امرأة بين نارين هاجر عبدالحليم

كان المبنى أشبه بمدينة صغيرة قائمة بذاتها؛ سيارات فارهة تدخل وتخرج من الجراج، وموظفون أنيقون يعبرون البوابة الإلكترونية بسرعة ونظام.
تنفس عمر بعمق، وهو يشعر بمزيج من الفخر والرهبة.
عمر (في نفسه):
“وأخيرًا وصلت لهنا… والمجنونة بتقولي يا أنا يا الشغل .. تيجي بس تشوف المكان اللي هشتغل فيه والمرتب اللي هاخده من هنا… ده ممكن ينقل عيشتنا في حتة تانية خالص.”
عدل ياقة قميصه بثقة ثم دخل.
في الداخل كان كل شيء منظمًا بدقة؛ أرضية رخامية لامعة تعكس الأضواء، وشاشة كبيرة خلف مكتب الاستقبال تعرض شعار الشركة.
ابتسمت له السكرتيرة.
السكرتيرة:
حضرتك أستاذ عمر؟
عمر:
أيوه.
السكرتيرة:
أستاذ تميم بيه مستني حضرتك. الدور الخامس… المكتب الرئيسي.
شكرها عمر واتجه نحو المصعد.
داخل المصعد كان قلبه يدق أسرع من المعتاد.
ضغط زر الطابق الخامس، وظل ينظر إلى انعكاس صورته في المرآة الصغيرة.
عمر (متمتمًا):
إن شاء الله بداية خير.
توقف المصعد أخيرًا.
خرج إلى ممر طويل مفروش بسجاد داكن، وعلى الجدران لوحات حديثة وشهادات تقدير.
وصل إلى باب خشبي كبير كُتب عليه:
Tamim
تردد لحظة… ثم طرق الباب.
تميم من الداخل:
اتفضل.
دخل عمر.
كان المكتب واسعًا جدًا، تحيط به نوافذ زجاجية تطل على المدينة بأكملها.
جلس تميم خلف مكتب كبير من الخشب الداكن، يقلب بعض الأوراق بهدوء.
رفع عينيه عندما دخل عمر.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
تميم:
أهلاً… أستاذ عمر.
اقترب عمر وصافحه.
عمر:
صباح الخير يا تميم بيه.
أشار له تميم بالجلوس.
تميم:
اقعد… وقولي، إيه رأيك في المكان؟
نظر عمر حوله بإعجاب واضح.
عمر:
ما شاء الله… مكان يفتح النفس.
ظل تميم ينظر إليه لحظة… كأنه يدرسه بعناية.
ثم قال بنبرة هادئة:
تميم:
بصراحة… أنا اخترتك من وسط ناس كتير. سمعت عن أمانتك وشغلك المظبوط.
اتسعت عينا عمر قليلًا.
عمر:
ده شرف كبير ليا.
ابتسم تميم ابتسامة غامضة.
تميم:
أنا مش بختار حد غير لما أكون متأكد إنه يستاهل الفرصة.
ثم نهض من مكانه واتجه نحو النافذة.
وقف ويداه خلف ظهره، ينظر إلى المدينة الممتدة أمامه.
تميم:
أنا بنيت الشركة دي من الصفر.
التفت قليلًا نحو عمر.
تميم:
وأهم حاجة عندي… الولاء.
هز عمر رأسه بثقة.
عمر:
أكيد طبعًا.
عاد تميم إلى مكتبه وجلس.
ثم قال فجأة:
تميم:
مراتك شكلها ست محترمة.
تفاجأ عمر قليلًا بالسؤال، لكنه ابتسم.
عمر:
تسلم… الحمد لله.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي تميم.
تميم:
واضح إنها بتحبك.
ضحك عمر بخفة.
عمر:
وأنا كمان بحبها جدًا.
ظل تميم صامتًا لحظة، ثم قال بهدوء يحمل معنى خفي:
تميم:
الحب… حاجة غريبة.
رفع عينيه مباشرة نحو عمر.
تميم:
ممكن يغير حياة ناس كتير.
لم يفهم عمر سبب الكلام، فاكتفى بابتسامة مجاملة.
عمر:
أكيد.
رن هاتف تميم على المكتب، فنظر إلى الشاشة سريعًا ثم أغلقه دون رد.
عاد بعينيه إلى عمر.
تميم:
من النهارده… عايزك تبقى دراعي اليمين وعيني في الشركة.
مال للأمام قليلًا.
تميم:
خليك قريب مني في الشغل… وأنا أوعدك، في ظرف سنة بس ممكن تبقى في مكان ينافس مكاني أنا شخصيًا.
ارتسمت الدهشة على وجه عمر.
عمر:
العفو يا تميم بيه… أنا هعمل شغلي على أكمل وجه، وإن شاء الله أكون عند حسن ظنك.
ابتسم تميم ابتسامة بطيئة…
لكن عينيه كانتا تخفيان شيئًا آخر… شيئًا لم يلحظه عمر.
تميم:
اتفضل على شغلك… هتخرج بره وهيعرفوك مكان مكتبك. أنا بلغت الكل.
نهض عمر وهو يشعر بالفخر، ثم خرج من المكتب.
وبمجرد أن أغلق الباب خلفه…
اختفت ابتسامة تميم
ثم ضغط زرًا صغيرًا على مكتبه.
دخلت السكرتيرة.
السكرتيرة:
أفندم
تميم:
الأستاذ عمر… خليكي متابعة شغله أول بأول، ولو احتاج أي حاجة تتعمل فورًا.
السكرتيرة:
تمام يا فندم.
أومأ لها برأسه فانصرفت.
ونظر إلى صورة موضوعة داخل درج مكتبه…
صورة قديمة له… مع سيلا.
لم يكن اختياره لعمر بسبب كفاءته فقط
بل لأنه
زوج سيلا.
…
دخل عمر وهو يفتح الباب بحماس واضح، يحمل حقيبته بيد ويخلع حذاءه باليد الأخرى.
عمر:
سيلا… أنا جيت!
خرجت سيلا من المطبخ وهي تمسح يديها في المريلة.
اتأخرت ليه؟
اقترب منها عمر بابتسامة عريضة.
الشغل هناك حاجة تانية خالص… الشركة ضخمة، والنظام فيها عالمي.
تخيلي بقى إن تميم بيه بنفسه قال لي إني هكون قريب منه في الشغل.
تجمدت ملامح سيلا.
قريب منه… إزاي يعني؟
جلس عمر على الأريكة وهو يتحدث بحماس.
يعني تقريبًا هبقى دراعه اليمين. تخيلي! قال لي لو الأمور مشيت كويس ممكن خلال سنة بس أبقى في مكانة كبيرة جدًا.
كانت سيلا تنظر إليه بصمت، بينما القلق يزداد في عينيها.
وأنت… وافقت؟
ضحك عمر.
هو في حد عاقل يرفض فرصة زي دي؟
خفضت سيلا نظرها إلى الأرض.
ربنا يستر.
لاحظ عمر نبرتها القلقة، فعقد حاجبيه.
الراجل محترم جدًا ياسيلا
لم ترد. ودخلت الي غرفتها
ثم فجأة… اهتز هاتف سيلا
نظرت إلى الشاشة.
رقم غير مسجل.
شعرت بانقباض في قلبها.
فتحت الرسالة.
اتسعت عيناها فورًا.
كانت رسالة قصيرة جدًا:
“مبروك يا سيلا… جوزك بدأ شغله النهارده.”
ارتجفت يدها.
جاءت رسالة أخرى مباشرة.
“جي الأوان اخد حقي من الدنيا وانتي حقي ياسيلا

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *