رقصة على حطام القلب، هاجر عبدالحليم

الحلقة الاولي

هاجر عبدالحليم
كانت الشمس تقلي الإسفلت قليًا، حتى بدا الشارع كأنه صفيحة نار ممدودة على آخرها.
اختلطت رائحة زيت المخرطة برائحة السمك المشوي والعرق الآدمي، فصار الهواء نفسه ثقيلًا، خانقًا، يلتصق بالوجوه كطبقة من الشحم.
وصوت حجر الجلخ، وهو ينهش الحديد، كان ينهش معه أعصاب حارة المكسّر كلها.
في قلب الورشة وقف جاسر المخرطة.
ثلاثة وثلاثون عامًا فقط، لكنها بدت على ملامحه كأنها سبعون.
الزمن، والزيت، والشحم، والحزن… جميعهم حفروا أخاديدهم في وجهه.
كان طويلًا، عريض المنكبين، كتفاه تصلحان لحمل حارة بأكملها، وذراعاه مشدودتان بعروق نافرة كأنها حبال.
يرتدي أفارولًا كحليًا كان نظيفًا في الصباح، أما الآن فقد صارت بقع الزيت عليه خريطة سوداء ممزقة.
وعيناه… سوداوان على نحو يثير القلق؛ سواد لا يلمع فيه نور، بل يسكنه شيء ميت منذ خمس سنوات ولم يجد من يدفنه.
كان يسنّ سكينًا كبيرة فوق الحجر.
سكين جزار.
والشرر المتطاير يرتطم بوجهه وذراعيه، وهو لا يرمش، كأنه يتعمد أن تحرقه النار الخارجية لعلها تطفئ النار التي تستعر داخله.
اندفع إليه الصبي بليه، رفيع الجسد، ملوث الوجه بالشحم، يلهث:
بليه: “يا معلم جاسر مالك سرحان كدا؟… الست أم فتحي بتسأل على المفتاح وروشت دماغي اقولها اي؟
لم يرفع جاسر عينيه عن السكين، وقال ببرود جاف:
جاسر: “قولها لما أخلص… مش فاضي لهري الحريم دا.”
تردد الصبي لحظة، ثم حك رأسه بتوتر:
بليه: “يا معلم في حوار حصل وانا شامم ريحة مش ولا بد وحاسس انه في كارثة هتحصل؟… ع الدوغري لقيت عربية واقفة ع أول الحارة. بقالها ساعة. إزازها أسود… وماحدش نزل منها. انا هارش انه الموضوع في واحدة ست عربية نوع فاخر شكلها كدا ملاكي”
توقف الحجر لحظة تحت يد جاسر.
رفع عينيه ببطء، وعقد حاجبيه.
جاسر: “ملاكي؟ في المكسّر؟ غريبة دي شكلك بتهيألك وأحلامك اللي بتشوفها كل يوم لحست دماغك فوق ياض”
بليه: “لا يامعلم انا فايق وربنا وعارف كويس انا بقول اي العربية شكلها مش من هنا
ظل جاسر ساكنًا لثانيتين، ثم هز رأسه بعصبية:
جاسر: “سيبك منها. وتعالي اشتغل”
أعاد السكين إلى الحجر، لكن يده لم تعد ثابتة كما كانت.
ثقل غامض استقر فوق صدره.
منذ الصباح وهو يشعر بأن مصيبة تتقدم نحوه… مصيبة لها نفس رائحة ذلك العطر الرخيص الذي كانت تضعه…
هي.
……
قهوة عم سيد — أول الحارة
على القهوة، كان الرجال موزعين فوق الكراسي الخشبية كأنهم جزء من المشهد اليومي للحارة.
الحاج عطية الجزار، بكرشه المتقدم وسلاسله الذهبية التي تلمع فوق صدره، أمسك كوباية الشاي ونظر ناحية السيارة المتوقفة.
الحاج عطية: “شايف يا سيد العربية دي؟”
نفث عم سيد دخان الشيشة ببطء، وعيناه لا تفارقانها.
عم سيد: “شايف… ومن ساعة ما وقفت وقلبي مش مطمن.”
تدخل رجل من الجالسين وهو يميل للأمام:
رجل: “تلاقيها حملة ولا ضرايب.”
رمقه الحاج عطية باستهزاء، ثم قال:
الحاج عطية: “ضرايب مين يا أهبل؟ دي عربية فيها حريم… استنى الباب هيفتح. أهو.”
وبالفعل…
انفتح الباب الخلفي ببطء.
نزل أولًا كعب أسود رفيع، انغرس في تراب الحارة المشبع بالزيت.
ثم ظهرت عباءة سوداء حريرية، ضيقة عند الخصر، منسدلة باتساع من الأسفل، تلمع تحت الشمس كأنها بقعة حبر.
ثم نزلت هي.
غزل بنت الحاج نصار.
ثمانية وعشرون عامًا، لكن من يراها يقسم أنها تخطت الخامسة والثلاثين.
خمسة أعوام مرت عليها كخمسين.
شعرها الأسود الكثيف منسدل حتى منتصف ظهرها، لم يغزُه الشيب، فالحزن لا يبيض الشعر… بل يحرقه من الداخل.
وجهها كان يومًا قمراً يفيض حياة، أما الآن فهو قمر مخسوف.
عيناها محوطتان بكحل طبيعي، لكن خلفهما سهر ودموع وليل طويل.
وشفتاها حمراوان بطبيعتهما، إلا أن الجفاف شققهما كما شققها القهر.
في عنقها سلسلة ذهبية ثقيلة، يتدلى منها اسم “نصار” مكتوبًا بالخط العربي.
آخر ما تبقى لها من أبيها.
كانت تحمل بيمينها حقيبة صغيرة، وبشمالها تمسك يد طفل.
طفل في الرابعة من عمره.
يونس.
نسخة مصغرة بصورة مرعبة من رجل يقف الآن في المخرطة.
نفس العينين السوداوين.
نفس عقدة الحاجبين.
ونفس الملامح الصلبة التي ستزداد وضوحًا حين يكبر.
تجمدت الحارة.
الشيشة توقفت في فم عم سيد.
وكوب الشاي ثبت في يد الحاج عطية.
حتى بائع العرقسوس أفلتت الصينية من يده فاصطدمت بالأرض.
تعالت الهمسات كطلقات متتابعة:
صوت امرأة: “يا حفيظ يارب اللهم احفظنا من البت دي… غزل؟ غزل رجعت ياناس الحارة هترجع نجسة تاني دا احنا م صدقنا نضفت من اشكالها؟!”
رجل: “جايلها قلب ازاي تيجي للحارة تاني بس؟
طفل صغير: “ماما… هي دي الرقاصة اللي بتحكيلي عليها كل يوم اللي قتلت ابوها وخانت خطيبها؟”
صفعته أمه على فمه بسرعة:
الأم: “اتكتم يامفضوح واخرس دلوقت!”
لكن غزل لم تلتفت يمينًا ولا يسارًا.
كانت عيناها مثبتتين على بيت أبيها… البيت المغلق منذ خمس سنوات بجنزير وقفل أكلتهما الصدأ.
البيت الذي مات فيه أبوها… واتهموها هي بموته.
كانت تمشي بخطوات ثابتة، وكعبها يضرب الأرض بقسوة.
كل طرقة منه كأنها مسمار يُدق في صدر الحارة.
شد يونس على عباءتها وهمس بخوف:
يونس: “ماما… الناس دي بتبص لنا ليه نظراتهم عاملة زي الأسد الجعان؟ هما خايفين مننا ولا اي شكلنا مرعب يعني ولا هما هيأذونا؟”
خفضت رأسها إليه قليلًا، وصوتها خرج هادئًا لكنه حاد:
غزل: “لا يا قلب ماما… مش خايفين مننا. خايفين من الحقيقة اللي جاية معانا… ومش مستعدين يسمعوها.”
رفع الطفل حاجبيه الصغيرين بحيرة:
يونس: “حقيقة إيه دي ياماما؟”
انقبض فكها، وتيبست شفتاها، لكنها لم تجبه.
هنا اندفع عم سيد ووضع الطاولة الخشبية في طريقها:
عم سيد: “امشي من هنا يابنت نصار الحارة مش عايزاكي وميشرفناش وجودك وسطنا حلي وروحي م طرح م جيتي مش ناقصة وساخة؟.”
توقفت غزل.
رفعت عينيها إليه لأول مرة.
وكانت النظرة كافية لتجعله يتراجع نصف خطوة دون أن يشعر.
غزل: “وساخة؟”
ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة، ثم قالت وهي تشير بإصبعها للأرض:
غزل: “الوساخة اللي بتتكلم عنها يا عم سيد… مدفونة تحت رجليك ف كل شبر ف الحارة. وإنت عارف. كلكم عارفين… وساكتين وسايبين لسانكم ينهش فيا بالباطل.”
ضرب الحاج عطية كفه في كفه وصاح:
الحاج عطية: أبوكي مات بحسرته بسبب فضيحتك انتي مجرمة ومكانك السجن!”
استدارت إليه غزل ببطء، وعيناها تقدحان شررًا.
غزل: “أبويا مات بس\كينة في ضهره… في مخزنه… ليلة فرح فاطمة أخت جاسر. وانا عمري م اقتل ابويا ولا اكون سبب ف وجعه ولا ذله ابدا”
شهقت الحارة كلها دفعة واحدة.
تقدمت خطوة، وصوتها علا:
غزل: “انا مكنتش موجودة معاه وقتها ولما رجعت لقيته سايح في دمه. بدل ما تدوروا على اللي قتله عشان ياخد جزاءه جايين تحاسبوني انا ع المشاريب… لبستوني تهمة متخصنيش لا من قريب ولا من بعيد. ”
ثم أشارت إليهم جميعًا بنظرة ازدراء:
غزل: القاتل لسه قاعد وسطكم. بيشرب شاي معاكم. وبيصلي الجمعة وعامل نفسه شيخ وبيخاف ربنا. يقتل القتيل ويمشي ف جنازته بكل بجاحة.”
ساد صمت ثقيل، كأن الحارة ابتلعت لسانها.
وتركتهم غزل… ومشت.
مخرطة جاسر
جاء بليه يركض كالمجنون، يتعثر في قدميه.
بليه: “يااا معلم! يا معلم جاسر! الحق!”
انتفض جاسر بعصبية:
جاسر: “ما تنطق يا زفت!”
ابتلع الصبي ريقه وقال بصوت متقطع:
بليه: “الست اللي في العربية… دي غزل! بنت الحاج نصار! رجعت… ومعاها عيل صغير ومش عارفين دا ابنها ولا لا بس بيقولها ياماما تفتكر خلفت ف الحرام يامعلم يطلع ابن مين دا؟!”
في تلك اللحظة…
توقف الزمن.
هدأ الحجر.
وسقطت السكين من يد جاسر على الأرض المعدنية بصوت حاد.
رفع رأسه ببطء شديد، كأن الكلمات لم تدخل عقله بعد.
جاسر: “إنت بتقول إيه؟”
بليه: “والله العظيم يا معلم! هناك اهي سمعت اهل الحارة مشكل كلام اد الشوال شوفتها. رايحة على بيت أبوها. ابقى الحقها يامعلم”
خرج جاسر من الورشة.
قدماه لا تحملانه، ومع ذلك كان يمشي.
كل خطوة كانت كأنها عبور فوق خمس سنوات من الغياب والقهر واللعنة.
ثم…
رآها.
خمسة أعوام وهو يحلم بهذه اللحظة ليقتلها.
وخمسة أعوام أخرى يحلم بها ليضمها إلى صدره.
شعرت غزل به.
استدارت.
والتقت العينان.
هو: نار، وحديد، وليل ثقيل.
هي: كسر، ودموع، وعباءة سوداء.
عشر ثوانٍ كاملة مرّت… كأن العمر كله انضغط فيها.
نزلت غزل يونس إلى الأرض، وضغطت على كتفه الصغير.
غزل: “بص يا يونس دا جاسر”
رفع يونس عينيه إلى جاسر.
تأمله بفضول.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *