حق منسي مايا خالد
مرّ بقية اليوم ثقيلاً كأن زوايا الدار الكبيرة تتنفس حزناً. غادر المعزون تدريجياً، وعاد الهدوء ليخيم على جدران دار الهواري العتيقة، بينما انسحبت أمينة إلى الغرفة التي خُصصت لها في الدور العلوي، تحاول أن تستوعب كيف باتت وحيدةً فجأة، بلا أب ولا بيت يأويها سوى هذه الجدران الغريبة.
قبل حلول المساء، وفيما كانت ينبعث من الفناء السفلي صوت خرير الماء ورائحة الطعام المُعد، نزلت أمينة السلم ببطء لتبحث عن جدها؛ كان ينبض في عقلها سؤال واحد لا يتوقف: ما هي الأمانة التي ظل أبوها يلهث بها في أنفاسه الأخيرة؟
وهي تقترب من الممر المؤدي إلى مكتب الحاج جابر، لاحظت أن الباب الخشبي الثقيل لم يكن مغلقاً بالكامل، وانبعث منه ضوء أصفر خافت مصحوباً بنبرات حادة.
توقفت قدمها تلقائياً قبل أن تخطو العتبة.
كان صوت عاصم ينفذ من الفتحة الضيقة، خشناً، قاطعاً، وممتلئاً بغضب مكتوم:
— البنت لازم تعرف الحقيقة يا جدي.. أنا مش هفضل أدفع تمن جوازة ما كنتش عايزها، ولا هفضل عايش في كذبة اتكتبت على ورق من سنين!
صمتت اللحظات، ثم جاء صوت الحاج جابر، ضعيفاً بفعل السن لكنه حاسم لا يقبل النقاش:
— وطي صوتك يا عاصم! البت لسه دفنة أبوها الصبح، مش وقت حكاياتك ولا غضبك.. محمود الله يرحمه ساب الأمانة عندي، والورق مش هيطلع ولا هيتقال كلمة إلا لما أطمن إن حقوقها محفوظة. العقد ده اتكتب لحمايتها، ومش هسمحلك تهد اللي بنيناه في لحظة طيش.
ارتجفت أمينة في مكانها. تراجعت خطوة إلى الخلف، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة.
جوازة؟ عقد؟ عن أي عقد يتحدثون؟ ومَن تلك التي تزوجها عاصم دون أن يرغب بها؟
وقبل أن تتمكن من استجماع أفكارها، تحركت المقابض على الباب الخشبي فجأة، وفُتح الباب ليتسع الممر على قامة عاصم المهيبة.
تجمدت أمينة في موضعها.
خرج عاصم وهو يشد شاله على كتفه، لتلتقي عيناه الحادتان بعينيها الشاحبتين مباشرة. توقف خطوتين أمامها، وضيق عينيه بنظرة صارمة تخترق الثبات الزائف الذي تحاول التظاهر به.
ساد الصمت الممر لحظات طالت كأنها دهر، ثم قال بنبرة خفيضة ثقيلة تحبس الأنفاس:
— كنتِ بتتسمعي؟
لم ينطق لسان أمينة بكلمة. كانت حدقة عينيها متسعة، وعقلها يدور حول الكلمات التي التقطتها أذنها للتو.
لم ينتظر عاصم إجابتها؛ مر من جانبها بوقاره الصارم وهيبته الثقيلة، ودون أن يلتفت قال بصوت قاطع وهو يبتعد:
— العشا جاهز.. جدي مستنيكي على السفرة.
في صالة الطعام الواسعة، كانت المائدة الممتدة تضم ما لذ وطاب من أطعمة الصعيد، لكن أمينة لم تشعر بأي رغبة في الأكل.
قعد عاصم في صدر المائدة بمهابته المعتادة، وعلى جانبيه قعدت زوجاته الثلاث. كانت نظراتهن نحو أمينة مزيجاً من الفضول والتحفظ البارد؛ بنت المدينة التي هبطت عليهن فجأة بعد وفاة أبيها.
أشارت أم ياسين، إحدى الزوجات، بنظرة فاحصة نحو أمينة ثم قالت بصوت هادئ:
— منورة الدار يا أمينة.. ناية تقعدي معانا قد إيه إن شاء الله؟ إسكندرية أكيد وحشاكي.
رفعت أمينة عينين ثابتتين، ورغم الغصة التي في حلقها، التقت نظرتها بنظرة عاصم الجالس قبالتها مباشرة، وقالت بنبرة واضحة:
— مكملة هنا لحد ما أسترد الأمانة اللي بابا وصاني أخدها من جدي قبل ما يموت.
سكت الجميع فجأة حول المائدة. رفعت إحدى الزوجات عينيها بدهشة، وتوقفت أيدي الجميع عن الطعام.
أما عاصم، فقد وضع ملعقته ببطء شديد على جانب الطبق. لم يتكلم، ولم يرفع صوته، لكنه ثبت عينيه النافذتين في عيني أمينة، ونزل صمت ثقيل على القاعة يجعل الهواء صعب التنفس.
كانت نظراته محملة بكرامة هادئة وغموض مخيف، كأنه يخبر بصلابته الصامتة أن الأيام القادمة لن تكون سهلة على الإطلاق.
في صبيحة اليوم التالي، كان غبار الحزن لا يزال معلقاً في هواء الدار العتيقة، لكن الصبر في قلب أمينة كان قد نفد تماماً. لم تعد تطبق شفتيها على حيرتها؛ اتجهت بخطوات حاسمة نحو مكتب الحاج جابر، ودخلت دون أن تنتظر إذنًا.
كان الجد يرتكن على كرسيه الخشبي الضخم، وعيناه تغوصان في صفحات مصحف عتيق. رفعت أمينة رأسها وقالت بصوت ناصع كالسيف:
— يا جدو.. أنا مش هتحرك من الدار دي ولا هسكت قبل ما أفهم. إيه هي الأمانة اللي بابا قطع أنفاسه وهو بيوصيني أجي أخدها منك؟ إيه اللي مستنيني هنا؟
توقف الحاج جابر عن القراءة. أغلق المصحف ببطء شديد، وانبعث من صدره تنهدٌ ثقيل يختزل سنوات من الكتمان. نظر إليها بعينين غائرتين يملؤهما الأسى والعطف:
— أقعدي يا بنت محمود.. أبوكي الله يرحمه كان عارف إن السكوت مش هيعيش أكتر من كده، وكان عارف إن الوقت جه عشان تحطي إيدك على الأمانة اللي سابهالك عندي هنا.
— أنا مش هقعد! مسافة الطريق كلها وبابا في بالي، قولي كلام أفهمه! إيه هي الأمانة؟
بطءٌ مهيب رافق حركة الجد وهو يمد يده إلى جيب جلبابه الداخلي، مخرجاً ظرفاً بنياً متآكل الأطراف، مغلقاً بالشمع الأحمر. وضعه على حافة المكتب وقال بصوت خافت ومجهد:
— الظرف ده.. هو الأمانة اللي أبوكي أئتمنيها عندي، وقالي ما أسلمهوش ليكي غير بيدي، أول ما رجلك توطوط أرض الدار وتطلبيها.
سحبت أمينة الظرف بقلب يخفق كالطبول، ونظرت للجد بنظرة متشككة مليئة بالأسئلة، ثم استدارت وخرجت تركض خطى القلق.
وفي الممر العريض الموصل للسلالم، اعترض طريقها عاصم.
كان واقفاً كالسد المنيع، يرتدي جلبابه الغامق وشاله العريض، وفي يده المسبحة السوداء التي تتحرك حباتها ببطء شديد يثير الرهبة.
كان فارق السن بينهما حاسماً وطاغياً في المشهد؛ عاصم راجل في أواخر الثلاثينيات، هيئته وقورة، ملامحه حادة نُحتت من صخر الجبل، وله حضورٌ يفرض الصمت على المكان بأكمله. بينما أمينة بنت في بداية العشرينيات، غريضة العود، تنضح ملامحها ببراءة المدينة وعنفوان حزنها. فارق الثلاثة عشر عاماً لم يكن مجرد أرقام، بل كان فجوة بين راجل يزن الكلمة ويحكم الدار، وبين بنت تبحث عن ملجأ في عالم انفرط عقده فجأة.
وقفت أمينة أمامه رغماً عنها، ورفعت عينيها لتواجه نظراته الصارمة، وقالت بنبرة مشدودة تخفي ارتجاف صوتها:
— إنت عارف الظرف ده فيه إيه يا عاصم؟ عارف بابا بعتني أسترد إيه؟
ظل عاصم صامتاً للحظات. لم يتحرك منه رمش، بل اكتفى بنظرة نافذة، حادة ومحملة بوقار مهيب، جعل الهواء في الممر ثقيلاً وصعب التنفس. ثم قال بصوته الخشن، الرخيم، والأجش الذي يقطع أي شك:
— افتحيه يا أمينة.. افتحيه وهتفهمي إن اللي فاكراه أمانة، أكبر بكتير من خيالك.
تجاوزها بخطوات ثقيلة ورزينة، مكملاً طريقه دون أن يلتفت خلفه، تاركاً هيبة صمته تتردد في الممر.
في غرفتها، أغلقت أمينة الباب، وتراجعت بظهرها حتى ارتطمت بالسرير.
كانت أنفاسها متسارعة. بأصابع مرتعشة، شقت الشمع الأحمر، وأخرجت من الظرف البني ورقة رسمية سميكة، اصفرّت أطرافها بفعل الزمن.
فتحتها، فسطعت الحروف أمام عينيها كشرار النار:
«عقد زواج شرعي»
اتجمدت الدماء في عروقها. سقطت النظرة الأولى على الخانات الرئيسية، فقرت بخط رقاعي عريض:
اسم الزوجة: أمينة محمود الهواري
اسم الزوج: عاصم جابر الهواري
تسمرت أمينة في مكانها. تراجعت حدقتا عينيها بذهول مطبق، وعقلها يصرخ بجمود:
جواز؟! عقد زواج شرعي؟! إزاي؟!
قرأت التاريخ.. كان تاريخاً قديماً جداً، كُتب يوم كان والدها في زيارته الأولى للصعيد بعد سنوات الجفاء! كانت هي وقتها طفلة لا تفقه من الدنيا شيئاً!
إزاي أبقى متجوزة عاصم وأنا معرفش؟! إزاي أكون مراته بعقد شرعي وموثق، ومن سنين طويلة، وهو ما فكرش يلمسني ولا يسأل عني ولا يفتكر إن ليه ست في إسكندرية؟!
وفي لحظة خاطفة، مرت قدام عينيها صور زوجاته الثلاث اللاتي يشاركنه الدار!
انقضت الصدمة على رأسها كالمطرقة:
أنا زوجته؟! أنا زوجته الأولى على الورق؟! ومع ذلك سابني وكبرت بعيد، وراح اتجوز واحدة وتانية وتالتة؟! إزاي أكون أمانة أبويا، والجوازة دي هي الأمانة؟! أعمل إيه بورقة زي دي مع راجل بيني وبينه سنين ضوئية، عايش مع تلات ستات، وشايفني مجرد بضاعة أو تكليف قديم من جدو وبابا؟! إيه المغزى؟! إيه القيمة من عقد بيسلبني حياتي وإرادتي من غير ما أعرف؟!
انفجرت الدموع من عينيها كالسيل، دموع قهر وغضب وزلزال هز أركان أنثويتها وكرامتها. ضغطت على الورقة في يدها حتى كادت أصابعها تتكسر، وقامت من مكانها وهي تخطو نحو الباب بوجع وصدمة تفوق الاحتمال، متوعدة ألا تترك هذا اللغز يدهس حياتها دون أن تدمر هذا الصمت!