امرأة بين نارين هاجر عبدالحليم
توقفت سيلا فجأة عند باب المصنع، وقفت تنظر بدهشة إلى الشخص الذي لم تتوقع رؤيته هنا… تميم.
كانت عيناه واسعتين، مليئة بالدهشة، كما لو أنه لم يصدق
– تميم بصدمة: “سيلا… مش معقول!”
حاولت سيلا أن تسيطر على ارتباكها، ابتسمت بخفة وقالت:
– إزيك يا تميم.”
ابتسم هو قليلاً وقال:
– “مبسوط إني شوفتك… أخبارك إيه؟”
– سيلا: “كويسة… وانت؟”
هز رأسه وقال:
– “لسه راجع من السفر امبارح، وجيت هنا أسلم على صديق ليا هنا في الإدارة.”
– : “تمام… عن إذنك.”
أرادت أن تمشي سريعًا، تتجاهل الموقف قبل أن تشتعل المشاعر القديمة فيها.
لكن تميم مد يده قليلًا وقال بابتسامة هادئة:
– “استني… انتِ هتمشي كدا بسرعة؟”
ابتسمت بسخرية خفيفة:
– “أفندم… أمال عايزني أقف ونرغي مثلا؟”
– تميم: “وليه لأ؟”
– سيلا: “عشان مينفعش… لأني ست متجوزة.”
نظرت له مباشرة، عينيها ثابتتان، محاولة وضع حدود واضحة.
– تميم: “أنا مطلبتش ندخل في علاقة… عشان تقولي كدا. أنا كل اللي طلبته نتكلم شوية.”
– سيلا: “علاقتنا ميصلحش فيها أي حاجة… شوف رايح فين، عن إذنك، لتاني مرة.”
ابتعدت بخطوات سريعة، قلبها ينبض بشدة، لكنها شعرت بالراحة لأنها وضعت حدودها بوضوح، وأكدت لنفسها أن حياتها مع عمر هي ما يهمها، وأن الماضي لن يسيطر عليها مجددًا.
…
دخلت سيلا البيت، ولاحظت عمر يجلس على الأريكة، ابتسامته تعكس الحنين والراحة.
–”رجعتي يا حبيبتي؟”
ابتسمت وهي تخلع حقيبتها:
– : “أيوه… جيت بدري يعني؟.”
– عمر: “استأذنت ساعتين.”
– سيلا: “مكنش ليه لزوم… بدل ما يخصموا من مرتبك.”
هز عمر رأسه مطمئنًا:
– عمر: “دي أول مرة تحصل… عادي، يعني هيعدوها.”
ابتسمت سيلا، وذهبت إلى غرفتها لتغيير ملابسها بسرعة. عادت بعد لحظات، وقالت:
– سيلا: بالمناسبة، اتصلت بالدكتور وحددلي ميعاد العملية… ع نص الشهر الجاي.”
أغمض عمر عينيه قليلاً، رفع يده ليمسح شعورها بالتوتر، وقال بهدوء:
– “ع خيرة الله يا حبيبتي… ربنا يرزقنا بالذرية الصالحة يا رب.”
ابتسمت سيلا، وضعت يدها على يده، وقالت بخشوع:
– “اللهم آمين.”
…
بعد لحظاتهما الحميمية، استلقى عمر على السرير، جسده ثقيل من التعب، وظهره مواجه لسيلا، وغرق سريعًا في النوم.
نظرت سيلا إليه بخفة، همست بجرأة:
– “مفيش في يوم تاخدني في حضنك؟”
رفع عمر رأسه قليلاً، نظر إليها بصدمة، ولم يعلق.
– سيلا: “ايه؟”
– عمر: “أصل عمرك ما طلبتيها.”
ابتسمت سيلا بدهشة مختلطة بالدعابة:
– “وانت عمرك ما عملتها لوحدك.”
خجل عمر قليلاً، وهمس:
– “مش متعود أصلي…”
ضحكت سيلا، مستفزة خجله:
– : “بتتكسف… وأنت من كام ثانية كنت معايا! يعني ييجي أي قصاد اللحظات اللي كنا فيها سوا؟”
هز عمر رأسه بهدوء، صوته منخفض لكنه صادق:
– “عشان دي طقوس بينا من ساعة جوازنا…”
– سيلا بحدة وابتسامة عابثة: “طقوس!! من غير مشاعر يعني؟”
– عمر: “لا… مش قصدي. بس أنا شخص هادي بطبعي و…”
قطعته سيلا بلهفة:
– “خدني في حضنك يا عمر.”
تردد للحظة، ثم استدار ببطء، وأمسك بها بين ذراعيه، وضعت رأسها على صدره، تشعر بدفء قلبه الثابت.
– سيلا وهي تضحك بخفة: “جسمك اتخشب!!”
– عمر بمزحة هادئة: “تأثير اللحظة.”
ضحكت سيلا أكثر، وحضنته بقوة، ثم غفوت على صدره، مستسلمة للطمأنينة التي لم تشعر بها من قبل.
أما عمر، فلم يغلق عينيه على الفور، بل جلس يتأملها، يمرر يده برقة على شعرها، ينظر إلى ملامحها لأول مرة منذ خمس سنوات زواج، وكأن كل التفاصيل الصغيرة فيها كانت جديدة له، كل نفس لها وكل خفقة قلبها أصبحت لحظة مقدسة في عينيه.
في تلك اللحظة، أدركت سيلا أن الحب بينهما لم يضعف، بل أصبح أعمق، وصار الصمت والحضن واللمسة أهم من أي كلمات يمكن أن تُقال.
…
جلست سيلا على السفرة، أشعة الشمس تتسلل عبر الستائر، تملأ المطبخ بدفء الصباح. رفع عمر رأسه من فنجان القهوة، ونظر إليها بابتسامة هادئة:
– عمر: “مش هتروحي لمامتك انهردة؟”
– سيلا: “مش في البيت.”
– عمر: “راحت فين؟ هي كويسة؟”
أجابت سيلا بابتسامة مختلطة بالقلق:
–”سافرت البلد عند أهلها… بتقول وحشنها وعايزة تزور أبوها وتقراله الفاتحة لأنه جالها في المنام وزعلان منها أوي عشان مش بتزوره.”
هز عمر رأسه مطمئنًا:
– “ربنا يرحم أمواتنا جميعا.”
نظرت له سيلا بسؤال عملي:
–”القبض بتاعك نزل؟”
ابتسم عمر بنبرة دعابة:
– “أي يا بنتي… هو التواصل اللي بينا الوحيد فلوس وبس؟”
ضحكت سيلا:
–: “لا… انت فهمتني غلط… أنا قصدي عشان أجيب شوية حاجات ناقصاني في البيت.”
لاحظ عمر توترها الخفيف، وقال بحنان:
– “ليه التوتر بس يا سوسو… بضحك معاكي… قلبك رهيف أوي.”
– سيلا: “بس ده مكنش هزار.”
ابتسم عمر وهو يرفع حاجبه بمزاح:
–: “لا… الله، هزار… بس شكلك محبتوش… مش هعيده تاني.”
نظرت إليه سيلا بدهشة:
– “عمر… مملتش مني؟”
أجابها بهدوء وصوت دافئ:
–: “سيلا… من امبارح بتطلع منك حاجات هوبا خالص.”
– سيلا: “جاوبني!”
– عمر: “همل منك ليه يا بنتي؟”
– سيلا: “عشان لوحدنا.”
– عمر مبتسمًا وهو يمد يده: “عشان مفيش طفل.”
– سيلا: “أه.”
– عمر: “إرادة ربنا… وإحنا بنحاول نخلف.”
– سيلا بفضول: “مزهقتش؟”
– عمر بابتسامة حنونة: “لا… ومش ناوي أزهق.”
أخذ قطعة زيتون ووضعها على فمها بخفة، ثم قبل رأسها.
– عمر: “لو عايزة حاجة… كلميني انا رايح الشغل.”
– سيلا: “ماشي… أنا قاعدة في البيت النهاردة واخدة إجازة.”
ابتسم عمر وقال:
– عمر: “يعني عيانة اهو؟”
– سيلا: “ممكن والله.”
– عمر بابتسامة دافئة: “سلامتك يا سوسو.”