بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم ضرتي الجديدة بقلم نرمين عادل همام بس الليلة دي مكنش فيها حاجة ماشية زي ما هو راسم في خياله خالص. فضل كريمجنب دينا، حاطط إيده علىها ليرينا حملها ، ومبتسم بثقة وعامل فيها بطل وداخل يعلن انتصاره قدام الكل. وكانت حماته أول واحدة تنطق كريم يا ابني إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ شد دينا ناحيته أكتر وقال بنبرة تحدي الكلام ده معناه إني مبقتش عايز أمثل دور مش دوري تاني خلاص.. دينا مراتي وهي حامل مني. وأنا من حقي أكون مبسوط وأعيش حياتي. كلمة مبسوط دي لفّت ورنّت في الصالة كلها بس جوايا أنا، طلعت ضحكة صامتة. مش ضحكة فرح ولا شمتة لأ، دي كانت ضحكة باردة جدًا زي اللحظة اللي الحقيقة بتبان فيها قدامك فجأة بوضوح، ومتبقاش محتاج تسأل نفسك هو أنا مكبرة الموضوع ولا لأ. أبويا حط كوباية الشاي على الترابيزة بهدوء زيادة عن اللزوم يقلق. أمي بصّت لي من طرف عينها، ووشها خطفه اللون كأنها مستنية مني أنهار، أو أترجاه يرجع لي، أو أجري أستخبى في الحمام وأنا مكسورة ودموعي مغرقاني. بس أنا معملتش أي حاجة من دي. مسكت المنديل القماش اللي كان على رجلي، ومسحت طرف شفايفي بمنتهى الهدوء وقمت وقفت على طولي. عندك حق يا كريم قلتها بنبرة هادية خلت كذا حد يلف ويبص لي باستغراب التمثيل ملوش أي لازمة ولا عازة الليلة دي فعلاً. لمحت لمعة انتصار مريضة في عينه افتكر إني بسهلها عليه وبستسلم. حتى دينا رفعت راسها لفوق شوية، بفخر، وكأنها شايفة إنها خلاص انتصرت وخدت مكاني. مسكينة مكنتش فاهمة إن الكرسي نفسه مكنش هو الجايزة اللي تتباهى بيها. الظرف كان لسه قدامي على الترابيزة جنب كوباية المية اللي ملمستهاش من ساعة ما قعدنا. مسكته بين صوابعي ببرود. كنت ناوية أستنى لحد ما نحلي كملت كلامي بس بما إنك قررت تخلي العشا ده عرض رسمي ومسرحية، يبقى الأحسن كلنا نتعرف على الضيف الحقيقي والمميز بتاع الليلة دي. كريم حواجبه عقدت وقال بزهق يا إيمان، بلاش تعملي مشاكل وتفرجي علينا الناس. بصيت له وكنت مستغربة بجد. الراجل اللي جايب مراته الجديدة وحامل منه، وفاتح الموضوع كله بتبجح قدام العيلة بيقولي أنا أهدى ومعملش مشاكل؟ متقلقش خالص المشكلة مش أنا اللي بدأتها ولا عملتها. أنا بس جبت الورق اللي يثبتها. طلعت شوية أوراق من الظرف حطيت نسخة قدام أبويا، وبعدين نسخة قدام أمي وبعدها مديت إيدي بورقة لوالدة كريم، اللي كانت إيديها بتترعش وهي بتاخدها مني. إيه ده يا بنتي؟ سألت بصوت واطي. دي الحاجة اللي كان المفروض ابنك كريم يفكر فيها كويس ويحسبها صح قبل ما يستخدم بيتي عشان يحتفل بطريقته القذرة دي. كريم قرب مني خطوة بغضب إيمان بصيت له في عينه وقلت بلهجة آمرة وحازمة اقعد مكانك. معلّيتش صوتي ولا صرخت مكنش فيه داعي لكل ده. ولأول مرة من يوم ما عرفته شفت التردد في عينه. مقعدش بس برضه مقدرش يقرب خطوة تانية ناحيتي. أبويا مسك أول ورقة قرا سطرين، وملامح وشه اتغيرت تماماً والدم هرب منها إيه ده؟! الكلام ده صح؟ أمي شدت ورقة تانية وقرتها وصوتها طلع مخنوق مستحيل مش ممكن يعمل كدة! دينا بصّت لكريم بتوتر وخوف وهو حاول يبتسم بتصنع ويلم الموضوع، بس كان باين إن وشه مشدود ومرعوب. إنتي عملتي إيه يا إيمان؟ بصيت له ببرود قاتل شغلي عملت شغلي مش أكتر. طلعت ملف تاني من الظرف، أرفع شوية ولونه فاتح. من تلات شهور لما لقيت رسايلك ليها، وقلت لي يومها بجاحة أنا بحبها ولازم ننهي كل حاجة بينا أنا مدخلتش معاك في نقاش ولا خناق. سكت لحظة وكملت وأنا بستمتع بمنظره وهو بينهار لأني فهمت حاجة مهمة أوي وقتها إنت مكنتش بس عايز تسيب الجوازة وتطلق إنت كنت عايز تخرج من هنا وتاخد معاك حاجة غالية أوي مش من حقك. رفع دقنه وحاول يبان قوي وقال بتوتر مفضوح أنا مش فاهم إنتي بتحوري وتتكلمي عن إيه أصلاً. بصيت له بثبات يهد جبال لأ إنت فاهم كويس أوي أنا قصدي إيه. ورفعت ورقة من اللي في إيدي لفوق عشان الكل يشوفها الأوراق مكانتش كتير بس كانت كفاية أوي وزيادة. كان فيه حاجات غريبة بتحصل في الشركة بقالها فترة. فواتير منفوخة على الفاضي، فلوس مدفوعة لناس محدش يسمع عنهم ولا يعرفهم، مصاريف تسويق ملهاش أي لازمة ولا عائد ومن ساعة ما الست دينا دي ظهرت، الحاجات دي بقت أضعاف الأضعاف. دينا جمدت مكانها والدم هرب من وشها. أنا.. أنا مش اسمي فيفي. ابتسمت ببرود وهدوء يغيظ طبعًا لأ النهارده ودلوقتي اسمك دينا. بس في قسم التسويق كنتِ مسمية نفسك فيفي. وعند المورد الوهمي كونسبتو أوربانو إم إكس كنتِ قريبة المدير وواخدة عمولات وبالنسبة لكريم، واضح إنك كنتِ المستقبل المشرق بفستان أحمر وبطن مثالية. الصمت نزل على الصالة فجأة زي الصاعقة. كريم بصّ لي بنظرة حادة وغل، كأنه عايز يخترقني ويخلص عليّ بسبس عينه. إنتي أكيد مجنونة ورسمي كمان. لا أنا جاهزة ومستعدة تماماً. أبويا كان لسه بيقرا في الورق ومصدوم وأمي بصالي بنظرة غريبة، خليط بين الصدمة والفخر اللي كان مختفي من سنين وتاني رجع. بصيت لكريم وقلت بكل ثقة قبل ما نمضي وصلات الطلاق، أنا نقلت ملكية الفيلا دي لشركة ديزاين لاين كأصل منفصل تماماً. مابقاش ليك أي حق فيها ولا حتى شبر بس دي تقريبًا أبسط وأهيف حاجة حصلت الليلة دي. وحطيت ورقة تانية في إيده بغرور. مسكها تلقائي من الصدمة قراها ووشه اصفر وازرق وبقى ألوان. لا مش ممكن! لأ بلى وممكن ونص. تدقيق مالي كامل وشامل توقيعك، دخولك على السيستم، رسايلك، مقابلاتك المشبوهة برا المواعيد مع المورد الوهمي والأجمل بقى والاكسسوار الأهم؟ الخاتم الألماظ اللي ثمنه ٣ مليون جنيه ده أول دفعة منه اتدفعت من حساب الشركة وتحت بند مصاريف تمثيل. أم كريم طلع منها صوت مكتوم كأنها بتنازع. أبوه وقف فجأة وهو بيزعق بصوت عالي كريم! قول لي إن الكلام ده كدب ومش حقيقي! دينا أو فيفي رجعت خطوة لورا وهي مرعوبة إنت قلت لي إن الخاتم ده من فلوسك وتعبك! كريم لف لها بعصبية وغل اسكتي خالص دلوقتي! مش هسكت! صرخت في وشه إنت قلت إن كل حاجة متظبطة ومأمنة تماماً، وإنها مجرد اسم على الورق وخلاص وإنك إنت اللي ماسك كل حاجة في إيدك! همهمة وخوشوشة خفيفة انتشرت وسط الموجودين كلهم. ابتسمت بسخرية وشماتة خفيفة اهو الجشع والطمع دايمًا بيكشف صاحبه لوحده في الآخر مهما استخبى. أخويا الصغير، اللي كان ساكت طول الوقت وبيتفرج، ضحك ضحكة ناشفة ومستهزئة جايب مراته الجديدة يعلن حبه ويفاخر بيها بخاتم متدفع من فلوس الشركة. مستوى واطي ومحترم جدًا بصراحة. كريم بص له بحدة ووعيد. كملت كلامي وأنا ببص في ساعتي ببرود الساعة ٧ النهارده المحامي بتاعي قدم بلاغ رسمي للنيابة بتهم احتيال إداري، وخيانة أمانة، واختلاس أموال، وتزوير توقيع إلكتروني وكمان البنك والنيابة ومجلس الإدارة اتبلغوا رسمياً بكل حاجة. إيده سابت الورق من الصدمة وقع على الترابيزة. إنتي مش هتعملي كده مش هتقدري. طلعت موبايلي، فتحته، ووريته الرسالة اللي وصلتني البلاغ اتقبل ومشي في الإجراءات والحسابات البنكية كلها اتجمدت. بصيت له بثبات وتحدي أنا عملت كده فعلًا وخلصت. وشه بقى فاضي وخالي من أي تعبير غير الرعب في لحظة، اختفى الشخص الواثق من نفسه، اللبق والمقنع ومبقاش قدامي غير راجل متوتر، مرعوب ومحاصر بالحقيقة العارية. أبوه قعد على الكرسي تقيل ومهموم وأمه بدأت تعيط وتلطم يا ابني عملت إيه في نفسك وفينا؟ كريم حاول يتمالك نفسه ويصطنع القوة ده كله كدب وتلفيق هي بتلفق لي التهم دي عشان مش قادرة تستحمل صدمة إني سيبتها واتجوزت عليها. الجملة عدت عليا بهدوء وبرود خلتني أحس بشفقة وسخرية خفيفة مش عليه طبعاً، على ضعف المحاولة الهبلة دي عشان يخلص نفسه. بصيت له وقلت بهدوء نرفزه وعصبه أكتر كريم إنت جبت مراتك الجديدة الحامل على عشا عيلتي وبيتي عشان تجرحني وتكسر عيني قدامهم أقل حاجة كنت ممكن تعملها دلوقتي، إنك تطلع من الموقف ده بشكل أذكى وأشيك من كده بكتير. دينا بصّت للخاتم اللي في إيدها كأنه بقى تقيل فجأة عليها وعايزة تخلص منه. احتيال؟ همست لنفسها برعب إنت دخلتني في مصيبة وموضوع زي ده؟ حاول يمسك دراعها عشان يهديها هي سحبت إيدها ونفضتها بسرعة كأنها مسمومة. وده فاجأني شوية بصراحة. مش علشان هي قوية وبتقدر تدافع عن نفسها بس علشان دي أول مرة حد يسيبه وينفض له قبل ما هو يسيب ويغدر بيه في اللحظة دي، أبويا قام وقف ببطء، وبهدوء تقيل يوزن بلد. أبويا مش من النوع اللي بيتكلم كتير، بس لما بينطق الكل لازم يحط جزمة في بقه ويسمع. بص لكريم بنظرة كلها احتقار وقال قدامك دقيقتين بالظبط تخرج من البيت ده قبل ما أطلعك بإيدي مرمي برا. كريم بلهجة مهزوزة يا فندم اسمعني بس… ما تنادينيش كدة واخرس خالص! أبويا قطع كلامه بحدة وهو بيشاور بصباعه على الباب إدّيناك لقمة، وثقة، واعتبرناك واحد من العيلة وإنت فاكر إنك تيجي ترمي قذارتك دي في وشنا وتمشي؟ اطلع بره! أم كريم انهارت وبقت تشهق من العياط سامحينا يا إيمان يا بنتي والله العظيم ما كنا نعرف حاجة بصيت لها ولأول مرة من سنين، مكنتش شايفاها شريكة في اللي عمله، كنت شايفاها مجرد ست متعودة تغمض عينيها وتسيب غيرها يسوق حياتها ويوديها في داهية. قلت لها بأسى أنا عارفة إنكم مكنتوش تعرفوا ودي في حد ذاتها أكبر مشكلة. كريم فقد أعصابه وخبط بإيده على الترابيزة بغل الموضوع مش هيخلص بالبساطة دي! بصيت له في عينه ومكنتش حاسة بأي ذرة مشاعر ناحيته. لا حب، ولا كره، ولا حتى حنين لأيامنا. هدوء غريب سكن جوايا زي الهدوء اللي بييجي بعد عاصفة دمرت كل حاجة، وبقت الأرض مستوية وفاضية الهدوء اللي بتفهم فيه إنك مبقتش الشخص اللي دخل العاصفة دي من أساسه. لأ يا كريم الموضوع خلص فعلاً وبالشكل ده بالظبط. لا بيت ولا شركة ولا مليم من فلوس الشركة وفوق كل ده بلاغ في النيابة مفتوح ومستنيك. وأنا هكمل أكلي عادي جداً. الكلام خرج مني ببرود أنا نفسي استغربته، مكنش رغبة في الانتقام كانت مجرد حقيقة واقعة. أمي طلعت نفس خفيف حاجة كدة بين التنهيدة والضحكة المتوترة، كأنها مش مستوعبة إزاي الدنيا اتقلبت في ثانية واحدة كدة. أبويا قرب خطوة واحدة من كريم والخطوة دي كانت كفيلة تنهي الحوار. كريم رجع لورا بخوف. ولأول مرة شفت في عينه حاجة غريبة عليه مش غرور ولا عصبية شفت رعب. رعب واحد فهم متأخر أوي إنه مخسرش مجرد ست كانت بتحبه ده خسر كل حاجة كانت سانداه في الدنيا. دينا قلعت الخاتم بعنف من إيدها ورمته على الترابيزة بصوت رن في المكان وقع جنب الورد اللي أنا كنت مختاراه الصبح بكل حب، ومكنتش أعرف إنه هيشهد على سقوطهم. أنا مش جاية معاك في حتة! كريم لف لها بذهول وعصبية بعد كل اللي عملته عشانك؟! ضحكت ضحكة مكسورة ومنطقية عشاني؟! ده حتى الفلوس اللي كنت بتصرف منها طلعت مش فلوسك! الجملة دي كانت رصاصة الرحمة. مش عشان جرحت رجولته بس لأ عشان كشفت كدبه قدام الكل. كل التمثيل والصورة المنفوخة اللي كان راسمها لنفسه وقعت واتفصصت في ثانية. الحقيقة المرة مخرجتش مني أنا المرة دي دي خرجت من أقرب حد ليه. أبويا نادى على الأمن. دخلوا اتنين في ثواني وقفوا على الباب من غير ولا كلمة كأنهم حاسين إن الليلة دي مش عادية. كريم بص علينا واحد واحد كان بيدور في عينينا على أي حد يقف جنبه، أي ثغرة ينقذ بيها نفسه من الضياع. ملقاش. حتى الصمت اللي في الصالة كان ضده. مد إيده لدينا بضعف، مسك دراعها كأنه بيتشعلق في آخر قشة فاضلاله بس هي نفضت إيدها منه بمنتهى القسوة. وخرج لوحده. من غير ولا كلمة ولا تبرير ولا حتى تهديد تافه لف وخرج وهو حاسس إن الأرض بتسحب من تحت رجله. سمعت صوت دينا برا في الجنينة وهي بتصرخ فيه بتجري وراه يمكن بتطالبه بتفسير، أو بتحاول تلحق أي مصلحة فاضلة أو يمكن بس اكتشفت إن رهانها كان خسران من البداية. آخر حاجة شفتها طرف فستانها الأحمر وهو بيبعد وسط الورد وكأن الستارة بتقفل على مسرحية هزلية. الباب اتقفل وكل حاجة سكتت. سكون تقيل بس مش فاضي سكون مليان بكل اللي حصل. بصيت حواليا الترابيزة اللي قعدت أسابيع أرتب فيها بقت شاهدة على نهاية جواز، وسقوط راجل، وبداية طريق جديد لسه ملامحه مش واضحة بس أكيد أنضف. أمي كانت أول واحدة تتحرك قربت مني براحة كأنها خايفة تلمسني فأنهار. حطت إيدها على وشي بحنية إنتي كويسة يا بنتي؟ سؤال بسيط بس المرة دي وجعني بجد. فكرت أقول لأ فكرت في السنين اللي ضاعت في كل مرة كدبت فيها عيني عشان أصدقه في كل إشارة واضحة طنشتها عشان المركب تمشي. فكرت في الخاتم اللي بقى حتة حديدة ملهاش قيمة في الإهانة والوجع. بس فكرت في حاجة تانية أهم إني ماتهزمتش. إني واجهت الحقيقة ومرمشتش إني حميت نفسي، وشغلي، واسمي. إني مكنتش الضحية الغلبانة اللي كان راسمها في خياله. وإنه لما جه يكسرني هو اللي اتدشدش مية حتة. خدت نفس طويل وعميق وحسيت براحة غريبة. راحة حد أخيراً قلع حمل تقيل كان شايله على كتافه وهو مش حاسس. بصيت لأمي ولأبويا وللبيت وفهمت إن النهاية دي مكنتش خسارة أبداً. دي كانت البداية الصح. دلوقتي أيوة يا ماما، أنا كويسة جداً. تمت