في كنف الشيخ الجزء الثاني
وكان أحياناً بيصاحب الجدة عشان تشربه لبن الإبل الطازج اللي بقا بيعشقه. وفي يوم من الأيام، وهي واقفة قدام خيمتها بتبص على ياسين وهو بيجري ويلهو، لاحظت انه جاي حصان عربي أصيل لونه أبيض، راكبه راجل شماغه وعقاله الأسود فوق راسه، وبهيبته وطوله الرهيب؛
ده “الشيخ”. الحصان وقف بهدوء قريب من الساحة اللي العيال بتلعب فيها. قلبها خاف على ابنها، وهمت تجري عليه، بس وقفت فجأة متسمرة مكانها أول ما شافت حاجة ما كانتش متوقعاها خالص من الراجل القاسي الناشف ده.
الشيخ نزل من على الحصان بخفة، ووقف يراقب الصغير ياسين وهو بيقرب منه من غير أي خوف أو رعب، وباصص للحصان بعيون منبهرة وبتلمع. الشيخ انحنى بطوله على ركبتيه عشان تكون عينه في مستوى راس الصغير، ومد إيده الكبيرة اللي شايلة حتة حلوة بدوية مسكرة، وقال بصوت خشن بس هادي وخالي من أي قسوة: — كيف حالك يا بطل؟
عساك مبسوط بوسط هالديرة؟ ياسين خد الحلوة بابتسامة بريئة وواسعة، وقال ببراءة العيال وبلفظه المصري الواضح: — أنا مبسوط قوي هنا يا عمو.. وفي حصان أبيض حلو خالص! ظهرت على جنب شـ,ـفايفه ابتسامة خفيفة وقليلة الحدوث، ما لمستش عينيه الحادتين، بس غيرت ملامحه الناشفة لحاجة تانية أكتر دفى.
الشيخ مسح برقة على راس الصغير وقال بصوته الخشن: — هذا الحصان يصير لك لو كبرت وبقيت راچل ينشد فيه الظهر.. دير بالك على أمك زين، وما تخليها تحزن. وهي كانت واقفة من بعيد بتتفرج على المشهد الصغير ده، فدخل جوه صدرها إحساس غريب وعكس بعضه؛
خلطة عجيبة من الرهبة، والإعجاب اللي مخبياه، والامتنان اللي متلخبط بالغضب؛ إزاي راجل بالقسوة والسيطرة دي يلين كده قدام طفل صغير ما يخصوش غير إنه ابن ابن عمه اللي مـ,ـات؟ بس السر الحقيقي ما كانش في قسـ,ـوة الشيخ ولا عطفه المفاجئ، ده كان في أسرار الليل اللي بدأت تبان قدامها حبة حبة.
في ليلة من الليالي المتأخرة، وبعد ما كل حاجة هديت في القبيلة والكل نام، صحت على صوت حركة خفيفة ورا بعضها بره خيمتها. طلعت بحذر شديد، وطلعت راسها من فتحة الخيمة عشان تشوف في إيه.
الدنيا كانت ضلمة خالص، ومكانش منور المكان غير ضوء القمر الباهت النار الصغيرة اللي لسه متبقية في كام موقد. شافت مجموعة من رجالة القبيلة، لابسين لثام أو عبايات غامقة، بيتحركوا بحذر شديد وبسكات تام ناحية أطراف المنطقة الجبلية البعيدة.