قطعة في وادي الذئاب الجزء الثالث
بعد انقضاء النهار ، خرجت مها من الغرفة بعدما رتبتها و نسقت ورودها و شموعها بما يتناسب مع كونها ليلة رومانسية هادئة تفيض فيها المشاعر بعد طول كتمان ، قبل ان تنزل إلى الدرج وجدت فى طريقها أكمل الذى كان يمسك ببعض الأوراق يحدق فيهم بإمعان دون ان يلحظ الواقفة فى الأعلى حتى نادته:
_ أكمل
أغلق المستند الذى بيده ثم التفت إلى مصدر الصوت ليجد أخته مها التى تستند عند سور السلم ترمقه بابتسامة ، ليقترب منها حتى يصير أمامها ثم يمسد شعرها قائلا بحنو:
_ حبيبتى عاملة اى؟
_ تمام
ثم استطردت تقول:
_ علفكرة رزان مستنياك جوة الأوضة ، سيب الشغل شوية و روح لها
تنهد بخفوت يسكن الضيق معالمه ما ان تردد اسمها على مسمعه و قد باتت تصرفاتها تزعجه كثيرا هذه الأيام ، يعي جيدا مدى الغيرة التى تعاني بسببها ، و لكن ألم تكن هذه خطتها من البداية؟ ، إذا فلتتحمل عاقبة أفعالها ، قال بهدوء:
_ طيب هخلص اللى ف ايدى و أروح لها
جذبت الأوراق من بين أنامله قائلة بإصرار:
_ لا ما فيش حاجة اسمها شغل ، فى حاجة اسمها جه وقت رزان و لازم تروح لها عشان مستنياك
هم ليتناول الأوراق من يدها لتبعدها الى الخلف قليلا و لكنه وجدها فرصة مثالية لترميم هذا الشقاق الفاصل بين علاقتهما ، ليومئ برأسه قائلا:
_ طب تمام رجعى الورق للمكتب و اوعى حاجة تقع
ولج غرفته التى يتشارك فيها مع رزان ، والتي تشهد على جميع لحظات الحزن و الفرح التى تعايشاها معا، الغرفة برونقها البسيط مزينة بأجمل الورود و أوفى أنواع الشموع العطرية ، يتلفت حوله يمينا و يسارا إلى أن توقف و قد تثبتت عيناه على مقبض باب المرحاض المتحرك ، حتى فُتِحَ الباب و خرجت عبره رزان التى كانت ترتدى فستانا حريريا من اللون الأحمر يبرز الكثير من مفاتنها ، تاركة لشعرها القصير العنان إلى ظهرها تضع بعضا من اللمسات على وجهها مما أخفى قليلا من تجاعيده الناتجة عن انفعالاتها المتزايدة يوما بعد يوم ، اقتربت منه بخطى ثابتة حتى صارت أمامه مباشرة ، رمقها بتفحص قبل ان يمسك بعنقها برقة قائلا بافتتان:
_ وحشتيني اوى يا رزان
أدارت وجهها إلى الناحية الأخرى متحاشية نظراته الثاقبة ، تحاول إخفاء معالمها المقتضبة عن مرآه ، تحاول جاهدة كبت رغبتها فى توجيه إصبع الاتهام إليه ، بينما استطاع هو ببراعة قراءة ما تقول ملامحها دون ان تنطق شفاهها حيث يمرر أصابعه على وجنتيها مُزيدا من إدارتها لوجهها حيث لا تود للمساته ان تقربها اليوم ، أغمض عينيه للحظات محاولا التفكير بجملة ابتدائية يفتتح بها مجالا للحديث بينهما ، فعلى خلاف كل المرات يشعر بكونها غريبة عنه لابد من اختيار ألفاظ منمَّقة عند الكلام معها و هى زوجه التى كانت تحتويه و تفهم ما يقوم به من اللحظة الأولى ، و لكن مع دخول زينة اختلف الأمر بحيث صارت عمياء عن قراءة عينيه و صدقهما ، فتئ يقول بحزن يعاتبها:
_ من أمتى بتعاملينى بالقسوة دى يا رزان؟ ، مش انا برضه جوزك حبيبك اللى ماتقدريش تستغنى عنه؟! ، يبقى ازاى كنتى بتشكى فيا للدرجة دى؟!
أدارت بصرها صوبه و قد شعرت بكونها فى خطر أمام نظراته الشاكية ، حدجته بنظرات مبهمة بينما أكمل هو بجمود:
_ انا عارف كويس إن اول حاجة فكرتى فيها هى الاسطوانة اللى معاكى عشان لو فكرت أخلى زينة معايا تهددينى بيها، صح؟!
انزلت بصرها ارضا و قد أخذت تنقل عينيها يمينا و يسارا من فرط توترها و قد أيقنت أنه كشف أوراقها حيث تقول بنبرة يعلوها الغضب:
_ مش مهم انت عرفت ولا لأ ، المهم تكون عارف اى اللى خلانى اعمل كدة