حق منسي مايا خالد
بعد معركة قانونية صامتة، رفضت فيها أمينة كل مسومات البقاء، وانتهت بإسقاط العقد تمامًا ووقوع الطلاق الرسمي، لم تلتفت خلفها قط.
لم تقبل أن تظل في دار الهواري كزوجة سابقة، ولم تقبل أن تأخذ شيئًا من ميراث الأرض الذي حاولوا فرضه عليها كتعويض. أرادت أن تخرج من تلك البلدة كما دخلتها لأول مرة: بشنطة صغيرة، ورأس مرفوع، وكرامتها التي لا تقدر بثمن.
يوم مغادرتها، كانت الشمس تميل للغروب. وقفت عند بوابة الدار الكبيرة، تنظر للمرة الأخيرة إلى أشجار النخيل والبيوت العالية.
كان عاصم واقفًا على عتبة المكتب بعيدًا، يتابع خطواتها بثباته المعتاد، عيناه تحملان نظرة أخيرة لا تفسير لها؛ نظرة رجل خسر كل شيء لأنه أدرك متأخرًا أن بعض الأرواح لا تملكها الأوراق ولا تروّضها الهيبة. لم ينطق بحرف، ولم يحاول استيقافها، لأنه أدرك أن أطهر ما في هذه النهاية هو أن يتركها ترحل كما تشاء.
استقلت أمينة السيارة متجهة إلى محطة القطار.
طوال الطريق، كانت عيناها معلقتين بصفحات الشارع الصعيدي وهي تتبدل تدريجيًا لتفسح المجال لطريق الهوا، وريحة البحر التي بدأت تقترب مع كل كيلومتر تقطعه شمالًا نحو إسكندرية.
حين فتحت باب شقتها القديمة، هبت عليها رائحة المكان المألوفة؛ رائحة الذكريات، وريح البحر، وصوت الميناء البعيد.
جلست على نفس الكرسي بجانب الطاولة، وأخرجت من حقيبتها رسالة أبيها الأخيرة، وفتحتها لتقرأها للمرة الأخيرة بدموع تلمع في عينيهـا:
«الأمانة يا أمينة هي حقك في الاختيار.. ما تخليش خوفك من الوحدة يخليكي تقبلي حياة مش عايزاها، ولا تخليكي تتنازلي عن نفسك.»
أغلقت الرسالة، ووضعت جوارها مفتاح الصندوق القديم.
رفعت رأسها وأخذت نفسًا عميقًا، ملأ صدرها برائحة الحرية والملوحة.
رجعت إلى إسكندرية.. وحيدة.
لا زوج يقرر عنها، ولا عائلة تفرض عليها قدرًا، ولا دار تحبس إرادتها خلف جدران الصعيد.
لكنها للمرة الأولى في حياتها.. لم تكن ضعيفة، ولم تكن تائهة. كانت امرأة أخذت ميراث أبيها الحقيقي: حريتها، وسلامها، وقدرتها الكاملة على كتابة صفحة حياتها الجديدة بيدها وحدها.لم تكن العودة إلى شقة إسكندرية كأي عودة سابقة.
حين فتحت أمينة الباب بيد مرتعشة وأغلقت خلفها العالم الخارجي، ضربتها موجة من الصمت الثقيل. الشقة كانت كما تركبتها يوم سفرها المفاجئ؛ هدوم أبيها متعلقة في الدولاب، حذاؤه القديم بجوار الباب، ورائحة العود والخشب القديم الذي اعتاد أن يتعطر به لا تزال عالقة في أركان الصالة.
وقفت في منتصف الغرفة، وشنطتها الصغيرة على الأرض. لأول مرة تدرك معنى الكلمة بكل قسوتها: يتم.
لم تعد هناك خطوات تأتي من البلكونة، ولا صوت قلمه وهو يقلب أوراق حسابه القديمة، ولا نداء دافئ يطمئن قلبها كلما عاتبتها الدنيا. جلست أمينة على أريكة الصالة، وضمت ركبيها إلى صدرها، وانفجرت في بكاء طويل ومرير؛ بكاء الحزن على فراق الأب، وبكاء التعب من معركة الصعيد وقسوة المفاجآت التي تكالبت عليها في أيام معدودة.
مرت الأيام الأولى بطيئة كالقرون.
كانت الصباحات تبدأ برائحة الفنجان الواحد بدل الاثنين، وبصمت نافذة المطبخ التي تطل على الشارع الحيوي المزدحم بالبشر. كانت جارتها العجوز “أم حسن” تطرق الباب كل يوم، تطمئن عليها بطبق طهي دافئ، وتنظف معها ما تيسر، لكن أمينة كانت تتعمد أن تشغل نفسها بكل دقيقة كي لا تدع للحزن فرصة لدهس ما تبقى من روحها.
في الليلة الخامسة، وبعد أن هدأت عاصفة البكاء واستقرت أنفاسها، قررت أمينة أن تبدأ.
فتحت دفتر ملاحظات أبيها القديم، وجلست على مكتبه الصغير. تذكرت كل وصاياه، وتذكرت تلك الكلمات التي كتبت بماء الذهب في رسالته الأخيرة: «ما تخليش خوفك من الوحدة يخليكي تقبلي حياة مش عاي عايزاها».
أدركت حينها أن اليتم ليس فقط فقدان الأب، بل هو الاختبار الحقيقي لقدرتها على مواجهة الحياة دونه.
فتحت حاسوبها القديم، وبدأت تتواصل مع بعض دور النشر المحلية ومعارفها القدامى في مجال التصميم والكتابة المصغرة التي كانت تعشقها قبل أن تجرفها رياح الصعيد. كانت تريد عملاً، وهدفاً، وراتباً خاصاً بها يعينها على العيش بكرامة تامة، دون أن تحتاج لمنة من أحد أو يبتلعها شبح الوحدة.
وفي المساء، فتحت نافذة الصالة الكبيرة على مصراعيها.
هبّ نسيم البحر الرطب والبارد، فداعب خصلات شعرها وواجه وجهها الشاحب. أغمضت عينيها وأخذت شهيقًا عميقًا تملأ به صدرها، وابتسمت وسط دموعها بانتصار خفي.
كانت الشقة هادئة، وكانت إسكندرية بليلها وشتائها تنتظرها من جديد.. ولكن هذه المرة، لم تعد تلك البنت الخائفة التي لا تملك من أمرها شيئاً؛ بل أصبحت امرأة عرفت طعم العاصفة، وخرجت منها بقلب من حديد، وإرادة لا تكسرها ريح.
تمت حكايات مايا خالد حصري