فاتورة الدلع الزائد الجزء الأول
قالت بصوت مخنوق بالد.موع: “أنا مش هسألك قصرت في إيه.. أنا هسأل نفسي كنت معمية في إيه؟”
ساد صمت تقيل، عمر قام من مكانه ومشى ناحية الشباك، مديها ضهره وكأنه مش قادر يواجه انعكاس وجعها في عينيها. اتنفس بعمق وقال بصوت واطي بس حاد:
كانت الكلمات تخرج من فم عمر كأنها رصاصات باردة، تخترق صدر “نور” وتترك فجوات لا تند.مل.
عمر: “ماتعمليش فيها الضحيــ .ــة يا نور.. إنتي ماقصرتيش، بالعكس، إنتي كنتِ ‘كاملة’ زيادة عن اللزوم. البيت نظيف، الولاد متفوقين، الأكل بمواعيد.. بس أنا فين في كل ده؟ أنا بقيت مجرد ‘خانة’ في جدول حياتك المنظم. بقيت مكنة بتجيب فلوس عشان الكيكة تطلع مظبوطة والبيت يفضل يلمع.”
نور (بذهول): “بقى الإخلاص والتربية والبيت بقوا تهمة؟ عشان ريحتك وريحت عيالي بقيت مقصرة؟”
التفت ليها عمر بحدة): “نادية شافت ‘عمر’ اللي ضاع وسط الولاد والدوشة. نادية ما سألتنيش المصاريف كام ولا العيال عملوا إيه في المدرسة.. نادية سمعتني. كنت بروح عندها ألاقي الهدوء اللي مابقتش عارف ألاقيه هنا. أنا مش بنكر فضلك، بس أنا كنت محتاج ‘ست’ تحسسني إني لسه مرغوب، مش مجرد مدير لشركة اسمها البيت.” روايات.هالة.القمر
نور (بضحكة مقهورة): “وهي ‘نادية’ اللي هتديك الإحساس ده؟ اللي باعت ثقة قريبتها ودخلت بيتي بتتسحب؟ دي مش حب يا عمر، دي كانت بتصطاد في مية عكرة وأنت كنت الطعم السهل.”
عمر (بجمود يداري به ند.مه): “سميها زي ما تسميها.. اللي حصل حصل. أنا ماقللتش منك، ولا هقلل من حقوقك. بس أنا من حقي أعيش اللي باقي من عمري لروحي أنا، مش للواجبات اللي خنقتني.”
لم تستطع البقاء ثانية واحدة في غرفتها التي باتت تفوح منها رائحة الخـ,ـيانة. وفي لحظة انهيار كلي، لملمت شتات نفسها، وبسرعة البرق جمعت بعض ثيابها، وأيقظت أطفالها وهم في حالة من الذهول.
نور (وهي شايلة شنطتها وماسكة عيالها): “يا خسارة السنين يا عمر.. كنت فاكرة إني بنيت قصر، طلعت ببنيلك (مقبـ . ـرة) لكرامتي.. نادية مبروكة عليك، بس افتكر.. اللي بيسيب الأصل عشان التقليد، بكرة يرجع يدور على الأصل ومايلاقيهوش.”
وصلت نور إلى باب بيت والدها في ساعة متأخرة. كانت ترتجف كعصفور بلله المطر في ليلة شتاء قاسية. بمجرد أن فُتح الباب ورأت وجه أبيها “الحاج صالح”، انهارت تماماً. لم تنطق بكلمة، بل ارتمت في حـ,ـضنه وأطلقت صرخة مكتومة هزت أركان البيت.