الفصل 1 و 2 و 3 الفصل الأول مولد... الساعة العاشرة ليلًا. كانت الطبول تدق بعنف؛ "دوم... تك... دوم..." والبخور يملأ الأنوف برائحته الثقيلة، فيما التفّ الناس في دائرة واسعة، تتعالى منها الهتافات والصفير. في المنتصف كانت النار مشتعلة. وفوق النار... كانت تقفز. ريشة الحاوي. فتاة في الحادية والعشرين، ينسدل شعرها الأسود حتى آخر ظهرها، مشدودًا بحزام ذهبي يلمع مع كل حركة. ترتدي بدلة رقص حمراء تشتعل تحت ألسنة اللهب، والصاجات بين أصابعها تُصدر نغمًا كأنها تتحدث، أما الخلخال الملتف حول كاحلها فكان يحكي حكايات أخرى مع كل خطوة. كلما ارتفعت بجسدها فوق النار، شهق الناس. — "بنت الحاوي بتسحر!" — "دي مش رقاصة... دي عفريتة!" وخلف الدائرة، في بقعة مظلمة لا يصلها ضوء المشاعل، كان يقف هو. الرائد زين المنصوري. بزته العسكرية مشدودة فوق جسده الصلب، والكتافات تلمع تحت الضوء الخافت، أما عيناه السوداوان فكانتا ثابتتين لا ترمشان. همس العسكري الواقف بجواره: — "هي دي يا فندم... ريشة. بنت رزق الحاوي. أبوها مطلوب في تلات قضايا آثار." لم يرد زين. ظلّت عيناه معلقتين بخصرها المتمايل على نغمة الطبلة، كأنه يخطّ تعويذة لا تُقاوم. جزّ على أسنانه وقال ببرود: "كل الشمال متجمع في خصر واحد." ثم أشار إلى رجاله دون أن يحيد بنظره عنها. "على إشارتي... هنلم المولد ده كله." في تلك اللحظة كانت ريشة قد أمسكت بطوق من النار، تديره حول جسدها بخفة مخيفة. ألسنة اللهب كانت تضيء وجهها؛ وجه طفلة بريئة، لكن بعينين لامرأة رأت الجحيم يومًا وعادت منه وحدها. انتهت الرقصة، فألقت بالطوق بعيدًا، وتعالت الصيحات: — "كمان يا ريشة!" — "كمان يا تاج الحاوي!" ضحكت ريشة، ورفعت يدها التي تحمل الصاجات قائلة بصوت رخيم لعوب: — "بنات الحاوي ما بترقصش ببلاش يا خلق! اللي عايز العفريتة ترقص تاني... ينقّط!" فتساقطت النقود عليها كالمطر. وفي خضم الزحام... التقطت عيناها ذلك الرجل. واقفًا في مكانه. ثابتًا كتمثال حرب. لا يصفق، لا يبتسم، لا يلقي نقودًا. يحدّق فقط. ولم تكن تلك نظرة رجل يشاهد راقصة... بل نظرة صقر يحدق في فريسته قبل الانقضاض. ابتلعت ريقها. لقد عرفته فورًا. الرائد زين المنصوري. الرجل الذي ما دخل مولدًا إلا وخرج منه منتصرًا، ومعه نصف الموجودين مكبلين. لكنها لم تُظهر ارتباكها. غمزت له من بعيد، وصاحت بصوت أعلى: — "إيه ده يا خلق؟! عندنا صقور في المولد! شكلها جعانة... بس الريشة ما بتتاكلش يا حرام!" انفجر الناس بالضحك. إلا هو... لم يضحك. رفع يده فقط، وقال: "دلوقتي." وفورًا اندفع العساكر في كل اتجاه. — "ثابت! المولد يتفض حالًا!" تحولت الدائرة إلى فوضى؛ صراخ، هرولة، أطفال يبكون، ودخان البخور اختلط بتراب الأرض. ريشة جمعت ذيل بدلتها وهمّت بالفرار. لكنه كان أسرع. قبض على ذراعها. كانت كفّه خشنة ساخنة، قوية كأنها طوقت العالم كله حول معصمها. أدارها نحوه بعنف. فصار وجهها في مواجهة وجهه مباشرة. النَّفَس بالنَّفَس. رائحته خليط من الميري، وعطر رجولي غالٍ، وبارود. أما رائحتها فكانت بخورًا وعرقًا وخطيئة. قال بصوت منخفض لكنه نافذ: "الرقص ده بترخيص؟" رفعت حاجبها بتحدٍّ: — "والفرجة ببلاش يا باشا؟" اقترب أكثر، حتى اصطدم خلخالها ببيادته العسكرية. "تحريض على الفسق، وإزعاج سلطات، والتستر على مجرم هارب." ضحكت في وجهه ضحكة رنانة. — "فسق إيه بس أعوذ بالله يا باشا؟ دا مولد! أنا برقص وبس. الفسق ده في عين اللي بيتفرج عليّا بخياله... يعني ذنبي أنا؟" ثم وضعت الصاجات على صدره وطرقت بهما طرقعة واحدة. — "وبعدين مجرم هارب مين؟ تقصد أبويا؟ آه الله يرحمك يا حاج ويِبَشّبِش الطوبة اللي تحت راسك... دا ميت من زمان." اختفت الضحكة من عيني زين. انتزع الصاجات من يدها وألقاها أرضًا. "بتستعبطي؟ فاكراني واحد من اللي بيهبلوا عليكي؟" ثم دفعها حتى التصقت بعمود النور، وحاصرها بجسده العريض. "فين رزق الحاوي يا بت؟" قالت ببرود مستفز: — "في التربة يا باشا. أحلف لك بإيه عشان تصدق؟ مات من تلات سنين. تحب أوريك شهادة الوفاة؟" لم يصدقها. رفع يدًا قوية وأمسك بذقنها، يجبرها على رفع وجهها إليه. "الكذب على ظابط... تهمة لوحدها." ثم أخرج الكلبش. لمع الحديد تحت ضوء العمود. نظرت إليه ريشة... ثم رفعت عينيها إلى عينيه. ولأول مرة... لم تخف. اقتربت ببطء حتى أصبحت شفتاها قرب أذنه، وهمست: — "هتكلبش ريشة يا صقر؟ طب والريشة لو طارت... هتعرف تمسكها؟" كان نفسُها ساخنًا. وريحتها ضربت رأسه كالمسكر. تجمد زين لثانية. ثانية واحدة فقط. لكنها كانت كافية. رفعت ركبتها وضربته في ساقه بقوة، وانتزعت ذراعها من قبضته، ثم اندفعت تركض. — "اقبضوا عليها!" صرخ زين وهو يعرج خلفها. كانت تركض بين الخيام كأن الأرض تحفظ خطاها، والخلخال يفضحها برنينه. عند أول الحارة توقفت لحظة، واستدارت. نفخت له قبلة في الهواء، وصاحت ضاحكة: — "التهمة الجاية خلّيها عشق وهوس يا حضرة الظابط... عشان دي التهمة الوحيدة اللي ممكن أسلّم نفسي فيها! غير كده هوديك البحر وارجعك عطشان!" ثم اختفت في الظلام. ظل زين واقفًا، ممسكًا بالكلبش الفارغ، وساقه تؤلمه. اقترب العسكري مرتبكًا: — "هربت يا فندم... ملحقناهاش، مركبة صاروخ في رجليها بنت الـ..." لكن زين لم يجبه. كان لا يزال يشم رائحتها على كفه، ويسمع رنين الصاجات في أذنه. ثم قال بصوت خافت لم يسمعه سواه: "خليها تمشي... هجيبها تاني." الفصل الثاني كان الشارع نائمًا تمامًا، كأن الليل ابتلع كل الأصوات. لا نباح كلاب، لا همسات بشر، ولا نافذة مفتوحة. البيوت مغلقة بإحكام، والهواء البارد يمر بين الأزقة في صمت ثقيل. إلا بيتًا واحدًا. غرفة صغيرة فوق السطح، بابها الخشبي متهالك، وشباكها يئن كلما داعبته الريح. في الداخل، وعلى حصيرة قديمة، كانت نائمة هي. ريشة الحاوي. قميص نوم أحمر يلتف حول جسدها بخفة، يصل إلى منتصف فخذيها، وقد انزلقت إحدى حمالتيه عن كتفها. شعرها الأسود منثور فوق الوسادة كخيوط ليلٍ ساكن، وفي قدمها خلخال وحيد لم تنتبه لخلعه من شدة الإرهاق. كانت نائمة كالميتة من تعب المولد والهروب. وفجأة... بووووم! اهتزت الغرفة مع ركلة عنيفة حطمت الباب. تناثر الخشب، وارتفع التراب في الهواء. فزعت ريشة من نومها، شهقت، وجذبت القماش إلى صدرها بسرعة. فتحت عينيها... فوجدته واقفًا فوق رأسها. الرائد زين المنصوري. بزته العسكرية متجعدة من السهر، وعيناه محمرتان من قلة النوم، وكتافاته تلمع في ضوء الفجر المتسلل من خلفه. وفي يده... الكلبش. خلفه وقف عسكريان مذهولان، تتنقل أعينهما بينها وبين القميص الأحمر. زين بص للعساكر بصة واحدة. "بتتفرجوا ع أي يا حيوانات؟ بررررة." انطلقا إلى الخارج فورًا، وأغلقا الباب المكسور خلفهما قدر المستطاع. وبقي هو وهي. وحدهما. بلعت ريشة ريقها، لكن وقاحتها سبقت خوفها. رفعت حاجبها وقالت بصوتٍ ناعس: "إيه يا حضرة الظابط؟ هو العقل غايب ولا إيه؟ دي الساعة أربعة والناس بتصلي الفجر واللي منهم نايم، منورني ليه الساعة دي؟ ولامؤاخذة في دي الكلمة، ينفع تخش ع واحدة وتهجم عليها كدا؟ دي مش أخلاق صقور؟" تقدم زين خطوة، فاصطدمت بيادته بطرف الحصيرة. "أنا مش جاي أسبّلك يا بت، أنا جاي أفتش." ألقى الكلبش بجوارها، فصدر عن الحديد رنين بارد. "واللي هبدأ بيه... إنتِ. قومي، فِزّي." ضحكت ريشة ضحكة متكاسلة، ومدت ذراعيها تتمطى. ارتفع القماش قليلًا مع الحركة، وانسابت خصلات شعرها على كتفيها. "عايز تفتشني وأنا نايمة كده؟ طب استنى ألبس لك بدلة الرقص عشان التفتيش يبقى على أصوله، أصلي ريشة ما بتعرفش تشتغل غير بمزاج وكيف." جزّ زين على أسنانه. رائحة البخور لا تزال عالقة بالغرفة، لكن ثمة رائحة أخرى... دافئة، أنثوية، خارجة من نومها، كانت أشد إزعاجًا على أعصابه. مد يده وقبض على ذراعها بقوة، يجبرها على الوقوف. فوقفت حتى صار طولها عند صدره تقريبًا. "فين أبوكي يا ريشة؟" خرج نفسه ساخنًا قرب وجهها. رفعت عينيها إليه بثبات. "لا... دا الصنف عالي أوي." انزلقت عينا زين رغمًا عنه إلى عنقها، إلى الحمالة المنسدلة، إلى ارتجافة أنفاسها تحت القماش الخفيف، فاشتد وجهه أكثر. ثم صاح: "أبوكي هربان من السجن وإنتِ بتقولي ميت؟ عيّل أنا صح؟" تركها ودار في الأوضة بعصبية. فتح الدولاب المكسور، قلب المرتبة، بعثر ما على الرفوف. ثم اتجه إلى التسريحة، وفتح درجها بعنف. روج. كحل. ومقص صغير. رفع المقص بين أصابعه. "والمقص ده بتعملي بيه إيه؟" اقتربت منه ريشة ببطء، حتى لامس صدرها أزرار بدلته. مدت يدها وأخذت المقص منه ببرود. "المقص ده بقص بيه ضوافري يا باشا... وقص بيه لسان أي راجل يفكر يمد إيده على ريشة الحاوي أيًّا كان وضعه. ثم ماله المقص هو ممنوعات؟" أمسك زين يدها التي تحمل المقص وضغط عليها. "إديهولي يا ريشة قبل ما أعمل لك قضية إنك ماسكة سلاح أبيض." "سلاح أبيض يا لهوي! يا باشا المقص ده آخري أقص بيه قماش... إنما السلاح فدا—" وضعت يدها على خصرها، ولفت نصف لفة بطيئة، كأنها تستعرض تحديها. "وسطي ده هو اللي بيقتل... هو اللي بيخضع... هو اللي بينتقم ويقهر. أنا أقدر أذل رجالة بشنبات بالدوم والتك." اشتعل غضبه في لحظة. جذبها حتى ارتطم ظهرها بالحائط. برودة الحائط خلفها زادت سخونة أنفاسه أمامها. جسده حاصرها، وكتافاه حجبتا عنها الدنيا كلها. "بطلي لعب معايا يا بنت الحاوي. أنا مش واحد من الصيع اللي بيصفروا لك في المولد. انجزي أنا بكلمك ودي لحد دلوقت." رفعت ريشة رأسها ببطء، حتى أصبحت شفتاها على بعد أنفاس من ذقنه. "تعرف تقبض ع الفوضى يا باشا؟" خرج نَفَسها دافئًا، وضرب صدره مباشرة. هبطت عيناه إلى شفتيها لحظة؛ حمراوين، نصف مفتوحتين، وكأنهما تستدرجانه إلى معركة أخرى. تذكر جملتها في المولد: التهمة الجاية خليها عشق. فتراجع خطوة واحدة كمن لُسع. "شكلك يقرف... البسي لبس عدل وتعالي معايا." مالت رأسها، وتأملته من أعلى لأسفل. "وماله لبسي؟ دول عساكرك معرفوش ينزلوا عينهم من عليّا." استدارت أمامه ببطء، فاهتز القماش مع حركتها. "أنا قمر... وأفتن أي حد، حتى إنت." انفجر صوته. وشدها من شعرها قائلًا: "أنا هربيكي يا بنت الحاوي." لكنها قاطعته. ارتفعت على أطراف أصابعها، فصار وجهها في وجهه، وصدرها يلامس صدره لثوانٍ خاطفة. "وأنا مستعدة يا زين." تجمد. اسمُه من شفتيها، بلا رتبة ولا ألقاب، نزل عليه كشرارة. رائحة شعرها، سخونة قربها، وتلك الجرأة المستفزة... كلها صفعت ثباته. ارتفعت يده دون وعي، واستقرت على خصرها من فوق القماش. انغرست أصابعه في لين جسدها. "إنتِ... إنتِ بتلعبي بالنار يا ريشة." خرج صوته مبحوحًا. ضحكت قرب أذنه، وهمست: "أنا برقص عليها يا باشا." وكان على وشك أن يفقد آخر خيط من صبره... لولا أن دوى صوت العسكر من الخارج: "يا فندم! لقينا ورق في المخزن اللي تحت! ورق يخص قضية الآثار!" انكسر السحر. انتفض زين مبتعدًا عنها كأن شيئًا لسعه. ترك خصرها، واتجه بنظره نحو الباب، ثم عاد ينظر إليها. كانت واقفة أمامه، القميص متجعد، شعرها منكوش، وعلى شفتيها ابتسامة انتصار صغيرة. انتصار امرأة عرفت أنها زعزعت الصقر. انحنى زين، التقط الكلبش، ثم اقترب منها للمرة الأخيرة. مال على أذنها وقال: "المرة دي فلتي يا ريشة." ثم استدار وغادر. ظلّت هي مكانها لثوانٍ، وقلبها يضرب صدرها كطبول المولد. رفعت يدها ولمست خصرها في الموضع الذي استقرت عليه أصابعه. ثم ضحكت. ضحكة عالية، مجنونة، ملأت الغرفة الفارغة. ركضت إلى الشباك، وأطلت منه. رأته أسفل البيت يصرخ في العساكر، وعروق رقبته نافرة. فصاحت: "زين!" رفع رأسه. نفخت له قبلة في الهواء. "التفتيش الجاي خليه في المولد عندي!" ثم أغلقت الشباك... وتركت قلبه يشتعل وحده. الفصل الثالث كانت الأوضة ضيقة إلى حد الاختناق. رائحة العرق والتراب والسجائر القديمة متشبثة بالجدران، وشباك صغير بسلك مصدّي يسمح بخيط شاحب من نور الفجر. دكة خشب في المنتصف، ولمبة صفراء ترتجف كأنها على وشك الانطفاء. جلست عليها ريشة. تلفّ نفسها بعباية سوداء واسعة انتزعتها من بيتها قبل أن يهبطوا بها إلى القسم. شعرها مرفوع كيفما اتفق، كعقدة رخوة، ووجهها مغسول من الكحل والحمرة، لكن حتى في هذا الانطفاء القسري... كانت تحتفظ بذلك البريق المستفز. يداها ممدودتان أمامها. والكلبش الحديد يطوق معصميها. كلما حركته صدر عنه رنين بارد. وكانت تعرف رائحته. رائحة بارود... وصابون رجالي غالٍ. كلبشه هو. انفتح الباب الحديدي بحدة. ودخل الرائد زين المنصوري. خلع الجاكيت العسكري، واكتفى بالقميص، وأكمامه مشمرة حتى كوعيه. عروق ساعديه بارزة، وملامحه متيبسة من السهر والغيظ. في يده ملف، وفي جيبه مفتاح الكلبش. أغلق الباب خلفه. وبقيا وحدهما... مرة أخرى. رفعت ريشة وجهها إليه. لا دموع. لا رجفة. فقط ذلك التحدي العنيد الذي يخرج من عينيها كالسهم. "بردو عملت اللي في دماغك... وجيبتني هنا." ألقى زين الملف فوق المكتب الخشبي. "إنتِ هنا لهدف تخلصيه وتمشي." ثم اقترب حتى وقف أمامها مباشرة. "إيه أقوالك في الورق اللي لقيناه عندك؟ ورق تهريب آثار باسم رزق الحاوي." رفعت يديها المكلبشتين قليلًا أمام وجهه، فاهتز الحديد ورنّ. "ما تشيل الكلبش دا من إيدي بس الأول. جلدي احمرّ منه. مش هعرف أتكلم ولا آخد راحتي كدا." ثم مالت برأسها وأضافت بنفس نبرتها المستفزة: "الأصول بتقول لما يكون في ست بتطلب منك طلب تقول حاضر." جزّ زين على أسنانه. "الأصول مع اللي يحترم القانون، مش مع بنت الحاوي اللي لسانها متبري منها وعايز يتحرق ويتهد، سبحان اللي مصبرني عليكي." ساد الصمت لثانية. ثم التفتت ريشة ناحية الشباك. كان الضوء ينساب ببطء، معلنًا انسحاب الليل. همست: "الفجر مشي..." ثم نظرت إليه. "والشروق ع وشك." كانت عيناها صافية على غير عادتها، بلا لعب ولا سخرية. وقالت بهدوء أربكه: "عايزة أتوضى وأصلي يا زين." اسمُه مرة أخرى. مجردًا من الرتبة. فتجمد مكانه. "أصلي؟" قالها وكأنه لم يسمع جيدًا. هزّت يديها المكلبشتين. "أيوة، وفيها إيه؟ منا مسلمة. شايفني ملحدة يعني؟ أنا عارفة إن فيه ربنا فوق وبحبه ع فكرة وبصليله عادي... يلا فكني، ولا هتتحمل ذنبي قدام ربنا؟" رمقها زين بنظرة طويلة ثم قال ساخرًا: "يابت اطلعي من دول... الدمعة هتفر يا ست رابعة العدوية." ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة. ثم رفعت يديها نحوه: "فك يا صقر... ريشة لازم تتوضى." تنهد زين بحدة، وأخرج المفتاح الصغير من جيبه. انحنى وفك القيد. تحرر الحديد من معصميها، وظهرت تحتهما علامتان حمراوان واضحتان. تمتم بضيق: "يارب نخلص." فركت ريشة معصميها قليلًا، ثم قالت: "فين الحمام معلش؟" أشار إلى باب صغير في آخر الأوضة. "هناك... بس الباب ما بيتقفلش." مشت. وعندما مرت من جواره، لامست أطراف عباءتها بنطاله لمسة عابرة... لكنها كانت كفيلة بإرباك تركيزه. دخلت الحمام وتركت الباب مواربًا كما أخبرها. وانساب صوت الماء البارد. في الخارج، وقف زين مسندًا ظهره إلى الحائط، يشعل سيجارة دون أن يسحب منها نفسًا واحدًا. كان يسمع خرير الماء... ويتخيلها تغسل وجهها، ويديها، وتمسح على شعرها. ويتذكر ملمس معصمها في كفه منذ لحظات. ضاق صدره. ألقى السيجارة أرضًا وداسها. همس بين أسنانه: "الله يخربيتك يا ريشة." بعد دقائق، انفتح الباب. خرجت بهدوء. أخرجت سجادة صلاة صغيرة مطوية من فوق الرف، وفردتها على الأرض في اتجاه القبلة. ثم وقفت. وكبّرت. تسمر زين في مكانه. بنت الحاوي. الرقاصة. المتهمة. تقف الآن بين يدي الله. العباءة السوداء أخفت كل تفاصيلها، فلم يظهر منها إلا وجه هادئ وكفان مرفوعان بالدعاء. ركعت. سجدت. وانحنت جبهتها إلى الأرض في خشوع صادق. اختل شيء ما في داخله. كل الصور التي رسمها عنها منذ رآها فوق نار المولد بدأت تتشقق. لم يعد يفهمها. كيف لامرأة ترقص أمام الرجال أن تقف بهذه الطمأنينة أمام ربها؟ كيف يجتمع التمرد كله... مع هذا السكون؟ ظل يحدق فيها، كأنها لغز يتعمد تعذيبه. أنهت صلاتها. التفتت بوجهها يمينًا ويسارًا، ثم مررت كفيها على وجهها. وقالت بهدوء: "خلصت. الحمد لله." ثم رفعت عينيها إليه ومدت يديها. "يلا نكمل التحقيق... ولو عايز تكلبش، اتفضل. إيدي أهي." مدت معصميها باستسلام غريب. نظر زين إلى اليدين الممدودتين. ناعمتان. خاليتان من الحديد. وعليهما أثر العلامة الحمراء التي تركها القيد. ثم رفع بصره إلى وجهها. كان ساكنًا... نقيًا على نحو أزعجه. اقترب ببطء. أخذ الكلبش من فوق المكتب. ومسك إحدى يديها. لكن بدلًا من أن يغلق الحديد فورًا، توقفت أصابعه لحظة على موضع الاحمرار، يمرر إبهامه عليه في حركة سريعة خافتة. كأنه يعتذر دون أن يسمح لنفسه بالاعتراف. ثم أغلق القيد من جديد... هذه المرة برفق. قال بصوت أجش: "التحقيق يتأجل." اتسعت عيناها. "يتأجل؟" ابتعد عنها خطوة وقال: "إفراج مؤقت... لحد ما أمسك أعصابي." ثم فتح الباب وصاح في العسكري بالخارج: "شيل اسمها من المحضر... وخرّجها." نظر العسكري إليه بدهشة، لكنه أطاع. أمسك زين ذراعها وقادها إلى خارج الغرفة. لم تكن قبضته قاسية هذه المرة. وعند باب القسم تركها. خرجت إلى الشارع وهي ما زالت تنظر إليه بحيرة. أما هو فظل واقفًا مكانه، يراقب ظهرها حتى اختفى. ثم أخرج المفتاح الصغير من جيبه. المفتاح الذي حرر به معصميها. ولا تزال رائحة بخورها عالقة فيه. قال للعسكري الواقف بجواره دون أن يرفع عينيه: "اكتب في المحضر... إنها هربت." ثم أغلق كفه على المفتاح وأردف بصوت منخفض: "أنا اللي هجيبها... لوحدي." رواية ريشة والصقر الفصل 4 و 5 و6 الفصل الرابع مرّ يومان. الساعة الثانية بعد منتصف الليل. كان زين جالسًا في مكتبه وحده. الإضاءة خافتة، والملف مفتوح أمامه، وصورة ريشة تملأ الصفحة: وهي ترقص وسط المولد، كأنها لا تنتمي لأي قانون. عيناه محمرتان من السهر، وعقله لا يتوقف عن الدوران. وفجأة... اهتز الهاتف. رقم مجهول. تردد لحظة، ثم رد. "ألو." جاءه صوتها. لكن هذه المرة لم يكن ساخرًا، ولا متحديًا. كان صوتًا مكسورًا، مختنقًا، يسبق البكاء. "زين... الحقني." تجمد في مكانه. لم يحتج أن يسأل من هي. "أنا... أنا في المدافن اللي ورا الجبل..." صمتت لحظة، كأنها تجمع أنفاسها. "أبويا... أبويا عايش يا زين. محبوس. محبوس في مقبرة تحت. الرجالة اللي كان بيشتغل معاهم حبسوه عشان ياخدوا تمثال لوحدهم. تعالي بسرعة." نهض فجأة. الكرسي ارتطم بالأرض. "كام يوم أسود يوم ما شوفتك... ويوم ما قررت أدخل المجال دا..." صوتها كان يرتجف، لكنه صادق هذه المرة. "كدبت عليك يا زين... كدبت على الدنيا كلها إنه ميت عشان أحميه. والله." انقطع صوتها لحظة، ثم عاد أكثر انهيارًا. "سامحني... ولو عايز تنتقم مش هقولك لا، بس تعالي خلصني من دا كله. أنا لوحدي مش هعرف أفتح الحجر. والناس دي لو عرفت إني بلغت هيدفنوه صاحي. مليش غيرك... والنبي يا صقر." أمسك زين الجاكيت بسرعة، وناول سلاحه في لحظة واحدة. "زين..." جاء صوتها ضعيفًا في آخر المكالمة. "لو جرالي حاجة... أوعى تنسى ريشة." ثم انقطع الخط. بعد نصف ساعة. المدافن. ظلام كثيف كأنه مادة ملموسة. الهواء ثقيل، والصمت غريب، لا يقطعه إلا صفير الريح بين الشواهد القديمة. ترجل زين من السيارة. مصباحه في يده، وسلاحه في الآخر. لم يكن هذا بلاغًا عاديًا... كان شيئًا آخر. رآها. كانت تقف قرب شاهد حجري قديم. العباءة السوداء تغلفها، ووجهها شاحب من الرعب، وفي يدها فانوس صغير يرتجف ضوؤه. ما إن رأته حتى ركضت نحوه. "زين!" اصطدمت به، وتمسكت بقميصه، ودفنت وجهها في صدره دون وعي. كانت ترتجف. جسدها كله يرتجف. تجمد لثانية. غضبه كان جاهزًا، وأسئلته كانت جاهزة، لكنه لم يجد أي منها يخرج. فقط... وضع يده على ظهرها. لم يكن حضنًا كاملًا، ولا ضعفًا واضحًا. كان حماية غريزية. ربت عليها بصوت منخفض: "بس نعدي اللي إحنا فيه... وبعد كده هروقلك يا بنت الحاوي." ابتعدت عنه ببطء، وهي تلتقط أنفاسها. "فين الزفت المقبرة؟" أشارت بيد مرتجفة نحو حفرة مخفية خلف نباتات شوكية. "تحت... الباب حجر. لازم نزقه سوا." هبطوا. درج ترابي ضيق يقود إلى الأسفل، وكل خطوة كانت تغوص بهم في رائحة رطوبة وموت قديم. حتى وصلوا إلى باب حجري ضخم. نقش عليه صقر يمسك مفتاحًا. توقفت ريشة. مررت يدها فوق النقش. "أبويا علمني دي... دي شفرة عيلتنا." ضغطت على نقطة محددة في جناح الصقر. تحرك الحجر بصوت ثقيل، وانفتح شق ضيق. اندفعوا إلى الداخل. ظلام. ثم ضوء المصباح. كشف عن مقبرة قديمة، جدرانها مغطاة بنقوش فرعونية باهتة، ورائحة الأرض المغلقة منذ قرون. وفي العمق... حفرة. ومنها صوت خافت. خبط ضعيف. "بابا!" ركضت ريشة فورًا. أمسكها زين من ذراعها بسرعة. "استني... ممكن يكون فخ. خلينا نضمن كل حاجة." اقتربوا بحذر. وفي الأسفل... رجل مسن، مقيّد، وجهه مغطى بالدم والتراب. رزق الحاوي. ما زال حيًا. "ريشة..." صوته خرج متهالكًا. اندفعت نحوه، لكن زين أوقفها. "هجيبه أنا." بدأ ينزل بالحبل. وفي اللحظة نفسها... صوت حركة خلفهم. التفت زين بسرعة. ثلاثة رجال مسلحين يقفون عند المدخل الحجري. "مين اللي شيطانه وزّعه وجيه ع المقبرة؟" شهقت ريشة. رفع زين سلاحه فورًا. وانفجر المكان. طلقات. صدى. صراخ. واحد سقط، والآخر رد. وفجأة... اهتز السقف. الحجارة بدأت تتساقط. "ريشة حاسبي!" اندفع نحوها، ودفعها بعيدًا عن كتلة حجرية ضخمة. سقط الاثنان أرضًا. هو فوقها لحظة، يحميها بجسده. ثم... انفجر المكان. الحجارة سقطت كالمطر. والمدخل انغلق تمامًا. دفنوا بالداخل. صمت. ظلام كامل. لا صوت... إلا أنفاس متقطعة. فتح زين عينيه بصعوبة. كان فوقها مباشرة. قريبًا منها لدرجة أن أنفاسه تلامس عنقها. "ريشة... إنتي كويسة؟" صوته كان منخفضًا، متعبًا. "زين... إحنا هنموت هنا صح؟" ارتجف صوتها. اعتدل بصعوبة، وجلس بجوارها مستندًا إلى الجدار. أضاء المصباح. نور ضعيف، بالكاد يكشف ملامحهما. الصمت كان يخنق المكان. وأنفاسهما وحدها تملأ الفراغ. اقتربت منه قليلًا دون وعي. "أنا آسفة... أنا اللي جريتّك للموت معايا." نظر إليها. كانت دموعها تنزل بهدوء، على خد متسخ بالغبار. رفع يده، ومسح دمعة واحدة بإبهامه. توقف لحظة عند خدها. ثم قال بصوت أخف: "ريشة... إنتي بتعيطي؟" هزت رأسها بسرعة كأنها تنكر. "مستحيل..." ثم اقتربت أكثر، وأسندت رأسها على كتفه. "أنا بكره الكلبش بتاعك يا زين..." صمتت لحظة. "بس بحب الإيد اللي بتفكه ليا." تجمد. الصوت... المكان... الخطر... كل شيء اختلط في لحظة واحدة. أمسك وجهها بكفيه. ببطء. كأنه يحاول يثبت لنفسه إنها حقيقية. "ريشة... أنا..." لكن قبل أن يكمل... اقترب. اقترب أكثر مما ينبغي. حتى لم يعد بينهما إلا أنفاس. وفجأة... "يا فندم! سامعنا؟" صوت من بعيد. خبط على الجدار. "افتحوا! إحنا هنا!" نور تسلل من شق صغير. والهوا بدأ يعود. ابتعد زين فجأة، كأنه استيقظ من لحظة لم يكن يجب أن تحدث. ضحك ضحكة قصيرة، متوترة. "يالهوي على الفصلان..." وقف، وساعدها على الوقوف. حاوط وسطها بذراعه ليحميها من الحجارة المتساقطة. "يلا يا بنت الحاوي... حسابنا لسه مخلصش." الفصل الخامس كانت ريشة واقفة أمام باب القسم. عباءة سوداء بسيطة تلتف حول جسدها، ضيقة عند الوسط وواسعة عند الأطراف، وطرحة خفيفة تخفي شعرها دون مبالغة. مظهرها كان هادئًا على غير عادتها، لكن حضورها لم يكن كذلك أبدًا. شيء فيها كان سابقًا لها دائمًا... بخطوة، بنظرة، وبمشاكل تعرف طريقها قبل أن تصل. جاءت لإنهاء إجراءات إخلاء سبيلها. إفراج مؤقت... بأمر من الرائد زين المنصوري. مجرد الاسم مكتوبًا في الورق كان كافيًا ليضغط على صدرها دون لمس. دخلت. صالة القسم كانت مزدحمة إلى حد الفوضى؛ أصوات متداخلة، أوراق تُقلب بعجلة، شكاوى، صراخ، وأقدام لا تتوقف عن الحركة. رائحة المكان مزيج خانق من القهوة الرديئة، والعرق، والحبر القديم. توقفت لحظة عند المدخل. لم يكن التردد خوفًا من القسم... بل خوفًا من ما ستراه. منذ ليلة المقبرة، والفراغ بينهما لا يُفهم. اختفى فجأة. لا اتصال، لا مواجهة، لا حتى نظرة. وتركها وحدها مع أسئلة لا تنتهي. خطت خطوة... ثم توقفت. الباب الموارب أمامها كشف ما لم تكن مستعدة له. زين. كان داخل مكتبه. الرائد زين المنصوري. قميصه العسكري مفتوح عند أول زر، وأكمامه مشمرّة حتى المرفق. عروق يديه بارزة وهو يمسك القلم، وملامحه مرهقة إلى حد القسوة، كأن النوم لم يزره منذ أيام. لكن لم يكن وحده. كانت هناك فتاة. جلست على طرف المكتب بثقة مبالغ فيها، شعرها مصبوغ بلون فاتح، وملابسها أنيقة ومرتبة، وعطرها يسبقها قبل أن تُرى. ليلى — ابنة اللواء. كانت تميل نحوه، تقدّم له الطعام بيدها. "يلا يا زين بقى... هفضل اتحايل عليك كتير؟ كل يلا." صوتها كان ناعمًا، متدللًا، لكنه محمل بسيطرة لا تُخفى. "إنت مش بتاكل خالص وكده هتزعلني." زين كان مستندًا بظهره إلى الكرسي، متحفظًا، مشغول الذهن رغم ثبات ملامحه. "شكراً يا ليلى. قولت لك هاكل بعدين. عندي شغل وياريت تسكتي عشان أعرف أركز." لكن عينيه لم تكن ترى الورق حقًا. كانت شاردة. ليلى دفعت السندوتش أقرب إليه. "شغل إيه بس؟ بابا قالي آخد بالي منك، وإنت عارف بابا لما يقول حاجة لازم تتنفذ بالحرف." عند ذكر اللواء عاصم، ساد صمت خفيف في ملامحه. اسم لا يُرفض. اسم صنعه، وربّاه، وفتح له الطريق. وخارج المكتب... كانت ريشة تقف. تراقب. وصدرها يشتعل بصمت لا يهدأ. رأت يد ليلى تقترب أكثر مما يجب. ورأت زين لا يتحرك. وفي داخلها، شيء انكسر دون صوت. ثم دخلت. خطوة واحدة كانت كفيلة أن تغيّر الهواء كله. ارتطم كعبها بالأرض. الصوت انتشر في المكان كصفعة. "صباح السهوكة." توقفت الحركة في الصالة لحظة. التفتت الأنظار كلها نحوها. ليلى استدارت ببطء، ونظرتها مسحتها من الأعلى للأسفل بازدراء واضح. "مين دي يا زين؟ وازاي تتجرأ وتدخل كده؟" زين نهض فجأة. الكرسي تحرك بعنف خلفه. ملامحه تبدلت في لحظة؛ غضب، مفاجأة، وارتباك. "ريشة... إنتي بتعملي إيه هنا؟" لكنها لم تجبه. تقدمت إلى المكتب بثبات، وأسقطت الملف أمامه بقوة. "جاية أمضي على إخلاء سبيل يا باشا؟" ثم التفتت نحو ليلى، بابتسامة باردة مشتعلة. "لا حلوة وعودها فاير... عرفت تختار يا صقر." همس خافت مرّ في المكان. ليلى انفجرت: "إنتي مجنونة؟ إنتي بتكلميني أنا كده؟" ريشة التفتت إليها بهدوء شديد، كهدوء ما قبل العاصفة. "مجنونة؟ لا يا حبيبتي... أنا رقاصة بتعرفي ترقصي ولا اعلمك؟." اقتربت خطوة واحدة فقط. "والرقاصة اللي قدامك. شاطرة اوي بتعرف تصطاد الصقور أحسن من بنات البندر اللي متربية في قصور عمرها كله." ثم رمقت زين بنظرة جانبية: "مش كده ولا إيه؟" انفجر التوتر. ليلى صرخت: "زين! إنت سامع الكلام؟ إنت هتسكت لها؟ هاتلي حقي منها!" لكن زين لم يكن معهما بالكامل. كان يغلي. اقترب فجأة وأمسك ذراع ريشة. قبضته كانت قوية، مشدودة، لكنها محسوبة. "ريشة... لسانك الزفر ده يتلم بدل م هو طايح في خلق الله. وياريت تنسي إنك غجرية، وتتعاملي بأدب معاها لأنها قادرة تذلك عمرك كله بإشارة منها." صوته كان منخفضًا، لكنه قاطع. ريشة نظرت إلى يده على ذراعها. لم ترتجف. ثم رفعت عينيها إليه. "حاضر." همستها كانت أخف من الهواء. "تؤمرني يا تاج راسي." وفي لحظة غير محسوبة... لم تخرج. بل اقتربت أكثر. رفعت يدها الحرة، وعدّلت ياقة قميصه العسكري ببطء. أصابعها لامست رقبته لحظة خاطفة. ثم انحنت عند أذنه، وهمست بصوت لا يسمعه أحد سواهما: "بس ابقى خلي بالك من القطة... عشان ممكن تاكلك." ثم ابتعدت. وتركت خلفها فراغًا مشحونًا لا يُحتمل. وغادرت. سارت بهدوء، وكأنها لم تفعل شيئًا. لكن الهواء خلفها كان مختلفًا. ثقيلًا. ملتهبًا. ليلى كانت تكاد تنفجر. "شوفت؟ شوفت بتكلم إزاي؟ دي بيئة خالص! أنا هكلم بابي!" لكن زين لم يكن يسمعها. كان ينظر إلى الباب الذي خرجت منه ريشة. ملامحه متصلبة، وعروقه في رقبته واضحة، ويده التي أمسكتها قبل قليل ما زالت مشدودة كأنها لم تتركها بعد. ثم قال دون أن يلتفت: "عن إذنك يا ليلى." وغادر. لحق بها إلى الخارج. كانت على وشك ركوب توكتوك. أمسك ذراعها فجأة، وأدارها نحوه. "إنتي عايزة إيه يا ريشة؟ عايزة تولعي فيا؟ عايزة توديني في داهية؟ عايزاني أخضعلك؟ بتمارسي عليا فتنتك وفاكراني مش هتأثر؟ أنا لحم ودم ومش قادر!" صوته كان عاليًا، مكبوتًا، متفجرًا. والناس بدأت تلتفت. دفعت صدره بيديها. "امشي وروحلها." صوتها كان حادًا، مكسورًا من الداخل. "ريشة مش بتجري ورا راجل... حتى لو كان صقر." "هي ريشة حرة... ملهاش مكان ولا حاكم." ساد صمت لحظة. ثم رفعت عينيها إليه: "أنا بكرهك يا زين... بكرهك قد ما حبيتك." لفّت لتغادر. لكن يده أمسكتها. "لولا الفضايح كنت رديت عليكي بالكلام اللي شبهك... اتفضلي امشي." نظرت إليه نظرة طويلة، مليانة جرح وغضب، ثم سحبت يدها ومشت. هذه المرة لم يلحق بها فورًا. ظل واقفًا مكانه، يراقب أثرها وهو يختفي. وعيناه لم تهدأ. الفصل السادس كانت ريشة تمشي وحدها في الطريق. العباءة السوداء ترفرف خلفها مع الريح كظلٍ ثقيل، والطرحة ملفوفة بإحكام حول رقبتها. في يدها كيس فيه عيش وجبنة، عائدة من الفرن إلى بيتها فوق السطوح. منذ الصباح وهي تحاول أن تُقنع نفسها بالنسيان. أن تنسى زين وهو يمسك ذراعها أمام ليلى. أن تنسى صوته وهو يقول: "لولا الفضايح كنت رديت عليكي بالكلام اللي شبهك" أن تنسى أنه اختار صورته أمام بنت اللواء وتركها هي تتكسر وحدها. "غجرية." الكلمة ما زالت تتردد في أذنها، كأنها نار لا تنطفئ. لا تجرحها فقط… بل تمحوها ببطء. مرت بجوار القهوة، فصمت الرجال فور رؤيتها. همسات خافتة تسللت: اهي كل شوية ع الحال بقت بتروح القسم اكتر من م بتروح السوق. رفعت رأسها. في عينيها شيء يشبه الاشتعال. لن تبكي. ريشة لا تبكي أمام أحد. ريشة تحترق بصمت. دخلت الحارة الضيقة المؤدية إلى بيتها. كانت ساكنة بشكل غير مطمئن، مصباح وحيد في نهايتها يرتجف كأنه يحتضر. رائحة الرطوبة والنفايات تملأ المكان. توقفت لحظة. انقبض قلبها. هناك نفس خلفها. قبل أن تلتفت، غطت يدٌ ثقيلة فمها. وهبط كيس خيش على رأسها دفعة واحدة. ظلام تام. سقط كيس الخبز من يدها. حاولت أن تصرخ. "زز..." لكن يدًا أخرى ضربتها في بطنها، فقطعت أنفاسها. صوت خشن قال: "خلصو بسرعة قبل ما حد يشوفنا." رُفعت جسدها كما يُرفع كيس ثقيل، وأُلقيت على كتف أحدهم. دخلت رائحة عرق وسجائر فاسدة إلى أنفها من تحت الخيش. فُتح باب سيارة. أُلقيت داخل المقعد الخلفي، ثم أُغلق الباب بسرعة. وانطلقت السيارة. كانت ترتجف. لأول مرة في حياتها… خافت. "يااااااه طلعتي ملبن يابت ؟ دا احنا هنتوصي بيكي ع الأخر" عضت على شفتها حتى شعرت بطعم الدم. "زين." في تلك الأثناء، كان زين في مكتبه. لم يكن يحتمل نفسه. الكلبش في يده يُفتح ويُغلق بعصبية: تك… تك… تك… الصوت كان ينهشه من الداخل. فُتح الباب بعنف. دخل عسكري يركض، أنفاسه متقطعة. "يا فندم! يا فندم مصيبة! يافندم" رفع زين رأسه، عيناه محمرتان من السهر والغضب. "إيه افندم افندم في اي انطق قول" "ريشة... بنت الحاوي اتخطفت يا باشا شهود من الحارة شافوا عربية سودا من غير نمر. اتنين ملثمين حطوا شوال على راسها وخدوها. الكيس بتاعها واقع في نص الشارع ومحدش عارفلها طريق جرة" ساد الصمت لحظة. ثم انكسر العالم في عيني زين. قام بعنف، فسقط الكرسي خلفه. "يانهار ازرق ...من امتي الكلام دا؟" "زي ما بقولك يا فندم. من ربع ساعة كدا" قبض على المكتب بقوة حتى برزت عروقه. رآها… رآها وهي تخرج من أمامه. رآها وهي تكتم دمعتها. رآها وهو يتركها تمشي وحدها. غبي. غبي. غبي. "مين اللي خطفها؟" صرخة خرجت منه فاهتز المكان. "مين اللي ليه عين يمد إيده عليها؟" تراجع العسكري خطوة. "منعرفش يا فندم. الناس خافت تتكلم بس اكيد هندور عليهم" ارتدى زين سترته العسكرية بسرعة، ثم التقط سلاحه. "طلع قوة حالاً. دورية في كل مخارج المنطقة بسرعة لو عيني لمحت ضفر منها ناقص هحرق البلد باللي فيها فاهم" "فاهم يا فندم!" اندفع خارجًا كالعاصفة. ركب سيارة الشرطة، وانطلق كالمجنون. كان عقله يشتعل: من؟ ولماذا؟ رجال الآثار؟ أم أبوها؟ لا… اللواء عاصم لا يفعلها. إذن… رزق الحاوي. أُلقيت ريشة على الأرض. أُزيل الكيس من رأسها، لكن يديها ظلت مقيدتين خلف ظهرها بحبل خشن، وفمها مغلق بشريط لاصق. الغرفة مظلمة إلا من ضوء مصباح جاز. رائحة العفن تملأ المكان. أمامها ثلاثة رجال ملثمين. أحدهم ضخم، وعلى وجهه ندبة طويلة ظاهرة من تحت القناع. اقترب منها، جثا أمامها، وأمسك ذقنها. "إزيك يا بنت الحاوي؟ وحشتينا. من يوم المقبرة وإحنا بندور عليكي ." نظرت إليه باحتقار. لا خوف في عينيها. وبصقت على الأرض بجواره. ضحك. "لسانك طويل زي أبوكي" ثم ركلها في بطنها بقوة. انكمشت من الألم، لكنها لم تصدر صوتًا. "أبوكي خبا تمثال دهب. يسوى ملايين عايزينه." تحرك في الغرفة. "وإنتي الوحيدة اللي عارفة مكانه. حياتك قصاده" هزت رأسها بالنفي. عينها كانت تقول: موتوا. أمسك أحدهم شعرها بعنف. "هتقولي يا حلوة. هتقولي بالذوق، بالعافية هتقولي." أخرج مطواة، وفتحها. انعكس ضوء المصباح على نصلها. مررها على خدها ببطء. "ولا تحبي نرسم على الوش الحلو ده البخت والريشة هتتقطع وهيتداس عليها؟ وزين حبيب القلب هترجعيله ف كيس ممكن من غير ودن صباع انتي وحظك بقا عشان يتعلم ميحطش مناخيره ف شغلنا" اقترب النصل من أذنها. وفجأة… انفجر الباب الحديدي. ظهر زين عند المدخل. وجهه بلا حياة. عيناه سوداوان. سترته العسكرية مغطاة بالغبار. وفي يده سلاحه. خلفه أربعة جنود بأسلحة آلية. لا تحذير. لا كلام. رفع زين سلاحه. طلقتان. سقط اثنان يمسكان ريشة، أحدهما في كتفه والآخر في ساقه. التفت الضخم ورفع سلاحه. لكن زين سبقه. رصاصة في يده. سقط السلاح. وتناثر الدم. دخل زين بخطوات باردة قاتلة. أمسك الجنود بالباقين. أما الضخم، فكان يزحف أرضًا ممسكًا بيده المصابة. لكن زين لم ينظر إليه. كان ينظر إليها فقط. مقيدة. متسخة. مجروحة. جثا أمامها. "ريشة!" صوته انكسر. نزع الشريط من على فمها. تنفست بقوة. ثم رفعَت عينيها إليه. لم تبكِ. لكن في نظرتها كل شيء: وجع، غضب، وخذلان. "انت غبي وحمار كان ريشة هتضيع وزهوتها هتروح الحقني" قالتها بصوت مبحوح. كان يفك الحبل من يديها والارتعاش يفضحه. "حقك عليا. حقك عليا يا ريشة." سقط الحبل. نظرت إلى معصمها المتورم. ثم إليه. ورفعت يدها فجأة، وصفعته. صفعة واحدة… مشحونة بكل ما فيها. تجمد المكان. حتى الجنود. رفع زين رأسه ببطء، الصدمة تشتعل في عينيه. قبض على يدها فجأة. قبضة قوية… غاضبة. ارتجفت ريشة. ولأول مرة… شعرت أن زين خرج عن صمته تمامًا. رواية ريشة والصقر الفصل السابع والتامن الفصل السابع كانت الصفعة لا تزال ترنّ في أرجاء المخزن كطلقةٍ ثالثة لم تُطلق من سلاح. الجنود تجمّدوا في أماكنهم، أبصارهم معلّقة بالأرض، وأنفاسهم محبوسة داخل صدورهم. لم يجرؤ أحد على الحركة. أمّا ريشة، فكانت تقف أمامه بصدرٍ يعلو ويهبط بعنف، وعينين تقدحان شررًا، كأنها لم تصفعه بيدها فقط... بل صفعت هيبته كلها. زين قبض على معصمها في اللحظة التالية. قبضته كانت من حديد، ثابتة، محكمة، لكنها لم تكن القبضة التي تكسر العظم... بل القبضة التي تمنع صاحبها من أن يرتكب ما يندم عليه. مال عليها قليلًا، وصوته خرج هادئًا على نحوٍ مخيف: "مديتي إيدك على ظابط شرطة ياحيلة امك... عارفة دي فيها قد إيه سجن غير دا كله انا ممكن اندمك ع جراة إيدك عليا ازاي؟" رفعت ذقنها رغم الارتجافة التي سرت في جسدها، وقالت وهي تغرز نظرها في عينيه: "عارفة... فيها ست شهور... فيها سنة ميهميش انت مش جاي معايا دوغري وقربك ليا كله شر انت مش قادر تفهم اي الرابط اللي بيجمعنا ياباشا انا واحدة غجرية يبقي فرق السما من العما بيني وبينك كفايا لحد كدا يا صقر." اقترب منها أكثر، حتى كاد نفسه يصطدم بشفتيها، ثم شدها إليه بعنفٍ مكتوم وهو يلهث: "هموت عليكي وفاكراني هربط شرفي بواحدة لحمها رخيص وابوها تاجر اثار يعني ملهاش سمعة ولا شرف انتي غلبانة ومحتاجة تغطي نفسك كويس وانتي نايمة وحطي لعقلك حد واعرفي انه زين لما يفكر يتجوز عمرها م هتكون انتي ياريشة." كانت الكلمات كالسياط. نزلت على جلدها وروحها معًا. ثم أفلت يدها فجأة كأن لمسها صار يحرقه. واستدار صارخًا في العساكر: "قوموا الكلاب دول... وعلى البوكس بسرعة!" تحرك الجنود في لمح البصر، يجرّون الرجال المصابين، وتوالت الخطوات الثقيلة حتى انغلق الباب الحديدي، وبقي المكان خاليًا إلا منهما. هو. وهي. والدم المتناثر. والتراب. والكلمات التي مزّقت ما بينهما. استدار زين بعد لحظات، وأخرج منديلًا أبيض من جيبه. اقترب. رفعت ريشة وجهها بتحدٍّ، لكنه قال بنبرة آمرة: "هاتي وشك." هزّت رأسها بعناد: "مش عايزة." اشتد صوته، أكثر خشونة: "قلت هاتي وشك." استدارت بوجهها مرغمة، فمد يده وبدأ يمسح الدم الجاف عن خدها ببطء. كانت لمسته حذرة على نحوٍ يناقض جفوة لسانه، وثابتة على نحوٍ يفضحه. تأمل الخدش الرفيع الذي خلّفته المطواة، ثم سأل دون أن ينظر إليها: "فين رزق الحاوي دلوقت؟" انتفض جسدها كله. نفضت يده بعيدًا وقالت بحدة: "مش هتكلم ولا هريحك اعتبرني مش شاهدة ولا اعرف افيدك بمعلومة انساني ولو عرفت تثبت عليا تهمة وديني ع الحبس السجن للجدعان ياباشا." اشتعل فكه. "هتتكلمي غصب عن اللي جابوكي كلهم وإلا هوديكي ف ستين داهية." ضحكت. ضحكة قصيرة، مكسورة، موجوعة. "بقا سهل عليك اذيتي ياصقر؟" رفع عينيه إليها، وكانت فيهما قسوة مصطنعة لا تخفي شيئًا. "اللي قدامك دلوقتي الرائد زين المنصوري مليش ف جو الدلع الماسخ دا ولو فكرتي انك سهل تأثري عليا تبقي غلطانة انا لو بضعف ف دا بمزاجي ومنكرش إنك حلوة وانا راجل وليا احتياجات وبعدين انا عندي قضية ولازم اقفلها." ثم أمسك ذراعها فجأة، وشدها نحوه حتى التصقت به، وتعلقت عيناه بعينيها كأنهما في حرب صامتة: "قوليلي يا ريشة... التمثال فين انطقي؟" رفعت رأسها بعنادٍ أشد. "معرفش ومش هقولك." قطّب حاجبيه وهزّها هزة خفيفة: "كدابة... عينك بتقول غير كدا ابوكي علمك شفرات الشغل كلها" دفعت صدره بكفها. "أبويا معلمنيش حاجة... أبويا سابني من زمان ومليش ف السكك الشلق دي انا اخري ارقص وبس." صمت لحظة، ثم قال ببرود القرار: "طب اعملي حسابك ياريشة طول م القضية دي مفتوحة انتي تحت عيني." تجمدت. "يعني إيه؟" "يعني من اللحظة دي... إنتِ في حراسة شاملة مراقبة 24 ساعة وممنوع ترجعي لرقصك ف الموالد تاني." قهقهت بسخرية موجوعة. "لا ياشيخ... طب وهاكل منين اشحت ولا امد ايدي واقول لله يامحسنين حسنة قليلة تمنع بلاوي كتيرة؟" أجابها من غير تردد: "اللي تعوزيه هيكون تحت رجلك." رمقته بنظرة طويلة، ثم هبط بصرها إلى الكلبش المعلّق في حزامه. "والمقابل اي صدقة يعني؟" "مفيش مقابل ولا ببتذك لشيء ياريشة." سكتت لحظة. ثم استدارت ناحية الباب وقالت بصوتٍ خافت: "عايزة أروح... بيتي." أشار بجمود: "عربية بره. هتوصلك ف المكان اللي تحبيه... بس العسكري هيفضل تحت البيت. ولو خرجتي بعد 9... هتلاقيني فوق راسك وهتشرفي ف الحجز. كلامي واضح؟" لم تجبه. فتحت الباب وغادرت. وبقي هو وحده، مسندًا ظهره إلى الحائط، ناظرًا إلى يده التي كانت منذ دقائق تفك وثاقها... وما زالت ترتعش. بعد ساعتين – مديرية الأمن – مكتب اللواء عاصم وقف زين في وضع الانتباه. بينما كان اللواء عاصم يقلب ملفًا سميكًا، ثم رفع حاجبه قائلًا: "يعني إيه البت دي ضربتك بالقلم؟ والعساكر شافوا؟" "حصل يا فندم." "وإنت عملت إيه؟" "طبقت القانون يا فندم. حبستها ساعة، وأفرجت عنها لعدم كفاية الأدلة." رفع اللواء رأسه أخيرًا، وثبّت عينيه عليه. "زين... إنت ابني. وأنا اللي مربيك. وعارفك. عينك بتقول حاجة، ولسانك بيقول حاجة تانية." "يا فندم—" "اسكت." نهض من خلف مكتبه، ووضع يده على كتفه. "ليلى بنتي... وإنت عارف إنك الأقرب ليها. والأقرب ليا. متخليش رقاصة غجري لا راجت ولا جت... تدمر مستقبلك انت هيبتك كان ع وشك تروح ف ثانية ولازم معاملتك معاها تكون بحدود عشان شغلك ميتأثرش." شد زين فكه. "يا فندم ريشة مش مجرد رقاصة. ريشة طرف خيط في قضية كبيرة. قضية رزق الحاوي، وقضية شبكة تهريب." اقترب اللواء أكثر، وقال بحسم: "وأنا بقولك... اقطع الخيط. اقفل القضية. سلم البت للنيابة تتصرف معاها. وإنت... إنت تتجوز ليلى، ونخلص بقا. عشان سمعتك، وسمعتي قضية رزق هتخلص لما تقبض عليها." ظل زين صامتًا. صقر... لكنه يقف الآن أمام صقرٍ أكبر. ثم قال: "أوامر يا فندم... بس استأذنك أخلص شغلي بطريقتي. أسبوع واحد. لو مجبتش أبوها والتمثال... هعمل اللي تؤمر بيه." تأمله اللواء طويلًا. ثم قال: "أسبوع... بعدها يا هي في السجن، يا إنت بره الخدمة. خالص وساعتها بردو هي هتشرف ف السجن اخرك اسبوع." أدّى زين التحية وغادر. وفي الممر، صادفته ليلى. "بابي قال لك إيه؟" قال ببرود وهو يتجاوزها: "ادخليله." "زين! إنت رايح فين؟" توقف لحظة، ثم قال دون أن يلتفت: "هعمل الصح." ومضى. نفس الليلة – بيت ريشة – الساعة 10:30 دقّ الباب. دقتين ثقيلتين تحملان معنى الأمر لا الزيارة. فتحت ريشة. كانت ترتدي عباية منزلية داكنة، وشعرها مضموم بعشوائية، وملامحها لا تزال متورمة من يومٍ لم ينتهِ بعد. ما إن رأته حتى عقدت ذراعيها وقالت بفتور: "هو مش كل شوية تشرفني رجلك خدت ع عتبة بيتي ليه؟" رفع عينيه إليها مباشرة. "اسبوع ياريشة وبعدها القضية انتي اللي هتشيليها لوحدك؟" ثم اقترب خطوة. "التمثال فين؟" صرخت في وجهه: "معرفش معرفش وليه تستني اسبوع اتفضل احبسني انا قدامك لو استنيت واعتمد عليا يبقي بيضيع وقتك." قبض على ذراعها. "الرجالة أكدوا إنك الوحيدة اللي تعرفي مكان الخبيئة كلها." نزعت ذراعها بعنف. "ولو عارفة؟ هتسلمني؟ هتحبسني؟ عشان تترقى وتتجوز بنت اللواء اللي هيتجنن ويناسبك ويجوزك بنته كأنها م صدقت لقت عريس؟" رفع يده وأمسك وجهها بين أصابعه. "أنا مش عايز أحبسك." ثم قال ببطء، وعيناه تنفذان إلى داخلها: "التمثال وسيلة... إنتِ الغاية عايز انضف اسمك. عشان لما أجيبه، أقفل القضية بعيد عنك وأشيلك منها، وأبقى حر... حر آخدك ليا." سكنت. كأن الكلمات شلّت جسدها. همست: "تاخدني؟" اقترب حتى صار صوته نفسًا على شفتيها. "آه... آخدك. من الدنيا كلها. من أبوكي. من لقبك. من فقرك ومن الحوجة. آخدك ليا. بس لازم تساعديني. لازم تثقي فيا واوعدك هعيشك ملكة." ضحكت بمرارة. "أثق في ظابط؟ ظابط قال عليا غجرية؟" قال وهو يرمقها بنظرة حادة: "هتوبي وهتبقي ست شريفة." اشتعلت عيناها. "انا شريفة غصب عنك محدش لمسني... ومش هسلمك أبويا. حتى لو مجرم. ده أبويا ياناس... وانت ابعد عني انت الحكومة بذات نفسها وانا عايزة اكون بعيدة عنهم بعد الشرق عن الغرب." ظل ينظر إليها لثوانٍ. ثم ارتسمت على فمه ابتسامة باردة. عدل ياقة جاكيته وقال: "ماشي يا بنت الحاوي... بس افتكري... الحكومة نفسها طويل. ولما بتحط حد في دماغها... بتجيبه. يا بالذوق... يا بالعافية." ثم استدار وخرج. وترك الباب مفتوحًا لثوانٍ، والهواء البارد يتسلل للداخل، وريشة واقفة مكانها... كأن البيت كله ضاق عليها، وكأن الأسبوع الذي منحه لها... ليس مهلة نجاة، الفصل الثامن ارتطم الباب خلفه بعنفٍ حتى اهتزت جدران الغرفة الصغيرة، وبقيت ريشة واقفة في موضعها، يعبث الهواء المتسلل من الشقوق بأطراف عباءتها كأنما يذكّرها بما قاله منذ لحظات. اتسعت عيناها قليلًا، وهمست بذهول: "أسبوع... هو قال أسبوع... وبعدها السجن؟" استندت بظهرها إلى الباب وأغلقته بقدمٍ مرتجفة، ثم انزلقت ببطء حتى جلست على الأرض. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، والكلمات لا تزال حية، ساخنة، تحرقها من الداخل. "أنا عايز أخدك ليا لوحدي يا ريشة." أغمضت عينيها بقوة، كأنها تحاول طرد صوته من رأسها، لكن عبثًا. نهضت فجأة. توجهت إلى الدولاب، فتحته بعصبية، وأخرجت بدلة الرقص الحمراء... الحزام الذهبي... الخلخال الذي طالما دوّى صوته في الموالد. وقفت أمام المرآة. انعكس وجهها الشاحب، وعيناها المرهقتان، وذلك السؤال القديم الذي لم يفارقها يومًا: من تكون؟ وعاد صوته يتردد: "هتوبي من اللي انتي فيه وهتبقي ست شريفة ومش عايزك ترقصي ف الموالد تاني." في لحظة غضب، ألقت البدلة على الأرض وداسَت فوقها بقدمها. ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة. "شريفة؟ قال شريفة قال هأو؟ أنا هموت من الجوع ومحدش هيديني لقمة، ولو تعبت محدش هيديني تمن الدوا... أنا مينفعش أثق فيه." سكتت لحظة، ثم هزت رأسها بعنف. "لأنه أكيد مفتون بيا زي اللي قبله... ومع أول غلطة هيعايرني بأصلي لأنه أحسن مني... يلا يا ريشة، اوعي تسمعي كلامه. هو مش هيتحكم في حياتك... قومي وشوفي أكل عيشك." في صباح اليوم التالي — العاشرة صباحًا — عند القهوة هبطت ريشة إلى الحارة. كالعادة، العيون كلها انغرست فيها. نساء من خلف الشبابيك، رجال فوق المصاطب، همسات لا تنتهي. وعلى الناصية وقف العسكري الذي كلّفه زين بمراقبتها، وما إن لمحها حتى انتصب واقفًا. قال بسرعة: "على فين يا ست ريشة ع الصبح؟" أجابته دون أن تنظر إليه: "رايحة السوق أشتري شوية طلبات، وسعلي... ولا دا لازمله كمان تصريح من الباشا بتاعكم؟" حكّ العسكري رأسه بحرج. "تعليمات يا ست ريشة. هرافقك مطرح ما تكوني، دي أوامر البيه وأنا عبد المأمور." رمقته بنظرة ضيق. "خليك بعيد عني." ثم مضت. عبرت من جوار السوق؛ الضجيج يملأ المكان، أصوات الباعة، صياح النساء، رائحة الخضار والتراب المختلطين. وعلى الرصيف لمحَت طفلًا صغيرًا يبيع المناديل. اقتربت منه. "بكام؟" رفع الصغير رأسه وقال: "بخمسة يا أبلة." أخرجت عشرة جنيهات ووضعتها في يده. "خد الباقي... عشانك." تطلع إليها الصبي بفضول، ثم قال: "إنتِ ريشة الحاوي؟ اللي بترقص ف المولد صح؟" تصلبت ملامحها لثانية. نظرت إليه وقالت: "أيوة." ثم ارتبكت فجأة، لأنها لمحَت شيئًا في آخر الشارع. سيارة سوداء. زجاجها معتم. ساكنة... لكنها تراقب. منذ الأمس وهي تشعر بتلك العيون. ليست عيون عسكري زين. عيون أخرى. باردة... ثقيلة... جائعة. خفضت رأسها، وانحرفت إلى زقاق جانبي. فتحركت السيارة. في الوقت نفسه — مكتب زين كان زين جالسًا خلف مكتبه، وأمامه ملف سميك يحمل اسم: علي عزيز صور. تحركات. تسجيلات. بلاغات قديمة. لكن كل ذلك لم يكن يكفي. الخيط الوحيد الذي قد يقوده إلى قلب الشبكة... كان ريشة. ارتفع طرقٌ سريع على الباب. "ادخل." دخل العسكري يلهث. "يا فندم، الست ريشة خرجت. راحت السوق النهارده... وفي عربية سودا من غير نمر بتتابعها من الصبح." انتفض زين واقفًا. "إزاي من غير نمر؟" "متغطية بطين يا فندم." ضاقت عيناه. "بتابعها من إمتى؟" "من ساعة ما نزلت من البيت، وشكلها بقالها فترة." التقط زين جاكيته فورًا. "ابعت قوة خفيفة تراقب من بعيد... وأوعي ريشة تحس بحاجة." "علم يا فندم." خرج العسكري راكضًا. أما زين فتقدم نحو النافذة، يحدق في الفراغ، وقال بين أسنانه: "غبية... وفاكرة هتغلب الدنيا لوحدها." العصر — خرابة خلف المدافن وصلت ريشة إلى المكان الذي اعتاد أبوها أن يقابل رجاله فيه قديمًا. خرابة مهجورة، حجارة مكسورة، وسكون ثقيل يخنق الأنفاس. ظنت أنها وحدها. لكنها ما إن توغلت بضع خطوات حتى انبثق صوت من الخلف: "اتأخرتي." التفتت بفزع. رجل عجوز، ظهره محني، جلبابه باهت، وتجاعيد السنين محفورة في وجهه. شهقت: "عم صابر؟ إنت عايش؟" أومأ برأسه. "عايش... ومستنيكي. أبوكي بعتلي رسالة، قالي لو مات... إنتِ اللي هتيجي." سقط قلبها بين ضلوعها. "أبويا مات؟" هز رأسه. "معرفش." ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه ومدها إليها. "قال لي أديكي دي... وقال: ريشة هتعرف تفتحها." تناولتها بأصابع مرتعشة وفتحتها. نقشٌ غريب. نفس النقش المنحوت على باب المقبرة. صقرٌ قابض على مفتاح. وتحته عبارة واحدة: "الريشة اللي متتكسرش... تدفن في بيت الصقر." ارتعشت يدها. "يعني إيه؟" اقترب عم صابر وهمس: "يعني أبوكي سايب لك المفتاح... وسايب لك مكانه. بس علي لو عرف إن الورقة معاكي... مش هيطلع عليكي صبح." وكأن الاسم استدعى صاحبه. صرير فرامل سيارة بالخارج. ثم صوت باب يُفتح. وجاء صوت رجولي خشن: "بتعمل إيه هنا يا صابر؟" التفتت ريشة. وحيد. ذراعه مجبسة، وفي يده الأخرى مطواة، وخلفه رجلان. ابتسم ابتسامة قذرة. "وحشتيني يا بنت الحاوي... والحاج علي بيسلم عليكي وعايز الورقة اللي ف إيدك." أخفت ريشة الورقة داخل صدرها بسرعة. "خلاص... بح." قهقه وحيد وهو يقترب. "طب ما احنا ممكن نعاين؟ المعاينة بتعدل النفس أوي يا ريشة." وقف عم صابر أمامها. "اتحشم يا واد إنت." دفعه وحيد بعنف، فسقط العجوز على الأرض. "غور يا عجوز من هنا." صرخت ريشة وهي تندفع نحوه: "إنت مجرم! واللي بعتك هعرف شغلي معاه." ابتسم بخبث. "مش هتلحقي... لأني محضرلك زفة إنما إيه، ومحضرلك أحلى كفن تحضري بيه دفنتك... قصدي زفتك." وقبض على ذراعها. وفجأة— "وحيد." الصوت جاء من الخلف. هادئًا... باردًا... قاتلًا. التفت الجميع. كان زين واقفًا عند باب الخرابة. يد في جيبه. والأخرى تحمل طبنجته. وحده. ابتسم وحيد. "يا أهلاً... الصقر بنفسه. جاي فيك الخير، عمرك ما بتفوت واجب العزا. أصلها هتموت النهارده؟" ثبت زين عينيه على يد وحيد الممسكة بريشة وقال ببرود: "مش طيب لما تموتها تخليني أطلقها عشان مترملش بدري." دفع وحيد ريشة بعيدًا. "يعني إيه؟" نظر إليها بخبث. "اتجوزتي يا حلوة؟ طب مبروك... هديتي ليكي ونقطتي هي دمه." ورفع المطواة. قال زين بصوت منخفض: "آخر مرة... سيب المطواة، ونام على الأرض. عشان لو اتحركت خطوة... هصفي حسابي القديم والجديد." غمز وحيد للرجلين خلفه. "الكترة تغلب يا زين بيه." وفي اللحظة التالية— ظهرت نقاط ليزر حمراء على صدره وصدر الرجلين. قناصة القوة التي أرسلها زين تمركزوا فوق الأسطح. ابتلع وحيد ريقه. "إنت مش هتكسب... علي هيخرجني." أجابه زين وهو يقترب: "عارف." ثم— لكمة. عنيفة. استقرت في وجه وحيد. انفجرت الندبة القديمة، وتناثر الدم. سقط على الأرض. انحنى زين، أمسكه من قميصه، وأقامه بعنف. لكمة ثانية. "خطفتها." ثم ضربة ثالثة وهو يهدر: "وهددتها وخوفتها." وضربة تحت الحزام جعلت وحيد ينهار صارخًا. اقترب زين من أذنه وهمس: "كان واجب قبل ما تعمل اللي عملته... تخاف على روحك مني." تركه يسقط. ثم نظر إلى الرجلين الآخرين وقال: "شيلوا الكلب ده... وقولوا للحاج علي: زين المنصوري بيقولك، الأسبوع بدأ... والريشة في عشها. واللي مش عاجبه ييجي يقطع العش... واحنا خير المرحبين." حملوه وفرّوا. ساد الصمت. التفت زين إلى ريشة. كانت تقف بجوار عم صابر، أنفاسها متسارعة، والورقة لا تزال في يدها. سألها وهو يلهث: "إنتِ كويسة؟" لم تجب. مدت الورقة إليه. تناولها، قرأ السطر، ثم عقد حاجبيه. "بيت الصقر؟ قصدك إيه؟" قالت وهي تنظر إليه مباشرة: "قصدي... التمثال ف بيت الصقر." رفع زين عينيه إليها، ثم إلى الورقة. وسكنت ملامحه فجأة. قال ببطء: "في صقر واحد أبوكي يعرفه... ويثق فيه... ويعرف إنه لو مات، بنته هتبقى في حمايته." همست: "مين؟" نظر إليها طويلًا. ثم قال: "أنا." اقترب خطوة. "بيت الصقر... بيتي أنا يا ريشة." رواية ريشة والصقر الفصل التاسع والعاشر الفصل التاسع هبطت الكلمة على أذنها كطلقةٍ أصابت موضعًا حيًا في صدرها. "بيتي أنا يا ريشة." تجمدت في مكانها. الورقة ترتجف بين أصابعها، والهواء داخل الخرابة صار أبرد من المعتاد، كأن الجدران نفسها صارت تستمع. رمقته بنظرة مشتعلة، ثم قالت من بين أسنانها: "كداب. أبويا عمره ما يثق في ظابط. عمره ما يدفن حاجة في بيت الحكومة." تقدم زين خطوة واحدة. كان صوته منخفضًا، ثابتًا، لا يحمل انفعالًا لكنه يحمل يقينًا: "أبوكِ مشافش الرائد زين المنصوري... شاف زين. اللي كان بياكل عنده عيش وملح من عشر سنين، لما كان أبوكِ لسه رزق الحاوي... مش تاجر آثار." ارتبكت أنفاسها. "إنت تعرف أبويا؟" ثبت عينيه في عينيها. "أعرفه. وكان بيقول عليا: الواد ده صقر... لو وقعت، أسيب بنته في عشه. محدش هيطولها." اختل توازنها النفسي للحظة. المشهد كله بدأ يدور حولها. أبوها... زين... بيت الصقر... وصية مدفونة من سنين وهي لا تعرف عنها شيئًا. نهض عم صابر متكئًا على الحائط وقال بصوتٍ مبحوح: "كلامه صح يا بنتي. رزق كان بيقول: زين ده الوحيد اللي قلبه نضيف. لو الدنيا ضاقت... روحي له. بس هو قال لو مات... مش وهو حي." نظر زين إلى العجوز وسنده بحذر. "عمي صابر... إنت كويس؟" ابتسم الرجل ابتسامة متعبة. "كويس يا ولدي... بس خلي بالك من البت دي. إنت عارف كويس إنك هتفديها بروحك." أومأ زين برأسه في صمت. ثم استدار نحو ريشة. "يلا." رفعت حاجبيها. "على فين؟" أجاب وهو يمسك ذراعها: "بيتي. لو التمثال في بيتي، يبقى أبوكي عايزنا نخلصه من اللي هو فيه. لازم نلاقيه قبل ما سليم يلاقيه." جذبت ذراعها من قبضته. "ومين قال إني هاجي معاك؟" اقترب حتى صار صوته عند وجهها: "أنا. قلت هتيجي. عشان دي مش خناقة في مولد... دي حرب. وإنتِ في نصها. يا معايا... يا ضدي. اختاري." نظرت إليه طويلًا. إلى الندبة القديمة فوق حاجبه. إلى العرق الذي يلمع فوق جبينه. إلى ذلك الخوف المدفون في عينيه، والذي يحاول جاهدًا ألا يراه أحد. الخوف عليها. خرجت الكلمة من فمها رغمًا عنها: "معاك... بس لو لعبت بيا يا زين، قسمًا بالله لدفنك بإيدي." ارتسم نصف ابتسامة على شفتيه. "وإنتِ لو كدبتي عليا... هدفنك في حضني. يلا." بعد ساعة — بيت زين — المعادي توقفت السيارة أمام فيلا هادئة ذات سور مرتفع وحديقة صغيرة وباب حديدي ثقيل. حدقت ريشة بالمكان بدهشة. لم يكن بيت ضابط عادي. كان بيت رجل يملك تاريخًا. تمتمت: "ده بيتك؟" أخرج المفتاح وقال وهو يفتح الباب: "بيت أمي... الله يرحمها. سابتهولي. ادخلي." دخلت خلفه ببطء. الصالون فسيح. الأثاث بسيط لكنه باهظ. رائحة الكتب القديمة ممزوجة بعطر رجالي ثابت. ثم وقعت عيناها على صورة ضخمة معلقة على الجدار. زين في الخامسة عشرة تقريبًا... وبجواره رجل يحتضنه بفخر. رزق الحاوي. شهقت. "أبويا..." اقتربت من الصورة بأنامل مرتعشة. "وإنت؟" وقف زين إلى جوارها. "وأنا. كنت بشتغل عنده في الورشة قبل الكلية، قبل الميري. كان بيعاملني زي ابنه... علمني الصبر، وعلمني إن الصقر مبيكسرش جناحه، بالعكس... بيكبره." استدار إليها. "عشان كده لما اختفى... أنا اللي مسكت قضيته. عشان كنت مديون له. مديون له بروحي... وعارف إنه بريء." شعرت ريشة كأن الأرض تُسحب من تحتها. الظابط الذي كانت تظنه يطاردها... كان ابن أبيها الذي ربّاه. همست: "يعني... إنت مكنتش بتطاردني عشان القضية نفسها يا زين؟" رفع عينيه إليها مباشرة وقال ببساطة: "كنت بطاردك عشان عجبتيني. القضية حجة... مجرد قناع قدام الناس عشان محدش يشك إني واثق في براءة أبوكي. كان لازم أدور على دليل بعيد عن العيون... بس إنتِ أمانة عندي، وغالية أوي." اضطرب قلبها. مال زين إلى الحائط، ضغط على لوحة صغيرة، فتحركت كاشفًا عن خزنة حديدية مخفية. قال: "أبوكي لو خبى حاجة... هتبقى هنا." أدخل الشفرة: 1 - 9 - 9 - 7 سألته دون وعي: "سنة ميلادك؟" هز رأسه. "سنة ما أبوكِ قالي: إنت ابني." انفتح الباب المعدني. تقدما معًا. لم يكن بالداخل تمثال. بل صندوق خشبي صغير يحمل نفس النقشة: الصقر والمفتاح. أخرجه زين ووضعه فوق الطاولة. فتح الصندوق. مفتاح ذهبي صغير. ومنديل ملفوف. فتح المنديل. خريطة مقبرة. وتحتها كلمات بخط رزق: "اللي يلاقي المفتاح... يفتح الباب. واللي يفتح الباب... يحمي الريشة. أمانة في رقبتك يا صقر." تخشب زين للحظة. ثم رفع عينيه إليها. كان صوته مختنقًا: "أبوكِ... كان عارف إنه هيموت. وساب لي الوصية... وهي إنتِ يا ريشة." عندها فقط— انهارت. سقطت على الأريكة ودفنت وجهها بين كفيها. انفجر بكاؤها لأول مرة بصدقٍ كامل. "أنا تعبت يا زين..." خرج صوتها ممزقًا. "تعبت من الجري... من الخوف... من إنك شايفني غجرية بيترمي عليها فلوس ولحمها متشاف للناس." جلس جوارها. لم يلمسها. لم يربت على كتفها. تركها تبكي حتى أفرغت ما بداخلها. ثم مد إليها منديلًا. "امسحي دموعك." هزت رأسها بصمت. فنهض وقال: "حاضر... قومي اغسلي وشك. عشان ورانا شغل. كلها ست أيام، لو فشلنا إنتِ هتكوني كبش الفدا." دخلت الحمام. غسلت وجهها بالماء البارد. رفعت رأسها نحو المرآة. الوجه نفسه... لكن شيئًا ما تغير. همست لنفسها: "أنا أمانة عايز يحافظ عليها... ولا غنيمة عايز يكسبها؟" خرجت. وجدته يقف في الصالة يتحدث في الهاتف. "ألو... أيوه يا باشا. لا يا فندم، البنت في حمايتي. ومش هسلمها دلوقت. غير بعد ميعادنا، ساعتها لو رفضت خدني معاها واعمل اللازم." أغلق الخط. نظر إليها. "اللواء عاصم سحب مني القضية... وإداها لظابط تاني." شهقت. "يعني إيه؟" ابتسم ابتسامة صغيرة، فيها سخرية وتحدٍ. "يعني إحنا دلوقتي مطاردين... أنا وإنتِ. ضد الحكومة، وضد علي. عاجبك كدا صح؟" بلعت ريقها. "يعني لو مسكوني... هتتعدم معايا ولا إيه؟" هز رأسه. "لا." "طب والعمل؟" فرد الخريطة فوق الطاولة. "هنروح. نجيب التمثال. ونحرق الورق كله. معايا؟" نظرت إلى الخريطة. ثم إليه. وأخيرًا قالت: "اتفقنا." في الوقت نفسه — فيلا سليم العزايزي كان سليم يجلس غاضبًا، بينما يقف وحيد أمامه بذراع مجبسة ورأس ملفوف. صرخ سليم: "يعني إيه أخدها؟ وإنت كنت فين يا حمار؟" تأوه وحيد. "يا حاج ده زين المنصوري، ومعاه قوة و—" قذف سليم الكأس أرضًا فتحطم. "البنت دي مفتاح المقبرة. وأبوها خبى التمثال في بيت زين. يعني التمثال، والبت، والظابط... كلهم في حتة واحدة. لازم نجيبهم." استدار نحو أحد رجاله. "كلم اللواء عاصم. قوله: بنتك ليلى عايزة عريسها... وعريسها خاطف رقاصة. ولو مجابهاش، هفضح إن القضية كلها متطبخة منك وإنك ضابط فاسد ومرتشي." "سامع يا حاج." بيت زين — الرابعة فجرًا كانت ريشة عاجزة عن النوم. ترتدي ترينج رماديًا واسعًا يخص زين. خرجت من الغرفة بخطوات هادئة. وجدته في الصالة. منحنيًا فوق الخريطة. وسلاحه إلى جواره. قال دون أن يرفع رأسه: "مش جايلك نوم؟" جلست قبالته. "لا خالص... قلقانة." رفعت عينيها إليه. "تفتكر في حد ورا الموضوع؟" أجاب وهو شارد في الخريطة: "لازم أتوقع كل شيء. مينفعش أستبعد أي احتمال." ساد الصمت بينهما. ثم همست: "زين..." "نعم؟" بلعت ريقها بصعوبة. "لو... لو موتنا... هتشوفني رقاصة وبس؟ مش ست تستأمنها على نفسك وبيتك؟" رفع رأسه ببطء. دار حول الطاولة. ثم جلس أمامها. رفع يديه وأمسك وجهها بين كفيه. نظرت إليه دون أن تتنفس. مال قليلًا. ووضع قبلة هادئة على جبينها. قبلة لم تكن شهوة. كانت وعدًا. كانت حضنًا دون ذراعين. همس: "نامي يا ريشة." أغمضت عينيها. ثم مالت برأسها على صدره. سمعت دقات قلبه. قوية. مضطربة. حقيقية. وهمست بصوت خافت: "حاضر يا صقر... ليلة واحدة هدنة." استكانت بين ذراعيه. وغفت. أما هو— فبقي مستيقظًا. يضمها بيد، وفي اليد الأخرى سلاحه. الفصل العاشر كانت الساعة تقترب من السابعة صباحًا حين فتحت ريشة عينيها ببطء. لثوانٍ لم تعرف أين هي، ولا لماذا السقف فوقها أبيض نظيف لا يشبه صاج غرفتها فوق السطوح، ولا لماذا رائحة القهوة الرجالية تملأ المكان. ثم شعرت به. ذراع ثقيلة ملتفة حول خصرها بإحكام. صدر صلب تستند إليه. ونَفَس دافئ يلامس شعرها. زين. تجمدت لحظة، ثم رفعت رأسها قليلًا. كان ما يزال نائمًا… أو يبدو نائمًا. دقنه النابتة الخشنة تحتك بجبينها، وملامحه هادئة على غير عادته، كأن الحرب التي تسكنه هدأت لساعات فقط. لكن ما لم يهدأ أبدًا كان المسدس المستقر في يده الأخرى فوق الكنبة. حتى وهو نائم… يحرسها. ابتلعت ريقها، وحاولت أن تزحزح نفسها بهدوء. فجأة خرج صوته خشنًا ناعسًا: "رايحة فين؟" انتفضت. "صحيت؟" فتح عينًا واحدة ونظر إليها. "بسألك." قالت وهي تحاول إخفاء ارتباكها: "هقوم أعمل فطار… ولا ناوي تسيبني ف حضنك كدا لحد الضهر؟" رفع حاجبه بتكاسل. "حضن إجباري." زقته بكفها في صدره. "إجباري إيه يا خويا؟ دا انت كاتم ع نفسي." ضحك. ضحكة قصيرة، رجولية، خرجت منه غصبًا، فشعرت بشيء دافئ يهتز تحت أذنها. "ماشي يا ريشة… قومي." حررها أخيرًا. قامت بسرعة، وعدلت الترينج الواسع عليها، ثم مشت نحو المطبخ وهي تشعر أن قلبها يطرق ضلوعها بلا سبب مفهوم. بعد نصف ساعة كانا يجلسان في الصالة. هو يحتسي قهوته السوداء المعتادة، جالسًا بكامل تركيزه كأنه في اجتماع حرب. وهي على الطرف الآخر من الكنبة، تلف طرحتها حول رقبتها وتنظر إلى الخريطة المفتوحة فوق الطاولة. قال زين وهو يضع الفنجان: "النهارده باقي خمس أيام. علي العزايزي مش هيسكت." رفعت عينيها إليه. "أنا… أنا حقيقي آسفة." نظر لها. "على إيه؟" بلعت ريقها. "عشان دخلتك في الليلة دي كلها. عشان بقيت ضد اللواء، وضد شغلك، وضد الناس… عشاني." سكت لحظة. ثم قال بصوت أخفض، أصدق: "متتأسفيش… أنا بحارب عليكي. ودا كفاية." ارتجف شيء داخلها. هذه الجملة… لم تكن تعرف كيف تستقبلها. رجل مثله لا يقول كلمات كهذه إلا إذا كانت خارجة من عمق لم يصل إليه أحد. خفضت عينيها سريعًا. "طب… هنروح المقبرة إمتى؟" فهم هروبها، لكنه لم يعلق. "بالليل. النهار خطر. عيون علي في كل مكان. بس قبلها… لازم أأمنك." رفعت رأسها. "تأمني؟" قام من مكانه. "أيوه." اتجه نحو شماعة البدلات، وسحب جاكيته الميري. استدارت نحوه بحيرة. "بتعمل إيه؟" التفت وقال ببساطة شديدة، كأنه يخبرها أنه سيشرب ماء: "هكتب كتابي عليكي. دلوقتي." سقطت الكوب من يدها وانكسرت. "نعم؟!" "سمعتي." قامت واقفة. "إزاي يعني؟ إنت اتهبلت؟" اقترب منها. "رزق الحاوي لما يظهر، وعلي لما يعرف مكانك، هتبقي في خطر أكبر. بنت الحاوي سهلة تتاخد. سهلة تتحبس. سهلة تتباع. لكن مرات الرائد زين المنصوري؟" ضرب على صدره. "دي ليها ضهر. ليها اسم. ليها قانون وجيش." صرخت: "جواز إيه في نص الحرب دي؟ القيامة قايمة وإنت عايز تتجوزني؟" قرب أكثر. "آه. عايزك." رمشت بسرعة. "عايزك وبعف نفسي فيكي… فيها مشكلة؟" عينها لمعت بالدموع. "بردو شايفني جسم؟ عمرك ما هتشوفني بني آدمة وتسألني أنا عايزة إيه؟" مد يده فجأة وأمسك وجهها بين كفيه. "انتي ليه شايفاني كده؟" سكتت. لأنها لا تعرف. لأن كل الرجال قبلَه كانوا هكذا. نظر في عينيها طويلاً. "ومين قال إني هاخده أمر مسلم بيه؟" قالتها بعناد متحشرج. "مش يمكن أقول لأ؟" مال عليها حتى صار نفسه فوق شفتيها. "قولي لأ…" همس. "وأوعدك… هخطفك وتكوني مراتي بردو." اتسعت عيناها. وفي اللحظة نفسها— دق الباب. ثلاث دقات ثقيلة. تبادلا النظرات. زين استدار فورًا، وسحب طبنجته. "روحي الأوضة." "بس—" التفت صارخًا: "اتحركي يا ريشة!" جرت. اختفت داخل الغرفة وأغلقت الباب. زين تقدم بحذر وفتح. ثلاثة عساكر، ومعهم نقيب. النقيب أدى التحية بتوتر. "أوامر اللواء يا فندم." "خير؟" "البنت اللي عندك… ريشة الحاوي. مطلوب تسليمها فورًا." ثبت زين نظره فيه. "فيها ضبط وإحضار؟" النقيب تلعثم. "لسه… بس دي تعليمات مباشرة." رفع زين سلاحه ببطء. العساكر شهقوا. "طالما مفيهاش ورق… يبقى اللي هيحط رجل جوه بيتي هيطلع على نقالة." "يا باشا… إنت كده بتتمرد ع الأوامر." زين اقترب حتى صار فوهة السلاح على صدر النقيب. وقال بصوت جهوري متعمد: "أنا كده بحمي حرم الرائد زين المنصوري." داخل الغرفة… ريشة سمعت الكلمة. شهقت ووضعَت يدها على فمها. في الخارج أكمل: "واللي مش عاجبه يبلغ اللواء إني مستنيه. بس مش هنا." النقيب ابتلع ريقه. "فين يا فندم؟" زين قال وهو يغلق الباب في وجوههم: "في المقبرة." سند ظهره على الباب، وأنفاسه تعلو وتهبط. ثم سمع نحيبًا مكتومًا من الغرفة. فتح. وجدها واقفة تبكي. ليست دموع خوف… بل دموع انهيار. "إنت هتودّي نفسك في داهية عشاني." اقترب. "تعالي." شدها إلى حضنه. هذه المرة لم تقاوم. دفنت وجهها في صدره. قال فوق شعرها: "يلا." "على فين؟" "نكتب الكتاب." رفعت رأسها. "دلوقتي؟" "دلوقتي." "مفيش شهود…" "فيه." أخرج هاتفه. اتصل. "ألو يا شيخ حسن؟ محتاجك حالًا. ومعاك اتنين شهود. عنواني." أغلق. ونظر لها. "ساعة… وتبقي مراتي." همست بضعف: انت مسيطر ومتحكم أمسك يدها ووضعها فوق قلبه. بس بحبك جلس الشيخ حسن في الصالة، وبجواره شاهدان من رجال زين الموثوقين. ريشة كانت جالسة في الطرف الآخر، ترتدي عباية سوداء نظيفة وطرحة بيضاء بسيطة أعطاها لها. وجهها شاحب. وقلبها يرتعد. زين جلس أمام الشيخ بكامل هيبته الميرية. قال الشيخ: "موافقة يا بنتي؟" رفعت عينيها نحو زين. كان ينظر إليها بثبات، كأنه يقول: القرار لكِ. لأول مرة… القرار لها. بللت شفتيها. "موافقة." خرجت الكلمة ضعيفة. لكنها خرجت. زين أغمض عينيه ثانية كأنه كان يحبس نفسه حتى يسمعها. بدأ الشيخ في الإجراءات. أسماء. مهر. شهود. ثم— "بارك الله لكما وبارك عليكما." انتهى. ريشة صارت زوجته. رسميًا. شرعًا. وقانونًا. وقبل أن تستوعب… زين مال على يدها. ورفعها. وقبّل ظهر كفها أمام الجميع. ثم قال وهو ينظر في عينيها: "مبروك يا حرم الصقر." في السيارة... كان الصمتُ بينهما غريبًا. صمتُ زوجين كُتب اسماهما على ورقةٍ واحدة، بينما الموتُ نفسه يركض خلفهما. ريشة تُحدّق من النافذة، أصابعها تعبث بالدبلة الجديدة كأنها لا تصدّق أنها هناك. دبلة بسيطة، لكن ثِقلها في يدها كان أثقل من الدنيا. ثِقل اسم جديد. ثِقل رجلٍ قال أمام الجميع: حرم الرائد زين المنصوري. أما زين... فكان يقود وعيناه على الطريق، لكن يده اليمنى لم تترك يدها لحظة. الساعة 9 مساءً — طريق المقبرة. وصلوا. الجبل واقف في وشهم كوحشٍ أسود، والهواء محمّل برائحة تراب قديم... ورائحة موت. نزل زين أولًا. ربط الحبل في الصخرة بإحكام. شدّه مرتين. "أنا الأول." قال بحزم. "سوا." قالتها وهي تمسك الحبل بجانبه. "قلت لك... على الحلوة والمرة." التفت إليها. حدّق فيها ثانيتين. في عينيها كان هناك شيء لم يعد يعرفه فيها: لا راقصة، لا غجرية، لا شاهدة قضية... بل امرأة تقف في صفه. امرأته. تنهد وقال: "ماشي يا حرم الصقر... سوا." ونزلا. الحبل يئنّ تحت ثقلهما. الظلام يبتلع جسديهما شيئًا فشيئًا. حتى لامست أقدامهما الأرض الحجرية أسفل البئر. أمامهما... باب ضخم من الصخر. منقوش عليه صقر باسط جناحيه، وبين مخالبه مفتاح. ريشة شهقت. "هي دي..." زين أخرج المفتاح الذهبي. تقدّم. أدخله في الفتحة. تك. صوت التكة دوّى كأنه فتح قبر. الباب انزلق ببطء. صريرُه يشبه أنين ميتٍ قام من نومه. دخلوا. هواء بارد ضرب وجهيهما. رائحة عتاقة. تراب. رطوبة. وأسرار عمرها سنين. وفي عمق المقبرة... وقف التمثال الذهبي. صقر ضخم، جناحاه مفرودان، عيناه من حجر أخضر يلمع في الظلام. وجانبه... رزق الحاوي. مكبّل، وجهه شاحب، لحيته طويلة، لكنه حي. وريشة شهقت: "أبويا!" لكن الصدمة لم تكتمل... لأن أمام التمثال كان يقف علي العزايزي، مبتسمًا كشيطانٍ وجد فريسته. وعلى يمينه... ليلى. وفي يدها مسدس مصوّب مباشرة على رأس ريشة. ضحك علي ضحكة طويلة. "مفاجأة حلوة، صح؟" زين تحرك فورًا ووقف أمام ريشة كالدرع. "اللي يقرب لها..." قال بصوت منخفض مرعب، "هشيله من على وش الأرض." ليلى كانت ترتعش من الغضب. وجهها محمّر، عيونها زايغة. "مراتك؟!" صرخت. "اتجوزتها يا زين؟! اتجوزت رقاصة؟! غجرية؟!" وتقدمت ناحيته كالمجنونة تريد أن تمسكه. زين رمقها باحتقارٍ جلي. وقال ببرود قاسٍ: "اتجوزت ستّك وتاج راسك... اللي تساوي مية من عينتك." كلماتُه نزلت على ليلى كصفعة. أما ريشة... فاشتعل دمها. تقدمت نصف خطوة، رغم السلاح على رأسها. "شيلي إيدك من على جوزي يا خطافة الرجالة!" صاحت. ليلى التفتت لها بنظرة سمّ. "جوزك؟ إنتِ؟ واحدة غجرية اتربت في حضن الرجالة؟ متقلقيش... يومين وهيعرف حقيقتك ويزهق منك." رفعت ريشة يدها، وأظهرت الدبلة في إصبعها. "أنا مراته." قالتها ببطء، بكل شماتة العالم. "على ورق... وعلى سنة الله. وإنتِ؟ ولا حاجة." صرخت ليلى صرخة هستيرية... وضغطت الزنا زين رمى نفسه على ريشة. الرصاصة مرّت فوق كتفه بشعرة، وخبطت في الحائط الحجري. وقعا على الأرض. "قلت لك ورا ضهري يا حمارة!" زعق وهو يسحب مسدسه. "متشتمش!" زعقت وهي تطلع المطواة من جيبها. وفجأة... انفجرت المقبرة نارًا. رجالة علي خرجوا من الجوانب. رصاص. صراخ. شرر يرتطم بالحجر. رزق الحاوي يصرخ من مكانه: "سيبوهم يا كلاب!" علي يضحك بجنون: "اقتلوهم! خلصوا عليهم!" زين يطلق النار بدقة وحش واحد سقط. الثاني انخرم كتفه. ليلى تصرخ وتستخبى خلف التمثال. وريشة... كانت تزحف على الأرض كالقطّة البرية. ثم فجأة قفزت. نطت على ليلى. المسدس وقع من يد ليلى. وريشة لفّت ذراعها حول رقبتها، والمطواة التصقت بجلدها. "حركة واحدة..." قالت ريشة وهي تلهث، "أدبحك." ليلى شهقت، جسمها اتخشب. ريشة قربت شفتيها من أذنها وهمست بشر: "أنا ريشة... عَ سنّ ورمح. كل ده بتعامل معاكي بأخلاق. لو وريتك شغل العوالم... مش هسيب فيكي حتة سليمة. هدبحك يا ليلى زي الفرخة." "ريشة سيبيها!" صرخ زين. "لا!" عينها كانت جحيمًا. "دي كانت عايزة تاخدك مني! وتسجني! وديني ما أنا عاتقاها!" وفي تلك اللحظة... علي العزايزي رفع سلاحه من الخلف. صوبه على ريشة. زين لمح اللمعة. اللحظة كانت أسرع من التفكير. استدار. رفع مسدسه. وضرب ثلاث رصاصات مستقرة... في صدر علي. اتسعت عينا علي. ترنح. ثم وقع على التمثال الذهبي. دمه سال على جناح الصقر... كأن الصقر شرب ثأره أخيرًا. الصمت. صمتٌ ثقيل... بعد كل هذا الجحيم. ليلى فقدت وعيها بين ذراعي ريشة. ريشة دفعتها بعيدًا. وجرت. جرت على زين. ارتمت في حضنه. "يا راجلي يا جامد!" "خلصت عليه! معلم كبير والله!" زين لف ذراعه حول خصرها وجذبها إليه بقوة. "عشانك..." همس وهو يلهث. "أدخل النار وأتحرق فيها." ثم شدها أكثر... وقبّلها. قبلة لم تكن هادئة. بل قبلة نجاة. قبلة رجل خرج من فم الموت ووجد جَنّته في فمها. قبلة شغف. قبلة تملك. قبلة غيرة. قبلة وعد. ريشة تشبثت به كأنها لن تتركه لو انشقت الأرض. وحين ابتعدا... كان رزق الحاوي يبكي. زين أسرع إليه، فكّ قيوده. وريشة ارتمت في حضن أبيها. رزق ضمّهما معًا إلى صدره. وبكى بصوت رجلٍ انكسر ثم جُبر. "كده..." قال وهو يمسح دموعه، "كده أقدر أموت وأنا مرتاح. بنتي... في عِشّ صقر." ثم نظر إلى زين. "خد بالك منها يا ولدي." زين احتضن ريشة من كتفها، وسحبها ناحيته. "دي روحي يا عم رزق." ريشة رفعت عينيها له. والمرّة الأولى... لم ترَ فيه الظابط. رأت البيت. تمت. بقلم هاجر عبدالحليم.