ريشة والصقر

رواية ريشة والصقر
الفصل السابع والتامن
الفصل السابع
كانت الصفعة لا تزال ترنّ في أرجاء المخزن كطلقةٍ ثالثة لم تُطلق من سلاح.
الجنود تجمّدوا في أماكنهم، أبصارهم معلّقة بالأرض، وأنفاسهم محبوسة داخل صدورهم. لم يجرؤ أحد على الحركة.
أمّا ريشة، فكانت تقف أمامه بصدرٍ يعلو ويهبط بعنف، وعينين تقدحان شررًا، كأنها لم تصفعه بيدها فقط… بل صفعت هيبته كلها.
زين قبض على معصمها في اللحظة التالية.
قبضته كانت من حديد، ثابتة، محكمة، لكنها لم تكن القبضة التي تكسر العظم… بل القبضة التي تمنع صاحبها من أن يرتكب ما يندم عليه.
مال عليها قليلًا، وصوته خرج هادئًا على نحوٍ مخيف:
“مديتي إيدك على ظابط شرطة ياحيلة امك… عارفة دي فيها قد إيه سجن غير دا كله انا ممكن اندمك ع جراة إيدك عليا ازاي؟”
رفعت ذقنها رغم الارتجافة التي سرت في جسدها، وقالت وهي تغرز نظرها في عينيه:
“عارفة… فيها ست شهور… فيها سنة ميهميش انت مش جاي معايا دوغري وقربك ليا كله شر انت مش قادر تفهم اي الرابط اللي بيجمعنا ياباشا انا واحدة غجرية يبقي فرق السما من العما بيني وبينك كفايا لحد كدا يا صقر.”
اقترب منها أكثر، حتى كاد نفسه يصطدم بشفتيها، ثم شدها إليه بعنفٍ مكتوم وهو يلهث:
“هموت عليكي وفاكراني هربط شرفي بواحدة لحمها رخيص وابوها تاجر اثار يعني ملهاش سمعة ولا شرف انتي غلبانة ومحتاجة تغطي نفسك كويس وانتي نايمة وحطي لعقلك حد واعرفي انه زين لما يفكر يتجوز عمرها م هتكون انتي ياريشة.”
كانت الكلمات كالسياط.
نزلت على جلدها وروحها معًا.
ثم أفلت يدها فجأة كأن لمسها صار يحرقه.
واستدار صارخًا في العساكر:
“قوموا الكلاب دول… وعلى البوكس بسرعة!”
تحرك الجنود في لمح البصر، يجرّون الرجال المصابين، وتوالت الخطوات الثقيلة حتى انغلق الباب الحديدي، وبقي المكان خاليًا إلا منهما.
هو.
وهي.
والدم المتناثر.
والتراب.
والكلمات التي مزّقت ما بينهما.
استدار زين بعد لحظات، وأخرج منديلًا أبيض من جيبه.
اقترب.
رفعت ريشة وجهها بتحدٍّ، لكنه قال بنبرة آمرة:
“هاتي وشك.”
هزّت رأسها بعناد:
“مش عايزة.”
اشتد صوته، أكثر خشونة:
“قلت هاتي وشك.”
استدارت بوجهها مرغمة، فمد يده وبدأ يمسح الدم الجاف عن خدها ببطء.
كانت لمسته حذرة على نحوٍ يناقض جفوة لسانه، وثابتة على نحوٍ يفضحه.
تأمل الخدش الرفيع الذي خلّفته المطواة، ثم سأل دون أن ينظر إليها:
“فين رزق الحاوي دلوقت؟”
انتفض جسدها كله.
نفضت يده بعيدًا وقالت بحدة:
“مش هتكلم ولا هريحك اعتبرني مش شاهدة ولا اعرف افيدك بمعلومة انساني ولو عرفت تثبت عليا تهمة وديني ع الحبس السجن للجدعان ياباشا.”
اشتعل فكه.
“هتتكلمي غصب عن اللي جابوكي كلهم وإلا هوديكي ف ستين داهية.”
ضحكت.
ضحكة قصيرة، مكسورة، موجوعة.
“بقا سهل عليك اذيتي ياصقر؟”
رفع عينيه إليها، وكانت فيهما قسوة مصطنعة لا تخفي شيئًا.
“اللي قدامك دلوقتي الرائد زين المنصوري مليش ف جو الدلع الماسخ دا ولو فكرتي انك سهل تأثري عليا تبقي غلطانة انا لو بضعف ف دا بمزاجي ومنكرش إنك حلوة وانا راجل وليا احتياجات وبعدين انا عندي قضية ولازم اقفلها.”
ثم أمسك ذراعها فجأة، وشدها نحوه حتى التصقت به، وتعلقت عيناه بعينيها كأنهما في حرب صامتة:
“قوليلي يا ريشة… التمثال فين انطقي؟”
رفعت رأسها بعنادٍ أشد.
“معرفش ومش هقولك.”
قطّب حاجبيه وهزّها هزة خفيفة:
“كدابة… عينك بتقول غير كدا ابوكي علمك شفرات الشغل كلها”
دفعت صدره بكفها.
“أبويا معلمنيش حاجة… أبويا سابني من زمان ومليش ف السكك الشلق دي
انا اخري ارقص وبس.”
صمت لحظة، ثم قال ببرود القرار:
“طب اعملي حسابك ياريشة طول م القضية دي مفتوحة انتي تحت عيني.”
تجمدت.
“يعني إيه؟”
“يعني من اللحظة دي… إنتِ في حراسة شاملة مراقبة 24 ساعة وممنوع ترجعي لرقصك ف الموالد تاني.”
قهقهت بسخرية موجوعة.
“لا ياشيخ… طب وهاكل منين اشحت ولا امد ايدي واقول لله يامحسنين حسنة قليلة تمنع بلاوي كتيرة؟”
أجابها من غير تردد:
“اللي تعوزيه هيكون تحت رجلك.”
رمقته بنظرة طويلة، ثم هبط بصرها إلى الكلبش المعلّق في حزامه.
“والمقابل اي صدقة يعني؟”
“مفيش مقابل ولا ببتذك لشيء ياريشة.”
سكتت لحظة.
ثم استدارت ناحية الباب وقالت بصوتٍ خافت:
“عايزة أروح… بيتي.”
أشار بجمود:
“عربية بره. هتوصلك ف المكان اللي تحبيه… بس العسكري هيفضل تحت البيت. ولو خرجتي بعد 9… هتلاقيني فوق راسك وهتشرفي ف الحجز. كلامي واضح؟”
لم تجبه.
فتحت الباب وغادرت.
وبقي هو وحده، مسندًا ظهره إلى الحائط، ناظرًا إلى يده التي كانت منذ دقائق تفك وثاقها… وما زالت ترتعش.
بعد ساعتين – مديرية الأمن – مكتب اللواء عاصم
وقف زين في وضع الانتباه.
بينما كان اللواء عاصم يقلب ملفًا سميكًا، ثم رفع حاجبه قائلًا:
“يعني إيه البت دي ضربتك بالقلم؟ والعساكر شافوا؟”
“حصل يا فندم.”
“وإنت عملت إيه؟”
“طبقت القانون يا فندم. حبستها ساعة، وأفرجت عنها لعدم كفاية الأدلة.”
رفع اللواء رأسه أخيرًا، وثبّت عينيه عليه.
“زين… إنت ابني. وأنا اللي مربيك. وعارفك. عينك بتقول حاجة، ولسانك بيقول حاجة تانية.”
“يا فندم—”
“اسكت.”
نهض من خلف مكتبه، ووضع يده على كتفه.
“ليلى بنتي… وإنت عارف إنك الأقرب ليها. والأقرب ليا. متخليش رقاصة غجري لا راجت ولا جت… تدمر مستقبلك انت هيبتك كان ع وشك تروح ف ثانية ولازم معاملتك معاها تكون بحدود عشان شغلك ميتأثرش.”
شد زين فكه.
“يا فندم ريشة مش مجرد رقاصة. ريشة طرف خيط في قضية كبيرة. قضية رزق الحاوي، وقضية شبكة تهريب.”
اقترب اللواء أكثر، وقال بحسم:
“وأنا بقولك… اقطع الخيط. اقفل القضية. سلم البت للنيابة تتصرف معاها. وإنت… إنت تتجوز ليلى، ونخلص بقا. عشان سمعتك، وسمعتي قضية رزق هتخلص لما تقبض عليها.”
ظل زين صامتًا.
صقر… لكنه يقف الآن أمام صقرٍ أكبر.
ثم قال:
“أوامر يا فندم… بس استأذنك أخلص شغلي بطريقتي. أسبوع واحد. لو مجبتش أبوها والتمثال… هعمل اللي تؤمر بيه.”
تأمله اللواء طويلًا.
ثم قال:
“أسبوع… بعدها يا هي في السجن، يا إنت بره الخدمة. خالص وساعتها بردو هي هتشرف ف السجن اخرك اسبوع.”
أدّى زين التحية وغادر.
وفي الممر، صادفته ليلى.
“بابي قال لك إيه؟”
قال ببرود وهو يتجاوزها:
“ادخليله.”
“زين! إنت رايح فين؟”
توقف لحظة، ثم قال دون أن يلتفت:
“هعمل الصح.”
ومضى.
نفس الليلة – بيت ريشة – الساعة 10:30
دقّ الباب.
دقتين ثقيلتين تحملان معنى الأمر لا الزيارة.
فتحت ريشة.
كانت ترتدي عباية منزلية داكنة، وشعرها مضموم بعشوائية، وملامحها لا تزال متورمة من يومٍ لم ينتهِ بعد.
ما إن رأته حتى عقدت ذراعيها وقالت بفتور:
“هو مش كل شوية تشرفني رجلك خدت ع عتبة بيتي ليه؟”
رفع عينيه إليها مباشرة.
“اسبوع ياريشة وبعدها القضية انتي اللي هتشيليها لوحدك؟”
ثم اقترب خطوة.
“التمثال فين؟”
صرخت في وجهه:
“معرفش معرفش
وليه تستني اسبوع اتفضل
احبسني انا قدامك لو استنيت واعتمد عليا يبقي بيضيع وقتك.”
قبض على ذراعها.
“الرجالة أكدوا إنك الوحيدة اللي تعرفي مكان الخبيئة كلها.”
نزعت ذراعها بعنف.
“ولو عارفة؟ هتسلمني؟ هتحبسني؟ عشان تترقى وتتجوز بنت اللواء اللي هيتجنن ويناسبك ويجوزك بنته كأنها م صدقت لقت عريس؟”
رفع يده وأمسك وجهها بين أصابعه.
“أنا مش عايز أحبسك.”
ثم قال ببطء، وعيناه تنفذان إلى داخلها:
“التمثال وسيلة… إنتِ الغاية عايز انضف اسمك. عشان لما أجيبه، أقفل القضية بعيد عنك وأشيلك منها، وأبقى حر… حر آخدك ليا.”
سكنت.
كأن الكلمات شلّت جسدها.
همست:
“تاخدني؟”
اقترب حتى صار صوته نفسًا على شفتيها.
“آه… آخدك. من الدنيا كلها. من أبوكي. من لقبك. من فقرك ومن الحوجة. آخدك ليا. بس لازم تساعديني. لازم تثقي فيا واوعدك هعيشك ملكة.”
ضحكت بمرارة.
“أثق في ظابط؟ ظابط قال عليا غجرية؟”
قال وهو يرمقها بنظرة حادة:
“هتوبي وهتبقي ست شريفة.”
اشتعلت عيناها.
“انا شريفة غصب عنك محدش لمسني… ومش هسلمك أبويا. حتى لو مجرم. ده أبويا ياناس… وانت ابعد عني انت الحكومة بذات نفسها وانا عايزة اكون بعيدة عنهم بعد الشرق عن الغرب.”
ظل ينظر إليها لثوانٍ.
ثم ارتسمت على فمه ابتسامة باردة.
عدل ياقة جاكيته وقال:
“ماشي يا بنت الحاوي… بس افتكري… الحكومة نفسها طويل. ولما بتحط حد في دماغها… بتجيبه. يا بالذوق… يا بالعافية.”
ثم استدار وخرج.
وترك الباب مفتوحًا لثوانٍ،
والهواء البارد يتسلل للداخل،
وريشة واقفة مكانها…
كأن البيت كله ضاق عليها،
وكأن الأسبوع الذي منحه لها…
ليس مهلة نجاة،
الفصل الثامن
ارتطم الباب خلفه بعنفٍ حتى اهتزت جدران الغرفة الصغيرة، وبقيت ريشة واقفة في موضعها، يعبث الهواء المتسلل من الشقوق بأطراف عباءتها كأنما يذكّرها بما قاله منذ لحظات.
اتسعت عيناها قليلًا، وهمست بذهول:
“أسبوع… هو قال أسبوع… وبعدها السجن؟”
استندت بظهرها إلى الباب وأغلقته بقدمٍ مرتجفة، ثم انزلقت ببطء حتى جلست على الأرض.
كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، والكلمات لا تزال حية، ساخنة، تحرقها من الداخل.
“أنا عايز أخدك ليا لوحدي يا ريشة.”
أغمضت عينيها بقوة، كأنها تحاول طرد صوته من رأسها، لكن عبثًا.
نهضت فجأة.
توجهت إلى الدولاب، فتحته بعصبية، وأخرجت بدلة الرقص الحمراء… الحزام الذهبي… الخلخال الذي طالما دوّى صوته في الموالد.
وقفت أمام المرآة.
انعكس وجهها الشاحب، وعيناها المرهقتان، وذلك السؤال القديم الذي لم يفارقها يومًا: من تكون؟
وعاد صوته يتردد:
“هتوبي من اللي انتي فيه وهتبقي ست شريفة ومش عايزك ترقصي ف الموالد تاني.”
في لحظة غضب، ألقت البدلة على الأرض وداسَت فوقها بقدمها.
ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة.
“شريفة؟ قال شريفة قال هأو؟ أنا هموت من الجوع ومحدش هيديني لقمة، ولو تعبت محدش هيديني تمن الدوا… أنا مينفعش أثق فيه.”
سكتت لحظة، ثم هزت رأسها بعنف.
“لأنه أكيد مفتون بيا زي اللي قبله… ومع أول غلطة هيعايرني بأصلي لأنه أحسن مني… يلا يا ريشة، اوعي تسمعي كلامه. هو مش هيتحكم في حياتك… قومي وشوفي أكل عيشك.”
في صباح اليوم التالي — العاشرة صباحًا — عند القهوة
هبطت ريشة إلى الحارة.
كالعادة، العيون كلها انغرست فيها.
نساء من خلف الشبابيك، رجال فوق المصاطب، همسات لا تنتهي.
وعلى الناصية وقف العسكري الذي كلّفه زين بمراقبتها، وما إن لمحها حتى انتصب واقفًا.
قال بسرعة:
“على فين يا ست ريشة ع الصبح؟”
أجابته دون أن تنظر إليه:
“رايحة السوق أشتري شوية طلبات، وسعلي… ولا دا لازمله كمان تصريح من الباشا بتاعكم؟”
حكّ العسكري رأسه بحرج.
“تعليمات يا ست ريشة. هرافقك مطرح ما تكوني، دي أوامر البيه وأنا عبد المأمور.”
رمقته بنظرة ضيق.
“خليك بعيد عني.”
ثم مضت.
عبرت من جوار السوق؛ الضجيج يملأ المكان، أصوات الباعة، صياح النساء، رائحة الخضار والتراب المختلطين.
وعلى الرصيف لمحَت طفلًا صغيرًا يبيع المناديل.
اقتربت منه.
“بكام؟”
رفع الصغير رأسه وقال:
“بخمسة يا أبلة.”
أخرجت عشرة جنيهات ووضعتها في يده.
“خد الباقي… عشانك.”
تطلع إليها الصبي بفضول، ثم قال:
“إنتِ ريشة الحاوي؟ اللي بترقص ف المولد صح؟”
تصلبت ملامحها لثانية.
نظرت إليه وقالت:
“أيوة.”
ثم ارتبكت فجأة، لأنها لمحَت شيئًا في آخر الشارع.
سيارة سوداء.
زجاجها معتم.
ساكنة… لكنها تراقب.
منذ الأمس وهي تشعر بتلك العيون.
ليست عيون عسكري زين.
عيون أخرى.
باردة… ثقيلة… جائعة.
خفضت رأسها، وانحرفت إلى زقاق جانبي.
فتحركت السيارة.
في الوقت نفسه — مكتب زين
كان زين جالسًا خلف مكتبه، وأمامه ملف سميك يحمل اسم:
علي عزيز
صور.
تحركات.
تسجيلات.
بلاغات قديمة.
لكن كل ذلك لم يكن يكفي.
الخيط الوحيد الذي قد يقوده إلى قلب الشبكة… كان ريشة.
ارتفع طرقٌ سريع على الباب.
“ادخل.”
دخل العسكري يلهث.
“يا فندم، الست ريشة خرجت. راحت السوق النهارده… وفي عربية سودا من غير نمر بتتابعها من الصبح.”
انتفض زين واقفًا.
“إزاي من غير نمر؟”
“متغطية بطين يا فندم.”
ضاقت عيناه.
“بتابعها من إمتى؟”
“من ساعة ما نزلت من البيت، وشكلها بقالها فترة.”
التقط زين جاكيته فورًا.
“ابعت قوة خفيفة تراقب من بعيد… وأوعي ريشة تحس بحاجة.”
“علم يا فندم.”
خرج العسكري راكضًا.
أما زين فتقدم نحو النافذة، يحدق في الفراغ، وقال بين أسنانه:
“غبية… وفاكرة هتغلب الدنيا لوحدها.”
العصر — خرابة خلف المدافن
وصلت ريشة إلى المكان الذي اعتاد أبوها أن يقابل رجاله فيه قديمًا.
خرابة مهجورة، حجارة مكسورة، وسكون ثقيل يخنق الأنفاس.
ظنت أنها وحدها.
لكنها ما إن توغلت بضع خطوات حتى انبثق صوت من الخلف:
“اتأخرتي.”
التفتت بفزع.
رجل عجوز، ظهره محني، جلبابه باهت، وتجاعيد السنين محفورة في وجهه.
شهقت:
“عم صابر؟ إنت عايش؟”
أومأ برأسه.
“عايش… ومستنيكي. أبوكي بعتلي رسالة، قالي لو مات… إنتِ اللي هتيجي.”
سقط قلبها بين ضلوعها.
“أبويا مات؟”
هز رأسه.
“معرفش.”
ثم أخرج ورقة مطوية من جيبه ومدها إليها.
“قال لي أديكي دي… وقال: ريشة هتعرف تفتحها.”
تناولتها بأصابع مرتعشة وفتحتها.
نقشٌ غريب.
نفس النقش المنحوت على باب المقبرة.
صقرٌ قابض على مفتاح.
وتحته عبارة واحدة:
“الريشة اللي متتكسرش… تدفن في بيت الصقر.”
ارتعشت يدها.
“يعني إيه؟”
اقترب عم صابر وهمس:
“يعني أبوكي سايب لك المفتاح… وسايب لك مكانه. بس علي لو عرف إن الورقة معاكي… مش هيطلع عليكي صبح.”
وكأن الاسم استدعى صاحبه.
صرير فرامل سيارة بالخارج.
ثم صوت باب يُفتح.
وجاء صوت رجولي خشن:
“بتعمل إيه هنا يا صابر؟”
التفتت ريشة.
وحيد.
ذراعه مجبسة، وفي يده الأخرى مطواة، وخلفه رجلان.
ابتسم ابتسامة قذرة.
“وحشتيني يا بنت الحاوي… والحاج علي بيسلم عليكي وعايز الورقة اللي ف إيدك.”
أخفت ريشة الورقة داخل صدرها بسرعة.
“خلاص… بح.”
قهقه وحيد وهو يقترب.
“طب ما احنا ممكن نعاين؟ المعاينة بتعدل النفس أوي يا ريشة.”
وقف عم صابر أمامها.
“اتحشم يا واد إنت.”
دفعه وحيد بعنف، فسقط العجوز على الأرض.
“غور يا عجوز من هنا.”
صرخت ريشة وهي تندفع نحوه:
“إنت مجرم! واللي بعتك هعرف شغلي معاه.”
ابتسم بخبث.
“مش هتلحقي… لأني محضرلك زفة إنما إيه، ومحضرلك أحلى كفن تحضري بيه دفنتك… قصدي زفتك.”
وقبض على ذراعها.
وفجأة—
“وحيد.”
الصوت جاء من الخلف.
هادئًا… باردًا… قاتلًا.
التفت الجميع.
كان زين واقفًا عند باب الخرابة.
يد في جيبه.
والأخرى تحمل طبنجته.
وحده.
ابتسم وحيد.
“يا أهلاً… الصقر بنفسه. جاي فيك الخير، عمرك ما بتفوت واجب العزا. أصلها هتموت النهارده؟”
ثبت زين عينيه على يد وحيد الممسكة بريشة وقال ببرود:
“مش طيب لما تموتها تخليني أطلقها عشان مترملش بدري.”
دفع وحيد ريشة بعيدًا.
“يعني إيه؟” نظر إليها بخبث. “اتجوزتي يا حلوة؟ طب مبروك… هديتي ليكي ونقطتي هي دمه.”
ورفع المطواة.
قال زين بصوت منخفض:
“آخر مرة… سيب المطواة، ونام على الأرض. عشان لو اتحركت خطوة… هصفي حسابي القديم والجديد.”
غمز وحيد للرجلين خلفه.
“الكترة تغلب يا زين بيه.”
وفي اللحظة التالية—
ظهرت نقاط ليزر حمراء على صدره وصدر الرجلين.
قناصة القوة التي أرسلها زين تمركزوا فوق الأسطح.
ابتلع وحيد ريقه.
“إنت مش هتكسب… علي هيخرجني.”
أجابه زين وهو يقترب:
“عارف.”
ثم—
لكمة.
عنيفة.
استقرت في وجه وحيد.
انفجرت الندبة القديمة، وتناثر الدم.
سقط على الأرض.
انحنى زين، أمسكه من قميصه، وأقامه بعنف.
لكمة ثانية.
“خطفتها.”
ثم ضربة ثالثة وهو يهدر:
“وهددتها وخوفتها.”
وضربة تحت الحزام جعلت وحيد ينهار صارخًا.
اقترب زين من أذنه وهمس:
“كان واجب قبل ما تعمل اللي عملته… تخاف على روحك مني.”
تركه يسقط.
ثم نظر إلى الرجلين الآخرين وقال:
“شيلوا الكلب ده… وقولوا للحاج علي: زين المنصوري بيقولك، الأسبوع بدأ… والريشة في عشها. واللي مش عاجبه ييجي يقطع العش… واحنا خير المرحبين.”
حملوه وفرّوا.
ساد الصمت.
التفت زين إلى ريشة.
كانت تقف بجوار عم صابر، أنفاسها متسارعة، والورقة لا تزال في يدها.
سألها وهو يلهث:
“إنتِ كويسة؟”
لم تجب.
مدت الورقة إليه.
تناولها، قرأ السطر، ثم عقد حاجبيه.
“بيت الصقر؟ قصدك إيه؟”
قالت وهي تنظر إليه مباشرة:
“قصدي… التمثال ف بيت الصقر.”
رفع زين عينيه إليها، ثم إلى الورقة.
وسكنت ملامحه فجأة.
قال ببطء:
“في صقر واحد أبوكي يعرفه… ويثق فيه… ويعرف إنه لو مات، بنته هتبقى في حمايته.”
همست:
“مين؟”
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“أنا.”
اقترب خطوة.
“بيت الصقر… بيتي أنا يا ريشة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *