حق منسي مايا خالد

لم تكن أمينة تهدد حين قالت إنها ستلجأ للقانون؛ فبمجرد أن استقرت في إسكندرية، توجهت فورًا إلى أحد أشهر المحامين، وأطلعتْه على عقد الزواج القديم الموثق. لم تستغرق الإجراءات وقتًا طويلًا حتى انطلق الإنذار القانوني الرسمي نحو دار الهواري في الصعيد، يطالب بإثبات بطلان أو إلغاء العقد، ووقوع الطلاق الرسمي بحكم عدم الرضا وغياب الإرادة الكاملة وقت توثيقه وهي قاصرة.
وصل الإطار الرسمي إلى دار الهواري كالصاعقة.
كان الحاج جابر جالسًا في مكتبه حين تسلم الورقة، وتنهد بحزن عميق، بينما كان عاصم واقفًا أمم النافذة، يتابع حبات المسبحة تتحرك ببطء شديد، وفكه العريض مشدود لدرجة تجلت معها أوردة رقبته.
لم ينطق عاصم بكلمة واحدة لعدة دقائق، لكن هيبته الطاغية وكبرياءه الصعيدي رفضا تمامًا أن يُظهرا أي انكسار أو محاولة لتوسل رجوعها. بالنسبة له، راجل في مكانته وقوته لا يمكن أن يترجى امرأة أن تبقى في ذمته غصبًا عنها.

بعد أيام قليلة، عادت أمينة إلى دار الهواري بنفسها. لم تعد تلك الفتاة المكسورة التي دخلت الدار يوم وفاة أبيها؛ بل دخلت بخطوات ثابتة، رأس مرفوع، وعينين لا تعرفان الخوف.
التقت بعاصم وجدها في المجلس الواسع.
وقف عاصم مكانه، فارع الطول، بملامحه الحادة وصلابته المعتادة، ونظر إليها بنظرة مليئة بالندية والتحدي الخشن:
— خطوتك الجريئة دي وراها محامي وورق يا أمينة.. مفكرة الموضوع بالسهولة دي تنزلي إسكندرية وتلبعي بكرامة دار الهواري؟
ردت عليه أمينة بحدة مساوية، دون أن ترمش لها عيـن:
— كرامة دار الهواري مش ببساطة إنكم تملكوا بنت وتبيعوا وتستردوا حياتها في ورق مقفول! أنا مش لعبة في دفاتركم يا عاصم، والعقد ده اتلغى قانوني، وجايّة أنهي كل حاجة رسمي قدام جدي.
تقدم عاصم خطوة واحدة نحوها، حتى كادت أنفاسهما تتقاطع، وبنبرة خفيضة، ثقيلة، وتقطر ندّ بند:
— القانون لكي وجهة نظر.. لكن عادات الدار دي مش بتتهد بكلمتين محامي. لو عايزة طلاقك، مفيش راجل في عيلتنا هيترجاكي تبقي.. بس تذكري إنك اخترتي طريقك للآخر.
رمقته أمينة بنظرة جريئة:
— وطريقي أنا همسحه بنفسي من غير مَنّْة من حد!
الفصل السادس: الثمن الحقيقي واختيار الحرية
ساد صمت مرعب في المجلس. تدخل الحاج جابر بصوت مكسور، وقال بلهجة هادئة:
— يا بنتي.. إنتِ فاهمة إيه اللي بتعمليه؟ إنتِ كده بتتخلي عن كل حق لكي في الدار، وعن نصيب أبوكي من الأرض والميراث اللي ورثه عن أجداده! الناس في البلد مش هترحمك، وهتقولي إنك جيتي تطلبي الفلوس وطمعانة في الحلال.
التفتت أمينة إلى جدها، وابتسمت ابتسامة هادئة وخالية من أي طمع، ثم فتحت حقيبتها وأخرجت ورقة أخرى رسمية كانت قد أعدتها مسبقًا، ووضعتهما أمامهم على الطاولة.
— عشان يطمن بالك يا جدو.. وعشان أي حد في البلد دي يفتح بقه بكلمة طمع، أنا جبت معايا تنازل رسمي وموثق عن كل شبر أرض، وكل قرش ميراث يخص أبويا محمود الله يرحمه!
تسمر عاصم في مكانه. اتسعت حدقتا عيناه بذهول صاعق لم يستطع إخفاءه خلف قناع الهيبة والصلابة.
— بتقولي إيه؟! تتنازلي عن نصيبك في الأرض؟!
ردت أمينة بصوت قوي يملأه الشموخ:
— أيوة! أنا مش عايزة فلوسكم، ولا أرضكم، ولا حتى حمايتكم اللي مفروضة عليّا. أنا جيت أخد حاجة واحدة بس.. كرامتي، واسمي، وحريتي اللي ملكش إنت ولا غيرك حق تقرروا فيها. تنازلي عن الأرض هو الثمن اللي بدفعه عشان أثبت للجميع إن أمينة ما باعتش نفسها، ولا قبلت بيك عشان طمع، وإن قراراها طالع من إرادتها وحدها!
نظر عاصم إلى الورقة الملقاة أمام عينه، ثم رفع عينيه ليواجه نظراتها النارية. لأول مرة، سقطت جدران الكبرياء والصمت المهيب من على وجهه؛ أدرك بعمق كم هي عظيمة تلك المرأة التي تقف أمامه، وكم هو فاحش خطؤه حين ظن أن الورق والمال يملكان استعباد روحها.
تناول عاصم ورقة التنازل ببطء، مزقها نصفين، ثم رماها على الأرض دون أن ينطق بحرف واحد!
صعقت أمينة وقالت بغضب:
— إنت بتعمل إيه؟! أنا أخدت قراري!
رد عاصم بصوت خشن، مليء برجفة خفية لا يلاحظها إلا من يعرفه جيدًا، وبنبرة حاسمة تقطع الشك باليقين:
— دار الهواري ما تاخدش حاجة مش حقها، ولا عاصم الهواري يقبل يشتري حرية بنت عمة بورقة تتنازل بيها عن حقها. أرض أبوكي محفوظة، واسمك هتاخديه.. والطلاق اللي طلبتيه هيتم اليوم، وبإيدي أنا، مش بحكم محامي!
أخذت أمينة أنفاسها بصعوبة، وشعرت أن قلبها يخفق بقوة. نظرت إليه، ورأت في عينيه لأول مرة استسلامًا من نوع خاص.. استسلام الكبرياء أمام امرأة صبورة شجاعة.
في تلك الليلة، وهي جالسة في غرفتها، فتحت الصندوق الصغير وأخرجت رسالة أبيها الأخيرة، وقرأتها بتمعن للمرة الألف:
> «الأمانة هي حقك في الاختيار.. ما تخليش خوفك من الوحدة يخليكي تقبلي حياة مش عايزاها، ولا تخليكي تتنازلي عن نفسك.»
>
أغلقت الرسالة، وابتسمت ودموع النصر تلمع في عينيها.
لقد اختارت.
اختارت حريتها، وكسرت قيود الماضي، وخرجت من دار الهواري، ليس لأنها هربت.. بل لأنها كانت المرأة الوحيدة التي استطاعت أن تهز عرش عاصم الهواري وترحل وهي منتصرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *