امرأة بين نارين هاجر عبدالحليم
صحيت سيلا على صوت المنبه الخافت، وكانت الساعة الثامنة صباحًا. بجانبها، كان عمر لا يزال نائمًا بسلام بعد يوم طويل، وجهه مرتاح، كأن النوم يغطيه عن كل تعب الحياة.
أبعدت المنبه برفق، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تنهض. تقدمت نحو الشباك ورفعته لتدخل نسمة الصباح الباردة، الهواء يحمل رائحة المدينة الممزوجة بعبق الخبز الطازج وأصوات السيارات البعيدة. وقفت دقيقة، تستمتع بالهدوء، محاولة جمع أفكارها قبل بداية يومها.
أثناء ترتيبها للفراش، خطرت لها أفكار يومها: المهام، المكالمات، الاجتماعات… لكنها توقفت فجأة عند شعور غريب بالامتنان. قلبها تذكر وجود عمر بجانبها، حضوره الصامت، طمأنته التي تجعل كل شيء يبدو أسهل وأجمل.
اقتربت منه برفق، ولمست كتفه بخفة، همست: “صباح الخير.”
فتح عمر عينيه ببطء، ابتسم لها وقال: “صباح النور يا أحلى سيلا.”
ابتسمت سيلا، شعرت بدفء الكلمات يملأ قلبها، وأدركت أن حياتها مستقرة، وأن هذا الاستقرار هو شيء نادر وثمين.
…
جلست سيلا على الطاولة في المطبخ، كوب القهوة بين يديها، ووجهها يشع هدوءًا صباحيًا. نظرت إلى عمر بابتسامة خفيفة وقالت:
“ايه أخبار الشغل؟”
ابتسم عمر، وهو يلتقط فنجانه:
“زي كل يوم.”
رفعت حاجبيها مازحة:
“المدير زعلك تاني؟”
ضحك عمر بخفة، ونظر إليها بعينين هادئتين:
“بالعكس… بقا شخص مختلف خالص.”
– “اشمعنى؟ إيه اللي جد؟” – قالت وهي تميل برأسها قليلاً، مهتمة بكل كلمة.
هز عمر كتفيه مبتسمًا:
“مش عارف… مرة واحدة كدا!”
ابتسمت سيلا وقالت بهدوء:
“المهم شغلك يكون مستقر… احنا م صدقنا حالتنا المادية اتحسنت عن الأول.”
ابتسم عمر وقال مازحًا:
“انتي مش هتقبضي الجمعية اخر الشهر؟”
– “آه… بس انت عارف ده تمن العملية يا عمر.”
صمت عمر لحظة، ثم قال بصوت منخفض:
“مش ممكن تأجلي الموضوع شوية؟”
نظرت إليه بجدية، عينيها تلمع بالعزم:
“بقالي خمس سنين… مش كفايا؟”
تنهد عمر، مد يده ومسح رأسها برقة:
“احنا لسة صغيرين… وممكن…”
قطعته بحزم:
“عايزة أبقى أم.”
ابتسم عمر، لكن بعينين تحملان الحزم والدعم معًا. اقترب منها وقال:
“اتصلي بالدكتور وحددي ميعاد عملية الحقن، وأنا هكون ف المعاد اللي هتقولي عليه
جلست سيلا دقيقة، تشعر بالدفء والطمأنينة، تعرف يعني أن يكون هناك شريك داعم، بجانب قلبها وروحها.
…
بدأت سيلا صباحها المعتاد، متجهة نحو مصنع النسيج الذي تعمل فيه. نزلت من الميكروباص، وبدأت تمشي بخطوات سريعة، تفكر في يومها وما ينتظرها من مهام.
بينما كانت تمشي، لمحَت شيئًا غير متوقع… تميم جالسًا أمام الكافيه الصغير الذي تمر بجانبه يوميًا، يقرأ كتابًا بهدوء.
توقفت سيلا فجأة، قلبها يتوقف لثوانٍ، وعينيها تتسعان من الصدمة. لم تصدق ما تراه. همست لنفسها بذهول:
“مش معقول…”
أغلقت فمها محاولة السيطرة على ارتباكها، استغفرت ربها بصوت منخفض، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وأسرعت بالمشي، كأنها تحاول أن تهرب من اللحظة، لكنها لم تستطع أن تمنع قلبها من الخفقان.
…