشيخ” بيتكرر باحترام رهيب وتقدير في كلام كل اللي في الديرة، إنه الراجل اللي بيمسك زمام الأمور بيد من حديد وحامي القبيلة. وعرفت منهم إن لجوزها الراحل نصيب كبير وأملاك وأراضي و ميراث وسطهم، وإن الشيخ هو اللي متولي إدارة أملاك القبيلة كلها.
كلمة الميراث أدت لها أمل وتفاؤل كبير؛ حسّت إن الدنيا بتفرج، وإن وجود الميراث ده هو الحل السحري اللي هيمحي ديون جوزها في القاهرة ويخليها تقدر ترجع تبدأ حياة جديدة ومستقلة مع ابنها. كانت متوقعة إن الأمور بسيطة، وأنهم ناس شهمة أنقذوها ومستنيين يسلّموها حقها وترجع لبيتها بكل أدب احترام.
عشان كده، لما دخلت خيمة “الشيخ” الكبيرة، دخلت بابتسامة هادية وبطريقة راقية بحسن نية، من غير أي هـ,ـجوم أو سوء ظن. كان قاعد قدامها: رجل بشماغ وعقال أسود، وعينين حادتين كالصقر، بيملك هيبة ثقيلة تفرض نفسها على المكان.
. أنا بصراحة مش عارفة أشكرك إزاي إنت ورجالتك على اللي عملتوه معايا ومع ياسين .. لولا وصولكم في القاهرة وقت هجوم الديانيين كان زماننا جرالنا حاجة .. أنا ممنونة ليكم جداً. بص لها ببرود وثبات، وهز رأسه خفيف من غير ما تتغير ملامحه الحادة.
أكملت كلامها ببساطة وعفوية وهي فاكرة إن الموضوع منتهي: — أنا عرفت إن جوزي الله يرحمه كان ليه ميراث وأملاك هنا وسطكم. أنا طمعانة في كرمك إنك تجهز لي نصيبه ده والمستحقات، عشان أقدر أرجع القاهرة أسد الديون اللي علينا وأبدأ حياة جديدة مع ابني . .
أنا مستعجلة عشان ألحق أرجع بيتي وأظبط أموري و شغلي من تاني. هنا، اتغيرت عينيه، ونزل البرود القاتل على وجهه. فضل متبت بعينيه عليها، وبعدين قال بصوت خشن ونبرة حاسمة وقاطعة: — العفو يا بنت الناس.. الواجب وسويناه مع حرمة ابن عمنا و وِلده.
لكن حكي الميراث والخروج من هالديرة ده أنسيه .. مال ابن عمي وأراضيه ما تطلع بره ديارنا، فلوس القبيلة تضل فيها ، ومستحيل نسمح تروح لناس غريبة عنينا .. بيتك هِنا مفتوح، وأكلك وشربك إنتِ والوِلد على حسابنا، لكن ميراث برا الديرة ما فيه، وخروج من هالديرة ما فيه.