ريشة والصقر
رواية ريشة والصقر
الفصل 4 و 5 و6
الفصل الرابع
مرّ يومان.
الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
كان زين جالسًا في مكتبه وحده.
الإضاءة خافتة، والملف مفتوح أمامه، وصورة ريشة تملأ الصفحة: وهي ترقص وسط المولد، كأنها لا تنتمي لأي قانون.
عيناه محمرتان من السهر، وعقله لا يتوقف عن الدوران.
وفجأة…
اهتز الهاتف.
رقم مجهول.
تردد لحظة، ثم رد.
“ألو.”
جاءه صوتها.
لكن هذه المرة لم يكن ساخرًا، ولا متحديًا.
كان صوتًا مكسورًا، مختنقًا، يسبق البكاء.
“زين… الحقني.”
تجمد في مكانه.
لم يحتج أن يسأل من هي.
“أنا… أنا في المدافن اللي ورا الجبل…”
صمتت لحظة، كأنها تجمع أنفاسها.
“أبويا… أبويا عايش يا زين. محبوس. محبوس في مقبرة تحت. الرجالة اللي كان بيشتغل معاهم حبسوه عشان ياخدوا تمثال لوحدهم. تعالي بسرعة.”
نهض فجأة.
الكرسي ارتطم بالأرض.
“كام يوم أسود يوم ما شوفتك… ويوم ما قررت أدخل المجال دا…”
صوتها كان يرتجف، لكنه صادق هذه المرة.
“كدبت عليك يا زين… كدبت على الدنيا كلها إنه ميت عشان أحميه. والله.”
انقطع صوتها لحظة، ثم عاد أكثر انهيارًا.
“سامحني… ولو عايز تنتقم مش هقولك لا، بس تعالي خلصني من دا كله. أنا لوحدي مش هعرف أفتح الحجر. والناس دي لو عرفت إني بلغت هيدفنوه صاحي. مليش غيرك… والنبي يا صقر.”
أمسك زين الجاكيت بسرعة، وناول سلاحه في لحظة واحدة.
“زين…”
جاء صوتها ضعيفًا في آخر المكالمة.
“لو جرالي حاجة… أوعى تنسى ريشة.”
ثم انقطع الخط.
بعد نصف ساعة.
المدافن.
ظلام كثيف كأنه مادة ملموسة.
الهواء ثقيل، والصمت غريب، لا يقطعه إلا صفير الريح بين الشواهد القديمة.
ترجل زين من السيارة.
مصباحه في يده، وسلاحه في الآخر.
لم يكن هذا بلاغًا عاديًا… كان شيئًا آخر.
رآها.
كانت تقف قرب شاهد حجري قديم.
العباءة السوداء تغلفها، ووجهها شاحب من الرعب، وفي يدها فانوس صغير يرتجف ضوؤه.
ما إن رأته حتى ركضت نحوه.
“زين!”
اصطدمت به، وتمسكت بقميصه، ودفنت وجهها في صدره دون وعي.
كانت ترتجف.
جسدها كله يرتجف.
تجمد لثانية.
غضبه كان جاهزًا، وأسئلته كانت جاهزة، لكنه لم يجد أي منها يخرج.
فقط… وضع يده على ظهرها.
لم يكن حضنًا كاملًا، ولا ضعفًا واضحًا.
كان حماية غريزية.
ربت عليها بصوت منخفض:
“بس نعدي اللي إحنا فيه… وبعد كده هروقلك يا بنت الحاوي.”
ابتعدت عنه ببطء، وهي تلتقط أنفاسها.
“فين الزفت المقبرة؟”
أشارت بيد مرتجفة نحو حفرة مخفية خلف نباتات شوكية.
“تحت… الباب حجر. لازم نزقه سوا.”
هبطوا.
درج ترابي ضيق يقود إلى الأسفل، وكل خطوة كانت تغوص بهم في رائحة رطوبة وموت قديم.
حتى وصلوا إلى باب حجري ضخم.
نقش عليه صقر يمسك مفتاحًا.
توقفت ريشة.
مررت يدها فوق النقش.
“أبويا علمني دي… دي شفرة عيلتنا.”
ضغطت على نقطة محددة في جناح الصقر.
تحرك الحجر بصوت ثقيل، وانفتح شق ضيق.
اندفعوا إلى الداخل.
ظلام.
ثم ضوء المصباح.
كشف عن مقبرة قديمة، جدرانها مغطاة بنقوش فرعونية باهتة، ورائحة الأرض المغلقة منذ قرون.
وفي العمق…
حفرة.
ومنها صوت خافت.
خبط ضعيف.
“بابا!”
ركضت ريشة فورًا.
أمسكها زين من ذراعها بسرعة.
“استني… ممكن يكون فخ. خلينا نضمن كل حاجة.”
اقتربوا بحذر.
وفي الأسفل…
رجل مسن، مقيّد، وجهه مغطى بالدم والتراب.
رزق الحاوي.
ما زال حيًا.
“ريشة…”
صوته خرج متهالكًا.
اندفعت نحوه، لكن زين أوقفها.
“هجيبه أنا.”
بدأ ينزل بالحبل.
وفي اللحظة نفسها…
صوت حركة خلفهم.
التفت زين بسرعة.
ثلاثة رجال مسلحين يقفون عند المدخل الحجري.
“مين اللي شيطانه وزّعه وجيه ع المقبرة؟”
شهقت ريشة.
رفع زين سلاحه فورًا.
وانفجر المكان.
طلقات.
صدى.
صراخ.
واحد سقط، والآخر رد.
وفجأة…
اهتز السقف.
الحجارة بدأت تتساقط.
“ريشة حاسبي!”
اندفع نحوها، ودفعها بعيدًا عن كتلة حجرية ضخمة.
سقط الاثنان أرضًا.
هو فوقها لحظة، يحميها بجسده.
ثم…
انفجر المكان.
الحجارة سقطت كالمطر.
والمدخل انغلق تمامًا.
دفنوا بالداخل.
صمت.
ظلام كامل.
لا صوت… إلا أنفاس متقطعة.
فتح زين عينيه بصعوبة.
كان فوقها مباشرة.
قريبًا منها لدرجة أن أنفاسه تلامس عنقها.
“ريشة… إنتي كويسة؟”
صوته كان منخفضًا، متعبًا.
“زين… إحنا هنموت هنا صح؟”
ارتجف صوتها.
اعتدل بصعوبة، وجلس بجوارها مستندًا إلى الجدار.
أضاء المصباح.
نور ضعيف، بالكاد يكشف ملامحهما.
الصمت كان يخنق المكان.
وأنفاسهما وحدها تملأ الفراغ.
اقتربت منه قليلًا دون وعي.
“أنا آسفة… أنا اللي جريتّك للموت معايا.”
نظر إليها.
كانت دموعها تنزل بهدوء، على خد متسخ بالغبار.
رفع يده، ومسح دمعة واحدة بإبهامه.
توقف لحظة عند خدها.
ثم قال بصوت أخف:
“ريشة… إنتي بتعيطي؟”
هزت رأسها بسرعة كأنها تنكر.
“مستحيل…”
ثم اقتربت أكثر، وأسندت رأسها على كتفه.
“أنا بكره الكلبش بتاعك يا زين…”
صمتت لحظة.
“بس بحب الإيد اللي بتفكه ليا.”
تجمد.
الصوت… المكان… الخطر… كل شيء اختلط في لحظة واحدة.
أمسك وجهها بكفيه.
ببطء.
كأنه يحاول يثبت لنفسه إنها حقيقية.
“ريشة… أنا…”
لكن قبل أن يكمل…
اقترب.
اقترب أكثر مما ينبغي.
حتى لم يعد بينهما إلا أنفاس.
وفجأة…
“يا فندم! سامعنا؟”
صوت من بعيد.
خبط على الجدار.
“افتحوا! إحنا هنا!”
نور تسلل من شق صغير.
والهوا بدأ يعود.
ابتعد زين فجأة، كأنه استيقظ من لحظة لم يكن يجب أن تحدث.
ضحك ضحكة قصيرة، متوترة.
“يالهوي على الفصلان…”
وقف، وساعدها على الوقوف.
حاوط وسطها بذراعه ليحميها من الحجارة المتساقطة.
“يلا يا بنت الحاوي… حسابنا لسه مخلصش.”
الفصل الخامس
كانت ريشة واقفة أمام باب القسم.
عباءة سوداء بسيطة تلتف حول جسدها، ضيقة عند الوسط وواسعة عند الأطراف، وطرحة خفيفة تخفي شعرها دون مبالغة.
مظهرها كان هادئًا على غير عادتها، لكن حضورها لم يكن كذلك أبدًا.
شيء فيها كان سابقًا لها دائمًا… بخطوة، بنظرة، وبمشاكل تعرف طريقها قبل أن تصل.
جاءت لإنهاء إجراءات إخلاء سبيلها.
إفراج مؤقت… بأمر من الرائد زين المنصوري.
مجرد الاسم مكتوبًا في الورق كان كافيًا ليضغط على صدرها دون لمس.
دخلت.
صالة القسم كانت مزدحمة إلى حد الفوضى؛ أصوات متداخلة، أوراق تُقلب بعجلة، شكاوى، صراخ، وأقدام لا تتوقف عن الحركة.
رائحة المكان مزيج خانق من القهوة الرديئة، والعرق، والحبر القديم.
توقفت لحظة عند المدخل.
لم يكن التردد خوفًا من القسم…
بل خوفًا من ما ستراه.
منذ ليلة المقبرة، والفراغ بينهما لا يُفهم.
اختفى فجأة. لا اتصال، لا مواجهة، لا حتى نظرة.
وتركها وحدها مع أسئلة لا تنتهي.
خطت خطوة…
ثم توقفت.
الباب الموارب أمامها كشف ما لم تكن مستعدة له.
زين.
كان داخل مكتبه.
الرائد زين المنصوري.
قميصه العسكري مفتوح عند أول زر، وأكمامه مشمرّة حتى المرفق.
عروق يديه بارزة وهو يمسك القلم، وملامحه مرهقة إلى حد القسوة، كأن النوم لم يزره منذ أيام.
لكن لم يكن وحده.
كانت هناك فتاة.
جلست على طرف المكتب بثقة مبالغ فيها، شعرها مصبوغ بلون فاتح، وملابسها أنيقة ومرتبة، وعطرها يسبقها قبل أن تُرى.
ليلى — ابنة اللواء.
كانت تميل نحوه، تقدّم له الطعام بيدها.
“يلا يا زين بقى… هفضل اتحايل عليك كتير؟ كل يلا.”
صوتها كان ناعمًا، متدللًا، لكنه محمل بسيطرة لا تُخفى.
“إنت مش بتاكل خالص وكده هتزعلني.”
زين كان مستندًا بظهره إلى الكرسي، متحفظًا، مشغول الذهن رغم ثبات ملامحه.
“شكراً يا ليلى. قولت لك هاكل بعدين. عندي شغل وياريت تسكتي عشان أعرف أركز.”
لكن عينيه لم تكن ترى الورق حقًا.
كانت شاردة.
ليلى دفعت السندوتش أقرب إليه.
“شغل إيه بس؟ بابا قالي آخد بالي منك، وإنت عارف بابا لما يقول حاجة لازم تتنفذ بالحرف.”
عند ذكر اللواء عاصم، ساد صمت خفيف في ملامحه.
اسم لا يُرفض.
اسم صنعه، وربّاه، وفتح له الطريق.
وخارج المكتب…
كانت ريشة تقف.
تراقب.
وصدرها يشتعل بصمت لا يهدأ.
رأت يد ليلى تقترب أكثر مما يجب.
ورأت زين لا يتحرك.
وفي داخلها، شيء انكسر دون صوت.
ثم دخلت.
خطوة واحدة كانت كفيلة أن تغيّر الهواء كله.
ارتطم كعبها بالأرض.
الصوت انتشر في المكان كصفعة.
“صباح السهوكة.”
توقفت الحركة في الصالة لحظة.
التفتت الأنظار كلها نحوها.
ليلى استدارت ببطء، ونظرتها مسحتها من الأعلى للأسفل بازدراء واضح.
“مين دي يا زين؟ وازاي تتجرأ وتدخل كده؟”
زين نهض فجأة.
الكرسي تحرك بعنف خلفه.
ملامحه تبدلت في لحظة؛ غضب، مفاجأة، وارتباك.
“ريشة… إنتي بتعملي إيه هنا؟”
لكنها لم تجبه.
تقدمت إلى المكتب بثبات، وأسقطت الملف أمامه بقوة.
“جاية أمضي على إخلاء سبيل يا باشا؟”
ثم التفتت نحو ليلى، بابتسامة باردة مشتعلة.
“لا حلوة وعودها فاير… عرفت تختار يا صقر.”
همس خافت مرّ في المكان.
ليلى انفجرت:
“إنتي مجنونة؟ إنتي بتكلميني أنا كده؟”
ريشة التفتت إليها بهدوء شديد، كهدوء ما قبل العاصفة.
“مجنونة؟ لا يا حبيبتي… أنا رقاصة بتعرفي ترقصي ولا اعلمك؟.”
اقتربت خطوة واحدة فقط.
“والرقاصة اللي قدامك. شاطرة اوي بتعرف تصطاد الصقور أحسن من بنات البندر اللي متربية في قصور عمرها كله.”
ثم رمقت زين بنظرة جانبية:
“مش كده ولا إيه؟”
انفجر التوتر.
ليلى صرخت:
“زين! إنت سامع الكلام؟ إنت هتسكت لها؟ هاتلي حقي منها!”
لكن زين لم يكن معهما بالكامل.
كان يغلي.
اقترب فجأة وأمسك ذراع ريشة.
قبضته كانت قوية، مشدودة، لكنها محسوبة.
“ريشة… لسانك الزفر ده يتلم بدل م هو طايح في خلق الله. وياريت تنسي إنك غجرية، وتتعاملي بأدب معاها لأنها قادرة تذلك عمرك كله بإشارة منها.”
صوته كان منخفضًا، لكنه قاطع.
ريشة نظرت إلى يده على ذراعها.
لم ترتجف.
ثم رفعت عينيها إليه.
“حاضر.”
همستها كانت أخف من الهواء.
“تؤمرني يا تاج راسي.”
وفي لحظة غير محسوبة…
لم تخرج.
بل اقتربت أكثر.
رفعت يدها الحرة، وعدّلت ياقة قميصه العسكري ببطء.
أصابعها لامست رقبته لحظة خاطفة.
ثم انحنت عند أذنه، وهمست بصوت لا يسمعه أحد سواهما:
“بس ابقى خلي بالك من القطة… عشان ممكن تاكلك.”
ثم ابتعدت.
وتركت خلفها فراغًا مشحونًا لا يُحتمل.
وغادرت.
سارت بهدوء، وكأنها لم تفعل شيئًا.
لكن الهواء خلفها كان مختلفًا.
ثقيلًا.
ملتهبًا.
ليلى كانت تكاد تنفجر.
“شوفت؟ شوفت بتكلم إزاي؟ دي بيئة خالص! أنا هكلم بابي!”
لكن زين لم يكن يسمعها.
كان ينظر إلى الباب الذي خرجت منه ريشة.
ملامحه متصلبة، وعروقه في رقبته واضحة، ويده التي أمسكتها قبل قليل ما زالت مشدودة كأنها لم تتركها بعد.
ثم قال دون أن يلتفت:
“عن إذنك يا ليلى.”
وغادر.
لحق بها إلى الخارج.
كانت على وشك ركوب توكتوك.
أمسك ذراعها فجأة، وأدارها نحوه.
“إنتي عايزة إيه يا ريشة؟ عايزة تولعي فيا؟ عايزة توديني في داهية؟ عايزاني أخضعلك؟ بتمارسي عليا فتنتك وفاكراني مش هتأثر؟ أنا لحم ودم ومش قادر!”
صوته كان عاليًا، مكبوتًا، متفجرًا.
والناس بدأت تلتفت.
دفعت صدره بيديها.
“امشي وروحلها.”
صوتها كان حادًا، مكسورًا من الداخل.
“ريشة مش بتجري ورا راجل… حتى لو كان صقر.”
“هي ريشة حرة… ملهاش مكان ولا حاكم.”
ساد صمت لحظة.
ثم رفعت عينيها إليه:
“أنا بكرهك يا زين… بكرهك قد ما حبيتك.”
لفّت لتغادر.
لكن يده أمسكتها.
“لولا الفضايح كنت رديت عليكي بالكلام اللي شبهك… اتفضلي امشي.”
نظرت إليه نظرة طويلة، مليانة جرح وغضب، ثم سحبت يدها ومشت.
هذه المرة لم يلحق بها فورًا.
ظل واقفًا مكانه، يراقب أثرها وهو يختفي.
وعيناه لم تهدأ.
الفصل السادس
كانت ريشة تمشي وحدها في الطريق.
العباءة السوداء ترفرف خلفها مع الريح كظلٍ ثقيل، والطرحة ملفوفة بإحكام حول رقبتها. في يدها كيس فيه عيش وجبنة، عائدة من الفرن إلى بيتها فوق السطوح.
منذ الصباح وهي تحاول أن تُقنع نفسها بالنسيان.
أن تنسى زين وهو يمسك ذراعها أمام ليلى.
أن تنسى صوته وهو يقول: “لولا الفضايح كنت رديت عليكي بالكلام اللي شبهك”
أن تنسى أنه اختار صورته أمام بنت اللواء وتركها هي تتكسر وحدها.
“غجرية.”
الكلمة ما زالت تتردد في أذنها، كأنها نار لا تنطفئ.
لا تجرحها فقط… بل تمحوها ببطء.
مرت بجوار القهوة، فصمت الرجال فور رؤيتها.
همسات خافتة تسللت: اهي كل شوية ع الحال بقت بتروح القسم اكتر من م بتروح السوق.
رفعت رأسها.
في عينيها شيء يشبه الاشتعال.
لن تبكي. ريشة لا تبكي أمام أحد.
ريشة تحترق بصمت.
دخلت الحارة الضيقة المؤدية إلى بيتها.
كانت ساكنة بشكل غير مطمئن، مصباح وحيد في نهايتها يرتجف كأنه يحتضر.
رائحة الرطوبة والنفايات تملأ المكان.
توقفت لحظة.
انقبض قلبها.
هناك نفس خلفها.
قبل أن تلتفت، غطت يدٌ ثقيلة فمها.
وهبط كيس خيش على رأسها دفعة واحدة.
ظلام تام.
سقط كيس الخبز من يدها.
حاولت أن تصرخ.
“زز…”
لكن يدًا أخرى ضربتها في بطنها، فقطعت أنفاسها.
صوت خشن قال: “خلصو بسرعة قبل ما حد يشوفنا.”
رُفعت جسدها كما يُرفع كيس ثقيل، وأُلقيت على كتف أحدهم.
دخلت رائحة عرق وسجائر فاسدة إلى أنفها من تحت الخيش.
فُتح باب سيارة.
أُلقيت داخل المقعد الخلفي، ثم أُغلق الباب بسرعة.
وانطلقت السيارة.
كانت ترتجف. لأول مرة في حياتها… خافت.
“يااااااه طلعتي ملبن يابت ؟
دا احنا هنتوصي بيكي ع الأخر”
عضت على شفتها حتى شعرت بطعم الدم.
“زين.”
في تلك الأثناء، كان زين في مكتبه.
لم يكن يحتمل نفسه.
الكلبش في يده يُفتح ويُغلق بعصبية: تك… تك… تك…
الصوت كان ينهشه من الداخل.
فُتح الباب بعنف.
دخل عسكري يركض، أنفاسه متقطعة.
“يا فندم! يا فندم مصيبة! يافندم”
رفع زين رأسه، عيناه محمرتان من السهر والغضب.
“إيه افندم افندم في اي انطق قول”
“ريشة… بنت الحاوي اتخطفت يا باشا
شهود من الحارة شافوا عربية سودا من غير نمر. اتنين ملثمين حطوا شوال على راسها وخدوها. الكيس بتاعها واقع في نص الشارع ومحدش عارفلها طريق جرة”
ساد الصمت لحظة.
ثم انكسر العالم في عيني زين.
قام بعنف، فسقط الكرسي خلفه.
“يانهار ازرق …من امتي الكلام دا؟”
“زي ما بقولك يا فندم. من ربع ساعة كدا”
قبض على المكتب بقوة حتى برزت عروقه.
رآها… رآها وهي تخرج من أمامه.
رآها وهي تكتم دمعتها.
رآها وهو يتركها تمشي وحدها.
غبي. غبي. غبي.
“مين اللي خطفها؟”
صرخة خرجت منه فاهتز المكان.
“مين اللي ليه عين يمد إيده عليها؟”
تراجع العسكري خطوة.
“منعرفش يا فندم. الناس خافت تتكلم بس اكيد هندور عليهم”
ارتدى زين سترته العسكرية بسرعة، ثم التقط سلاحه.
“طلع قوة حالاً. دورية في كل مخارج المنطقة بسرعة لو عيني لمحت ضفر منها ناقص هحرق البلد باللي فيها فاهم”
“فاهم يا فندم!”
اندفع خارجًا كالعاصفة.
ركب سيارة الشرطة، وانطلق كالمجنون.
كان عقله يشتعل: من؟ ولماذا؟
رجال الآثار؟
أم أبوها؟
لا… اللواء عاصم لا يفعلها.
إذن… رزق الحاوي.
أُلقيت ريشة على الأرض.
أُزيل الكيس من رأسها، لكن يديها ظلت مقيدتين خلف ظهرها بحبل خشن، وفمها مغلق بشريط لاصق.
الغرفة مظلمة إلا من ضوء مصباح جاز.
رائحة العفن تملأ المكان.
أمامها ثلاثة رجال ملثمين.
أحدهم ضخم، وعلى وجهه ندبة طويلة ظاهرة من تحت القناع.
اقترب منها، جثا أمامها، وأمسك ذقنها.
“إزيك يا بنت الحاوي؟
وحشتينا. من يوم المقبرة وإحنا بندور عليكي .”
نظرت إليه باحتقار.
لا خوف في عينيها.
وبصقت على الأرض بجواره.
ضحك.
“لسانك طويل زي أبوكي”
ثم ركلها في بطنها بقوة.
انكمشت من الألم، لكنها لم تصدر صوتًا.
“أبوكي خبا تمثال دهب. يسوى ملايين عايزينه.”
تحرك في الغرفة.
“وإنتي الوحيدة اللي عارفة مكانه. حياتك قصاده”
هزت رأسها بالنفي.
عينها كانت تقول: موتوا.
أمسك أحدهم شعرها بعنف.
“هتقولي يا حلوة. هتقولي بالذوق، بالعافية هتقولي.”
أخرج مطواة، وفتحها.
انعكس ضوء المصباح على نصلها.
مررها على خدها ببطء.
“ولا تحبي نرسم على الوش الحلو ده البخت والريشة هتتقطع وهيتداس عليها؟ وزين حبيب القلب هترجعيله ف كيس ممكن من غير ودن صباع انتي وحظك بقا عشان يتعلم ميحطش مناخيره ف شغلنا”
اقترب النصل من أذنها.
وفجأة…
انفجر الباب الحديدي.
ظهر زين عند المدخل.
وجهه بلا حياة. عيناه سوداوان.
سترته العسكرية مغطاة بالغبار. وفي يده سلاحه.
خلفه أربعة جنود بأسلحة آلية.
لا تحذير. لا كلام.
رفع زين سلاحه.
طلقتان.
سقط اثنان يمسكان ريشة، أحدهما في كتفه والآخر في ساقه.
التفت الضخم ورفع سلاحه.
لكن زين سبقه.
رصاصة في يده. سقط السلاح. وتناثر الدم.
دخل زين بخطوات باردة قاتلة.
أمسك الجنود بالباقين.
أما الضخم، فكان يزحف أرضًا ممسكًا بيده المصابة.
لكن زين لم ينظر إليه.
كان ينظر إليها فقط.
مقيدة. متسخة. مجروحة.
جثا أمامها.
“ريشة!”
صوته انكسر.
نزع الشريط من على فمها.
تنفست بقوة.
ثم رفعَت عينيها إليه.
لم تبكِ.
لكن في نظرتها كل شيء: وجع، غضب، وخذلان.
“انت غبي وحمار
كان ريشة هتضيع وزهوتها هتروح الحقني”
قالتها بصوت مبحوح.
كان يفك الحبل من يديها والارتعاش يفضحه.
“حقك عليا. حقك عليا يا ريشة.”
سقط الحبل.
نظرت إلى معصمها المتورم.
ثم إليه.
ورفعت يدها فجأة، وصفعته.
صفعة واحدة… مشحونة بكل ما فيها.
تجمد المكان.
حتى الجنود.
رفع زين رأسه ببطء، الصدمة تشتعل في عينيه.
قبض على يدها فجأة.
قبضة قوية… غاضبة.
ارتجفت ريشة.
ولأول مرة… شعرت أن زين خرج عن صمته تمامًا.