حق منسي مايا خالد

​لم تعد أمينة ترى حولها سوى سواد الغضب والدوار الذي يلف عقلها. كانت قدمها تضرب أرض الدار الخشبية بقوة وثبات جريء، وقبضتها معصورة على الورقة الصفراء حتى تكتلت بين أصابعها كجمرة نار.
​اندفعت نحو مكتب الحاج جابر، وفتحت الباب بضربة واحدة حادة دوّى صداها في الممر.
​كان عاصم يقف هناك، مسنداً ظهره إلى نافذة المكتب العريضة، وشاله الغامق ملفوف بحزم على كتفيه، بينما كان الحاج جابر يجلس خلف مكتبه، وعيناه مجهدتان كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنين.
​رفعت أمينة يدها المرتعشة، ورمت الورقة بقوة فوق المكتب الخشبي لتستقر بينهما:
— إيه ده؟! إنتوا كاتبين اسمي على عقد جواز ليه؟! بأي حق وبأي شريعة أبقى متجوزة عاصم وأنا معرفش؟! إزاي أكون ورقة في صفقة بيع وشراء بينكم من غير ما أسمع ولا أختار؟!
​وقف الحاج جابر بصعوبة، متكئاً على عصاه، وقال بصوت مكسور يملؤه الحزن:
— اهدي يا بنتي واسمعيني.. الورقة دي ما كانتش صفقة، دي كانت لحمايتك.
​— حمايتي؟! حمايتي من مين؟! من الدنيا ولا من عيلتي اللي سلبتني إرادتي وحياتي وأنا عيلة صغَيّرة؟!
​ثم التفتت إلى عاصم. كان واقفاً كالعمود الرخامي، لم يتحرك قيد أنملة، وملامحه الحادة ثابته كالصخر، وفي عينيه ذلك الصمت المهيب الذي أثار جنونها.
​سارت نحوه بخطوات سريعة، وصدرها يعلو ويسبق أنفاسها المتهدجة، وقفت أمامه مباشرة وهي ترفع رأسها لتواجه طوله وفارق السن الشاسع بينهما، وصرخت في وجهه بدموع قهر:
— إنت كنت عارف؟! كنت عارف إن الكلمة دي مكتوبة باسمي واسمك، وجاي تتعامل معايا ببرود كأني بنت عمك الغريبة اللي جاية تشحت أمانة من دارك؟!
​رد عاصم بصوت خفيض، تقيل، ورخيم لم تتغير نبرته، بل حمل خشونة وقورة:
— أيوه.. كنت عارف.
​لم تستوعب أمينة ثباته، ولا بروده القاتل. رفعت يدها في لحظة غضب أعمى وقهراً هز أنثويتها، وضربته بقوة على وجهه!
​صفعة مدوية رنت في أرجاء المكتب الساكن!
​شهق الحاج جابر بصدمة، وتوقف الزمن في الغرفة.
​عاصم لم يتحرك. لم يمل رأسه، ولم يرفع يده ليمسح موضع الصفعة. فقط اشتد فكه، وعصبت أوردة رقبته القوية، واستقرت عينان حادتان كالصقر في عينيها. ساد صمتٌ مرعب، صمتٌ أثقل من الجبال، جعل أمينة تنكمش غريزياً خطوة إلى الخلف من هيبة رد فعله الصامت.
​قال الجد بصوت مهزوز يقطر أسى:
— بس يا أمينة.. افهمي يا بنتي قبل ما تحكمي. يوم ما أبوكي محمود رجع البلد من أسباب الخلافات القديمة، كان فيه نزاع كبير على ميراث العيلة والدار والأرض. أعمامك كانوا شايفين إن محمود لما عاش في إسكندرية وخلف بنت، حق العيلة هيطلع بره مع راجل غريب لما تكبري. أصرّيت أنا وأبوكي نكتب عقد جوازك على عاصم ابن عمك الكبير، عشان نضمن إن حدش يجرؤ يمس حقك ولا يطالب بنصيبك، والعقد يتشال أمانة عندي لحد ما تكبري.
​ضحكت أمينة ضحكة موجوعة، مكسورة، تختلط بالدموع:
— حقي؟! هو أنا كنت محتاجة راجل يتكتب اسمه عليا عشان حقي ما يضيعش؟! ومين قالكم إن حق الأرض والأملاك أهم من حقي في إني أختار بني آدم أعيش معاه بإرادتي؟!
​ثم وجهت نظرها المشتعلة إلى عاصم، وقالت بنبرة تقطر قسوة وذهولاً:
— وأستاذ عاصم الكبير.. الراجل اللي كلمته بتهز البلد، وافق يحميني بالعقد، وراح يتجوز عليا واحدة وتانية وتالتة؟! سابني كبرت في إسكندرية وهو عايش حياته في الدار مع تلات ستات، وجاي النهاردة يبصلي كأني حمل ثقيل ولا مجرد أمانة أبوه وجده دبسوه فيها؟!
​رفع عاصم عينيه إليها بثبات صلب، وقرب خطوة واحدة متمهلة، وجعل صوته خشناً وقاطعاً كالسيف:
— أنا وافقت على كلام جدي وأبوكي يومها عشان أحمي حق بنت عمي الصغيرة.. العقد كان ورقة مقفول عليها في صندوق، ما عاشتش معايا، ولا استغلّيتها، ولا فرضت عليكي كلمة ولا وجود. لما كبرتِ، اتجوزت وعشت حياتي لأنك ما كنتيش مراتي في الواقع، ولا أنا كنت زوج ليكي. العقد كان درع حماية، مش سجن!
​أمينة صرخت بدموعها:
— بس بالنسبة لي سجن! سجن للكرامة وسلب للإرادة! إنتوا استرخصتوني وجعلتوا حياتي لعبة في أيديكم!
​ثم مسحت دموعها بأطراف شالها، وسحبت الورقة من على المكتب بغضب عارم، وضمتها إلى صدرها وقالت بصوت جريح لكنه صلب:
— أنا مش ملك حد في الدار دي.. ولا هقبل أكون زوجة رابعة لراجل بيني وبينه سنين ضوئية، ولا أكون عقد اتكتب في غفلة مني! الأمانة دي هتدفعوا تمنها، وأنا اللي هقرر أعمل إيه في حياتي!
​استدارت وخرجت من المكتب بكرامة مجروحة وخطوات ثقيلة، بينما ظل عاصم واقفاً مكانه كالجبل، ينظر إلى أثرها في الممر بصمت رهيب، وعيناه تحملان لأول مرة ثقلاً لا يعرف أحد مداه.
​
❤❤❤❤

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *