ريشة والصقر
الفصل 1 و 2 و 3
الفصل الأول
مولد… الساعة العاشرة ليلًا.
كانت الطبول تدق بعنف؛
“دوم… تك… دوم…”
والبخور يملأ الأنوف برائحته الثقيلة، فيما التفّ الناس في دائرة واسعة، تتعالى منها الهتافات والصفير.
في المنتصف كانت النار مشتعلة.
وفوق النار… كانت تقفز.
ريشة الحاوي.
فتاة في الحادية والعشرين، ينسدل شعرها الأسود حتى آخر ظهرها، مشدودًا بحزام ذهبي يلمع مع كل حركة.
ترتدي بدلة رقص حمراء تشتعل تحت ألسنة اللهب، والصاجات بين أصابعها تُصدر نغمًا كأنها تتحدث، أما الخلخال الملتف حول كاحلها فكان يحكي حكايات أخرى مع كل خطوة.
كلما ارتفعت بجسدها فوق النار، شهق الناس.
— “بنت الحاوي بتسحر!”
— “دي مش رقاصة… دي عفريتة!”
وخلف الدائرة، في بقعة مظلمة لا يصلها ضوء المشاعل، كان يقف هو.
الرائد زين المنصوري.
بزته العسكرية مشدودة فوق جسده الصلب، والكتافات تلمع تحت الضوء الخافت، أما عيناه السوداوان فكانتا ثابتتين لا ترمشان.
همس العسكري الواقف بجواره:
— “هي دي يا فندم… ريشة. بنت رزق الحاوي. أبوها مطلوب في تلات قضايا آثار.”
لم يرد زين.
ظلّت عيناه معلقتين بخصرها المتمايل على نغمة الطبلة، كأنه يخطّ تعويذة لا تُقاوم.
جزّ على أسنانه وقال ببرود:
“كل الشمال متجمع في خصر واحد.”
ثم أشار إلى رجاله دون أن يحيد بنظره عنها.
“على إشارتي… هنلم المولد ده كله.”
في تلك اللحظة كانت ريشة قد أمسكت بطوق من النار، تديره حول جسدها بخفة مخيفة.
ألسنة اللهب كانت تضيء وجهها؛
وجه طفلة بريئة، لكن بعينين لامرأة رأت الجحيم يومًا وعادت منه وحدها.
انتهت الرقصة، فألقت بالطوق بعيدًا، وتعالت الصيحات:
— “كمان يا ريشة!”
— “كمان يا تاج الحاوي!”
ضحكت ريشة، ورفعت يدها التي تحمل الصاجات قائلة بصوت رخيم لعوب:
— “بنات الحاوي ما بترقصش ببلاش يا خلق! اللي عايز العفريتة ترقص تاني… ينقّط!”
فتساقطت النقود عليها كالمطر.
وفي خضم الزحام… التقطت عيناها ذلك الرجل.
واقفًا في مكانه.
ثابتًا كتمثال حرب.
لا يصفق، لا يبتسم، لا يلقي نقودًا.
يحدّق فقط.
ولم تكن تلك نظرة رجل يشاهد راقصة…
بل نظرة صقر يحدق في فريسته قبل الانقضاض.
ابتلعت ريقها.
لقد عرفته فورًا.
الرائد زين المنصوري.
الرجل الذي ما دخل مولدًا إلا وخرج منه منتصرًا، ومعه نصف الموجودين مكبلين.
لكنها لم تُظهر ارتباكها.
غمزت له من بعيد، وصاحت بصوت أعلى:
— “إيه ده يا خلق؟! عندنا صقور في المولد! شكلها جعانة… بس الريشة ما بتتاكلش يا حرام!”
انفجر الناس بالضحك.
إلا هو… لم يضحك.
رفع يده فقط، وقال:
“دلوقتي.”
وفورًا اندفع العساكر في كل اتجاه.
— “ثابت! المولد يتفض حالًا!”
تحولت الدائرة إلى فوضى؛
صراخ، هرولة، أطفال يبكون، ودخان البخور اختلط بتراب الأرض.
ريشة جمعت ذيل بدلتها وهمّت بالفرار.
لكنه كان أسرع.
قبض على ذراعها.
كانت كفّه خشنة ساخنة، قوية كأنها طوقت العالم كله حول معصمها.
أدارها نحوه بعنف.
فصار وجهها في مواجهة وجهه مباشرة.
النَّفَس بالنَّفَس.
رائحته خليط من الميري، وعطر رجولي غالٍ، وبارود.
أما رائحتها فكانت بخورًا وعرقًا وخطيئة.
قال بصوت منخفض لكنه نافذ:
“الرقص ده بترخيص؟”
رفعت حاجبها بتحدٍّ:
— “والفرجة ببلاش يا باشا؟”
اقترب أكثر، حتى اصطدم خلخالها ببيادته العسكرية.
“تحريض على الفسق، وإزعاج سلطات، والتستر على مجرم هارب.”
ضحكت في وجهه ضحكة رنانة.
— “فسق إيه بس أعوذ بالله يا باشا؟ دا مولد! أنا برقص وبس. الفسق ده في عين اللي بيتفرج عليّا بخياله… يعني ذنبي أنا؟”
ثم وضعت الصاجات على صدره وطرقت بهما طرقعة واحدة.
— “وبعدين مجرم هارب مين؟ تقصد أبويا؟ آه الله يرحمك يا حاج ويِبَشّبِش الطوبة اللي تحت راسك… دا ميت من زمان.”
اختفت الضحكة من عيني زين.
انتزع الصاجات من يدها وألقاها أرضًا.
“بتستعبطي؟ فاكراني واحد من اللي بيهبلوا عليكي؟”
ثم دفعها حتى التصقت بعمود النور، وحاصرها بجسده العريض.
“فين رزق الحاوي يا بت؟”
قالت ببرود مستفز:
— “في التربة يا باشا. أحلف لك بإيه عشان تصدق؟ مات من تلات سنين. تحب أوريك شهادة الوفاة؟”
لم يصدقها.
رفع يدًا قوية وأمسك بذقنها، يجبرها على رفع وجهها إليه.
“الكذب على ظابط… تهمة لوحدها.”
ثم أخرج الكلبش.
لمع الحديد تحت ضوء العمود.
نظرت إليه ريشة… ثم رفعت عينيها إلى عينيه.
ولأول مرة… لم تخف.
اقتربت ببطء حتى أصبحت شفتاها قرب أذنه، وهمست:
— “هتكلبش ريشة يا صقر؟ طب والريشة لو طارت… هتعرف تمسكها؟”
كان نفسُها ساخنًا.
وريحتها ضربت رأسه كالمسكر.
تجمد زين لثانية.
ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
رفعت ركبتها وضربته في ساقه بقوة، وانتزعت ذراعها من قبضته، ثم اندفعت تركض.
— “اقبضوا عليها!”
صرخ زين وهو يعرج خلفها.
كانت تركض بين الخيام كأن الأرض تحفظ خطاها، والخلخال يفضحها برنينه.
عند أول الحارة توقفت لحظة، واستدارت.
نفخت له قبلة في الهواء، وصاحت ضاحكة:
— “التهمة الجاية خلّيها عشق وهوس يا حضرة الظابط… عشان دي التهمة الوحيدة اللي ممكن أسلّم نفسي فيها! غير كده هوديك البحر وارجعك عطشان!”
ثم اختفت في الظلام.
ظل زين واقفًا، ممسكًا بالكلبش الفارغ، وساقه تؤلمه.
اقترب العسكري مرتبكًا:
— “هربت يا فندم… ملحقناهاش، مركبة صاروخ في رجليها بنت الـ…”
لكن زين لم يجبه.
كان لا يزال يشم رائحتها على كفه،
ويسمع رنين الصاجات في أذنه.
ثم قال بصوت خافت لم يسمعه سواه:
“خليها تمشي… هجيبها تاني.”
الفصل الثاني
كان الشارع نائمًا تمامًا، كأن الليل ابتلع كل الأصوات.
لا نباح كلاب، لا همسات بشر، ولا نافذة مفتوحة.
البيوت مغلقة بإحكام، والهواء البارد يمر بين الأزقة في صمت ثقيل.
إلا بيتًا واحدًا.
غرفة صغيرة فوق السطح، بابها الخشبي متهالك، وشباكها يئن كلما داعبته الريح.
في الداخل، وعلى حصيرة قديمة، كانت نائمة هي.
ريشة الحاوي.
قميص نوم أحمر يلتف حول جسدها بخفة، يصل إلى منتصف فخذيها، وقد انزلقت إحدى حمالتيه عن كتفها.
شعرها الأسود منثور فوق الوسادة كخيوط ليلٍ ساكن، وفي قدمها خلخال وحيد لم تنتبه لخلعه من شدة الإرهاق.
كانت نائمة كالميتة من تعب المولد والهروب.
وفجأة…
بووووم!
اهتزت الغرفة مع ركلة عنيفة حطمت الباب.
تناثر الخشب، وارتفع التراب في الهواء.
فزعت ريشة من نومها، شهقت، وجذبت القماش إلى صدرها بسرعة.
فتحت عينيها…
فوجدته واقفًا فوق رأسها.
الرائد زين المنصوري.
بزته العسكرية متجعدة من السهر، وعيناه محمرتان من قلة النوم، وكتافاته تلمع في ضوء الفجر المتسلل من خلفه.
وفي يده… الكلبش.
خلفه وقف عسكريان مذهولان، تتنقل أعينهما بينها وبين القميص الأحمر.
زين بص للعساكر بصة واحدة.
“بتتفرجوا ع أي يا حيوانات؟ بررررة.”
انطلقا إلى الخارج فورًا، وأغلقا الباب المكسور خلفهما قدر المستطاع.
وبقي هو وهي.
وحدهما.
بلعت ريشة ريقها، لكن وقاحتها سبقت خوفها.
رفعت حاجبها وقالت بصوتٍ ناعس:
“إيه يا حضرة الظابط؟ هو العقل غايب ولا إيه؟ دي الساعة أربعة والناس بتصلي الفجر واللي منهم نايم، منورني ليه الساعة دي؟ ولامؤاخذة في دي الكلمة، ينفع تخش ع واحدة وتهجم عليها كدا؟ دي مش أخلاق صقور؟”
تقدم زين خطوة، فاصطدمت بيادته بطرف الحصيرة.
“أنا مش جاي أسبّلك يا بت، أنا جاي أفتش.”
ألقى الكلبش بجوارها، فصدر عن الحديد رنين بارد.
“واللي هبدأ بيه… إنتِ. قومي، فِزّي.”
ضحكت ريشة ضحكة متكاسلة، ومدت ذراعيها تتمطى.
ارتفع القماش قليلًا مع الحركة، وانسابت خصلات شعرها على كتفيها.
“عايز تفتشني وأنا نايمة كده؟ طب استنى ألبس لك بدلة الرقص عشان التفتيش يبقى على أصوله، أصلي ريشة ما بتعرفش تشتغل غير بمزاج وكيف.”
جزّ زين على أسنانه.
رائحة البخور لا تزال عالقة بالغرفة، لكن ثمة رائحة أخرى… دافئة، أنثوية، خارجة من نومها، كانت أشد إزعاجًا على أعصابه.
مد يده وقبض على ذراعها بقوة، يجبرها على الوقوف.
فوقفت حتى صار طولها عند صدره تقريبًا.
“فين أبوكي يا ريشة؟”
خرج نفسه ساخنًا قرب وجهها.
رفعت عينيها إليه بثبات.
“لا… دا الصنف عالي أوي.”
انزلقت عينا زين رغمًا عنه إلى عنقها، إلى الحمالة المنسدلة، إلى ارتجافة أنفاسها تحت القماش الخفيف، فاشتد وجهه أكثر.
ثم صاح:
“أبوكي هربان من السجن وإنتِ بتقولي ميت؟ عيّل أنا صح؟”
تركها ودار في الأوضة بعصبية.
فتح الدولاب المكسور، قلب المرتبة، بعثر ما على الرفوف.
ثم اتجه إلى التسريحة، وفتح درجها بعنف.
روج. كحل. ومقص صغير.
رفع المقص بين أصابعه.
“والمقص ده بتعملي بيه إيه؟”
اقتربت منه ريشة ببطء، حتى لامس صدرها أزرار بدلته.
مدت يدها وأخذت المقص منه ببرود.
“المقص ده بقص بيه ضوافري يا باشا… وقص بيه لسان أي راجل يفكر يمد إيده على ريشة الحاوي أيًّا كان وضعه. ثم ماله المقص هو ممنوعات؟”
أمسك زين يدها التي تحمل المقص وضغط عليها.
“إديهولي يا ريشة قبل ما أعمل لك قضية إنك ماسكة سلاح أبيض.”
“سلاح أبيض يا لهوي!
يا باشا المقص ده آخري أقص بيه قماش… إنما السلاح فدا—”
وضعت يدها على خصرها، ولفت نصف لفة بطيئة، كأنها تستعرض تحديها.
“وسطي ده هو اللي بيقتل… هو اللي بيخضع… هو اللي بينتقم ويقهر. أنا أقدر أذل رجالة بشنبات بالدوم والتك.”
اشتعل غضبه في لحظة.
جذبها حتى ارتطم ظهرها بالحائط.
برودة الحائط خلفها زادت سخونة أنفاسه أمامها.
جسده حاصرها، وكتافاه حجبتا عنها الدنيا كلها.
“بطلي لعب معايا يا بنت الحاوي. أنا مش واحد من الصيع اللي بيصفروا لك في المولد. انجزي أنا بكلمك ودي لحد دلوقت.”
رفعت ريشة رأسها ببطء، حتى أصبحت شفتاها على بعد أنفاس من ذقنه.
“تعرف تقبض ع الفوضى يا باشا؟”
خرج نَفَسها دافئًا، وضرب صدره مباشرة.
هبطت عيناه إلى شفتيها لحظة؛ حمراوين، نصف مفتوحتين، وكأنهما تستدرجانه إلى معركة أخرى.
تذكر جملتها في المولد: التهمة الجاية خليها عشق.
فتراجع خطوة واحدة كمن لُسع.
“شكلك يقرف… البسي لبس عدل وتعالي معايا.”
مالت رأسها، وتأملته من أعلى لأسفل.
“وماله لبسي؟ دول عساكرك معرفوش ينزلوا عينهم من عليّا.”
استدارت أمامه ببطء، فاهتز القماش مع حركتها.
“أنا قمر… وأفتن أي حد، حتى إنت.”
انفجر صوته.
وشدها من شعرها قائلًا:
“أنا هربيكي يا بنت الحاوي.”
لكنها قاطعته.
ارتفعت على أطراف أصابعها، فصار وجهها في وجهه، وصدرها يلامس صدره لثوانٍ خاطفة.
“وأنا مستعدة يا زين.”
تجمد.
اسمُه من شفتيها، بلا رتبة ولا ألقاب، نزل عليه كشرارة.
رائحة شعرها، سخونة قربها، وتلك الجرأة المستفزة…
كلها صفعت ثباته.
ارتفعت يده دون وعي، واستقرت على خصرها من فوق القماش.
انغرست أصابعه في لين جسدها.
“إنتِ… إنتِ بتلعبي بالنار يا ريشة.”
خرج صوته مبحوحًا.
ضحكت قرب أذنه، وهمست:
“أنا برقص عليها يا باشا.”
وكان على وشك أن يفقد آخر خيط من صبره…
لولا أن دوى صوت العسكر من الخارج:
“يا فندم! لقينا ورق في المخزن اللي تحت! ورق يخص قضية الآثار!”
انكسر السحر.
انتفض زين مبتعدًا عنها كأن شيئًا لسعه.
ترك خصرها، واتجه بنظره نحو الباب، ثم عاد ينظر إليها.
كانت واقفة أمامه، القميص متجعد، شعرها منكوش، وعلى شفتيها ابتسامة انتصار صغيرة.
انتصار امرأة عرفت أنها زعزعت الصقر.
انحنى زين، التقط الكلبش، ثم اقترب منها للمرة الأخيرة.
مال على أذنها وقال:
“المرة دي فلتي يا ريشة.”
ثم استدار وغادر.
ظلّت هي مكانها لثوانٍ، وقلبها يضرب صدرها كطبول المولد.
رفعت يدها ولمست خصرها في الموضع الذي استقرت عليه أصابعه.
ثم ضحكت.
ضحكة عالية، مجنونة، ملأت الغرفة الفارغة.
ركضت إلى الشباك، وأطلت منه.
رأته أسفل البيت يصرخ في العساكر، وعروق رقبته نافرة.
فصاحت:
“زين!”
رفع رأسه.
نفخت له قبلة في الهواء.
“التفتيش الجاي خليه في المولد عندي!”
ثم أغلقت الشباك…
وتركت قلبه يشتعل وحده.
الفصل الثالث
كانت الأوضة ضيقة إلى حد الاختناق.
رائحة العرق والتراب والسجائر القديمة متشبثة بالجدران، وشباك صغير بسلك مصدّي يسمح بخيط شاحب من نور الفجر.
دكة خشب في المنتصف، ولمبة صفراء ترتجف كأنها على وشك الانطفاء.
جلست عليها ريشة.
تلفّ نفسها بعباية سوداء واسعة انتزعتها من بيتها قبل أن يهبطوا بها إلى القسم.
شعرها مرفوع كيفما اتفق، كعقدة رخوة، ووجهها مغسول من الكحل والحمرة، لكن حتى في هذا الانطفاء القسري… كانت تحتفظ بذلك البريق المستفز.
يداها ممدودتان أمامها.
والكلبش الحديد يطوق معصميها.
كلما حركته صدر عنه رنين بارد.
وكانت تعرف رائحته.
رائحة بارود… وصابون رجالي غالٍ.
كلبشه هو.
انفتح الباب الحديدي بحدة.
ودخل الرائد زين المنصوري.
خلع الجاكيت العسكري، واكتفى بالقميص، وأكمامه مشمرة حتى كوعيه.
عروق ساعديه بارزة، وملامحه متيبسة من السهر والغيظ.
في يده ملف، وفي جيبه مفتاح الكلبش.
أغلق الباب خلفه.
وبقيا وحدهما…
مرة أخرى.
رفعت ريشة وجهها إليه.
لا دموع.
لا رجفة.
فقط ذلك التحدي العنيد الذي يخرج من عينيها كالسهم.
“بردو عملت اللي في دماغك… وجيبتني هنا.”
ألقى زين الملف فوق المكتب الخشبي.
“إنتِ هنا لهدف تخلصيه وتمشي.”
ثم اقترب حتى وقف أمامها مباشرة.
“إيه أقوالك في الورق اللي لقيناه عندك؟ ورق تهريب آثار باسم رزق الحاوي.”
رفعت يديها المكلبشتين قليلًا أمام وجهه، فاهتز الحديد ورنّ.
“ما تشيل الكلبش دا من إيدي بس الأول. جلدي احمرّ منه. مش هعرف أتكلم ولا آخد راحتي كدا.”
ثم مالت برأسها وأضافت بنفس نبرتها المستفزة:
“الأصول بتقول لما يكون في ست بتطلب منك طلب تقول حاضر.”
جزّ زين على أسنانه.
“الأصول مع اللي يحترم القانون، مش مع بنت الحاوي اللي لسانها متبري منها وعايز يتحرق ويتهد، سبحان اللي مصبرني عليكي.”
ساد الصمت لثانية.
ثم التفتت ريشة ناحية الشباك.
كان الضوء ينساب ببطء، معلنًا انسحاب الليل.
همست:
“الفجر مشي…”
ثم نظرت إليه.
“والشروق ع وشك.”
كانت عيناها صافية على غير عادتها، بلا لعب ولا سخرية.
وقالت بهدوء أربكه:
“عايزة أتوضى وأصلي يا زين.”
اسمُه مرة أخرى.
مجردًا من الرتبة.
فتجمد مكانه.
“أصلي؟”
قالها وكأنه لم يسمع جيدًا.
هزّت يديها المكلبشتين.
“أيوة، وفيها إيه؟ منا مسلمة. شايفني ملحدة يعني؟ أنا عارفة إن فيه ربنا فوق وبحبه ع فكرة وبصليله عادي… يلا فكني، ولا هتتحمل ذنبي قدام ربنا؟”
رمقها زين بنظرة طويلة ثم قال ساخرًا:
“يابت اطلعي من دول… الدمعة هتفر يا ست رابعة العدوية.”
ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة.
ثم رفعت يديها نحوه:
“فك يا صقر… ريشة لازم تتوضى.”
تنهد زين بحدة، وأخرج المفتاح الصغير من جيبه.
انحنى وفك القيد.
تحرر الحديد من معصميها، وظهرت تحتهما علامتان حمراوان واضحتان.
تمتم بضيق:
“يارب نخلص.”
فركت ريشة معصميها قليلًا، ثم قالت:
“فين الحمام معلش؟”
أشار إلى باب صغير في آخر الأوضة.
“هناك… بس الباب ما بيتقفلش.”
مشت.
وعندما مرت من جواره، لامست أطراف عباءتها بنطاله لمسة عابرة… لكنها كانت كفيلة بإرباك تركيزه.
دخلت الحمام وتركت الباب مواربًا كما أخبرها.
وانساب صوت الماء البارد.
في الخارج، وقف زين مسندًا ظهره إلى الحائط، يشعل سيجارة دون أن يسحب منها نفسًا واحدًا.
كان يسمع خرير الماء…
ويتخيلها تغسل وجهها، ويديها، وتمسح على شعرها.
ويتذكر ملمس معصمها في كفه منذ لحظات.
ضاق صدره.
ألقى السيجارة أرضًا وداسها.
همس بين أسنانه:
“الله يخربيتك يا ريشة.”
بعد دقائق، انفتح الباب.
خرجت بهدوء.
أخرجت سجادة صلاة صغيرة مطوية من فوق الرف، وفردتها على الأرض في اتجاه القبلة.
ثم وقفت.
وكبّرت.
تسمر زين في مكانه.
بنت الحاوي.
الرقاصة.
المتهمة.
تقف الآن بين يدي الله.
العباءة السوداء أخفت كل تفاصيلها، فلم يظهر منها إلا وجه هادئ وكفان مرفوعان بالدعاء.
ركعت.
سجدت.
وانحنت جبهتها إلى الأرض في خشوع صادق.
اختل شيء ما في داخله.
كل الصور التي رسمها عنها منذ رآها فوق نار المولد بدأت تتشقق.
لم يعد يفهمها.
كيف لامرأة ترقص أمام الرجال أن تقف بهذه الطمأنينة أمام ربها؟
كيف يجتمع التمرد كله… مع هذا السكون؟
ظل يحدق فيها، كأنها لغز يتعمد تعذيبه.
أنهت صلاتها.
التفتت بوجهها يمينًا ويسارًا، ثم مررت كفيها على وجهها.
وقالت بهدوء:
“خلصت. الحمد لله.”
ثم رفعت عينيها إليه ومدت يديها.
“يلا نكمل التحقيق… ولو عايز تكلبش، اتفضل. إيدي أهي.”
مدت معصميها باستسلام غريب.
نظر زين إلى اليدين الممدودتين.
ناعمتان.
خاليتان من الحديد.
وعليهما أثر العلامة الحمراء التي تركها القيد.
ثم رفع بصره إلى وجهها.
كان ساكنًا… نقيًا على نحو أزعجه.
اقترب ببطء.
أخذ الكلبش من فوق المكتب.
ومسك إحدى يديها.
لكن بدلًا من أن يغلق الحديد فورًا، توقفت أصابعه لحظة على موضع الاحمرار، يمرر إبهامه عليه في حركة سريعة خافتة.
كأنه يعتذر دون أن يسمح لنفسه بالاعتراف.
ثم أغلق القيد من جديد…
هذه المرة برفق.
قال بصوت أجش:
“التحقيق يتأجل.”
اتسعت عيناها.
“يتأجل؟”
ابتعد عنها خطوة وقال:
“إفراج مؤقت… لحد ما أمسك أعصابي.”
ثم فتح الباب وصاح في العسكري بالخارج:
“شيل اسمها من المحضر… وخرّجها.”
نظر العسكري إليه بدهشة، لكنه أطاع.
أمسك زين ذراعها وقادها إلى خارج الغرفة.
لم تكن قبضته قاسية هذه المرة.
وعند باب القسم تركها.
خرجت إلى الشارع وهي ما زالت تنظر إليه بحيرة.
أما هو فظل واقفًا مكانه، يراقب ظهرها حتى اختفى.
ثم أخرج المفتاح الصغير من جيبه.
المفتاح الذي حرر به معصميها.
ولا تزال رائحة بخورها عالقة فيه.
قال للعسكري الواقف بجواره دون أن يرفع عينيه:
“اكتب في المحضر… إنها هربت.”
ثم أغلق كفه على المفتاح وأردف بصوت منخفض:
“أنا اللي هجيبها… لوحدي.”