الفصل الثاني والعشرين لولا الغرام بقلمي روز أمين

 

تبادلا كلمات الوداع قبل أن ينتهي الاتصال، ليغرق أشرف في ترقب طويل وعزلة موحشة،بات أسيرًا لانتظارٍ مرير، ليس له فيه زادٌ سوى الأمل في أن يفي خاله بوعده.

 

________♕________

 

زحفت الأيام التالية ببطء شديد، حاملة معها أثقل أنواع الحروب، حرب الأعصاب والضغط الصامت من الجميع،فقد أصبحت سماعة الهاتف كعضو إضافي نبت في جسد دليلة، وسيلة تعذيب لا تهدأ تلاحقها بها عائلتها في كل ساعة.

 

كانت المكالمات تتناوب عليها بلا رحمة، فتارة تنفث “رقية” عتابها في أذنها، وتارة تمطرها “عايدة” بالنصائح ، بينما كانت “أماني” تحاصرها بعبارات باردة تطالبها فيها بـ “التفكير العميق” وتغليب العقل.

 

وحتى الجدة “وفاء”، التي كانت تظنها الملاذ الآمن، انضمت إلى جبهة الحصار، ألقت بثقل سنوات خبرتها وطالبتها بفرصة لأشرف، مرددة بنبرة لا تقبل الجدال أنه “فرصة هائلة لا يجوز تفويتها”

 

عند نهاية كل ليلة، كانت تدير ظهرها للعالم، وتدس وجهها في وسادتها لتجهش ببكاء مرير، مستسلمة لدموع الألم التي باتت طقسها اليومي قبل النوم.

 

كانت تشعر بنفاذ الأكسجين من حولها، كأنها تقف في مركز دائرة، تحيط بها أبواق عائلية مفتوحة على آخرها، تطلق أصواتًا حادة تطن في رأسها بلا انقطاع.

 

اجتاحتها رغبة عارمة في أن ترفع صوتها وتصرخ بملء حنجرتها، أن تضرب بيديها على هذا الجدار الخانق وتهتف في وجوههم، بأن يكفوا وليصمتوا

 

لكن الكلمة كانت تموت في حلقها قبل أن تولد، فحياؤها الفطري، وتربيتها السليمة التي نشأت داخلها، كانت دائمًا أقوى من رغبتها في التمرد.

 

كانت الأغلال غير المرئية تمنعها من الصراخ، لتظل محبوسة في صمتها، تدفع ثمن رغبة الآخرين في صياغة مستقبلها.

 

_______♕________

 

استيقظت “بسمة” من نومها بنشاط، دلفت إلى الحمام، توضأت ثم دلفت إلى غرفتها لتؤدي ركعتي الضحى بسكينة وهدوء، انتقت ملابسها بعناية وارتدتها، وقبل أن تغادر، اتجهت صوب المطبخ بحلته الجديدة، حيث كانت والدتها تقف أمام الموقد الحديث، ككل أجهزة المنزل بعدما جددت كل شيء بمال “الجمعية”، كانت غارقة في إعداد طعام الغداء وسط تصاعد الأبخرة وروائح الطهي الذكية.

 

تسللت من خلفها بخفة، وضمتها بحنان ، ثم طبعت قبلة رقيقة على وجنتها وهتفت بمرح:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *