كبرياء الهواري مايا خالد

ليل نجع الهوارة كان دايمًا هادي، بس في جناح مصعب كانت الن,,ار قايدة من غير حطب.
​دخل مصعب الجناح وهو شايل حمل الدنيا فوق كتافه، رمى شاله على الباب وهو ناوي يفرغ غله كله في صبا. بس أول ما خطى عتبة الأوضة، وقف مكانه. ريحة المكان اتغيرت.. مابقتش ريحة السجاير المكتومة والتراب، بقت ريحة “بخور عدني” وعطر هادي يخلي الأعص,,اب تسترخي غصب عنها.
​الأوضة اللي كانت عبارة عن “مخزن” لواحد عايش عشان يقتـ,ـل وبس، اتغيرت. السجاد مفروش بنظام، هدومه اللي كانت بتترمي بإهمال مترتبة فوق السرير، وصبا.. صبا كانت قاعدة على الكرسي الهزاز، ماسكة كتاب في إيدها، ولابسة جلابية بيت بيضا حرير، وساترة شعرها بطرحة خفيفة.
​مصعب بصلها وعيونه بتلمع بغض,,ب مكتوم:
— “مين اللي أذن لك تمدي يدك في حاجتي؟ ومين قالك إني عايز أشم الروائح دي هنا؟ أنا أوضتي تفضل زي ما هي، سامعة؟”
​صبا قفلت الكتاب بهدوء، وقامت وقفت قصاده. كانت أقصر منه بكتير، بس وقفتها كانت بتحسسه إنها هي اللي مالكة المكان:
— “حاجتك هي حاجتي يا ولد الهواري، والدار اللي مفيهاش ريحة ست، تبقى قب,,ر.. وأنا لسه حية، ومحبش أعيش في قبور.”
​قرب منها مصعب بخطوات سريعة لحد ما حاصرها بينه وبين الحيطة، حط إيديه الاتنين حواليها وسند على الحيطة، وهمس بصوت زي فحيح الأفاعي:
— “انتي بتلعبي بالن,,ار يا صبا.. فاكرة إنك لما ترتبي الأوضة وتفتحي البخور هنسى إنك بت المحمدي؟ هنسى إن دم أخوي في رقبة أهلك؟”
​صبا منزلتش عينها، بل بالعكس، قربت وشها منه أكتر لحد ما أنفاسهم اختلطت، وقالت بكلم,,ات تقطر ثقة:
— “مانسيتش.. وعمري ما هنسى. بس أنا هنا عشان أطفي الن,,ار دي، مش عشان أزودها. وبعدين يا مصعب.. أنت خايف من إيه؟ خايف ترتاح؟ خايف ريحة البخور تنسيك قسوتك وتفكرك إنك بني آدم؟”
​مصعب ق,,بض إيده على الحيطة بقوة لدرجة إن مفاصل صوابعه بيضت:
— “أنا مابخافش! واعرفي مقامك كويس.. أنتي هنا “سد خانة” وبس.”

​صبا رفعت إيدها وبمنتهى الجرأة حطتها على ص,,دره، ناحية قلبه، وقالت بصوت واطي ومبحوح:
— “لو كنت سد خانة، مكنش قلبك دق الدق ده كله أول ما شوفتني.. أنت “خايف” مني يا مصعب، خايف عشان أنا الوحيدة اللي قادرة أبص في عينك ومأغمضش، والوحيدة اللي قادرة تلمس الحتة اللي أنت حابسها جوه.”
​مصعب اتنفض كأن كهربا لمسته، مسك إيدها وبعدها عنه بعن,,ف، بس عينه كانت بتقول كلام تاني خالص.. كان فيها لمعة “رغبة” متخانقة مع “غل”.
​— “انزلي هاتيلي وكل (أكل).. وبلاش كتر حديد، ليلتك مش هتعدي لو فكرتي إنك ملكتيني.”
​صبا ابتسمت ابتسامة نصر خفيفة وهي ماشية ناحية الباب:
— “الوكل جاهز في المطبخ، ملوخية ناشفة بالتقلية اللي بتحبها.. أصل سألت أمك وعرفت إنك مابتاكلش غيرها لما تكون “مهموم”.”
​خبطت الباب وراها وسابته يغلي.. مصعب رمى نفسه على السرير، ودفن وشه في المخدة اللي كانت ريحتها “هي”.. ـ,ـضـ,ـرب السرير بإيده وهو بيشتم نفسه:
— “يا مري.. البت دي هتركبني وتدلدل رجليها ولا إيه؟ دي واكلة عقلي بلسانها!”
​الهدوء اللي كان في الجناح انقطع بصوت ضـ,ـرب ن,,ار حيّ زلزل أركان النجع. صرخات الرجالة بره وصوت الخيل وهي بتصهل خلى “مصعب” ينتفض من مكانه زي الفهد. سحب بندقيته الآلية من فوق الدولاب، وعمره ما كانت إيده بتترعش، بس المرة دي عينه جت على “صبا” اللي واقفة عند الباب.
​مصعب بصوت يرعب:
— “ادخلي جوه واقفلِي عليكي بالمفتاح.. “المطاريد” هجموا على النجع، ولو حد عتب عتبة الدار دي، اضـ,ـربي في المليان بالمسدس اللي في الدرج، سامعة يا صبا؟”
​صبا وشها شحب بس متهزتش، قربت منه ومسكت دراعه بقوة:
— “خلي بالك من نفسك يا ولد الهواري.. اللي يكسر القسوة بالحب، ملوش حق يمـ,ـوت دلوقت.”
​بصلها نظرة أخيرة، نظرة فيها وداع وخوف وحاجات كتير هو نفسه مش فاهمها، وجري لبره.
​المعركة كانت حامية، الرصاص زي المطر، ومصعب في نص الن,,ار بيضـ,ـرب بقلب ميت. فجأة، لمح خيال بيتحرك من ورا السور الداخلي للجنينة.. حد من المطاريد قدر يتسحب وعاوز يد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *