الفصل الثاني والعشرين لولا الغرام بقلمي روز أمين

 

كان يمتلك مظهرًا طاغيًا من الهيبة والوسامة، طويل القامة، بجسد رياضي متناسق كأنه نُحت بعناية، وملامح وجه حادة، جذابة، وصارمة تشي بجدية لا تعرف المزاح.

 

تحرك بخطوات ثابتة وواثقة نحو البوابة المغلقة التي كان الطلاب يتجمهرون خلف قضبانها الحديدية، وأصوات هتافاتهم لفلسطين تصم الآذان.

 

وقف”هشام” يتابع هذا الهيجان الثوري بنظرات غامضة، باردة، لا يمكن تفسيرها من خلف نظارته الشمسية السوداء.

 

كانت المظاهرة في غاية التنظيم والترتيب، ففي الصفوف الأولى وقف القائد الشاب محمولاً على أكتاف زملائه ليقود الهتاف، ويحيط به أصدقاؤه من الشباب والفتيات كدرع بشري.

 

من بينهم كانت “بسمة”، التي لفت شال فلسطين الشهير حول كتفيها بنخوة، ورفعت لافتة بيضاء كُتب عليها بخط عريض: “عاشت فلسطين حرة مستقلة”.

 

وسط هذا الوهج الحماسي، رفع الرائد هشام يده ببرود قاتل، وقال بصوت جهوري هادئ لكنه يحمل نبرة الآمر:

 

-بطل يا ابني أنت وهو اللي بتعملوه ده خلونا نعرف نسمع بعض.

 

خمدت الأصوات تدريجيًا وساد الصمت، ليوجه إليهم هشام سؤاله بنبرة متهكمة:

 

-ممكن أعرف آخرت الهبل اللي أنتوا عاملينه ده، وايه الغرض منه؟

 

رد القائد الشاب من فوق الأكتاف بقوة وثبات:

 

-طلبتنا بسيطة وواضحة يا فندم، عاوزين نخرج ونكمل مسيرتنا.

 

سأله هشام بهدوء وثقة حذرة:

 

-أنت بقى الزعيم اللي مجمع العيال دي معاك؟

 

لم تتحمل بسمة الكلمة، فاندفع صوتها حادًا وقويًا يخرق الصمت:

 

-إحنا مش عيال حضرتك، إحنا شباب وطلبة محترمين.

 

التفتت عينا هشام نحوها، ونقل نظراته الغامضة إلى ملامحها الثائرة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، مجردة من أي مشاعر، وقال:

 

-ماشي يا ست المحترمة.

 

ثم أشار بيده نحو الساحة قائلاً بلهجة حازمة لا تقبل النقاش:

 

-ارجعوا لورا شوية وارموا اللافتات دي من أديكم، واقفوا طابور علشان نخرجكم من هنا، وكل واحد هيخرج يتفضل على بيته حالاً، وإلا..

 

وقبل أن يكمل وعيده، قاطعته بسمة بإصرار عنيد تلمع به عيناها:

 

-إحنا مش هنخرج من هنا غير على ميدان التحرير، حضرتك إحنا عاملين مظاهرة سلمية.

 

بأصابع واثقة وحركة تنضح بالجاذبية والهيبة، خلع هشام نظارته الشمسية السوداء، لتظهر عيناه الحادتان الفاحصتان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *