حماتي بقلم نور محمد الجزء الثاني

حماتي جاية ومعاها تورتة عشان تحتفل بـ “ترقية” ابنها وسفره، وهي مش دريانة إن ابنها باع شقتنا، ورماني أنا وعياله عشان يتجوز مديرته. بس يا دوب شافت كراتين العزال في الصالة، وملامحها اتقلبت ١٨٠ درجة.
كانت حماتي جاية مخصوص عشان تبارك وتفرح، وماكنتش تعرف خالص إن المحروس ابنها خد تحويشة عمرنا، وطفش عشان يعيش “اللايف ستايل” اللي بيحلم بيه مع واحدة تانية.
كان يوم خميس خنقة، ريحة التراب مالية المكان من كتر الكركبة. كنت قاعدة على الأرض بلم باقي هدوم ولادي “عمر” و”نور” في كراتين فاضية. عمر عنده خمس سنين وبيبكي طول الوقت عشان حاسس إن في حاجة غلط، ونور لسه بتتعلم المشي وماسكة في جلبية البيت بتاعتي اللي متبهدلة تراب. بقالي يومين ما دوقتش طعم النوم، عيني وارمة من العياط، وحاسة إن روحي بتتسحب مني بالبطيء، ومفيش فيا طاقة حتى أرد على تليفون.
وفجأة جرس الباب رن… لما فتحت، لقيت “الحاجة صفاء” حماتي واقفة بضحكتها اللي مالية وشها، لابسة عبايتها القطيفة السودا، والدهب بيلمع في إيديها، وشايلة علبة تورتة كبيرة من أغلى مكان في البلد، وفي الإيد التانية بالونات لعمر.
قالتلي بفرحة: “مفاجأة يا أم عمر! قلت أجي أحتفل معاكم بترقية محمود وسفره دبي، ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا فتحها في وشه أخيرًا.”
حسيت إن في سکينة تلمة بتدبح في قلبي. الحاجة صفاء ست ماشية بالبركة، بس ابنها عندها خط أحمر، هو دايماً الملاك اللي مابغلطش، ودايماً بتشوفه أحسن راجل في الدنيا.
وسعتلها الباب وأنا حاسة إن رجليا مش شيلاني، وقولتلها بصوت مقطوع: “اتفضلي يا طنط.”
أول ما دخلت الصالة، الضحكة اختفت من على وشها كأن حد كب عليها ماية ساقعة. شافت الصالة عبارة عن كراتين مرصوصة فوق بعضها، السجاجيد ملفوفة، والستاير متشالة، والبيت كأنه مهجور.
بصتلي باستغراب وقالت: “إيه الكركبة دي كلها؟ إنتوا بتدهنوا الشقة قبل ما يسافر ولا إيه؟ ومحمود فين، لسه ما رجعش من الشركة؟”
بلعت ريقي اللي كان أمرّ من العلقم، حاولت أداري دموعي اللي تاهت في عيني وقولتلها: “محمود مش راجع يا طنط… إحنا بنعزل.”
كشرت وقالتلي بنبرة كلها شك: “بتعزلوا؟ تروحوا فين؟ هو عشان اترقى وسافر هيسيبكم تقعدوا في مكان تاني؟”
قلبي كان بيدق بسرعة لدرجة إني كنت حاسة إنه هيقف. بصيت لعمر اللي كان مستخبي ورايا وخاېف من الصوت العالي، وقولتلها: “محمود مسافرش عشان شغل يا طنط… محمود باع الشقة دي من شهرين من غير ما أعرف، وسافر عشان يتجوز مديرته في الشغل… وإداني مهلة لأخر الأسبوع عشان أفضي الشقة للمالك الجديد.”
التورتة كانت هتقع من إيدها، حطتها على أقرب ترابيزة وهي بتترعش، وقالتلي بصوت مهزوز: “إنتي بتقولي إيه؟ ابني أنا يعمل كدة؟ يبيع شقة عياله ويرميهم؟ إنتي أكيد فاهمة غلط، أو بتتبلي عليه عشان مټخانقين!”
ما كانش عندي طاقة أصرخ ولا أدافع عن نفسي. مديت إيدي جوه جيب الجلبية، وطلعت ورقة متطبقة… “قسيمة الطلاق الغيابي” اللي وصلتني على إيد محضر أول امبارح.
فتحتها وحطيتها قدام عينيها وقولتلها: “دي وصلتني أول امبارح.. طلقني غيابي، وبعتلي رسالة مع المحامي بتاعه إن دي ‘فرصة عمره’ ومينفعش يضيعها، وإني لازم أتحمل النتيجة وأشوفلي مكان أعيش فيه.”
حماتي مسكت الورقة، إيديها كانت بتترعش وعينيها بتجري على الكلام. وشها جاب ألوان، وبدأت تتنفس بصعوبة وكأن الحقيقة بټخنقها. سكتت كتير أوي،

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *